قضايا فكرية

نصر حامد أبو زيد : إشكاليَّة تأويل القرآن قديمًا وحديثًا

نصر حامد (حريات)
إشكاليَّة تأويل القرآن
قديمًا وحديثًا
نصر حامد أبو زيد
1. تقديم
لعل الافتراض الذي ينطلق منه الإعدادُ لهذه الندوة الهامة في الذكرى المئوية الأولى لرحيل أحد روَّاد الفكر النهضوي – عبد الرحمن الكواكبي – في حاجة إلى مراجعة: هل صحيح أن مشروع “الإصلاح الديني” في منظومة فكر النهضة العربي قد فشل في تحقيق أهدافه؟
لا يمكن إعطاء إجابة شافية عن هذا السؤال دون تحديد طبيعة الأهداف التي سعى مشروعُ “الإصلاح الديني” إلى تحقيقها. فالأهداف، كما نعلم، تمثل الركائز الأساسية لبَلْوَرَة الوسائل التي تصوغ، بدورها، المبادئ النظرية التي يمكن لنا أن نطلق عليها اسم “المنهج”. ولا يستقيم في منهج الفكر العلمي – التحليل النقدي – أن ينطلق حكمُنا على مشروع “الإصلاح الديني” – نجاحًا أو إخفاقًا – من منظور أهداف نتصوَّر نحن أن المشروع كان عليه إنجازُها. في عبارة أخرى، لا يجوز أن نفترض أهدافًا من منظور إشكالياتنا الإصلاحية الآن، ونحاسب جيلَ الروَّاد على فشلهم في تحقيقها. فالذي لا شك فيه أن مطالبنا الإصلاحية الآن تتجاوز بدرجات سقفَ المطالب الإصلاحية التي كان يطمح جيلُ الروَّاد إلى تحقيقها، وهي المطالب التي حدَّدتْها طبيعةُ المرحلة التاريخية وتحدياتها الداخلية والخارجية. نحن إزاء تحديات داخلية وخارجية تختلف، كميًّا وكيفيًّا، عن تلك التحديات التي تعامَل معها خطابُ الإصلاح الديني آنذاك.
من المطلوب في البداية كذلك إزالةُ الالتباس الذي يمكن أن ينتج عن كون الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني الإسلامي يُعاد طرحُها اليوم بإلحاح بعد أحداث الحادي عشر من سپتمبر 2001، في سياق الضغوط الأمريكية على العالم العربي والإسلامي لتعديل برامجه التعليمية، خاصة منها ما يرتبط بتعليم الإسلام. فلا أظن أن المُعِدِّين لهذه الندوة كانت تحرِّكهم دوافعُ الاستجابة للضغط الأمريكي بطرح التساؤل عن أسباب فشل مشروع النهضة من زاوية مشروع “الإصلاح الديني” بصفة خاصة. لكن نفي هذا الارتباط بين الضغط السياسي الأمريكي وبين إعادة تقييم مشروع الإصلاح الديني لا يعني عدم الاعتراف بما أثاره حدثُ الحادي عشر من سپتمبر من أصداء في العالمين العربي والإسلامي، بعضها سلبي وبعضها إيجابي. وفي تقديري أن بعض النتائج الإيجابية تتمثَّل في الحاجة إلى إعادة النظر في صيغة “الأنا”، من حيث علاقتُها بالآخر، من منظور نقدي.
ولا يحتاج الكاتب هنا إلى إبراز جهوده في مجال “نقد الخطاب الديني” خلال أكثر من ربع قرن، هي مجمل حياته الأكاديمية؛ وهي جهود صارت مكثَّفة خلال السنوات العشر الأخيرة بصفة خاصة. الكاتب هنا لا يتعامل مع الأسئلة والإشكاليات التي يطرحها علينا الآخرون بقدر ما يتعامل مع أسئلة الواقع الراهن – وكثير منها أسئلة مؤجَّلة. أكثر الأسئلة المؤجَّلة تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأقلِّيات، وهي الحقوق التي يمكن لنا تصنيفها تحت مفهوم “العدل”. وثمَّة أسئلة تتعلق بقضايا التعليم والحرية والديموقراطية والتقدم والنهضة إلخ. إنها قضايانا وأسئلتنا منذ عصر النهضة، الذي بدأناه في القرن التاسع عشر، وتعثَّرت مسيرتُنا معها لأسباب عديدة، فتأجَّلت القضايا وتوقف حسمُها منذ أمد ليس بالقريب.
ينبغي، إذن، ألا نتقاعس عن التعامل مع هذه القضايا وغيرها لمجرد أنها تُثار وتنعكس علينا من مرايا الآخرين، فيركبنا العناد، متصوِّرين أننا بذلك ندافع عن “هويتنا”. ليست هويتنا هي “التخلف” ومقاومة “التطور”، ومن العبث أن ننحاز إلى صفوف دعاة “التجمد” باسم الدفاع عن الدين والهوية. وأخيرًا، فإن المعيار الذي على أساسه نقيس الأمور يجب أن يكون معيار حاجتنا إلى التطور، ومقاومة “الجمود”، وهو المعيار الذي قامت على بنائه أسُس نهضتنا الحديثة، والتي لم يتحقق الكثيرُ من طموحاتها، فتركت وراءها كثيرًا من القضايا المؤجَّلة.
لا سبيل أمامنا إلى استئناف مشروع النهضة على أسُس أكثر متانة إلا أن نبحث عن أسباب إخفاقها ونواجه في شجاعة أسئلتها، أو بالأحرى أسئلتنا المؤجَّلة، وعلى رأس هذه القضايا قضية “تجديد الخطاب الديني”. وقد اخترت في هذا البحث أن أتناول قضية “التأويل” بوصفها واحدة من أخطر قضايا الفكر الديني، وإنْ تكن، على الرغم من ذلك، من أكثر القضايا المهمَّشة في الخطاب الديني الراهن؛ لذلك حرصت على إثارتها بوصفها “إشكالية”. هذا بالإضافة إلى أنها واحدة من قضايا مشروع الإصلاح الديني المتعثِّرة لأسباب سنتناولها في سياق تحليلنا للمشكلة في تطورها التاريخي.
2. تمهيد
لعله من المفيد أن نبدأ الكلام في هذا الموضوع بتحليل العنوان الذي اخترناه لهذا البحث، ذلك أنه عنوان مُشكِل في حدِّ ذاته. وتحليل هذا العنوان يضعنا مباشرة في قلب الموضوع من حيث هو بدوره إشكالية. وكلمة “إشكالية” ليست مقبولة عادة في الحديث عن القرآن، وكذلك كلمة “تأويل”، حيث دَرَجَ العلماء المسلمون منذ القرن الرابع الهجري تقريبًا، أي العاشر الميلادي، – باستثناء الشيعة وبعض المتصوفة – على تفضيل مصطلح “التفسير” على مصطلح “التأويل”، فصار شائعًا أن “التأويل” جنوحٌ عن المقاصد والدلالات الموضوعية في القرآن ودخولٌ في إثبات عقائد وأفكار – أو بالأحرى “ضلالات” – من خلال تحريفٍ مقصودٍ لدلالات المفردات والتراكيب القرآنية ومعانيها.
صحيح أننا نجد عند جلال الدين السيوطي (القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي) تمييزًا دلاليًّا بين مصطلحَي “التفسير” و”التأويل” يضعهما معًا على قدم المساواة، من حيث ارتباطُ كلٍّ منهما بالآخر، وحاجة المفسِّر – أو المؤوِّل – إليهما معًا، وذلك على أساس أن “التفسير” هو شرح معاني الكلمات المفردة، في حين أن “التأويل” هو استنباط دلالة التراكيب، بما تتضمَّنه من حذف وإضمار وتقديم وتأخير وكناية واستعارة ومجاز إلخ. لكن ما يقوله السيوطي في القرن التاسع ليس في مجمله إلا إعادة صياغة وترتيب لما سبق قولُه في القرون الأربعة الأولى وما تلاها بقليل، وربما حتى نهاية القرن الخامس الهجري، حيث ينقل كثيرًا من أقوال الإمام الغزالي.[1] ومعنى ذلك أن الأقوال التي يرويها السيوطي عن السلف يمكن أن تؤخذ على أنها وصف للممارسة الفعلية في مجال التفسير في عصره، وهو العصر الذي يعتبر “التأويل” مصطلحًا مشبوهًا، إن لم يكن سيئ الدلالة.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن مصطلح “التأويل” اكتسب دلالتَه غير الحسنة تدريجيًّا، ومن خلال عمليات التطور والنموِّ الاجتماعيين وما يصاحبهما عادة من صراع فكري وسياسي. ويمكن لنا هنا أن نستشهد ببعض الأقوال التي وَرَدَتْ متناثرةً في كتب التاريخ والتفسير. من هذه الأقوال ما يُروى عن علي بن أبي طالب حين رفع الأمويون المصاحف على أسِنَّة الرماح، عملاً بنصيحة الداهية عمرو بن العاص، طالبين الاحتكام إلى القرآن، الأمر الذي أحدث انشقاقًا في صفوف جيشه، فقال علي: “بالأمس حاربناهم على تنزيله، واليوم نحاربهم على تأويله” – وهي عبارة تحاول أن تلفت أنظار الذين استجابوا للتحكيم إلى أن هؤلاء القوم من بني أمية يحاولون اليوم التلاعب بالتأويل، بعد أن كانوا في سنوات سابقة يرفضون التنزيل. لكن عبارة علي لا تتضمن أية دلالة معيبة لكلمة “تأويل”، التي لم تكن بعدُ قد تحولت إلى مصطلح، بل هي عبارة واصفة لطبيعة الخلاف. والذي يؤكد ذلك أنه هو نفسه الذي قال ردًّا على المحكِّمة كذلك: “القرآن بين دفَّتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلَّم به الرجال.”[2] وهو الذي قال لابن عباس وهو بصدد الحجاج مع الخوارج: “لا تحاجهم بالقرآن، فإن القرآن حمَّال أوْجُه، بل حاجهم بالسُّنَّة.”
وفيما يورده محمد بن جرير الطبري (القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي) عن بعض التابعين في شرح الآية 7 من سورة آل عمران، هناك مَن يقول عن “الذين في قلوبهم زيغٌ” الذين يتَّبعون المتشابِه أن المقصود هم الخوارج.[3] والعبارة، في دلالتها الحرفية، تعني أنهم يقصدون إلى تأويل المتشابِه من القرآن واتِّباعه “ابتغاء الفتنة”، لأن المتشابِه “ما يعلم تأويلَه إلا الله” بنصِّ الآية المذكورة. ولعلَّنا نعلم جميعًا أن هذه الآية صارت فيما بعد محور جدال عميق بين المفسِّرين من الاتجاهات والفِرَق المختلفة، لا حول تأويلها وشرح معناها فقط، بل حول علامات الوقف والاتصال فيها كذلك.
ولعلنا لا نحتاج هنا إلى شرح ما هو معروف تمامًا من تعدُّد التأويلات واختلاف التفاسير بدءًا من القرن الأول الهجري؛ وهو أمر نما واتسع في القرون التالية، حتى صار مصطلح “المؤوِّلة” يضم، إلى جانب الخوارج، الشيعة والمعتزلة والمتصوفة. ولعل القرن الرابع، الذي شهد نموَّ الفكر الشيعي على مستوى الصياغة الفلسفية واللاهوتية، هو نفسه القرن الذي شهد قمة العداء بين الدولة السنِّية، ممثلةً في دولة الخلافة العباسية، وبين الدولة الشيعية التي امتد سلطانها حتى القاهرة. وهو كذلك القرن الذي كان قد شهد الانتصار السياسي، ممثلاً في تأييد الدولة، بدءًا من عصر المتوكل، للفكر الفقهي السنِّي المحافِظ، بعد أن كانت الدولة في عصر المأمون والمعتصم تتبنَّى الفكرَ الاعتزالي وتعادي الموقفَ الفقهي السنِّي. من الطبيعي أن يكون لهذا المشهد، الذي يصعب فيه التمييز بين السياسي والفكري، أو بين الدنيوي والديني، تأثيرُه في إلصاق دلالة “التحريف” بدلالة “التأويل”؛ الأمر الذي جعل مصطلح “التفسير” يتقدَّم تدريجيًّا ليكون هو المصطلح الدال على البراءة الموضوعية.
ولكي تتضح أبعادُ هذا الإحلال لمصطلح “التفسير” محلَّ مصطلح “التأويل”، ينبغي العودة إلى كلمة “تفسير” في مجال التداول اللغوي. ومن الجدير بالذكر أن كلمة “تفسير” لم تَرِدْ في القرآن كلِّه سوى مرة واحدة، بينما وردت كلمة “تأويل” أكثر من عشر مرات. وإذا أخذنا النصَّ القرآني – الذي طالت فترة نزوله أكثر من عشرين عامًا – نموذجًا لما يُسمَّى في الدراسات اللغوية “معَدَّل الانتشار”، لجاز لنا أن نقول إن كلمة “تأويل” تنتشر في اللغة العربية في عصر القرآن عشرة أضعاف انتشار كلمة “تفسير”؛ هذا بالإضافة إلى أن كلمة “التفسير” – وهناك خلاف حول جذرها اللغوي، هل هي من “الفسر” أم من “السفر” – تعني في الغالب ما يقترب إلى حدٍّ كبير من معنى “الترجمة” الآن، وإن كانت “ترجمةً” داخل النظام اللغوي نفسه. من هنا نفهم لماذا أطلق ابن جني (أبو الفتح عثمان، القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي) على شرحه لديوان المتنبِّي اسم “الفَسر”، وهو مجرد شرح لمعاني المفردات.
أما أول كتاب كبير في شرح القرآن، وهو كتاب محمد بن جرير الطبري، الذي ضمَّ داخله كلَّ ما سبقه في مجال شرح النص القرآني، فقد أطلق عليه اسم جامع البيان عن تأويل آي القرآن؛ وهو يبدأ كلَّ آية بالشرح قائلاً: “تأويل قوله تعالى…”. وخلاصة ذلك أن ما يقوله السيوطي عن الفرق بين “التفسير” و”التأويل”، من حيث إن أولهما بمثابة تمهيد للثاني ضروريٍّ له، كلامٌ صحيح في مجمله؛ وفي الممارسة الفعلية لعملية الشرح، التي هي “التأويل”، لا بدَّ من المرور بالتفسير. لكن وصف الممارسة العملية لا يكفي لبيان ما حدث من تفضيل لمصطلح “التفسير” على مصطلح “التأويل”، وهو الأمر الذي حاولنا شرحه باختصار فيما مضى. ولكن ألا يفضي هذا الشرح الذي قدَّمناه إلى إبراز أن ثمة إشكالية في المصطلحات ذاتها، فضلاً عن عملية التأويل في الممارسة العملية؟
هذا السؤال يقودنا إلى كلمة “إشكالية” في العنوان؛ وهي بدورها كلمة لا تُتقبَّل في سهولة في مجال الدراسات القرآنية الذي يبدو مجالاً شديد الوضوح، وإن كان مجالاً عميقًا متسع الأطراف، “بحرًا لا ساحل له عميق الأغوار”، إذا استخدمنا لغة القدماء. ويعجب الإنسان مشدودًا إلى جمال الاستعارة: كيف يكون “بحرٌ لا ساحل له عميق الأغوار” خاليًا من الأمواج المتلاطمة على سطحه ومن الدوامات القاتلة في أعماقه! لكن هذا هو الفارق الواسع بين دلالة أقوال القدماء المجازية في الغالب وبين الفهم السطحي المعاصر لتلك الأقوال. في الفهم السطحي المعاصر ابتذالٌ للأقوال نابعٌ من نزعها من سياقها الكلِّي، المعرفي واللغوي معًا.
منذ تساءل عمر بن الخطاب عن معنى “الأبِّ” في قوله تعالى: “وفاكهة وأبًّا”[4]، وقبله في عصر التنزيل تساءل المسلمون عن معنى “الظلم” في قوله تعالى: “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم”[5]، فشرحه لهم الرسول بأنه “الشِّرك” في هذا السياق، مستشهدًا بما وَرَدَ في نصيحة لقمان لابنه في القرآن: “يا بني لا تشرك بالله إن الشِّرك لظلمٌ عظيم”[6] – منذ ذاك العصر والمسلمون يدركون أن شرح القرآن ليس أمرًا بسيطًا سهلاً. وهذا الإدراك لإشكالية التأويل هو الذي جعل ابن أبي طالب يحذِّر ابن عباس من الانزلاق إلى هاوية “التأويل” و”التأويل المضاد” في نقاشه مع الخوارج. بل إن هذا الإحساس هو الذي يمكن لنا أن نتبيَّنه من وَجَل الجيل الأول من الصحابة من الدخول في عملية التأويل، مثل قول الصدِّيق أبي بكر: “أي أرض تقلُّني وأي سماء تُظِلُّني إذا قلت في القرآن برأيي”؛ وهذه الأقوال تمَّ للأسف تحريف دلالتها كذلك في سياق الطعن في التأويل ومهاجمته.
لكن هذا الحذر لم يمنع القَدَر. فالحياة تتقدم، والمجتمع الإسلامي ينمو، وتتسع دائرةُ الثقافات التي يتفاعل معها الإسلام، وتتعدد مرجعيات التأويل – وإنْ كان ذلك التعدد لا ينفي وحدة المنظور الذي يمكن لنا أن نُطلِق عليه مصطلح “رؤية العالم” الإسلامية. وليس هذا أمرًا غريبًا في سياق حضارة مركزها نصٌّ ديني مُنزَل من الله بلغة القوم الذين أُرسِلَ فيهم الرسول. هنا تتعدد المرجعيات، بين لغوية وفقهية وكلامية وفلسفية، ويصبح “التأويل” أداةً من أهم أدوات التوافق مع المرجع الأول، النصِّ القرآني، مركز هذه الحضارة.
هل يمكن بعد ذلك النظر إلى التأويل تلك النظرة السطحية الساذجة إلى حدٍّ كبير؟ أم أن التأويل إشكالية الإشكاليات في العقل المسلم، قديمًا وحديثًا؟
3. الإشكال قديمًا
لكي نتناول إشكالية التأويل قديمًا، يجب ألا يغيب عن بالنا أبدًا ما أشرنا إليه من إحساس الجيل الأول من المسلمين – جيل الصحابة – بثقل المهمة ومشقَّتها، حتى أوشك بعضهم أن يقترب بها من مجال التحريم. ولم يكن الأمر، كما يحلو لبعض المعاصرين أن يفهموا، هربًا من “التأويل” وخشية منه اكتفاءً بالتفسير، – إذ لم يكن قد تَبَلْوَر هذا “التضاد” الذي حدث مؤخرًا بين التفسير والتأويل، – بل كان الأمر ما صاغه علي بن أبي طالب عن “احتمال الوجوه” الذي يُفضي إلى إمكانية التضارب والتضاد. لكنه هو نفسه، أي عليًّا بن أبي طالب، الذي قرَّر أن القرآن “بين دفَّتَي المصحف لا ينطق وإنما يتكلَّم به الرجال”، أي قرَّر أن “التأويل” لا مفرَّ منه، لكنه ليس أمرًا سهلاً، ويجب، من ثَمَّ، ألا يكون موضوعًا للتلاعب السياسي.
لكن المتأخرين بعد القرنين الرابع والخامس الهجريين (العاشر والحادي عشر الميلاديين) قد تلاعبوا بدلالات كلام القدماء، كما يتلاعب المحدثون بدلالات كلام هؤلاء المتأخرين، فقاموا بإحداث ذلك الفارق المزعوم بين “الرأي المقبول” و”الرأي المذموم” في مجال التأويل، وذلك ليضعوا اجتهادات المسلمين من غير فقهاء أهل السنَّة والجماعة داخل دائرة “الرأي المذموم” المحرَّم، بينما يصبح الوصف “رأي مقبول” خالصًا لهم. وانتشرت في كتب المتأخرين، وخاصة ابن تيمية وتلميذه ابن قيِّم الجوزية، التحذيراتُ من التفاسير الضارة والتأويلات المنحرفة. وحين يريدون أن يُظهِروا تسامحَهم إزاء بعض تفسيرات المعتزلة، يشيرون إلى تفسير الزمخشري لقيمته البلاغية، مع التحذير من ضلالاته الاعتزالية، وعدم السماح بمطالعته إلا للمتمكِّنين من براهين أهل السنَّة والجماعة. ومن اللافت للانتباه أن الطبعة المشهورة للكتاب (طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة) تتضمن ردود ابن المنير السنِّي وتعليقاته على انحرافات الزمخشري بالهامش.[7] والاختلاف في التأويل بين أهل السنَّة والجماعة، – وهو مصطلح إيديولوجي، – من جهة، وبين المعتزلة، من جهة أخرى، أقدم من الزمخشري وابن المنير؛ وهو، بالطبع، أقدم من ابن تيمية وتلميذه.
ولعل بعض النماذج يمكن لها أن تكشف الجذور التاريخية لهذا الاختلاف في منبعها الأصلي. ودون الدخول في التفاصيل، يمكن القول إن تاريخ تأويل القرآن، ومن ثَمَّ إشكاليته، تنبع من تجدد الحياة بالحركة والصيرورة مع ثبات النصِّ في منطوقه. وهي الإشكالية التي عبَّر عنها علماءُ أصول الفقه حين قالوا بندرة النصوص مع تكاثر الوقائع وتجددها. وإذا كان علماء الأصول قد حلوا إشكاليتهم بمقولة “خصوص السبب وعموم اللفظ”، فجعلوا من “عموم اللفظ” قاعدةً للفهم ومن “خصوص السبب” قاعدةً للقياس، فإن هذا الحلَّ العبقري لم يتجاوز حدود آيات الأحكام والشرائع التي تمثل أقل من سُدس آيات القرآن كلِّه.[8] هكذا تمثل حقيقة تجدُّد الوقائع وتكاثرها تحديًا للعقل الفقهي إزاء ندرة النصوص؛ فكانت الاستجابة مزدوجة، عقليًّا ولغويًّا. نفس الظاهرة – ظاهرة التحدي – واجَهَها العقل المعتزلي، وإنْ على مستوى آخر هو مستوى فهم العقيدة، فكانت استجابته، بالمثل، مزدوجة عقليًّا ولغويًّا. على المستوى اللغوي، وَجَدَ المعتزلي في مقولة “المجاز” – وهي مقولة لغوية – حلاً لإشكالية التعارض الظاهر بين النصِّ والعقل؛ وكان اعتماده في استجابته العقلية على قياس – “قياس الغائب على الشاهد” – إدراكًا للمطلق في مخالفته للمحدود من كلِّ وجه؛ فهو قياس مخالفة لا قياس مطابقة، كما تصوَّر بعض الدارسين.[9] وبناءً على قياس المخالفة هذا بين الله، من جهة، وبين العالم والإنسان، من جهة أخرى، تمَّتِ الصياغةُ شبه الفلسفية لمفهومَي “التوحيد” و”العدل”، وهما أساس مبادئهم الخمسة المعروفة؛ بل “العدل” هو أساس التوحيد، كما يقرِّره الخياط في كتاب الانتصار[10].
لنفور أهل الحديث والفقهاء من فكر المعتزلة وطرائق استدلالهم أسبابٌ كثيرة، ليس هاهنا مجال لشرحها. ويكفي فقط القول إن أهل الحديث والفقهاء كانوا ينفرون عمومًا من التعمق المعرفي في أسرار النص القرآني؛ ذلك أن نفورهم من المعتزلة والفلاسفة لم يكن أكثر من نفورهم من المتصوفة، خاصة من هؤلاء الذين يتفوهون بعبارات غريبة أو يقيمون زهدهم على أساس عرفاني. لهذا دفع الحلاج، وكذلك السهروردي، الثمن غاليًا من حياتهم، ودفعه غيرُهم من سمعتهم اتهامًا بالإلحاد والزندقة. وربما كان لقبول علماء أصول الفقه التحدي في مجال آيات التشريع والأحكام أسبابٌ عملية، نظرًا لاتصال تلك القضايا بالحياة اليومية والمصالح المباشرة؛ هذا بالإضافة إلى أن القياس الذي اعتمدوه كان قياسًا بسيطًا من الوجهة العقلية، لأنه ببساطة قياس تطابُق لا مخالفة. وبصرف النظر عن أسباب الاختلاف بين أهل الحديث والفقهاء وبين غيرهم من الفلاسفة والمتكلِّمين والصوفية، فإن استجابة هؤلاء الأخيرين للتحدي نفسه على مستوى العقيدة والفكر والأخلاق لم تكن مقبولة من الفقهاء.
لننظر في مسألة “استواء الله على العرش”: “الرحمن على العرش استوى” (طه 5)، “إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش” (الأعراف 54)، التي يرى المعتزلة أنها “مجاز”، أو صورة تمثيلية (تمثيل)، وأنه ليس هناك عرش ولا استواء بمعنى الجلوس: إنهم في هذا التأويل ينطلقون من استحالة المعنى الحرفي في حق الله الذي “ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير”[11]. إذا كان الله مستويًا على العرش فمعنى ذلك، من منظور المعتزلة، أنه محدود في المكان، وأنه جسم يقبل الأعراض، إلخ. واعتماد المعتزلة في مرجعية التأويل على القياس العقلي – قياس المخالفة – يجد له كذلك مرجعيةً في بنية النصِّ القرآني كما تصوروها من خلال ثنائية “المُحكَم والمتشابِه” التي سنتناولها بعد قليل.
في مقابل هذا التأويل الاعتزالي لهذه الآية ولأمثالها مما يُطلَق عليه آيات “الصفات”، تمسَّك الفقهاء بالمعنى الحرفي للاستواء على العرش؛ لكنهم حاولوا مع ذلك جهدهم في نفي “المشابَهة” التي يفضي إليها الفهم الحرفي، فتوصَّلوا إلى تلك الصياغة التي تُنسَب إلى مالك بن أنس أحيانًا وإلى أحمد بن حنبل أحيانًا أخرى، تلك هي العبارة التي صارت شائعة وتتكرر عبر الأجيال حتى يومنا هذا: “الاستواء معروف والكيف مجهول والحديث عنه بدعة”.
لو تأملنا قليلاً هذه العبارة المتداولة في دوائر الفكر الإسلامي كلِّها – والتي لم يتأملها أحد، على ما يبدو، تأملاً عميقًا – لوجدنا أنها عبارة تتضمن تناقضًا على أكثر من مستوى:
1. المستوى الأول أن ما هو “معروف” لا بدَّ أن يكون مدرَكًا بالحسِّ أو بالعقل أو بالخيال، وهو، في كلِّ حالة من تلك الحالات، لا يكون مجهول الكيفية؛ إذ ما هو مجهول من حيث كيفيته – والكيف أحد الأعراض التي يتحدد بها الشيء – لا يكون معروفًا.
2. المستوى الثاني أن “الاستواء” معطى لغوي، لا تنكشف دلالتُه إلا من خلال سياق تركيبي هو الجملة في الحدِّ الأدنى، وما يسبقها وما يتلوها في الحدِّ الأوسط، ثم هو سياق النصِّ في تركيبه في الحدِّ الأعلى. وعلى ذلك، فالقول إن “الاستواء معروف” قول يتناول المفهوم الذهني، الذي هو المدلول المباشر للدالِّ اللغوي، ولا علاقة له بالعبارة القرآنية.
3. المستوى الثالث من التناقض نفي “الحديث” بزعم أنه بدعة، مع أن الآيات القرآنية “حديث” عن الاستواء، من حيث هو فعل إلهي.
أمثال العبارة السابقة من أقوال الفقهاء تؤخذ هكذا، دون تحقيق أو فحص عن محتواها. ولا شك أن إيقاعها الثلاثي الذي يجعل الدلالة الحرفية واضحة (“الاستواء معروف”)، ويجعل التأويل الاعتزالي كاذبًا (“الكيف مجهول”)، ثم يطرح الأمر برمَّته في هاوية “البدعة” – و”كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار”! – هذا الإيقاع الثلاثي التنغيمي في تصاعده، من “المعروف” إلى “المجهول” إلى “البدعة”، يمارس تأثيرًا شبه سحري حين يُتلى على العامة في المواعظ. وهكذا تتم تعبئة عوام المسلمين وأشباه المتعلِّمين منهم ضد “التأويل” لحساب “التفسير”.
ولعل أهم تفسير، يُشار إليه بوصفه أعظم التفاسير عند أهل السنَّة والجماعة، – عدا كثرة استشهاده بالمرويات الإسرائيلية، – هو كتاب ابن جرير الطبري جامع البيان. وإذا تفحَّصنا كتاب جامع البيان في خصوص قضايا التأويل العقلي، وبصرف النظر عن أن مصطلح “التأويل” هو الدَّال على عملية الشرح كلِّها عند الطبري، كما أسلفنا، فسنلاحظ غياب هذا النوع من التأويل، وهو الغياب الذي يفسِّره الباحث الساذج ضدَّ “التأويل” لصالح “التفسير”. والحقيقة أن غياب تلك القضايا عن كتاب الطبري له دلالة تستحق التأمل. إن الطبري يشرح معنى “الاستواء” شرحًا وافيًا في الآية 29 من سورة البقرة: “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن سبع سماوات وهو بكلِّ شيء عليم” – وهي آية لا تثير إشكالية الاستواء على العرش التي تثيرها الآيات الأخرى المشار إليها فيما سلف، وهي الآيات التي يمر عليها الطبري متجاهلاً الإشكالية ومكتفيًا بالقول: “لقد شرحنا الاستواء فيما مضى فلا حاجة لإعادته هنا.”[12] ما معنى هذا التجاهل من جانب الطبري لإشكالية ما تزال مستمرة حتى الآن؟ بل هي إشكالية أنتجت كتابًا هامًّا هو الصواعق المرسَلة في الردِّ على الجهمية والمعطِّلة بعد الطبري بحوالى أربعة قرون؛ وهذا الكتاب يتضمن فصلاً كبيرًا بعنوان “طاغوت المجاز”. فكيف يمر عليها الطبري هكذا مرور الكرام في القرن الثالث الهجري؟!
ليس الغياب بالضرورة دليلاً على عدم اتفاق الطبري مع المعتزلة؛ كما أنه ليس، بالمثل، قرينة على اتفاقه معهم – ولا بدَّ للصمت مع ذلك من دلالة. لقد عاصر الطبري عصر ازدهار الحنابلة وسيطرتهم، من خلال التحالف مع السلطة السياسية في بغداد. والطبري فقيه، له اجتهاداتُه الفقهية الأصيلة على مستوى النظر والتطبيق معًا، وله في مجال نقد المرويَّات، سندًا ومتنًا، كتاب هام لم ينل ما يستحقه من اهتمام الباحثين بعد، هو كتاب تهذيب الآثار؛ وقد كان له رأي في ابن حنبل أثار عليه الحنابلة، حتى أوشكوا أن يقتلوه، فظل رهين بيته حتى مات ودُفِن. فهل كان لهذا الحدث تأثيرُه الذي جعل الطبري يتحاشى الدخول في مناقشة هذه الموضوعات الشائكة؟ لا يمكن لنا أن نطرح إجابة دقيقة عن هذا السؤال، خاصة وأن كتاب الطبري أُمْلِيَ على طلابه؛ فلا يمكن الجزم يقينًا بسبب هذا الغياب. لكن الغياب، كما سبق القول، لا يعني الاتفاق مع تأويل المعتزلة؛ وهو يقينًا لا يعني المخالفة التامة. هذا بالإضافة إلى أن كتاب الطبري من أهم الكتب في حرصه الدائب على القيام بعمل تأويلي حقيقي يمثل تركيبًا، لا بين التفسير والتأويل فقط، بل بين علوم القرآن النقلية كافة وبين العمل التأويلي الحق.
والسؤال الآن هو: هل ثمة وجود حقيقي للكتب في مجال التفسير تكتفي بشرح المفردات – أي الترجمة – وتنبو عن التأويل، حتى بالمعنى الاعتزالي؟ مثل هذه الكتب موجود بالفعل، ولكنها لا تدَّعي أنها تفسير، بل هي شروح للمفردات، مثل كتب غريب القرآن، على سبيل المثال. إن عملية التأويل واحدة في جوهرها، لأن الوصول إلى “الدلالة” – التي هي ضالَّة المفسِّر – يتطلب جهدًا على درجة عالية من التركيب، كما أنه يتطلب فهمًا أو تصورًا – ولو ضمني – لماهية النصِّ القرآني. لقد اعتمد المعتزلة على الآية السابعة من سورة آل عمران التي تقول إن الكتاب – القرآن – “منه آياتٌ مُحكَماتٌ هنَّ أمُّ الكتاب وأُخَر متشابهاتٌ”، وصاغوا نظرية في التأويل تعتمد على فهم المتشابِه – الغامض – قياسًا على مرجعية المُحكَم، أي الواضح. ومن خلال نظريتهم في المعرفة واللغة حدَّدوا عدة مستويات للوضوح، ومثلها للغموض، وصارت نظريتُهم في التأويل في قالبها النظري التجريدي الخالص نموذجًا مُحتذى عند خصومهم.
ما هو موطن الخلاف إذن؟ موطن الخلاف أن الآية المشار إليها أثبتت للجميع وجودَ الواضح ووجود الغامض، لكنها لم تحدِّد ما هو الغامض وما هو الواضح – وليس ثمة في القرآن تحديد. لذلك صار من السهل على المعتزلة أن يجعلوا المعرفة العقلية مقياسًا: فما يتفق مع المفاهيم العقلية بدلالته اللغوية المباشرة فهو الواضح المُحكَم، وما يبدو متناقضًا معها فهو المتشابِه الغامض الذي لا سبيل إلى تقبُّل دلالته اللغوية المباشرة. وهنا تتدخل أداة “المجاز” لتزيل الغموض وتنهي وَهْمَ التناقض بين المتشابِه والمُحكَم. وتلك هي بالضبط النظرية التي صاغها ابن رشد في التأويل على قانون الكلام العربي لنفي التعارض بين الشريعة والبرهان.[13] في كتابه متشابه القرآن يصوغ القاضي عبد الجبار الأسدآبادي المعتزلي (القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي) نظرية المعتزلة تلك في شكلها الأكثر نضجًا. لكن كتاب ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يؤكِّد، في ردوده على المعتزلة، أنه يتبنَّى نظريتهم، حتى في قراءة نهاية الآية على العطف وليس على الوقف ثم الاستئناف: “وما يعلم تأويلَه إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به”. والخلاف هنا يكمن في تحديد ما هو مُحكَم وما هو متشابِه: فما يعتبره المعتزلة مُحكَمًا واضحًا هو عند خصومهم متشابِه غامض، والعكس صحيح.[14] وهذا معنى قولنا إن القالب النظري التجريدي الخالص لنظرية المعتزلة صار هو النموذج المُحتذى عند الخصوم. وهذا ما نجده واضحًا جدًّا في تعليقات ابن المنير السنِّي على تفسير الزمخشري.
ولأن خلاف الأشاعرة مع المعتزلة تركَّز في النهاية حول قضايا العدل – وفي القلب منها قضية “خلق الأفعال” – فقد حدث اتفاق في تأويل آيات الصفات، وهي الآيات المتصلة بقضية التوحيد والتنزيه. لكن هذا الاتفاق لم يُتَحْ له النموُّ والتواصل في الفكر الإسلامي لأسباب عديدة، لعل من أهمها حالة التمزق السياسي التي أصابت الإمبراطورية الإسلامية، وما أدت إليه من ضعف انتهى باكتساح المغول لبغداد، وصارت المخاطر تهدِّد الأقاليم الإسلامية كلَّها. ومن شأن ذلك الخطر الخارجي أن يؤدي إلى نموِّ نزعة الاحتماء بما تتصور الجماعة أنه خصائصها الذاتية. لذلك كان من الطبيعي نمو الفكر الحنبلي وسيطرته في كثير من مجالات الفكر الإسلامي. وهنا سنلاحظ أنه حتى تأويلات الأشاعرة لآيات الصفات، انطلاقًا من اتفاقهم مع المعتزلة في محور “التوحيد”، صارت تأويلات غير مشروعة من منظور الفكر الحنبلي المحافِظ.
صحيح أن ابن تيمية – وهو من أهم ممثِّلي الفكر الحنبلي – يعلن نظريًّا “موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول”، لكن مرجعية الاتفاق عنده ليس “المعقول” بل “المنقول”! وفي عبارة أخرى، إذا كان المعتزلة والفلاسفة يعتبرون “العقل” هو الأصل الذي على أساسه يتم تأويل النقل وتفسيره، فإن مدرسة ابن تيمية ترى أن صحيح المنقول هو الأصل الذي على أساسه يُرفَض المعقول أو يُقبل. ونتيجة لذلك لا تصير ثنائية “المُحكَم والمتشابِه” هي العنصر الجوهري في بنية النص القرآني الذي على أساسه يقوم قانون “التأويل”، بل يصير “النقل” هو مرجعية التأويل.
من هنا يتم ترتيب الأصول النقلية ترتيبًا يبدأ بالأعلى في مقدمة ابن تيمية لأصول التفسير، وذلك على النحو التالي تقريبًا:
1. القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا: فما وَرَدَ مجملاً في موضع يَرِدُ مفصَّلاً في موضع آخر. (هذا المبدأ ليس صحيحًا في كلِّ الأحوال، لأن ثمة تطورًا دلاليًّا أحْدَثَه القرآن في كثير من الألفاظ، بحيث يصعب أن تكون الدلالة هي هي في نصٍّ استمر نزولُه أكثر من عشرين عامًا؛ وتلك ملاحظة سيوردها محمد عبده وكذلك أمين الخولي في العصر الحديث.)
2. ما وَرَدَ منسوبًا إلى الرسول في التفسير، سواء بطريقة مباشرة – وهي حالات قليلة – أو بطريقة غير مباشرة، أي من خلال السنَّة.
3. ما وَرَدَ عن الصحابة في الروايات الموثوق في صحَّتها، لأنهم أقرب إلى عصر التنزيل، وأعلم بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، وقرائن الأحوال الملازمة للوحي، إلخ.
4. ما وَرَدَ من تفسير عن التابعين يؤخَذ منه ويُترَك، مع العلم أن كثيرًا من اختلافاتهم في التفسير هي اختلاف تنوُّع وليس اختلاف تضاد.
5. يأتي في هذه المرحلة الأخيرة اجتهادُ المفسِّر بالشروط اللازمة من العلم باللغة والفقه وعلوم القرآن، أي العلوم النقلية كافة.[15]

ولا مكان في هذا الترتيب لأصول التفسير للتفسير بالمجاز على الإطلاق! فالمجاز نوع من “الكذب” في استخدام اللغة – أو “الادعاء” في أحسن الأحوال، إذا استخدمنا لغة عبد القاهر الجرجاني – والقرآن منزَّه عنه. وإذا كان المتكلِّم العادي يلجأ إلى المجاز لأن الحقائق لا تسعفه، فهذا ما لا يجوز على العلم الإلهي في إطلاقه. وما يرى المعتزلة والأشاعرة أنه “مجاز” في القرآن ليس إلا أسلوبًا من أساليب التعبير الوضعية استُخدِمَتْ في اللغة العادية. وتلك كلها قضايا يصوغها ابن قيِّم – تلميذ ابن تيمية – في الكتاب الذي أشرنا إليه الصواعق المرسَلة في الرد على الجهمية والمعطلة في فصل عنوانه “طاغوت المجاز”، وهو كتاب يستحق دراسة مستقلة في حدِّ ذاته.[16] 4. الإشكال في العصر الحديث
من الطبيعي أن يقال هنا إن باب الاجتهاد صار شبه مقفل، ولم يلبث إلا قليلاً حتى أحكم رتاجه في عصر الركود والانحطاط، عصر التلخيصات وشرح التلخيصات والحواشي وشروح الحواشي في مجالات المعرفة كافة. ذلك أن العقل الإسلامي النشط، الذي كان قادرًا على قبول التحديات والاستجابة لها، صار عقلاً يعيش على مخزونه – التراث – الذي أخذ يتناقص حتى اضمحلَّ في وعي المتأخرين، وتحول إلى أقوال تُردَّد وتلوكها الألسن، مثل العبارة التي حلَّلناها فيما سبق: “الاستواء معروف والكيف مجهول والحديث عنه بدعة”. وفتاوى ابن الصلاح في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) تؤكد أن تعاطي المنطق، تعلُّمًا أو تعليمًا، صار جريمة، ولا مجال إطلاقًا لذكر الفلسفة.[17] وتحوَّل علمُ الكلام إلى علم العقائد التي تَرِدُ في الكتب المتأخرة منصوصًا عليها ليحفظها المتعلِّم، أو بالأحرى المتلقِّن. وما حَدَثَ في المجالات كلِّها حَدَثَ في مجال التفسير، فصار تفسير ابن عطية أفضل من الزمخشري، لأنه تلخيص له دون الوقوع في ضلالاته، وأصبح تفسير الزمخشري لا يُقرَأ إلا في ردود ابن المنير عليه. وبالمثل، حَدَثَ تفضيلٌ لتفسير ابن كثير المتأخر على تفسير الطبري المتقدِّم، لأن الأول يخلو من تعقيدات الثاني، كما يخلو من إسرائيلياته.
هكذا تكاثرت النصائح للطلاب: إذا أردتَ علم التفسير فعليك بابن كثير في النقل وابن عطية في الرأي؛ وإن أردت النحو فعليك بشرح ابن عقيل؛ وإن أردت البلاغة فعليك بالخطيب القزويني؛ وإن أردت علم الفقه فهذا يتوقف على المذهب الذي تتَّبعه. وحذارِ من المنطق وعلم الكلام والفلسفة؛ فإنها أضاليل لا ينجو من ضررها إلا الفحول من العلماء المتمكِّنين من عقائد أهل السنَّة والجماعة. وقد استمرت الحال هكذا، حتى بدأ العقل الإسلامي الإفاقة تدريجيًّا والوعي بحالة الركود والانحطاط التي هو عليها. إنه الوعي بالهزيمة وليس الهزيمة ذاتها، لأن الهزيمة كانت واقعًا ماثلاً دون أن يعيها العقل، لأنه كان قانعًا بما يتغذى عليه من تراث خالٍ من مقوِّمات الحيوية والنضارة والتقدم كافة.
لم يكن غريبًا أن يكون محمد عبده أوَّل مَن يدرِّس للطلاب في الأزهر علمَ البلاغة من كتابَي عبد القاهر الجرجاني (القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي) أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز؛ ولم يكن غريبًا أن تكون رسالة التوحيد استعادةً لعلم الكلام الاعتزالي في مبدأ “العدل” والأشعري في مبدأ “التوحيد”. وقد سبق أن أشرنا إلى التقارب الذي كان قد وقع بين الأشاعرة والمعتزلة في قضية “التوحيد”. هكذا يمثل محمد عبده، على مستوى الفكر اللغوي واللاهوتي، إحياءً للتراث في حيويته وقوته نضارته، بنفس القدر الذي يمثل به محمود سامي البارودي الشاعر عصرَ إحياء التراث الشعري في حيويته وقوته ونضارته.
ولا شك أن الإحياء هنا يمثل شكلاً من أشكال الاستجابة للتحديات التي فرضتْها الظروفُ الاجتماعية والسياسية الناشئة عن الاحتكاك بأوروبا؛ وهي تحديات لم يكن ممكنًا للتراث السنِّي المحافِظ، الذي أغلق باب الاجتهاد وأحكم رتاجه، أن يكون قادرًا على مواجهتها. فكان من الطبيعي استدعاء التراث، في حيويته وقوته ونضارته، ليثبت العقل الإسلامي ندِّيته. ومن سوى المعتزلة وابن رشد يمكِّنان محمد عبده من سجال بلنت ورينان وفرح أنطون، ويساعدانه، في الوقت نفسه، على إثبات أن “الإسلام دين العلم والمدنية”[18]. وقد تواصَل هذا الإحياء مع واحد من تلاميذ عبده هو طه حسين، الذي لم يكن غريبًا أن يبدأ عملَه الأكاديمي بدراسة كلٍّ من أبي العلاء المعري، الشاعر الفيلسوف الضرير، وابن خلدون، المؤرِّخ ومبدع علم “العمران البشري”؛ ثم لم يكن غريبًا أن يكون هو نفسه، طه حسين، على رأس البعثة التي كشفت عن كنوز التراث المعتزلي التي كانت مدفونة في المكتبة المتوكِّلية باليمن، وأهمها موسوعة القاضي عبد الجبار المغني في أبواب التوحيد والعدل.
لكن ماذا عن تأثير هذا كلِّه في علم التأويل القرآني؟ وكيف كانت الاستجابة توافقًا مع النصِّ المركزي، لا للثقافة وحدها بل للحضارة كلِّها، في صيرورتها وارتفاعها وانخفاضها؟
من المهم هنا أن نشير إلى أنَّ تفسير الطنطاوي الجوهري من هذه الناحية يمثل استجابةً كاملة للعلوم الطبيعية والاجتماعية، كما استوعبها بالطبع، مازجًا بين النظريات التي عَرَفَها وما يشابهها أو يقاربها في التراث. لكنه، مثله كمثل سلفه الرازي، صاحب التفسير الكبير، حرص على ما يمكن أن يُسمَّى “إشباع الدلالة” حتى تفيض خارج النصِّ في مساحات شاسعة. لذلك يَصدُق عليه – أي على تفسير الطنطاوي الجوهري – ما قاله القدماءُ على التفسير الكبير للرازي أنه “فيه من كلِّ شيء إلا التفسير”[19]!
ولعل ما يميِّز تفسيرَ محمد عبده (الذي أكمله تلميذه رشيد رضا) أنه، على اتساعه وحرصه على”إشباع الدلالة”، تفسير يكاد ألا يتجاوز نطاق النصِّ حتى يعود إليه؛ هذا بالإضافة إلى أنه – خلافًا لتفسير الطنطاوي الجوهري – اكتسب انتشارًا واسعًا، لا في دائرة المهتمين والطلاب الذين درَّس لهم عبده فقط، بل في دائرة أوسع من القراء والمثقفين في العالم العربي والإسلامي. ومن المؤكد أن استجابة محمد عبده – في التفسير – للتحديات التي كانت مطروحة على العقل الإسلامي كانت استجابةً أكثر تركيبًا من استجابة الطنطاوي الجوهري في تفسيره؛ فلم يكن مشغولاً بالبحث عن التطابق بين حقائق العلم ودلالة النص، بقدر ما كان شاغلَه فتحُ دلالة النصِّ لمخاطبة العقل الإسلامي الناهض وحثِّه على مواصلة النهوض.[20] لذلك كان من الطبيعي، على المستوى النظري للقواعد التي وضعها في خطوات التفسير، أن تكون قواعدَ عامة لتأويل النصوص، دون إغفال طبيعة النصِّ القرآني، بما هو نصٌّ دينيٌّ هدفه “هداية” البشر إلى الإيمان. وعلى ذلك، فالمقصد من التفسير والهدف هو
فهم المُراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودَعة في الكلام. […] فالمقصد الحقيقي من وراء كلِّ تلك الشروط والفنون هو الاهتداء بالقرآن.[21]

من الواضح هنا أن محمد عبده، حين يجعل هدفَ التفسير وغايتَه “الاهتداء بالقرآن”، يقصد تنوير العقل الإسلامي ذاته مما ران عليه من إظلام عصور الركود والانحطاط. وربما يكون القصد إلى هداية “غير المسلمين” مضمَرًا في كلام محمد عبده؛ ولعل الأقرب إلى السياق أن نقول إن المقصود بالهداية – في حالة غير المسلمين – شرح القرآن وإبراز دلالاته لمن أساؤوا فهمه من غير المسلمين، فهاجموا الإسلام. وأيًّا كان تأويل مقصد “الهداية” عند عبده، فلا شك أنه مقصد ديني في جوهره، و”هو مقصد جليل ولا شك يحتاج المسلمون لتحقيقه”، بنصِّ عبارة الشيخ أمين الخولي.[22] لكن الشيخ الخولي لا يعتبر مقصد الهداية “الغرض الأول من التفسير، وليس هو أول ما يعنى به ويقصد إليه”، ويرى أن
قبل ذلك كلِّه مقصدًا أسبق وغرضًا أبعد تنشعب منه الأغراضُ المختلفة وتقوم عليه المقاصد المتعددة. ولا بدَّ من الوفاء به قبل تحقيق أيِّ مقصد آخر، سواء كان ذلك المقصد الآخر علميًّا أم عمليًّا، دينيًّا أم دنيويًّا.[23] هذا المقصد الذي يعتبره الخولي مقصدًا جوهريًّا وأساسيًّا هو “البيان”؛ وهو مصطلح يحتاج لتحليل خاص وشرح دقيق في سياق مجموعة المفاهيم التي تناوَلها الخولي في مشروعه التجديدي في النحو والبلاغة والتفسير وفنِّ القول بصفة عامة. ويكفي هنا الإشارة إلى أن ما يعنيه الخولي بمفهوم “البيان” قريب الصلة إلى حدٍّ كبير – إن لم يكن إلى حدِّ التطابق – بمفهوم “المنهج اللغوي الفنِّي” الذي استخدمه طه حسين في إثبات صحة بعض قصائد الشعر الجاهلي في كتابه المعروف في الشعر الجاهلي، الذي سنتناول ما يربط بين ما وَرَدَ فيه وما يقوله الخولي في فقرة تالية.
وليس مقصد “الهداية” الذي يعتبره محمد عبده الهدفَ من التفسير في معزل عن “المنهج اللغوي الفنِّي”، لأن هذا الأخير هو الأداة والوسيلة التي من دونها لا يمكن الوصول إلى الهدف والمقصد. وهذا المنهج يحدِّده محمد عبده في الخطوات التالية:
1. فهم حقائق الألفاظ المفردة الموجودة في القرآن بحسب دلالاتها التداولية في عصر النزول، “بحيث يحقِّق المفسِّر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتفٍ بقول فلان وفهم علان. فإن كثيرًا من الألفاظ كانت تُستعمَل في زمن التنزيل لمَعَانٍ، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد”[24]. وفي هذه الخطوة يبدو واضحًا رفضُ محمد عبده لعملية “الإسقاط” الدلالي من الحاضر على الماضي من خلال عدم الاهتمام بالدلالة التداولية للألفاظ في عصر النزول – وهو إسقاط صار شائعًا الآن، ويتجلَّى في كثير من كتب التفسير المعاصرة. ولعل مجلاه الأوضح هو ذلك التفسير المسمَّى بـ”التفسير العلمي للقرآن”.
2. يلي فهمَ دلالة الألفاظ المفردة في سياق تداولها اللغوي فهمُ الأساليب، و”يحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان)”[25].
3. الخطوة الثالثة في المنهج هي “علم أحوال البشر”: إذ لا بدَّ للناظر في هذا الكتاب من “النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشئ اختلاف أحوالهم، من قوة وضعف، وعزٍّ وذُل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالَم الكبير، علويِّه وسفليِّه. ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة، من أهمِّها التاريخ بأنواعه”[26].
4. والخطوة الرابعة في المنهج تُعَدُّ امتدادًا للخطوة الثالثة، أو تفريعًا لها: إذ العلم بأحوال البشر يندرج فيه العلم بما “كان عليه الناس في عصر النبوَّة، من العرب وغيرهم. […] وكيف يفهم المفسِّر ما قبَّحتْه الآياتُ من عوائدهم على وجه الحقيقة، أو ما يقترب منها، إذا لم يكن عارفًا بأحوالهم وما كانوا عليه؟”[27] 5. كذلك تُعَدُّ الخطوة الخامسة تفريعًا للخطوة الرابعة: فالعلم بما كان عليه الناس في عصر النبوَّة من العرب وغيرهم يتضمن “العلم بسيرة النبي صلعم وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون، دنيويِّها وأُخرويِّها”[28].
وليس من الصعب أبدًا أن نقول هنا إن الخطوات التي يرتِّبها عبده منهجًا للتفسير تربط ربطًا وثيقًا مُحكَمًا بين مرجعيَّتين متجاوبتين: اللغة في السياق التاريخي لتداوُلها (عصر النزول)، والعالَم من حيث القوانين المحرِّكة له طبيعيًّا واجتماعيًّا في صيرورته في التاريخ. إن النصَّ هنا، في فهم عبده الضمني من خلال تحديده لخطوات المنهج، بناءٌ لغوي دالٌّ في سياق اجتماعي تاريخي بعينه، غير معزول، في الوقت نفسه، عن القدرة على إنتاج الدلالة خارج إطار هذا السياق. لكن الدلالة المنتَجة خارج السياق الاجتماعي التاريخي الخالص يجب ألا تكون مفروضة “إسقاطًا” على البناء اللغوي الدالِّ للنص؛ أو لنقل، في عبارة أخرى أقرب إلى لغة التراث، إن “المفهوم” يجب ألا يفارق “المنطوق”، على الرغم من ثبات الثاني وحركيَّة الأول.
وهنا تسعف محمد عبده أدواتُ التأويل الاعتزالية (علم المعاني والبيان) لفتح دلالة النصِّ من خلال “المنطوق” الثابت. لكن محمد عبده – وهذا أمر لافت – يطلق على علمَي البلاغة التقليديين اسمًا حديثًا هو “علم الأساليب”، مستبدِلاً باللغة القديمة لغةً معاصرة في تجاورٍ لا يخلو في حدِّ ذاته من دلالة. إن الجديد هنا لا يزيح القديم ولا يحل محلَّه، بل يجاوِرُه في علاقة مقارنة واضحة. وتلك بالضبط كانت استجابة عبده على مستوى تأويل القرآن. وهنا نشير إلى بعض الأمثلة إشارةً سريعة، تاركين التحليل التفصيلي لسياق آخر.
***
[1] السيوطي (عبد الرحمن جلال الدين)، الإتقان في علوم القرآن، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط 3، القاهرة، 1370 هـ/1951 م.
[2] انظر: محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط 4 1979، الجزء الخامس، ص 48-49، وكذلك ص 66.
[3] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، بتحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، 1971، الجزء السادس، ص 198.
[4] سورة عبس (رقم 80)، الآية 31.
[5] سورة الأنعام (رقم 6)، الآية 82.
[6] سورة لقمان (رقم 31)، الآية 13.
[7] الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، وبهامشه “الانتصاف فيما تضمَّنه الكشاف من الاعتزال” لأحمد بن محمد الإسكندراني المالكي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط 3، 1966.
[8] انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، نوع “أسباب النزول”.
[9] انظر: محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 4، 1989. وفيما يتصل بمنهج المعتزلة في التأويل، انظر دراستنا: الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، دار التنوير، ط 3، 1993.
[10] الخياط (أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان)، الانتصار في الرد على ابن الراوندي، بتحقيق نيبرج، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1957، ص 13-14.
[11] انظر: القاضي عبد الجبار أبو الحسن الأسدآبادي: متشابه القرآن، بتحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، ط 1، القاهرة، 1966، ص 35-36.
[12] انظر: الطبري: جامع البيان، بتحقيق شاكر (سبقت الإشارة إليه)، الجزء الأول، ص 428-431؛ وانظر كذلك المجلد الحادي عشر، مطبعة الريان، القاهرة (مصورة عن طبعة بولاق قديمة)، ص 482-483.
[13] انظر: ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بتحقيق محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة، 1972، ص 32.
[14] انظر نماذج لهذا الخلاف في كتابنا السابق الإشارة إليه في الحاشية 9، ص 78.

[15] انظر: ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير.
[16] نُشِرَ الكتاب بتصحيح زكريا علي يوسف، مطبعة الإمام، القاهرة، 1380 هـ.
[17] نقلاً عن: مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، ط 3، 1966، ص 85-86.
[18] ما بين علامات التنصيص أسماء كتب لمحمد عبده، سنحيل إلى بعضها فيما يلي.
[19] تفسير طنطاوي الجوهري، تفسير الجواهر، دار المعارف، القاهرة، دون تاريخ.
[20] تفسير المنار، المجلد الأول، ص 21.
[21] أمين الخولي، مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، دار المعرفة، القاهرة، ط 3، 1961.
[22] مناهج التجديد، ص 302.
[23] مناهج التجديد، ص 302-303.
[24] تفسير المنار، المجلد الأول، ص 19.
[25] السابق، ص 20.
[26] السابق، ص 20-21.
[27] السابق، ص 21.
[28] السابق نفسه.
…………………………………..
(2)
القَصَص القرآني كله ليس تاريخًا، “وإنما المراد بها الاعتبار والعظة من السياق”[29]. وليس المهم في القصة ما تحكيه من وقائع وأحداث، بل المهم هو أسلوب السرد ذاته الذي تُستنبَط منه العظة.
وعلى ذلك، فإن “الإعجاز” في القصص القرآني “في اللفظ، لا في القصص نفسها”[30]، أي في بنائها اللغوي السردي، وليس في مماثلة وقائعها المرويَّة للتاريخ أو في تَطابُقها مع وقائع التاريخ.[31] بالإضافة إلى ذلك، يقرِّر محمد عبده أن ترتيب السرد في القرآن لا يتطابق مع الترتيب المنطقي الطبيعي للوقائع، بل هو ترتيب لتأدية وظائف الوعظ والاعتبار.[32] ومن البديهي فيما يؤكد عبده أن
ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون كلُّ ما يُحكى فيها عن الناس صحيحًا. فذكر السحر في هذه الآيات [البقرة 102] لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه… إن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار، لا لبيان التاريخ ولا للحَمْل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين. وإنه ليحكي من عقائدهم الحقَّ والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار. فحكاية القرآن لا تعدو موضع العِبرة، ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بدَّ أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحَسَن واستهجان القبيح. وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعمَلة عند المخاطَبين أو المحكيِّ عنهم، وإن لم تكن صحيحةً في نفسها، كقوله: “كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطانُ من المس” [البقرة 275]، وكقوله: “بلغ مطلع الشمس” [الكهف 90]. وهذا الأسلوب مألوف. فإننا نرى كثيرًا من كتَّاب العربية وكتَّاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشرِّ في خطبهم ومقالاتهم، ولاسيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء، ولا يعتقد واحدٌ منهم شيئًا من تلك الخرافات الوثنية.[33] إذا تأملنا ما يحاوله عبده هنا، فمن السهل أن نقرر أنه يحاول حماية القرآن من هجوم بعض المستشرقين، خاصة فيما يتصل بمسألة القصص القرآني والدقة التاريخية. ليس القرآن كتابًا في التاريخ – هكذا يكرر عبده هذه العبارة – بل هو كتاب هداية وموعظة وعِبْرة، يورِد ما يُروى وما يُحكى عن الأمم السابقة مورد الحكاية لتحقيق هذه الغاية، التي قد تتطلب تحويرًا أو اختصارًا أو ترتيبًا سرديًّا مخالفًا للوقائع. بالإضافة إلى هذا، يؤكد عبده أن ما يُحكى من اعتقادات وما يَرِدُ من عبارات، إنما يُحكى مطابِقًا لوعي المخاطَبين أو المحكي عنهم؛ ومن ثَمَّ لا مجال لاعتقاد صحته أو صوابه لمجرد أنه ذُكِرَ في القرآن. وهنا يتمكن عبده من تأويل كلِّ ما ورد عن السحر والحسد ومسِّ الشيطان للإنسان تأويلاً عقلانيًّا.
وإذا كان عبده ينطلق في كثير مما سبق من حقيقةٍ متفَقٍ عليها، هي أن الله يخاطب البشر على قدر عقولهم وأفهامهم، فإنه يطوِّر هذا المفهوم تطويرًا شاملاً، بحيث يجعل منه مرجعيةَ تأويلٍ أساسية. ولا شك أن عبده قد أفاد من علم النفس كثيرًا في عملية التطوير تلك؛ لكنه أفاد بالمثل من مفاهيم التمثيل والمجاز والكناية والاستعارة في التراث البلاغي العربي. في عبارة أخرى، يمكن القول إن عبده قد جمع بين الاستمداد من التراث وبين العلوم العصرية في محاولته الاستجابة للتحدي المطروح على العقل المسلم الذي يعتبر القرآن مرجعَه الأساسي. لذلك استند فعل التأويل عنده إلى مرجعية اللغة، كما استند إلى مرجعية المعرفة العصرية في تركيب منهجيٍّ دقيق يتطابق، إلى حدٍّ كبير، مع خطوات المنهج التي سبق تحليلُها.
هكذا تصبح قصة آدم وحواء، بما تضمَّنتْه من تفاصيل خَلْقِه وأمر الملائكة بالسجود له، ومخالفة إبليس، وتعليمه الأسماء، ثم إغراء إبليس، فالمعصية، فالخروج من الجنة – يصبح ذلك كله من قبيل “التمثيل” و”التصوير”[34]. وبالمثل، فإن “آدم” – فيما يرى عبده في تفسيره لكلمة “خليفة” – “ليس أول الأحياء التي سكنت الأرض”[35]. وهكذا يستجيب العقل المسلم لنظرية “النشوء والارتقاء” التي مثَّلت آنذاك تهديدًا مباشرًا لانسجام العقل المتدين عامة والعقل المسلم خاصة. لكن استجابة عبده هنا ليست قفزًا في الفراغ بتأويلٍ لا سند له من اللغة أو التراث؛ ذلك أن كلمة “خليفة” – كما فهمها بعض المفسِّرين القدماء – يمكن أن تعني “خلفًا” لقبيل سابق من الأحياء كان يسكن الأرض، “يفسد فيها ويسفك الدماء”.
وبتطبيق المنهج نفسه، تصبح قصة ابنَي آدم – قابيل وهابيل – تمثيلاً لنوازع الخير والشر، وتصبح قصة إبراهيم مع الطير، الواردة في القرآن إثباتًا لقدرة الله على إحياء الموتى، تمثيلاً كذلك، لأن معنى “فصرهن إليك” ليس قطِّعهن أجزاء، بل “مرِّنهن على طاعتك”. وهكذا، إذا كان الطير بالتمرين يستجيب للإنسان ويطيعه، أليس كلُّ ما في الوجود رهن مشيئة الله بما هو الخالق؟[36] بل يذهب محمد عبده – في جرأة غير مسبوقة إلا في أقوال بعض المعتزلة – إلى أن نزول الملائكة وقتالهم مع المسلمين في موقعة بدر الكبرى لم يكن حقيقة حرفية، بل كان من قبيل البُشرى والتأييد المعنوي.[37] وهو في هذا التأويل يستند إلى نفس القاعدتين اللتين أشرنا إليهما: اللغة، من جهة، والخبرة الإنسانية والمعرفة التراثية، من جهة أخرى – وكلاهما ينفي النزول الحرفي للملائكة. أما الدليل اللغوي فموجود في السرد القرآني: “وما جعله الله إلا بُشرى ولتطمئن به قلوبكم”؛ بينما يستند عبده في مرجعيته التراثية إلى تفسير محمد بن جرير الطبري – الذي أنكر نزول الملائكة في أُحُد[38]، وسكت عن مرويات قتالهم في بدر لأنها، فيما يرى عبده، “لم تكن حَرِيَّة بأن تُنقَل”[39]. ويستند كذلك إلى المعتزلي أبي بكر بن الأصم، الذي أنكر قتال الملائكة في بدر، وقال – فيما يروي عنه عبده – إن “المَلَك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض، كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط؛ فإذا حضر هو يوم أحد، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟”[40] هكذا يجمع عبده بين النقل والعقل. وينتهي عبده إلى رفض النقل الذي يتعارض مع العقل، قائلاً:
كفانا الله شرَّ هذه الروايات الباطلة التي شوَّهت التفسير وقلبت الحقائق، حتى إنها خالفت نصَّ القرآن نفسه. فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة: “وما جعله الله إلا بُشرى ولتطمئنَّ به قلوبُكم”. وهذه الروايات تقول بل جعلها مقاتلة، وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصَّهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة. إلا أن في هذا من شأن تعظيم المشركين ورفع شأنهم وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم، ما لا يصدر عن عاقل إلا وقد سُلِبَ عقلَه لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند.[41] هكذا يمكن القول إن مرجعية التأويل عند محمد عبده مرجعية مركبة تركيبًا أعقد من تركيب مرجعية التأويل عند المعتزلة؛ بل الأحرى القول إن مرجعية عبده هي مرجعية معتزلي يعيش في نهاية القرن التاسع عشر، محاولاً الإفادة من ثمار الفكر الإنساني والتوافق مع النصِّ المركزي في حضارته وثقافته. لذلك نراه يضع “القصص القرآني” في إطار “المتشابهات” التي تحتاج للتأويل وفق مقتضيات العقل، دون التسليم بدلالاتها الحرفية.[42] لكنه، على الرغم من ذلك، لا يدخل في عراك ضد “طريقة السلف” – أهل السنَّة والجماعة – كما فعل أسلافُه من المعتزلة، بل يحاول أن يميِّز بين “تفويض” أهل السلف وبين “تأويل” المعتزلة أو الخلف، ويرى أن التفويض واجب ضروري على مستوى “الاعتقاد” القلبي الداخلي، لكن “التأويل” كذلك واجب ضروري للكلام الإلهي “لأنه لا بدَّ للكلام من فائدة يحمل عليها، لأن الله – عزَّ وجلَّ – لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى”[43].
على أساس هذا التمييز، يمكن لنا أن نفهم ما يقوله عبده عن نفسه من أنه يجمع بين طريقة السلف وطريقة الخلف، وذلك على عكس تلميذه ومُكمِّل تفسيره محمد رشيد رضا، الذي يطمئن تمامًا إلى طريقة أهل السلف، ويؤكد أن هذا الاطمئنان الكامل لم يتحقق له تفصيلاً إلا بممارسة كتب كلٍّ من ابن تيمية وابن القيم[44]، حامِلَي لواء السلفية الحنبلية المناهِضة لأية مرجعية في التأويل سوى مرجعية اللغة، المعزولة حتى عن صيرورتها التاريخية وأفُقها الاجتماعي.
لكن جَمْعَ عبده بين طريقتي السلف والخلف (مع التمييز بينهما في الوقت ذاته) تحوَّل في أتباعه إلى تيارين ما يزالان حتى الآن يشكلان قطبَي صراع – يهدأ حينًا ويشتد أحيانًا – في تاريخ الفكر الإسلامي حتى يومنا هذا، خاصة في مجال تأويل القرآن وتفسيره – وهو المجال الذي نركز عليه هنا: من طريقة السلف نهل رشيد رضا، ومنه نقل حسن البنا، فتأسَّستْ جماعة “الإخوان المسلمين”؛ ومن طريقة الخلف نهل علي عبد الرازق وطه حسين وأمين الخولي ومحمد أحمد خلف الله – ولكلٍّ منهم قصة دامية مع تيار أهل السلف معروفة.[45] لن نتوقف هنا عند كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، لأن اتصاله بعلم التأويل اتصال غير مباشر، من جهة، ولأننا تناولناه تفصيلاً في دراسة سابقة من جهة أخرى.[46] لكن لماذا ذُكِرَ اسم طه حسين من بين أتباع منهج الخلف، وليس لطه حسين اتصالٌ بعلم التأويل كذلك؟ تتضح العلاقة بين طه حسين ومحمد عبده – من زاوية تأويل القرآن – حين نتأمل سياق الفقرة التي وردت في كتاب طه حسن في الشعر الجاهلي والتي أثارت ما أثارت من احتجاج وردود ومناقشات ومطالبة بفصل طه حسين من الجامعة – حتى حسم وكيل النائب العام محمد نور الدين المشكلة من الناحية الإدارية، وإنْ ظلت لها، حتى الآن، امتداداتها وتفاعلاتها، سلبًا وإيجابًا، – هذا على الرغم من أن المؤلِّف نفسه – طه حسين – قام بسحب الكتاب، وحذف منه الفقرة التي أثارت كلَّ هذا الضجيج، ثم أعاد نشره باسم في الأدب الجاهلي الذي يماثل من حيث الحجم ثلاثة أضعاف الكتاب الأول.
طه حسين (1889-1973)
إن السياق الأساسي للكتاب هو مناقشة مدى انتساب هذا الشعر الذي يسمى “جاهليًّا” إلى عصر ما قبل الإسلام فعلاً. ومن خلال بعض الأدلة والأسانيد التاريخية واللغوية، يرى طه حسين أن “الصلة بين أصل اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية (في الحجاز وشمال الجزيرة) واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية (في اليمن)، إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأية لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة”. وبصرف النظر عن صحة هذه القضية أو خطئها، فإن المؤلِّف يستند إليها في الشك في صحة نسبة هذا الشعر المنسوب إلى شعراء أصلهم يمني والمصوغ بلغة عربية فصحى هي لغة الشمال. ويرى طه حسين أن هذا الشعر لا يمكن له أن يكون قد ظهر قبل القرآن، لأنه مكتوب بلغة قريبة جدًّا من عربية القرآن، التي لم تصبح لغة الجزيرة كلِّها إلا مع انتشار الإسلام. وتأسيسًا على ذلك، يرى طه حسين أن القرآن يجب أن يكون هو المرجع في فهم حياة الجاهلية، لا هذا الشعر الذي يُنسَب إلى الجاهليين وهو لا ينتسب لذاك العصر:
إن هذا الشعر الذي يُنسَب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن، من الوجهة اللغوية والفنية، أن يكون لهؤلاء الشعراء ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن… ولا ينبغي أن يُستشهَد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغي أن يُستشهَد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله… هذه الأشعار لا تثبت شيئًا ولا تدل على شيء، ولا ينبغي أن تُتَّخذ وسيلةً إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث؛ فهي إنما تُكُلِّفت واختُرِعَتْ اختراعًا ليستشهد بها العلماءُ على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه.[47] في مقابل هذا الشك في الشعر الجاهلي والتقليل من شأنه في مسائل التفسير والتأويل، نجد ثقةً مطلقة في صحة النصِّ القرآني، حتى ليغدو في نظر طه حسين المرآةَ الأصدق للحياة الجاهلية؛ وهو يرى أن هذه القضية بدهية، على الرغم مما تبدو عليه من غرابة في نظر مَن يسمعها لأول مرة. إنها قضية بدهية لأن “نص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه”. لكن هذا النفي الحاسم لصحة كثير من الشعر الجاهلي، من حيث نسبتُه إلى ذلك العصر، مع التأكيد الحاسم كذلك على صحة النص القرآني وكونه هو المرآة الصادقة للعصر الجاهلي، يفضي إلى مشكل لا بدَّ من حلِّه. ذلك أن الذين يقولون بوجود لغة موحدة يتكلمها العدنانيون والقحطانيون (أهل الشمال والجنوب) يستندون إلى بعض المرويات في التفرقة بين “العرب العاربة” – أي العرب الأقحاح الأصليون (وهم أهل الشمال) – وبين “العرب المستعربة”، وهم أهل الجنوب الذين تعلَّموا العربية وأتقنوها وتخلوا عن لغتهم الحميرية منذ عصور بعيدة، وهي لغة يربطها هؤلاء البعض تاريخيًّا بهجرة إبراهيم بكلٍّ من إسماعيل وهاجر إلى أرض الحجاز، وهي القصة الواردة في القرآن الكريم.
كان تأويل القصة القرآنية على أساس “التمثيل” بوصفها من “المتشابهات”، وفقًا لمنهج الإمام محمد عبده، هو الحل الذي قدَّمه طه حسين لفضِّ الإشكالية؛ ولم يكن هذا الحل يتضمن بأية حال ما توهَّمه البعضُ من أتباع منهج السلف التشكيكَ في صحة القرآن: فالقرآن ليس كتابًا في التاريخ، من جهة، وهو يخاطب الناس على قدر عقولهم وأفهامهم، من جهة أخرى. وخلاصة ذلك أن ما يُروى في القرآن من قصص يجب ألا نبحث عن صدقه – أو عدم صدقه – في التاريخ العلمي الموثَّق، لأنه قصص كان معروفًا عند الناس وكان متداولاً. وهنا لا بدَّ أن نشير إلى أن طه حسين يؤكد – بالإضافة إلى تأكيده صحة النص وكونه أصدق مرآة للعصر – أن إعجاب الناس بالقرآن – من أسلم منهم ومن أصرَّ على وثنيته – نابعٌ من وجود نوع من الصلة، “هي هذه الصلة بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه”[48]. ومن شروط الأثر الفني البديع أن يكون جديدًا، لا بمعنى الغرابة التامة التي تجعله عصيًّا على الفهم وفوق مستوى الإدراك والتذوق، بل بمعنى الجدة اللافتة والمتضمنة لعناصر مألوفة في نفس الوقت. إذ لو كان القرآن جديدًا تمامًا بالنسبة للعرب
لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضُهم ولا ناهَضَه وجادل فيه بعضُهم الآخر. إنما كان القرآن جديدًا في أسلوبه، جديدًا فيما يدعو إليه، جديدًا فيما شرَّع للناس من دين وقانون. ولكنه كان كتابًا عربيًّا، لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره، أي في العصر الجاهلي.[49] ليس من الغريب في ظلِّ هذا التصور – المستند إلى أطروحة عبده عن القصص القرآني – أن تكون هجرة إبراهيم بإسماعيل وهاجر للكعبة معروفة عند العرب قبل نزول القرآن. وليس ورودها في القرآن دليل على صحتها التاريخية بقدر ما هو دليل على وجودها في وعي المخاطَبين بالقرآن وفي ضمائرهم. ويرى طه حسين أن أقدم عصر يمكن أن تكون قد انتشرت فيه هذه القصة
إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبثون فيه المستعمرات. فنحن نعلم أن حروبًا عنيفة شبَّت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد، وانتهت بشيء من المسالمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة. فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين المُغِيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام، لاسيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئًا من التشابه غير قليل: فأولئك وهؤلاء ساميون… وقد كانت قريش مستعدة كلَّ الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح. فقد كانت في أول هذه القرن قد انتهت إلى حظٍّ من النهضة السياسية والاقتصادية ضَمِنَ لها السيادة في مكة وما حولها وبَسْطَ سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من البلاد العربية الوثنية. وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين: التجارة من جهة، والدين من جهة أخرى.[50] وينتهي طه حسين من ذلك إلى أن قصة “العاربة والمستعربة” وتعلُّم إسماعيل العربية من جُرْهم – ذلك كله “حديث أساطير لا خطر له ولا عناء”[51]. لكن ظهورها في القرآن – الذي لا يعني صحتَها التاريخية – كانت وراءه أهدافٌ دينية يمكن أن تكون القصة ناجزة في تحقيقها. ذلك
إن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب قد اقتضى أن تثبت الصلةُ الوثيقة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين: ديانة النصارى واليهود. فأما الصلة الدينية فثابتة واضحة: فبين القرآن والتوراة والإنجيل اشتراك في الموضوع والصورة والغرض – كلها ترمي إلى التوحيد، وتعتمد على أساس واحد، هو هذا الذي تشترك فيه الديانات السماوية السامية. ولكن هذه الصلة الدينية معنوية عقلية، يحسن أن تؤيدها صلةٌ أخرى مادية ملموسة – أو كالملموسة – بين العرب وأهل الكتاب. فما الذي يمنع أن تُستغَل هذه القصة، قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود؟[52] هذا التأويل التاريخي/السياسي/الاجتماعي لورود القصة في القرآن لكي تؤدي غرضًا دينيًّا، تتعمَّق من خلاله الصلةُ الدينية المعنوية بين القرآن والنصوص الدينية السابقة عليه، – وهي صلة لا مجال للتشكيك فيها، – ليس إلا امتدادًا لأطروحة محمد عبده، معمَّقًا بإطار ثقافي وأفُق معرفي أوسع من ذلك الذي كان متاحًا لمحمد عبده. ولعل هذا هو الذي يفسِّر مفارقة لغة طه حسين لِلُغة محمد عبده، من جهة، ويفسِّر ردَّ الفعل العنيف والعُصابي ضد كتاب في الشعر الجاهلي وضد طه حسين، من جهة أخرى. إنها لغة جديدة، وغير مهادِنة في الوقت نفسه، لأنها تستخدم مفردات مثل “أسطورة” لوصف القصة ومثل “استغلال” وصفًا لتوظيف القرآن للقصة. وتبلغ لغة طه حسين أقصى درجاتها تحديًا للعقل النقلي – اللغة التي تعني عدم المهادنة مع لغة الوعظ والخطابة – حين يقول:
للتوراة أن تحدِّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدِّثنا عنهما أيضًا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدِّثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها.[53] قد يختلف الباحثون أو يتفقون مع ما يطرحه طه حسين في مشكلة “الشعر الجاهلي”، وقد يختلفون معه أو يتفقون في الدلائل والبراهين التي استند إليها لإثبات اختلاف لغة أهل الشمال عن لغة أهل الجنوب؛ لكن الرجل لم يكن يشكِّك في صدق القرآن بأية حال من الأحوال، بل تعرَّض لتأويل قصة من القصص القرآني تأويلاً اجتماعيًّا تاريخيًّا، منطلقًا دون شك من إنجاز محمد عبده بشأن عدم التطابق بين القصص القرآني والتاريخ. لكن أتباع منهج السلف قرءوا الكتاب على طريقة “ولا تقربوا الصلاة…”، كما فعلوا ذلك مع كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق.[54] لكن ما أضافه طه حسين إلى إنجاز محمد عبده، واصَلَه الشيخُ أمين الخولي في مجال الدراسات القرآنية، وذلك على الرغم من أن طه حسين نفسه – كما سلفت الإشارة – سحب الكتاب وأزال منه لغتَه غير المهادِنة، تمامًا كما فعل علي عبد الرازق الذي ظل مصرًّا على عدم طبع كتابه، – على الرغم من تغيُّر المناخ العام، – حتى طُبِعَ مرة ثانية في منتصف السبعينات بعد وفاته. أما كتاب طه حسين فلم يُطبَع طبعته الثانية إلا في سياق المأساة الرابعة في بداية العام 1995.[55] إن حديث محمد عبده عن أسلوب السرد في قصص القرآن، وكيف أنه أسلوب يتحدد من خلال الغَرَض الديني الوعظي للقص، ولا علاقة له بالتتابع الطبيعي المنطقي أو التاريخي للوقائع خارج القرآن، كان مقدمة أساسية مكَّنتْ طه حسين من أن يبني عليها مقدمة أخرى معروفة تمامًا ومتفقًا عليها، هي “جدَّة القرآن من حيث الأسلوب”. واستنبط طه حسين من المقدمتين نتيجة فحواها أن القرآن “أثر فني بالغ”، وأنه مارس تأثيره في معاصريه من خلال كونه كذلك. وهذا بالتحديد هو المفهوم الذي ينطلق منه الشيخ أمين الخولي عن النصِّ القرآني: إنه كتاب العربية الأكبر، وأثرُها الفني الأقدس: “فالقرآن كتاب الفنِّ العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظرُ على أنه كذلك في الدين أم لا”[56].
من هنا يؤسِّس أمين الخولي اختلافَه الذي أشرنا إليه مع محمد عبده على غاية التفسير، ويرى أن المقصد الأسبق والغرض الأول لعملية التفسير هو “البيان”؛ إذ هو الهدف الذي تنشعب منه الأغراضُ المختلفة وتقوم عليه المقاصدُ المتعددة [ومنها قصد الهداية عند محمد عبده]، ولا بدَّ من الوفاء به قبل تحقيق أيِّ مقصد آخر، سواء كان ذلك المقصد الآخر علميًّا أم عمليًّا، دينيًّا أم دنيويًّا.[57] وإذا كان محمد عبده – كما سلفت الإشارة – يشير إلى علمَي البلاغة التقليديين (المعاني والبيان) باسم “علم الأسلوب”، فليس منطقيًّا أن تُفهَم كلمة “البيان” – التي هي المقصد الأساسي والجوهري من عملية التأويل والتفسير – بدلالتها البلاغية عند القدماء.[58] وإذا كان أمين الخولي لم يترك تفسيرًا – مثل محمد عبده – فقد كان انشغاله بقضية “المنهج” هو الحافز وراء القيام بدراسات وبحوث استكشافية عديدة، خلَّفتْ لنا تسعة كتب في اللغة والأدب والبلاغة والفكر والأديان المقارنة. واحد من هذه الكتب هو كتاب مناهج التجديد، – الذي نعتمد عليه هنا أساسًا، – ويضم بين دفَّتيه عشر دراسات من تلك المجالات المُشار إليها، وكلها يركِّز على مشكلة المنهج. وانشغال الخولي هكذا بقضية المنهج في أكثر من مجال من المجالات المشار إليها كان من شأنه، دون شك، أن يعمِّق إلى حدٍّ كبير مفهومَه لمنهج التفسير والتأويل.
قلنا إن المنهج ينطلق من مفهوم محدَّد للقرآن، بوصفه أثر العربية الخالد الأقدس، هو كذلك للعربي، مسلمًا كان أم مسيحيًّا أم يهوديًّا أم ملحدًا. وليس المقصود بـ”العروبة” عند الخولي عروبة العرق والجنس والعصب والدم، بل العروبة هي عروبة اللسان والثقافة والعقل. وليس معنى أن القرآن أثر فني عربي أنه ليس كتابًا دينيًّا مقدسًا منزَلاً من عند الله على نبيِّه محمد، بل المعنى أنه نص يمارس تأثيره وفعاليته، على المسلم وعلى غير المسلم كذلك، من خلال خصائصه الأدبية والفنية، المميِّزة له والفارقة له عما سواه من النصوص؛ وهو التمييز والتفريق الذي أطلق عليه القدماء اسم “الإعجاز” – هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فليس معنى القول بأنه “عربي” أنه لا يخاطب غير العرب في مراميه وأهدافه؛ كما أن هذا الوصف لا يعني انحسار دلالته في المدى القصير لزمن نزوله أو بعده بقليل. لا شيء من هذا يتضمنه مفهوم أن القرآن “أثر فني عربي” أو أنه “كتاب العربية الأكبر”، لأن للقرآن، بما هو أثر فني،
معاني ومرامي إنسانية اجتماعية بعيدة الهدف، أبدية العمر، لكن ذلك كلَّه إنما جاء الإنسانية في ثوبه العربي وبذلك التعبير العربي؛ والتمثيل التام لهذه العروبة هو السبيل المتعيِّنة لفهم ذلك كلِّه والوصول إليه.[59] من هنا لا بدَّ أن نفهم أن “البيان” الذي يعنيه الخولي، بوصفه مقصد المقاصد وغرض الأغراض من عملية التفسير والتأويل، هو منهج التحليل الأدبي القادر على التعامل مع الأثر الفني الخالد. ولا بدَّ أن تتحدد خطواتُ هذا المنهج انطلاقًا من خصائص النصِّ ذاته – من حيث البنية والتركيب العام – لأنه ليس هناك منهج واحد ذو خطوات محددة سلفًا للتعامل مع أنماط النصوص كلِّها، وليس هناك منهج مصمت، ثابت القالب، يُفرَض على هذا النص أو ذاك، لأن وحدة المنهج الأدبي لا تنفي تنوع الإجراءات – ومن ثَمَّ اختلاف خطوات التطبيق – المستخدَمة مع كلِّ نصٍّ انطلاقًا من طبيعته الخاصة. لهذا يبدأ أمين الخولي بوصف بنية النص القرآني وتحديد خصائصها:
إن ترتيب القرآن في المصحف قد ترك وحدة الموضوع، لم يلتزمها مطلقًا. وقد ترك الترتيب الزمني لظهور الآيات، لم يحتفظ به أبدًا. وقد فرَّق الحديث عن الشيء الواحد والموضوع الواحد في سياقات متعددة، ومقامات مختلفة، ظهرت في ظروف مختلفة. وذلك كله يقتضي في وضوح بأن يُفَسَّر القرآن موضوعًا موضوعًا، وأن تُجمَع آيُه الخاصة بالموضوع الواحد جمعًا إحصائيًّا مستقصيًّا، ويُعرَف ترتيبُها الزمني ومناسباتها وملابساتها الحافة بها، ثم يُنظَر فيها بعد ذلك لتُفسَّر وتُفهَم، فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى، وأوثق في تحديده.[60] من الضروري الانتباه هنا إلى أن هذا الوصف لبنية النص القرآني المحدِّدة لخصائصه وصفٌ صحيح وصائب من الوجهة التاريخية، أي من وجهة الكيفية التي تركَّب فيها النص وتحدَّدتْ بنيتُه من خلال عمليتي الجمع الأولى والثانية في عصر الخلافة الأول. لكن هذه البنية، بخصائصها تلك، هي التي تمارس فاعليتَها وتأثيرها منذ ذلك العصر وحتى الآن في قلوب المسلمين وغير المسلمين وعقولهم. في عبارة أخرى، كان المتوقَّع من الشيخ الخولي، وقد انطلق من مفهوم أن القرآن هو “نص العربية الأكبر” و”أثرها الفني الأقدس”، أن يطرح منهجًا لدراسة النص دراسةً فنية أدبية في بنيته الراهنة، بصرف النظر عن كيفية تركُّبها من الوجهة التاريخية.
لكن مطلبًا مثل هذا يُعَد مستحيلاً بالنسبة للشيخ أمين الخولي، فضلاً عن أن يكون متوقعًا. فالشيخ خرِّيج مدرسة “القضاء الشرعي”، وتأثُّره بعلماء أصول الفقه واضح في المنهج الذي يطرحه: جمع الآيات ذات الموضوع الواحد جمعًا إحصائيًّا، ثم ترتيبها ترتيبًا تاريخيًّا، قبل القيام بعملية التفسير. لقد كان على علماء الأصول أن يقوموا بذلك في دراسة الأحكام الفقهية، وذلك من أجل فَرْزِ ناسخ الأحكام من منسوخها، وبيان “المجمَل” من “المفصل” و”العام” من “الخاص” – وذلك كله لا يتأتَّى إلا بالجمع الموضوعي للآيات والترتيب التاريخي لها كذلك. لكن الشيخ يحوِّل منهج علماء الأصول هذا – الخاص بدراسة الأحكام والضروري لها – إلى منهج صالح للتعامل مع القرآن كلِّه. ولا يمكن التقليل من شأن هذا المنهج حين تتعلق الدراسة بموضوعات القرآن وقضاياه الفكرية والعقيدية والأخلاقية؛ لكنه ليس المنهج الأجدى في الدراسة الأدبية للقرآن. وليس ذلك كله من قبيل تناقُض في منهج الشيخ أمين الخولي، لأن مفاهيمه للدراسة الأدبية – التي تحتاج إلى دراسة مستقلة ليس هاهنا مجالها – هي مفاهيم أقرب إلى المفاهيم الرومانسية المشبعة بمفاهيم الكلاسيكية الجديدة؛ وهي مفاهيم تتناول النصَّ الأدبي من حيث الموضوعات والمضامين أكثر من تناوُلها له من حيث الشكل والبنية.
وهذا هو الذي حدا بالشيخ إلى تقسيم الدراسات القرآنية إلى فرعين هما: دراسة “ما حول القرآن”، التي تنقسم إلى “عامة” و”خاصة”: أما الخاصة فهي تلك الدراسات التي تُسمَّى “علوم القرآن”، كأسباب النزول، والمكي والمدني، والجمع والترتيب والقراءة، إلخ؛ والدراسات العامة حول القرآن هي تلك الدراسات التي تتجاوز “علوم القرآن” التقليدية إلى ذلك النمط من الدراسة التاريخية والاجتماعية الذي سبق أن تناوله محمد عبده. هذه الدراسة العامة تتناول عند الخولي
ما يتصل بالبيئة المادية والمعنوية التي ظهر فيها القرآن وعاش، وفيها جُمِعَ وكُتِبَ وقُرِئ وحُفِظَ وخاطب أهلها أول مَن خاطب، وإليهم ألقى رسالتَه لينهضوا بأدائها وإبلاغها شعوب الدنيا. فروح القرآن عربية، ومزاجه عربي، وأسلوبه عربي… والنفاذ إلى مقاصده إنما يقوم على التمثيل الكامل والاستشفاف التام لهذه الروح العربية، ولذلك المزاج العربي والذوق العربي. والتمثُّل التام لهذه العروبة هو السبيل المتعيِّنة لفهم ذلك كلِّه والوصول إليه. ومن هنا لزمت المعرفةُ الكاملة لهذه البيئة العربية المادية… فكل ما يتصل بتلك الحياة المادية العربية وسائل ضرورية لفهم القرآن العربي المبين – هذا مع ما يتصل بالبيئة المعنوية، بكلِّ ما تتسع له هذه الكلمة من ماضٍ سحيق وتاريخ معروف، ونظام أسرة أو قبيلة، وحكومة، في أيِّ درجة كانت، وعقيدة، بأيِّ لون تلوَّنتْ، وفنون، مهما تنوعت، وأعمال، مهما تختلف وتتشعَّب. فكل ما تقوم به الحياة الإنسانية لهذه العروبة وسائل ضرورية كذلك لفهم هذا القرآن العربي المبين.[61] إن تلك الدراسات “حول القرآن”، الخاص منها والعام، تُعد بمثابة الدراسات الضرورية الممهِّدة لدراسة النص ذاته، أي للتأويل والتفسير. وليست هذه الدراسات، في التحليل الأخير، إلا دراسة لسياق النصِّ بالمعنى الشامل التاريخي والاجتماعي والثقافي والديني. وهنا يتجاوب فكر أمين الخولي في الدراسات القرآنية تجاوبًا تامًّا مع فكره الأدبي، خاصة في المنهج الذي طرحه في كتابه عن الأدب المصري (1943)، مركِّزًا على أهمية “البيئة” بالمعنى الواسع الشامل لدرس الأدب.
بعد هذه الدراسة الأساسية الجوهرية، تترتب خطوات عملية التأويل والتفسير ترتيبًا لا يختلف كثيرًا عن ترتيب تلك الخطوات عند محمد عبده، مع إضافات تفصيلية شديدة الأهمية. الخطوة الأولى تبدأ بالنظر في “المفردات”. ويؤكد الخولي، مثل عبده، أنه
من الخطأ البيِّن أن يعمد متأدِّب إلى فهم ألفاظ هذا النصِّ القرآني الأدبي الجليل فهمًا لا يقوم على تقدير تامٍّ لهذا التدرج والتغير الذي مسَّ حياة الألفاظ ودلالتَها، ولا على التنبُّه إلى أنه إنما يريد ذلك ليفهم هذه الألفاظ في الوقت الذي ظهرت فيه وتُلِيَتْ أول ما تُلِيَتْ على مَن حول تاليها الأول عليه السلام.[62] لكن هذه المرحلة الأولى من الخطوة الأولى – خطوة النظر في المفردات – لا تعني أن دلالة تلك المفردات مرهونة فقط بالاستخدام اللغوي خارج النص. لذلك يضيف الخولي إلى هذه المرحلة الأولى مرحلةً ثانية في التحليل، لا بدَّ للمفسِّر من أن ينتقل إليها في تحليل المفردات: تلك هي الانتقال من المعنى اللغوي إلى المعنى التداولي في القرآن. وعلى الباحث في هذه المرحلة الثانية أن
يتتبَّع ورودَها [اللفظة المفردة] لينظر في ذلك، فيخرج منه برأي عن استعمالها: هل كانت له وحدة اطَّردت في عصور القرآن المختلفة ومناسباته المتغيرة؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فما معانيها المتعددة التي استعملها فيها في عصر نزول القرآن؟[63] وكما يؤكد الخولي أن عروبة القرآن – من حيث الأسلوب والطابع والروح – لا تتعارض مع إنسانية مراميه وأهدافه وعالمية رسالته، فإنه بالمثل يؤكد أن دلالة الألفاظ المفردة، إنْ في استعمالها اللغوي أو القرآني، ليست دلالة ساكنة، بل هي دلالة متحركة نامية. لكنه يحذر من عمليات القفز والإسقاط الدلاليين، التي يمكن أن يقع فيها المفسِّر، لأن النمو أو التطور الدلالي للألفاظ مرهون دائمًا في حركته بالدلالة الأصلية الأولى ولا يصح ولا ينبغي أن يفارقها:
لا ينكَر أن خلود هذا الكتاب ورياضته الدائمة للحياة، مع صلته الوثقى بها – كل ذلك يهيئ لفهم معاني متجددة أو نامية. لكنَّا، مع عدم إنكار هذا القدر، نرى أنه لا ينبغي أن تُنسَب إلى القرآن من هذه المعاني إلا ما كان طريق فهمه الحس اللغوي للعربية، وسبيل الانتقال إليه هو دلالة اللفظة الأولى في عصر نزول القرآن.[64] وإذ تتحقق الخطوة الأولى، بمرحلتيها السالفتين،
يكون نظر المفسِّر الأدبي في المركبات؛ وهو في ذلك – ولا مرية- مستعين بالعلوم الأدبية، من نحو وبلاغة… والنظر في اتفاق معاني القراءات المختلفة للآية الواحدة، والتقاء الاستعمالات المتماثلة في القرآن كلِّه… على أن النظرة البلاغية هي النظرة الأدبية الفنية التي تتمثل الجمال القولي في الأسلوب القرآني، وتتبين معارف هذا الجمال وتستجلي قَسَماته، في ذوق بارع قد استشف خصائص التراكيب العربية، مُنضَمًّا إلى ذلك التأملات العميقة في التراكيب والأساليب القرآنية لمعرفة مزاياها الخاصة بها بين آثار العربية.[65] نلاحظ هنا أن “علم الأساليب” عند محمد عبده يتحول عند الخولي إلى أداة للكشف عن أسرار جمال الأسلوب القرآني. إن علوم البلاغة التقليدية التي حاول الخولي تطويرها في كتابة الهام فن القول (1947)، وفي دراسات أخرى سابقة ضمَّها كتابُه مناهج التجديد، هي أدوات المفسِّر للكشف عن هذا الجمال – هذا بالإضافة إلى أن الغاية من تحليل أساليب القرآن والكشف عن جمالياتها هي الوصول إلى سرِّ “الإعجاز” الذي يرى الخولي أنه “نفسي”، أي أنه قائم على “التأثير” في المتلقي تأثيرًا نفسيًّا.[66] وهنا كان لا بدَّ للخولي من أن يدرك أن ما يمارسه القرآن من تأثير نفسي مُعجِز ليس مردودًا، ولا يمكن أن يُرَدَّ، إلى القراءة الموضوعية بحسب ترتيب النزول، بل هو تأثير ناتج عن البنية الحالية للنصِّ التي يطلق عليها القدماء “ترتيب التلاوة”، في مقابل “ترتيب النزول” الذي يشير إلى ما قبل هذه البنية الحالية. لكن هذا الإدراك لم يكن ممكنًا له أن يتحقق للخولي، لأن الوعي به لم يبدأ إلا في الخمس والعشرين سنة الأخيرة.[67] ذلك أن تلاميذ الخولي، بدءًا من بنت الشاطئ ومحمد أحمد خلف الله وشكري عياد، ظلوا متمسكين، بدرجات متفاوتة بالطبع، بمنهج وحدة الموضوع وترتيب النزول.
يبقى، لكشف بعض الجوانب الهامة المتصلة بتصور الخولي للإعجاز النفسي، أن نتناول بالتحليل ردَّه على أصحاب نظرية “الإعجاز العلمي” للقرآن، وهي نظرية تحظى بقبول وانتشار واسعين جدًّا في السنوات الأخيرة في بعض الدوائر الأكاديمية، فضلاً عن سريانها سريان النار في الهشيم في وعي العوام وأشباه المثقفين من المسلمين. إن الخولي في هذا الردِّ (الذي نُحِسُّ بأهمية إيراده كاملاً هنا) يشدِّد على ثلاث نقاط جوهرية كاشفة عن مفهوم “الإعجاز النفسي” عنده، أو عن بعض جوانبه على الأقل.
– النقطة الأولى: إن القرآن، حين يتناول بعض حقائق الكون ومشاهده، إنما يتناولها تناولاً فنيًّا، ولا يتناولها من ناحية قوانين العلم الدقيقة أو نواميس الكون المنضبطة.
– النقطة الثانية: إن هذا التناول لحقائق الكون إنما يعتمد على المشهود والمدرَك للناس جميعًا، العامة والخاصة، والعلماء وأنصاف العلماء، بل والجهلاء أيضًا.
– النقطة الثالثة: إن القرآن يتناول هذه الحقائق المشاهَدة والملموسة للناس جميعًا من ناحية وَقْعِها على الحواس، وانفعال الناس بها، وما تثيره من روعة في نفوسهم.
ويمكن صوغ هذه النقاط الثلاث بعبارة أخرى، هي أن القرآن، حين يتناول بعض حقائق الكون المشاهَدة والمدرَكة، إنما يتناولها ليثير مخيلة القارئ، معتمدًا على ما هو قارٍّ في تصوراتهم، محرِّكًا لانفعالاتهم التي قد تكون خمدت بحكم الألفة، وذلك كله في أسلوب أدبي مؤثر. وهكذا يمكن القول إن هذا التناول لظواهر الكون والطبيعة هو نفسه أسلوب تناوُل القصص في القرآن لأهداف دينية وعظية، وليس لرواية التاريخ. وهذا هو نص الشيخ أمين الخولي:
إن كان لا بدَّ لأصحاب هذه النوايا ومن لفَّ لفَّهم من أن يتجهوا إليه، ليدفعوا مناقضةَ الدين للعلم، فلعله يكفي في هذا ويفي ألا يكون في كتاب الدين نصٌّ صريح يصادم حقيقةً علميةً يكشف البحثُ أنها من نواميس الكون ونُظُم وجوده – وحسبُ كتاب الدين بهذا القدر صلاحيةً للحياة، ومسايرةً للعلم، وخلاصًا من النقد. على أني، حين أتسامح بهذا القدر في سبيل إرضاء رغبات هؤلاء الطيِّبي النية، لا أنسى أن أذكِّرهم بأن التناول الفني لحقائق الكون ومَشاهده هو التناول الذي يقصد به الدين رياضةَ وجدانات الناس، ويُوَجَّه لعامتهم وخاصتهم، وعلمائهم وأنصاف علمائهم، بل لجهلائهم أيضًا، كما هي مهمة الدين والغاية من تلاوة كتابه بينهم جميعًا. وهذا التناول إنما يقوم على المشهود البادي من ناحية روعته في النَّفس، ووقعه على الحواس، وانفعال الناس به، لا من ناحية دقائق قوانينه ومنضبِط نواميسه في معادلات جبرية أو أرقام حسابية أو بيان جافٍّ لخصائصه وحقائقه. وبقيام هذا التناول على المشاهد والمدرك بادئ الرأي، والمؤثر في النَّفس المثير للانفعال، لا يجب الوفاء به بحماية الحقائق العلمية والخصائص المجرَّبة لهذه العوالم الموصوفة والمناظر التي لا يُراد من تناوُلها إلا إثارة الشعور بجلالها وجمالها ودلالتها على عظمة القوة المدبِّرة لها، المحقِّقة لنظامها. ولو التزم المفسِّر في شيء من هذا لتصحيح المقرَّرات العلمية لأخلَّ هذا الالتزامُ كثيرًا بالأهداف الفنية الوجدانية التي يريد الدين تحقيقَها ونفعَ الحياة بها عن طريق التأمل المتدين والاعتبار النفسي العاطفي المريح، قبل كلِّ شيء آخر.[68] الآن، وقد صار واضحًا أن الشيخ أمين الخولي هو الامتداد المعرفي التركيبي لكلٍّ من محمد عبده وطه حسين على مستوى المنهج، فمن اللازم بيان طبيعة التحدي الذي يُعَدُّ منهج الخولي استجابةً له: لم يعد التحدي، في نظر الخولي، هو التحدي الخارجي المتمثل في الوجود الأوروبي – ماديًّا وعقليًّا – في قلب العالم العربي والإسلامي، وما يطرحه هذا الوجود من قضايا ومشكلات، بل أضيفَ إليه التحدي الداخلي المتمثل في نموِّ التيار السلفي، الذي بلغ أوْجَه منذ إنشاء “جماعة الإخوان المسلمين”، والذي كان استطاع قبل ذلك كبح جماح مدرسة “التأويل” على مذهب الخلف في معركتَي الإسلام وأصول الحكم وفي الشعر الجاهلي.
يحاول منهج الخولي أن يستعيد لهذا التيار حيويته على مستوى قضايا التجديد، بصفة عامة، وعلى مستوى تأويل القرآن، بصفة خاصة. من هنا يضيف إلى وعي محمد عبده بالتراث المعتزلي والرشدي إنجازاتِ علماء أصول الفقه في مجال التحليل اللغوي، لاستثمار الأحكام من النصوص عن طريق وحدة الموضوع وترتيب النزول؛ ويضيف إلى منهج طه حسين “اللغوي الفني” أبعادًا من نظرية الأدب عن تأثير البيئة وعن التأثير النفسي للأدب في القارئ. وفي ذلك كلِّه، لم تُفارق محنةُ تيار “التأويل” وعيَ أمين الخولي أبدًا، وإنْ دفعتْ بها إلى السطح محنةُ الفن القصصي في القرآن، الرسالة التي أُنجِزَتْ تحت إشراف الخولي.
في مقدمته للطبعة الأولى لكتاب الفن القصصي، الذي رفضتْ الجامعة منح صاحبه درجة الدكتوراه، – بل وفصلتْه من السلك الجامعي، – يكشف الخولي لنا عن أهمية منهجه في القضاء على “الازدواج” في شخصية المثقف المسلم، الذي يؤمن بالقرآن وصحته من ناحية عواطفه ومشاعره الدينية، وهو كذلك يثق في العلم وإنجازاته من ناحية الفكر والعقل. وفي إشارة واضحة صريحة إلى كتاب في الشعر الجاهلي، ومن ثَمَّ إلى طه حسين، يقرِّر الخولي أن
الدراسة الفنية المتجددة للقرآن، كتاب العربية الأكبر، والمستفيدة من التقدم الفني والعقلي والاجتماعي، تنتهي إلى أن يتقدَّم التفسيرُ الأدبي للقرآن خطوة للأمام بعيدة الأثر، خطوة حَسْبُها أن تمنع ازدواجَ الشخصية في المتدين – ذلك الازدواج الذي يتجلَّى حين يتدين مثقفٌ بالإسلام، واثقًا مؤمنًا، ثم يدرك ويقرِّر: إن الإسلام وكتابه القرآن يحدِّث عن الأشياء والواقعات بما يشاء، ويستغلها في ترويج الدعوة الإسلامية كما يشاء، دون أن يكون حقًّا مُلزِمًا للمؤمنين. وهو ما أذيع وتقرَّر ودُفِعَ به في مصر منذ ثلث قرن في أزمة الشعر الجاهلي.[69] هذا الوصف المشبَّع بالنقد، أو النقد المحمَّل بالتفسير لا التبرير، لطه حسين ولأطروحته عن القرآن في كتاب في الشعر الجاهلي، يكشف عن وجه هامٍّ من وجوه التحدي الذي يرى الخولي أن منهج “التفسير الأدبي” قادر على مواجهته وعلى حلِّ مشكل “الازدواج” في المثقف المتدين. وهنا تتقدم أطروحة محمد عبده عن “القصص القرآني” والتاريخ، مدعَّمةً بأدوات منهج التحليل الأدبي وإجراءاته، لكي تكون دواء ناجعًا لمرض “الازدواج”. يقول الخولي – مشيرًا بالطبع إلى الفن القصصي ومدافعًا عنه حتى الاستعداد للإلقاء في النار، على حدِّ تعبيره في المقدمة نفسها:
وعلى هذا الأساس، يستطيع المثقف الراقي، حين يتدين، أن يعتقد في تسليم مطمئن بحديث القرآن الفني في قصصه، ومع ذلك، يحقِّق ويحلِّل في عمق ووضوح تاريخ هاتيك الأحداث، وأشخاصَ أصحابها، وينفي في ذلك ويثبت، مطمئنًا إلى أن هذا لن يصادم بحال ذلكم العرض الفني الآخر، وأن هذا العرض الفني، مهما يقل التاريخ في أحداثه، لن يمسَّ سلامةَ القرآن وصدقَه. وهكذا لا يضطر العالم المؤمن إلى أن يعالن العالم وأهله بأن للقرآن أن يقول ما يشاء، وأن يستغل الأحداث كما يشاء، دون أن يُلزِمنا ذلك بشيء، لأننا مؤمنون بوجداننا، – ثم باحثون بعقلنا، – وفي أنفسنا هذان التياران المتخالفان والمتجاوران معًا. لن يقول المستنير ذلك، بل سيقول، بعد أن يفهم خطة الدرس الفني لقصص القرآن الكريم: إن للقرآن أن يسلك من السبُل الفنية في عرضه لقصص السابقين ما يشاء، دون أن يقصد إلى مساس التاريخ بشيء، لأنه إنما يعرضها العرض الفني الذي لا يقوم على التفاصيل أو الروايات والتحديات، بل يقصد ما قرَّر أن يقصده بصراحة، ألا وهو العِبْرة: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.[70] 5. خاتمة
ألسنا حقًّا بإزاء “إشكالية” يحكمها دائمًا قانون “التحدي والاستجابة” في سياق التطور الاجتماعي والثقافي والفكري للعقل الإسلامي؟ ثم أليست تلك إشكالية “تأويل”، لا مجرد مشكل شرح مفردات بالترجمة والتفسير؟ وأخيرًا، أليست الإشكالية تزداد تعقيدًا، والصراع بين طرفي “السلف” و”الخلف” يزداد حدة وضراوة، ويرحل كثيرًا عن تاريخه الطويل بوصفه صراعًا فكريًّا ثقافيًّا، ليتحول إلى صراع دموي؟!
لعل هذا العرض أن يكون محاولة لفتح باب الفكر وإغلاق أبواب القتل. ولعل تطوير منهج الخولي، وفقًا لإنجازات المعرفة المتنامية في مجال العلوم الإنسانية (خاصة الألسنية والتأويلية)، أن يمثل تجاوُزًا لحالة الركود في مجال الدراسات القرآنية – ذلك الركود الذي لم تستطع جهود مدرسة الخولي – لأسباب كثيرة – أن تتخطَّاه، فأسلم المجالُ قيادَه تمامًا لأهل السلف المعاصرين – والبون بينهم وبين أسلافهم شاسع، كما هو البون بين الإبداع والتكرار، بين الأصالة والنقل، وبين الإفادة والإعادة.
*** *** ***
[29] السابق، المجلد الأول، ص 271.
[30] السابق، المجلد الرابع، ص 42.
[31] السابق، المجلد الرابع، ص 7.
[32] السابق، المجلد الأول، ص 271.
[33] السابق، المجلد الأول، ص 329-330.
[34] السابق، المجلد الأول، ص 233-234.
[35] السابق، المجلد الأول، ص 215.
[36] السابق، المجلد الثالث، ص 47-48.
[37] السابق، المجلد الرابع، ص 92-93؛ وانظر كذلك: المجلد التاسع، ص 506-511.
[38] السابق، المجلد الرابع، ص 93.
[39] السابق، المجلد التاسع، ص 511.
[40] السابق، المجلد الرابع، ص 93.
[41] السابق، المجلد التاسع، ص 511.
[42] السابق، المجلد، الأول، ص 210.
[43] السابق، المجلد الأول، ص 211.
[44] السابق نفسه.
[45] إذا كانت قصة أمين الخولي لا تبدو لبعضهم داميةً، فالحقيقة أنها كذلك: لقد كان الأستاذ المشرف على رسالة الدكتوراه الفن القصصي في القرآن للطالب محمد أحمد خلف الله، وهي رسالة أثارت نزاعًا خرج من الجامعة إلى الحياة العامة، فتدخَّل الأزهر والحكومة، حتى أُلغِيَتِ الرسالةُ وفُصِلَ الطالبُ من الجامعة سنة 1949. وبعد خمس سنوات، تم فصل الأستاذ الشيخ أمين الخولي من الجامعة أيضًا، فيما عُرِفَ باسم “حركة التطهير”، بعد أن كان قد حُرِمَ من حقِّ الإشراف على الرسائل الجامعية المتصلة بالدراسات القرآنية بقرار من إدارة الجامعة. ومن الجدير بالذكر أن واحدًا من طلاب الخولي النابهين – هو شكري عياد – قد اضطر في دراسته للدكتوراه إلى تغيير التخصص من “الدراسات القرآنية” إلى “الدراسات البلاغية” لكي يحظى بشرف الاستمرار تحت إشراف أمين الخولي وتوجيهه.
[46] انظر مقدمة المؤلِّف لكتاب الخلافة وسلطة الأمة، المترجم عن التركية، طب 2، دار نهر، القاهرة، 1995.
[47] في الشعر الجاهلي، طب 2، دار نهر، القاهرة، 1995، ص 20.
[48] السابق، ص 26.
[49] السابق نفسه.
[50] السابق. ص 33.
[51] السابق، ص 35.
[52] السابق، ص 33.
[53] السابق نفسه.
[54] وكما سيفعلون ذلك مرة ثالثة – ولكن بعد عشرين عامًا – مع رسالة محمد أحمد خلف الله الفن القصصي في القرآن. ثم تتكرر المأساة مرة رابعة بعد حوالى خمسة وأربعين عامًا على المأساة الثالثة!
[55] طُبِعَ طبعةً مستقلة في دار نهر بالقاهرة، ثم طبعتْه مجلة القاهرة في أحد أعدادها (مايو 1995).
[56] مناهج التجديد، ص 304.
[57] مناهج التجديد، ص 302-303.
[58] هذا ما حدث مع التلميذة الأولى من تلاميذ الخولي (وزوجته بعد ذلك)، د. بنت الشاطئ، في التفسير البياني للقرآن، الذي يكاد من الناحية المنهجية ألا يتجاوز حدود علم البلاغة الكلاسيكي.
[59] مناهج التجديد، ص 310 (الحاشية).
[60] السابق، ص 306.
[61] السابق، ص 310.
[62] السابق، ص 310.
[63] السابق، ص 313-314.
[64] السابق، ص 312 (الحاشية).
[65] السابق، ص 314-315.
[66] انظر: ص 203 من المصدر السابق.
[67] لعل دراسات محمد أركون خير تعبير عن هذا الإدراك الآن.
[68] انظر: ص 294-295 من المصدر السابق.
[69] الفن القصصي في القرآن الكريم، مكتبة الأنجلو المصرية، طب 4، 1972 (المقدمة بقلم أمين الخولي)، ص د.
[70] السابق، ص هـ.
(منقول).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى