قضايا فكرية

الحكايا الخرافية أُنشئت من هذا *

إلى: كين سارو-وِيْوَا (1941م-1996م) ..

بقلم- بين أوكري

ترجمة- ابراهيم جعفر

 

 

 

إذا أردتَ أن تعرفَ ما هو حادثٌ في عهدٍ، أو في أُمَّةٍ تبيّنَ ما يحدثُ لكُتّابها: مُنادُو البلاد. ذلكَ لأنّهم المقاييس السّيموغرافية التي ترصُدُ الزّلازل المحتومة في روح العصور. هل الكتّاب نائمون؟ إذاً العصرُ في حُلُمٍ. هل الكتّابُ محتفلون؟ إذاً الزّهور الأولى لعصرٍ ذهبيٍّ متواضعٍ باثَّةً عبيرها، خلالنا، إلى شواطئِ إمكاناتٍ مستقبليّة. هل الكتّاب صامتونَ صمتاً غريباً؟ إذاً العصرُ مُسْتَغْرقٌ في تدبُّرِ اضِّطراباتٍ شفرتُها ما فُكّت بعد. لكن حين يبلُغُكَ نبأ أنّ الكتّابَ قد اغتيلوا اغتيالاً ملغزاً، قد أُسكِتُوا، وأنَّ بيتهم قد أُشعِلَتْ فيها نيرانُ حرائقٍ غامضةٌ، وأنّ أكاذيبَ شاذّةَ قد قيلَت ضدّهم، أنّهم قد فزُّوا من بلدانهم، أنّهم يقيمونَ، على قلقٍ، في المنفى، وفوقَ جِماعِ ذلكَ أنّهم، فيما يَبْلُغُكَ النّبأ، قد قُضِيَ عليهم بالموتِ من قِبَلِ محاكمٍ لا عادلة، آنذاكَ تستطيعُ أن تتأكّدَ من أنّ التَّهلُكاتِ وشياطينِ الحربِ و”ملائِكِ” التّجزئة قد بدأوا، بالفعل، تنزُّلَهُم المفزع على دمِ و كَبَدِ ملايينِ النّاسِ اللذينَ يقطنون في تلكَ البلاد.

آنذاكَ تُدركُ أنَّ هواءَ تلكَ البلادِ قد اكتنزَ فساداً ورعباً وأنَّهُ لا مُطاقَ التّنفُّس. آنذاكَ تعي أنَّ حيواتِ ساكني تلكَ البلادِ عذابٌ وخسفٌ لا محتمل، وأنّ تربتها قد بدأت، بالفعلِ، تضع حصادها من الأجسادِ الميِّتةِ والنّباتاتِ الكارثيّةِ العبثية. آنذاكَ ستكونُ الحرِّيّةُ ميِّتةً في الحقول، والسُّلطةُ ذاتُها خاضعةٌ لحكمٍ كالحٍ بالموتِ.
الكاتبُ هو باروميتر العصر. الانتخاباتُ تُستَطاعُ أن تُخَرَّبَ، نتائجُها تُستَطَاعُ أن تُلغى على نحوٍ غيرِ ديمقراطيٍّ، والقُوَّاد الحقيقيُّون قد يُزَجُّ بهم في المنازلِ-السّجون المُنشأة في المقرّاتِ الرِّئاسية. النّاسُ يُستطاعُونَ أن يُرهبُوا ويُغصبُوا على القبولِ الخامدِ، على السّخريةِ المبطّنةِ، في سبيلِ سلامةِ أطفالهم وفي سبيلِ الطّعامِ. ثمَّ، رُغمَ كلِّ ذلكَ، يستطيعُ أولئكَ النّاس أن يستمِرُّوا في الحياةِ، مُبَارَكِيْنَ بقدرتهم اللاّمُصَدّقة على الانتظارِ حتّى يستهلكُ الزّمانُ السّقيمُ ذاتَهُ، حتّى تؤوبُ مواسمٌ أروعَ وحتَّى تُبْلِى الأرضُ استيقانات الطّغاة المتعجرفة.

لكنّ الكاتبَ، في احتقانِهِ باللاّمقبول، الذي يتنامى وينتفشُ في سُهاده وفي لا قدرته على الاصطبار بفعلِ الرّائحةِ الخالصةِ للعفَنِ في العصرِ، لا يستطيعُ إلاَّ أن يَفُضَّ الغطاءَ عن حكمةِ الانتظارِ، لا يستطيعُ إلاّ أن يَفصم، مؤقّتاً، عروةَ إيمانهِ عن حكمةِ الشّعبِ الذي رأى كثيراً جدّاً من الفظائع تجيءُ وتذهبُ، كثيراً جدّاً من المجاعاتِ تستهلكُ نفسها حتّى الموت، كثيراً جدّاً من الحروبِ تلتهمُ أطفالهُم ثمَّ تتلاشى، بالفعلِ، في مساحةٍ مُخَرَّبَةٍ ومهجورةٍ.
الكاتبُ يفضُّ الغطاءَ. الكاتبُ يصيحُ احتجاجاً على ما تفعلُهُ شركاتُ البترولِ بالأرضِ، ذلكَ الدّمار للبلاد. الكاتبُ يُصيحُ عالياً ضدّ المظالم التي تجري على سُبُلِ البلادِ ثمَّ– الآنَ– تنتثِرُ فيضاناتٌ على عبرَ الشّوارع والمسالك الجّانبية. الكاتبُ ينُوحُ بكلماتِ دمٍ على موتِ الدّيمقراطيّة، على بدءِ التّشرزُمِ والحربِ الأهليّة. الكاتبُ، أحياناً، يهجُرُ حتّى القلم، من بابِ إحباطٍ عظيمٍ، ويتَّخذُ وسائلاً أُخرى كي يُنذرُ ويُنبِّهُ إلى ما لم يَعُدْ هناكَ من سبيلٍ إلى قبُولِهِ. فالكتّابُ، آنذاكَ، يصيرون فاعلين إنسانيين، يصيرونَ جنوداً أو ينجذبُونَ إلى السِّياسةِ كامتدادٍ لسخطهم المحبِّ.
ذلكم لأنَّ الحبَّ هو، أساساً، ما نتحدّثُ عنهُ هنا. حبُّ الحياةِ الأفضلِ التي بوسعها أن تكونَ حقيقيّةً لكلِّ النَّاسِ. حبُّ إمكاناتِ المستقبل العظمى التي تُغْتَالُ، في الحاضرِ، بفعلِ قادةٍ قِصارِ النّظر. حبُّ الطّريق الأعظم: طريقُ عدالةٍ عليا تجلسُ في البلادِ مثل إلهٍ حكيمٍ لا مرئيٍّ. حبٌّ من أجلِ تنفُّسٍ أطيبٍ في حيواتِ الشّحّاذِ وناسجَةِ القُفَّةِ. حبٌّ للنِّساءِ اللّواتي يتحمّلْنَ كلَّ الكَبَدِ ويسلُكْنَ سبيلهُنَّ إلى ساحاتِ أسواقٍ مهجورةٍ، واللاَّئي يُخلقنَ معجزاتِ البقاءِ الصّغيرةِ هاتيكَ من الغبارِ المرِّ للعصرِ المحتَضَر. حبٌّ للأطفالِ اللذينَ ترعرعوا تحتَ شمسٍ سمحةٍ، واللذينَ لا يعرفونَ مجرّدَ كم هي شائهةً ومُثْقلَةً بالدّمِ المستقبلاتُ التي سيرثونها، أولئكَ اللذينَ يلعبونَ في الشّوارع وينهمكونَ في مِراحِهم فيما السُّمُّ واليأسُ يتجمَّعان حولهم ويُطوِّفان فوقَ رؤوسهم مثل ملائك الموت. حبٌّ لتجَدُّدِ حياةِ شعبٍ جديرٍ بالأفضَلِ – الأروَعِ، شعبٌ لا يبدو أبداً أنّهُ سيفوز بأيِّ عدالةٍ أو أيّامٍ طيِّبةٍ عديدةٍ أو كثيرِ رجاءٍ على هذه الأرضِ الكروِيّةِ التي تتوهّجُ، مثلُ حُلُمٍ معجزٍ في الفضاء، أمامَ تحديقةِ رُوَّادِ الفضاءِ المنذهلةِ.
إنّهُ حبُّ المستقبلِ الأفضلِ للبشريّةِ، المنى أن نكونَ جميعاً أفضَلَ حالاً، وأن تكونَ أخطاؤنا أسمى في طبيعتِها، وأن تغدُو أدنى المستويات في أوضاعِ عيشِنا، على الأقلِّ، وافيةً. إنّه الحبُّ هو الذي يسوقُ البذرةَ على سبيلِ صيرورتها إلى الشّجرةِ المستقبلية. إنّه الحبُّ هو الذي يُلهِمُ النّاسَ ببسطِ أياديهم عبرَ البحارِ، عبر السّلالاتِ، عبر المِلَلْ حيثُ يصوغون صلاتٍ تجعلُ الحُلُمَ الإنسانيَّ ينمو إلى حقائقٍ إنسانيّةٍ رائعةٍ. إنّهُ الحبُّ هو الذي يُحفّزُ الأمَّ على حمايةِ طفلِها ضدَّ المعاناة. إنّهُ الحبُّ، ذلكَ الذي يسوقُ الكاتبُ إلى البكاءِ في ذاتِ آنِ مبادرةِ مدٍّ دمويٍّ إلى الإعلانِ عن نفسه فوقَ الأُفق.
آنَ ما يكونُ مثلُ ذاكَ الحبُّ قد أُصدِرَ عليه حكمٌ بالموتِ فإنَّ أولئكَ اللذين لهم قلوبٌ خافقةٌ بالدّمِ، أولئكَ اللذين قُدُّوا من جسدٍ حيٍّ يحسُّ بالرِّيحِ وبمداعباتِ محبٍّ وبشقاءاتِ الحياةِ المتراتبةِ لانهائيّاً، وأيُّ فردٍ إنسانيٍّ يشعرُ بالحياةِ في دخيلتِهِ ينبغي عليهم جميعاً أن يسمعوا هذه الصّرخةَ: إنَّ الكتَّابَ يُقضَى عليهم بالموتِ، يُقضى عليهم باللاّحياة لمحاولتهم شدَّ الانتباه إلى ما يُفعلُ بالأرضِ باسمِ الرِّبحِ، يُعدمُونَ لجُرأتهم على تذكيرِ أُمَّةٍ، على طريقتهم الخاصّةِ، بشيءٍ ينبغي لهُ أن يكونَ قانوناً معترفاً بتحكُّمِهِ في نهوضِ وسقوطِ الأممِ والشِّعوبِ: ذلكَ الذي لا ينمو يموت؛ ذلكَ الذي لا يُجابِهُ حقيقَتَهُ يفنى؛ أولئكَ اللذينَ بلا رؤية (بصيرة) يستحقُّون الهلاكَ الذي سيحلُّ بهم؛ أولئكَ اللذين يعتقدونَ أنّهم يستطيعونَ قمعَ الحرِّيَّةِ ومع ذلكَ يحيونَ في حرِّيَّةٍ هم مخدوعون ولا رجاءَ فيهم. إمّا أن تُجابه أُمَّةٌ حقائقَها اللاّمريحة، أو أن تُغْلَبُ على أمرِها. كما أنّ هنالكَ قضاءً لا بُدَّ من بُدِّهِ يحمُّ بجميعِ أولئِكَ اللذين يرفضونَ أن يروا.
ثمةُ أشياءٍ على هذه الأرض هي أقوى من الموتِ. أحدُ هاتيكَ هي النُّشدَانُ الأزليُّ للعدالةِ. فلا شعبٌ يستطيع أن يحيا على غيابها. وفي الآنِ الذي سيُوافِي سيكونُ أبناءُ وبناتُ ذاكَ الشّعب مستعدِّينَ للموتِ حتّى يجعلُونها ممكنةً لأطفالهم. الحكايا الخُرافيَّة أُنشِأَتْ من هذا.
هامشان:
* نُشِرَ المقالُ الإنسانيُّ الجّميلُ هذا في مُؤَلَّفٍ لكاتبه النيجيريِّ المقيم في بريطانيا بين أوكري اتّخذ اسماً له هو (طريقةٌ في أن تكُنْ حرَّاً) صدرَ عن دار فونيكس للنشر “طبعة شعبية”– لندن، 1998م.
** الكاتبُ وناشطُ حقوقِ الإنسانِ النيجيريِّ الذي استُشْهِدَ، في العام 1995م، منافحاً عن حقوقِ “شعبِ الأوقوني” في بيئةٍ إنسانيّةٍ معافاةٍ. ذلكُم آنَ مَا حكمَ عليهِ الدّكتاتورُ الآفلُ، من الحكمِ، كما ومن الحياةِ، سانِي أباشا، بالإعدامِ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى