قضايا فكرية

الأصل الَّلاهوتي للحداثة (3 من 6)

علمنة الغرب في جذورها الإغريقية المسيحية

د. محمود حيدر*
3- الإصلاح الديني بوصفه حداثة لاَّهوتية
الإرهاصات التي مرَّ ذكرها، تشير على نحو بيِّن إلى أن مفاعيل الحداثة كانت حاضرة في الحقل الديني المسيحي نفسه. لكن المحطة المفصلية في تحولات الحداثة ظهرت مع حركة الإصلاح الديني التي مضت إلى التماهي حد الغلو مع قيم العلمنة وإجراءات الحداثة. وهو ما ظهر في فكر مارتن لوثر (1483-1556) السياسي لجهة العلاقة بين السلطة الروحية والسلطة المدنية. كان لوثر يرى وجود نظامين أسَّسهما الله، لكن وظائفهما مختلفة: النظام المدني والنظام الروحي. النظام المدني حسب لوثر هو الذي تأسس للحفاظ على الحق والنظام في المجتمع وقام تحت شعار صارم “يجب أن يكون سيف الدولة أحمر ودموياً”. أما النظام الروحي فيستعمل الكلمة ويلجأ إلى ضمير الرعايا والحكام. غير أن الذين نقدوا اللوثرية بنوا نقدهم على فَرضِية أن عقيدة النظام المدني ترتبط بأنثروبولوجيا لوثر المتشائمة. أما عنصر التشاؤم فيها فيعود إلى أن الكائن البشري في حقيقته حيوان وحشي يجب ضبطه بالسلاسل والحبال؛ وأن مجتمعاً من دون نظام مدني سيكون في حالة فوضى، وسيطلق حرب الإنسان ضد الإنسان.. يضيف: ولأننا خَطَأةٌ وشريرون، فإن الله يضبطنا بالقانون والسيف، وعلى نحو لا يسهل علينا إحداث الشر. وهنا يظهر لنا بوضوح، أن عقيدة لوثر القائلة بوجود نظامين تتضمن تمييزاً بين الشخص الباطني والشخص الخارجي. فالنظام المدني محدود بالأعمال الخارجية، ففي حين ينظم هذا النظام الحياة والملكية والأشياء الأرضية، إلا أنه يعجز عن تنظيم الشخص الباطني. هنا، الله هو الحاكم، لذا فإن الشخص الباطني لا ينتمي الى منطقة السلطة المدنية، ونتيجة لذلك يقول لوثر “انه لا يمكن وقف الهرطقة بالسيف، فالسلاح يجب أن يكون كلمة الله. يضيف: وبما أن النظام المدني أسسه الله، فإن العصيان المسلَّح ضد الدولة هو، في الوقت ذاته، عصيان مسلَّح ضد الله. ويصير العاصي عدو الله. وعندما تستخدم الدولة السيف فذلك يعني “خدمة الله” عند لوثر. وهكذا، نجد أن لوثر في الصراع بين الفلاحين والأمراء (حرب الفلاحين عام 1524 في ألمانيا) يهاجم الفلاحين بعنف، قائلاً: “يجب أن تردوا على الناس بالقبضات، حتى يقطر الدم من أنوفهم”. واعتقد لوثر بأن الدولة هي سلطة أقامها الله، ومن هذا الوجهة الَّلاهوتية المدنية المركبة صاغ رؤية تقر بمشروعية قادة النظام المدني، معتبراً إياهم جلاّدي الله “ومعلِّقي المشانق بإرادة الله”. مثل هذا التبرير كان مفهوماً في زمان لوثر والتعليم اللاهوتي– السياسي، أما في ضوء تاريخ ألمانيا الحديث، فإن هذا المبدأ القائل بالطاعة العمياء للحكام صار إرثاً مشكوكاً فيه.

لو كان لنا أن نسجِّل تحقيباً سوسيو-تاريخياً للحداثة في صلتها بالمسألة الدينية لوجدنا في الإصلاح البروتستانتي تعبيراً صريحاً عن هذه الصلة في مفارقاتها الفكرية والتاريخية. ولعل السمة المميزة في عمل اللّاهوتيين والمفكرين البروتستانت – كما تشير الباحثة البريطانية كارين آرمسترونغ – هي في نزعتهم المتناقضة بين الثورية والمحافظة، وهي ترى أنهم بقدر ما كانوا حداثيين ويتماهون مع قيم الحداثة والتنوير، كانوا في الوقت نفسه من ذوي النزعة السلفية والمحافظة. ومع ذلك فقد كانوا رجال عصرهم الذي كان عصر تحوّل تاريخي على غير صعيد، وفي غير حقل.
هذه المفارقة تحيلها آرمسترونغ إلى البيئة القلقة التي شهدت الاحتدامات الكبرى بين حركة الحداثة والكنيسة الرومانية التقليدية، والتي أفضت إلى انشقاق الجماعة البروتستانتية عن السلطة البابوية. وحسب قولها فإن عملية التحديث غالباً ما تكون سبباً لقلق كبير. حيث يشعر الناس معها بفقدان التوجه والضياع بينما عالمهم والعالم الجديد المغاير، ولذا، فلا يستطيعون رؤية الاتجاه الذي يأخذه مجتمعهم، لكنهم يستشعرون تحوله البطيء في أشكال وأساليب غير متماسكة. تضيف: وبينما تتداعى الميثولوجيا القديمة التي أعطت بنية ومعنى لحياتهم تحت تأثير التغير، فإنهم يمرون بمرحلة ضياع هوية وحذَر ويأس ما يؤدي الى الشلل. ذلك أن المشاعر الأكثر شيوعاً في مثل هذه الأحوال، هي العجز، والخوف من الإبادة اللذين يتخذان في ظروف متطرفة – أشكال عنف. لكن الشيء الَّلافت في ملاحظاتها هي قراءتها السايكولوجية لأفكار رائد الإصلاح البروتستانتي الذي شكلت تجربته الشخصية ترجمة للبيئة القلقة المشار إليها. كان لوثر في بداية حياته فريسة حالات إحباط مؤلمة. لم يكن باستطاعة الشعائر والممارسات الدينية القروسطية مثلاً، ان تلامس ما اسماه “الحزن” الذي جعله يشعر بالرعب من الموت. فقد كان يتخيله كانقراض كلي، وعندما كان يتملكه هذا الرعب القاتم، لم يكن باستطاعته تحمل قراءة المزمور التسعين الذي يصف تلاشي الحياة البشرية، ويصور الناس وقد حل عليهم غضب الله وعنفه. رأى لوثر – طوال حياته – الموت كتعبير عن غضب الله. ولكي يهرب من احباطاته انغمس في نشاط محموم، مصمِّماً على فعل أي خير كان يستطيعه في هذا العالم. لكن في المقابل كانت تجتاحه موجات الحقد والسخط على البابا، والأتراك، واليهود، والنساء، وكذلك على الفلاحين المتمردين. وهذا السخط نموذجي، وينطبق على مصلحين آخرين في أيامنا هذه. تخصيصاً على هؤلاء الذين صارعوا ألم العالم الجديد، والذين طوَّروا ديناً بدا فيه حب الله متوازناً مع حقد عارم على كائنات بشرية أخرى.
ولو كان لنا من متابعة للظروف الدقيقة التي زامنت نشوء وتبلور الثقافة الدينية البروتستانتية، لوجدنا كيف سيحضر الاحتجاج على سلطان الكنيسة الكاثوليكية الرسمية كظاهرة صارخة في تاريخ الغرب الحديث. فلقد انشقت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في القرن السادس عشر بصورة رسمية. ومع أن الإصلاحيين لم يكونوا في البداية يريدون سوى إصلاح الكنيسة، إلا أن أصالتهم الَّلاهوتية وارتباطاتهم السياسية أدّيا إلى ثورة قلبت نظرة الكنيسة الى التعليم التقليدي والإيمان والخلاص رأساً على عقب. من الناحية اللاهوتية، صار مارتن لوثر المدافع عن الكتاب المقدس والإيمان الفردي ضد التعليم التقليدي والبابا. وبهذا المعنى كان يؤالف ولو من غير قصد بين العلمانية وتقاليدها المعادية للإيمان الديني، وبين إيمانه بالكتاب المقدس. وهذا دليل على أصالة الفرد عند لوثر بعد انفصاله عن سلطة الكنيسة وقوانينها. وهكذا، وقف الفرد وحيداً أمام الله، وبعيداً عن توسط التعليم التقليدي والكنيسة. وفي الوقت نفسه، تبنت حركات الإصلاح موقفاً نقدياً من النظرة التقليدية الى الخلاص، فرفضت الطوائف التطهرِّية الخلاص بسر القربان المقدس الكنسي معتبرة إياه سحراً وخرافة. ونتيجة لذلك، أسهمت حركة الإصلاح في العملية التاريخية التي استبعدت ما ذهبت العلمنة إلىتسميته بـ “إزالة السحر من العالم” .
ولتأصيل منظوريته الجامعة بين العقل والإيمان رأى لوثر أن العقل المرشَّد بالإيمان يمكن أن يخدم اللاهوت. غير أن العقل، عندما ينصِّب نفسه قاضياً يفصل في مواد الإيمان، ويتصرَّف بمعزل عن الإيمان، يكون عمله عمل الشيطان. مثل ذلك الغرور لا يُغتفر، ويجب التطهر منه بإجبار العقل بأن يقبل كحقيقة، ما تعتبره الفلسفة خاطئاً ومحالاً. ويكون الحاصل أن العقل عاجزٌ عن أن يكون أساساً لقوانين الأخلاق. زلكن بهذه المنظورية سوف يتحول مذهب لوثر الإيماني بسهولة ليغدو مذهباً لا عقلانياً.
هناك مصلحان بروتستانتيان آخران هما المحامي والَّلاهوتي الفرنسي جان كالفن (1509-1564) والألماني هولدريش زفينغلي (1484-1531) سوف يجدان ضالّتهما في العودة إلى السلف، أي إلى ينابيع التراث المسيحي، من أجل أن يعثرا على هويتهما الذاتية. مرّ الاثنان شأن لوثر بتجربة وجودية دفعتهما إلى حقل من الشك والعجز عن رؤية الحقيقة الدينية. جرى ذلك من قبل أن يتمكَّنا من شقِّ السبيل نحو رؤية دينية جديدة تجعلاهما يشعران أنهما وُلِدا من جديد. كانا مقتنعين أن ليس بوسعهما القيام بأي شيء يساعدهما في خلاصهما، وأنهما كانا عاجزين أمام أسئلة الوجود البشري. وكان عليهما إعادة خلق عالمهما الديني باللجوء أحياناً إلى إجراءات متطرفة، وحتى إلى العنف، كي يجعلا دينهما يحاكي ظروف العالم الجديدة، وهو عالم كان ملتزماً بشكل اقتحامي، ولا رجعة عنه، باتجاه تحول جذري.

أنَّى كانت التأويلات حول الظاهرة البروتستانتية. فهي في المحصلة العملية شكلت التمثيل الأقصى لتكيُّف الإيمان المسيحي مع العلمانية التنويرية الصاعدة في أوروبا. لقد ظهرت حركة الإصلاح البروتستانتي، كعملية احتجاج “حداثية” على السلطة الدينية للكنيسة الكاثوليكية. وأظهرت أعمال المصلحين الفكرية واللّاهوتية العناصر الإجمالية لثقافة الاحتجاج هذه. لعل أبرز ما فعلوه في هذا المضمار، أنهم عكسوا في الواقع التحولات التاريخية الجارية، مثلما فعل كثيرون من رجالات عصرهم ممن ينتمون إلى تيارات فكرية وفلسفية ولاهوتية سعت إلى نقد ثقافة العصر الغربي الوسيط. ففي تركهم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، قام المصلحون البروتستانت بإعلان واحد هو من أبكر إعلانات الاستقلال التي ستشكل علامة بارزة في التاريخ الغربي. فالروح العامة الجديدة كانت تتطلب الاستقلال الذاتي والحرية التامة، حيث يجب أن يكون الناس أحراراً في قراءة كتبهم المقدسة، وتفسيرها من دون سيطرة عقابية من جانب الكنيسة.
جاءت ولادة الإصلاح الديني البروتستانتي مترافقة مع ازدهار التأويل في حركة الحداثة بل أمكن القول إن هذه الولادة شكَّلت تعبيراً نموذجياً عن النشاط الهرمينوطيقي الذي سيشمل اللاَّهوت المسيحي بأبعاده وتياراته المختلفة. فقد أدت هذه الحركة في ألمانيا إلى تحريك ثورة التأويل الكبرى على نحو غير مسبوق في تاريخ الكنيسة. ولا مناص من التذكير في هذا الحيِّز، أن البعد التاريخي للثورة التأويلية يعود إلى الصراع الديني الذي شهدته المجتمعات الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي. فقد مرّت أوروبا بأوقات عصيبة جداً شهدت فيها اضطرابات شديدة، وكان موضوع الخلاص في الحياة الآخرة يشغل بال الأوروبيين. ثم بدأت إرهاصات الاحتجاج على الكنيسة الرسمية تظهر من دائرة التأويل العقائدي. ففي تعاليم العقيدة الكاثوليكية كما هو معروف، أن الإنسان يمكنه أن ينال الخلاص من خلال الإيمان بالله، والقيام بالأعمال الصالحة، وعيش حياة مستقيمة فاضلة، والاحتفاء بالأسرار الإلهية. غير أن من أبرز الدواعي التي أدت إلى حركة الاحتجاج على السلطة الكنسية، هي قيام رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية ببيع صكوك الغفران للمؤمنين الذين كانوا يخشون العقوبة الأخروية، حيث في شراء صك الغفران وعدٌ بتقصير مدة العقوبة من خلال الاستفادة مما زعموا أنه “خزينة الحسنات” التي تكدّسها” أعمال المسيح والقديسين الصالحة. ومن خلال تركيزها على الطقوس، وحثِّ المؤمنين على القيام بالأعمال الصالحة، وبيعها لصكوك الغفران، اكتسبت الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى سلطة وازنة على المجتمع استغلها المسؤولون الكنسيون وأساءوا استخدامها، مما أدى إلى تبلور نزعة تحريرية ظهرت على شكل احتجاجات سوف تنتهي إلى نشوء الحركة الإصلاحية. وكان مارتن لوثر وجان كالفن هما أول من وضعا إطار الأفكار والتوجُّهات الإصلاحية اللّاهوتية في ذلك الوقت . وبقدر ما شكل الإصلاح البروتستانتي عبر لوثر وكالفن، حالة تماهٍ مع الحداثة، فقد أطلق في الوقت عينه أزمنة من النزاعات المتمادية مع الكنيسة الكاثوليكية. لقد كانت هرمنيوطيقا الكتاب المقدس محور هذه النزاعات، وإحدى أبرز تجلياتها. ولأن العملية التأويلية للنصوص الإنجيلية لم تكن لتأخذ مداها إلا في إطار التفاعل مع الواقع التاريخي لغرب الحداثة، فقد جاءت حصائِدُها متأثرة على نحو بيّنٍ بالعوامل السياسية، والثقافية، والايديولوجية، والاقتصادية، الناجمة عن الصراعات التي شهدتها المجتمعات الغربية الداخلة للتو في فضاء التحديث. ربما لهذا سيجد الدارسون لحقبة صعود الحركة البروتستانتية في التقدم التقني، وبالتحديد في اختراع المطبعة مساهمة جدية، ولو جزئية، في إنجاح مشروع مارتن لوثر الهرمنيوطيقي. فلقد بدا لهؤلاء أن التحولات في الهرمنيوطيقا الدينية ترافقت مع التطورات في عالم التكنولوجيا، ذلك لكون الأخيرة تُغيّر بفعالية العالم الذي تعيش فيه، والطرق التي يُدرك بها. إذ مع الطباعة تحقَّقَ توسيع مجال اليد البشرية، وتم الدخول في العالم الحديث. وبفضلها أصبح باستطاعة لوثر ولأول مرة، كمحاضر جامعي، أن يعتمد على وضع نُسَخٍ موحدة، ومتوفرة للإنجيل أمام تلاميذه.

لم تعد الكتب عرضة للتباين بفعل الأخطاء الناجمة عن نسخ المخطوطات، إذ مهما كانت درجة الحذر، فالكل يعلم كم هو سهل حصول الأخطاء في نسخ نص من النصوص مكتوبٍ باليد. مع الطباعة كذلك، لم يعد هذا الأمر من الحالات الممكنة، حيث غدا كل نصّ في الإنجيل مطابقاً لنصوص النسخ الأخرى. وإلى هذا، فقد أصبحت الكتب متوفرة بنحو واسع ومتزايد، ولم تعد مقتصرة على نُسَخٍ فردية وقيّمة محتجزة في الكنائس أو في المكتبات. أما النتيجة من كل ذلك، فهي انتشار التعلُّم، حتى بين الناس ذوي الوسائل المتواضعة والمعرفة المحدودة، وهكذا بدأ تعلّم الإنجيل باللغات الأم كالإنكليزية، والألمانية، والفرنسية، وغيرها. وحسب التأويلية اللوثرية فقد أصبح الإنجيل بعد الثورة التكنولوجية ملك كل إنسان، حتى في وظيفته العامة. لقد صار بإمكانه الابتعاد عن تعقيدات الدراسة، وتقييدات الكهنوت. ومع ذلك يبقى الاستعجال في إصدار حكم ما أمراً غير جائز. فلوثر كان عالماً قروسطياً بذات القدر الذي كان فيه مصلحاً. بل أكثر من ذلك فثمة من وجد لوثر لاهوتياً قروسطياً بامتياز، حين رفض تدريجياً القراءات الرمزية، والتشبيهية، معلناً أنها “ليست سوى قُمامة”. علماً أنه لم تكن أي من أغراض لوثر تشبه أغراض توما الأكويني، وما ذاك، إلا لأن اهتمامات رائد الإصلاح الحديث في المسيحية كانت منصبّة على إطلاق الحرية للإنجيل في التفاعل مع تجربة القارئ الذاتية، لا على تثبيت وترسيخ لاهوت الكنيسة كما فعل الأكويني.

*مفكر وباحث في الفلسفة – لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى