استنارة

مقالات البروفسير مصطفى إدريس التي أوقفت بسببها (التيار) : الإنقاذ وصمة عار في جبين الحركة الإسلامية

(حريات)
……..بسم الله الرحمن الرحيم
الانقاذ ومتلازمة الحكام العرب ……
………(الاستعداء والاقصاء والاستعلاء فالفشل  فالنكران والعناد ثم السقوط المدمر)
بروفسور مصطفى ادريس البشير …….

مقدمة:

في البدء لا بد أن نشرح معنى كلمة متلازمة (Syndrome ) التي وردت في العنوان، فهي مصطلح يكثر استخدامه فى الطب. فبعض الامراض يطلق عليها لفظ متلازمة عندما تتعدد أعراضها وتصيب أكثر من عضو في الجسم وربما يكون سببها خلل في عضو واحد من الجسم، فعلى سبيل المثال من أشهر المتلازمات في الطب مرض البول السكري الذي يحدث اما بسبب عدم افرازهرمون الانسيولين بواسطة غدة  تسمى  المعثكلة (البنكرياس) أو عن عدم فعاليته في احداث أثره في الجسم ان وجد وذلك لأسباب متعددة…، فغياب الانسيولين أو عدم فعاليته يتسبب في مرض البول السكري الذي يطلق عليه متلازمة اكلنيكيةSyndrome   Clinical اذ لا يوجد بالجسم نسيج لا يتأثر بمرض البول السكري اذا لم تتم معالجته بجدية، وأهم شئ يطلب من المريض هو الحرص على اتباع الارشادات الطبية، فمرض البول السكري بمرور الزمن وعلى مراحل عدة يؤثر بصورة رئيسية على القلب والشرايين والكلى والعيون والجهاز العصبى والجلد والعظام ….وربما جاء المريض الى الطبيب يشكو من آلام وأعراض ناتجة من اصابة أي من تلك الانسجة أو كلها أو بعضها….فحكامنا العرب مصابون بمتلازمة أعراضها الاستعداء والاقصاء والاستعلاء فالفشل فالنكران والعناد ثم السقوط المدمر وأول مسبباتها طول المكث في السلطة والاستئثار بها دون غيرهم من خلق الله مما يتسبب في تلك الأعراض السلبية المتعددة لا محالة، وتتشابة تلك الأعراض ويمكن أن نطلق عليها مجازا(متلازمة الحكام العرب) لأنها في نهاية المطاف تنتهي باجهادهم هم أنفسهم وتتعثر أو تنعدم قدرتهم على العطاء الايجابي ومن ثم تبدأ المشاكل التي تنتهي بهلاكهم او اقصائهم بواسطة الجماهير الغاضبة.  وقد رأينا ذلك عمليا في الأمثلة التي سبقت في تونس ومصر وليبيا واليمن وما زالت سوريا تنتظر والحبل على الجرار كما يقول الدكتور فيصل القاسم، والخاسر الأكبر من كل ذلك هو الأمم والشعوب التي تدفع التكاليف الباهظة في الأرواح والاقتصاد والأمن الاجتماعي دون جدوى أو أمل في استجابة اؤلئك الحكام للتنازل الطوعي أو الاعتبار من بعضهم بعض، ولنا أن نسأل هل يختلف أهل الانقاذ عن غيرهم من الزعماء الذين ثارت عليهم الشعوب كما يزعمون؟ وهل بدأ الربيع العربي عام 1989 في السودان كما يدعي بعضهم؟ وهل الانقاذ محصنة من الثورة بما تجده من تأييد شعبي كاسح تجسد فيما جرى في الانتخابات العامة الأخيرة في عام 2010 كما يقول قادتها ومنظروها؟

للاجابة على هذه الأسئلة وغيرها بالمنطق الهادئ دعونا نتابع مسيرة الانقاذ بايجاز شديد عبر المحطات الكبرى في عمرها المديد ونشخص بعض ما أصابها  من علل أنتهت بها الى المتلازمة المذكورة أعلاه، ورجاؤنا كبير في أن بعض قادتها ربما يقتنعون بوجود تلك المتلازمة ويقبلون بالوصفة الدوائية التي نقدمها لهم في ختام هذه المقالات وتكون هنالك فرصة للتعافي قبل الوصول الى المرحلة النهائية من المتلازمة (السقوط المدمر). وقبل أن نغوص في الحديث فاني اعتقد لدرجة الجزم بأن الانقاذ قد استوفت كل الأعراض التي تسبق السقوط المدمر كما سيتبين لنا من الكشف الطبي لجسد الانقاذ والفحوصات للدم والبول والصور المقطعية والرنين المغنطيسي والموجات الصوتية والقساطر وهلمجرا… التي استعنا بها في الوصول للتشخيص أعلاه ولم يتبق الا وصف الدواء الذي ربما يجنبنا الوصول للمرحلة الأخيرة من المتلازمة وهي السقوط المدمر  بصورة مفاجئة بثورة مكلفة في الأرواح والخسائر المادية ربما تنتهي بالمزيد من التفتيت لما تبقى من السودان، ونرجو أن يكون  فيما نورده في هذه المقالات والتي سبقت ابراء للذمة باننا قد بذلنا ما في وسعنا من النصح رغم النكران والعناد ودفن الرؤءس في الرمال، فمعذرة الى ربكم ولعلهم يرجعون، وأكرر بأنني على يقين بأن المرحلة الأخيرة من المتلازمة هي فقط التي بقيت للانقاذ.

وبالرغم من أن الانقاذ عند مجيئها لم تسفر عن وجهها الحقيقي وظلت متخفية لبعض الوقت وعملت بشعار (اتمسكن لامن تتمكن) وموهت عن نفسها بما عبر عنه عرابها الشيخ الدكتور حسن الترابي في مقولته الشهيرة بعد الانشقاق (قلت للبشير اذهب للقصر رئيسا وسأمضي أنا للسجن حبيسا) وحاولت أن تتخفى بأقنعة فضفاضة بالحديث عن أنها حركة وطنية تتمسك بالموروثات القومية وتسعى لاقامة العدالة والحفاظ على وحدة البلاد والتصدي للتمرد والاهتمام بقضايا الشعب الأساسية ومشاطرتهم في اقتسام النبقة وسلكت كل السبل للتمويه عن توجهها الاسلامي بصورة سافرة، ولم تمض ستة أشهر حتى أسفرت عن وجهها ووجهتها واستخدمت اجراءات أمنية تجاوزت حدود المعقول في البطش والتنكيل والتشريد للخصوم والمناوئين، وقد تم كل ذلك بسند فقهي بررت به تلك الأفعال الشنيعة بحجة الدفاع عن بيضة الدين وحماية دولة المدينة من العلمانيين والعملاء وقوى اليسار وتقدم التمرد نحو الشمال.

ولما كان الأسلوب الذي اتبعته للتغييركان خاطئا – بادئ ذي بدء- مهما كانت المبررات التي قدمت كما اعترف بعض قادتها مؤخرا فسرعان ما تكشفت عيوبها وبدأ انحرافها عما بشرت به وبدأت الأدواء تتسلل الى جسدها من بداية مسيرتها في السنوات الخمس الأولى من عمرها حيث دبت فيها الخلافات السياسية بسبب غياب الشورى وفشت فيها مظاهر الفساد والمحسوبية بسبب غياب الشفافية والمحاسبة والعقاب، فقد رأينا التساقط المبكر لبعض الرموز الذين دفعت بهم الانقاذ للواجهة في المجلس العسكري وبعض المدنيين وكذلك أطلق الترابي صرخته الشهيرة في وقت مبكرعن ظهورالفساد وتلقفتها وسائل الاعلام وسببت حرجا للسلطة وبدأ التململ من تصريحات الشيخ تلك قبل الانشقاق بوقت طويل.

فالمراجعة الأمينة لمسيرة الانقاذ تقول بأنها ولدت بعيوب خلقية وراثية تحتم عدم قدرتها على تجسيد النموذج الاسلامي الصحيح ولعلها أدركت هي نفسها ذلك اذ لم نعد نسمع عن المشروع الحضاري الذي كانت تلوكه الألسن صباح مساء وحاشا لله أن يدعي أحد بأن ما يجري الآن في السودان بفعل حكومة الانقاذ يمثل قيم الاسلام النبيلة التي كتبت له الخلود مهما تقادم الزمن، وعلى رأس تلك القيم الحرية والشفافية والعدالة، وهذا ما سيتبين لنا من الاستقصاء في كسبها عبر العقدين الماضيين الذي كنا فيه شركاء وعليه شهود ولا يمكننا التنصل من ذلك او انكاره ونسأل التوبة والمغفرة.

ففي هذه السلسلة من المقالات سنحاول تجنب السرد التاريخي المفصل للأحداث والقضايا ولكن سنركز على التحليل العلمي لها واستقصاء الرؤية والأسانيد الفقهية لما تم وهل هو من الاسلام أم تبرير وتمرير لأهواء الكبار وصناع القرار وارضاء لنزعاتهم السلطوية فحسب، وهل ما واجهته من مصاعب كان كله بسبب التآمر عليها أم بما اكتسبته هي نفسها.

طول المكث في السلطة
وأول ما أغفلته أو تغافلت عنه الانقاذ واوردها الى المتلازمة أعلاه هو عدم تحديد الآجال في الحكم أو الوعد برد الأمر للأمة بعد فترة مؤقتة اذ انها جاءت بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة، فظلت بعض القيادات النافذة متمرسة في مواقعها في السلطة وان تبدلت المواقع وتنج عن ذلك الافلاس الفكري والتسلط والاحتكار والتحنط وعدم القدرة على التجديد والمواكبة الذي نراه اليوم. ولم تعد تلك القيادات مهددا أمنيا ومهدرا لامكانات الأمة ومصالح البلاد والعباد فحسب ولكنها أصبحت عبئا ثقيلا ووصمة عار في جبين الحركة الاسلامية التي ظلت تنادي بالحكم الراشد وتبشر به لأكثر من نصف قرن. فهل آن الأوان لما تبقى من الحادبين والقابضين على الجمرمن أبناء الحركة الاسلامية البحث عن رايات أخرى جامعة تجمع شمل الأمة السودانية وتواكب ما يدور في الساحة العربية والاسلامية هذه الايام……وتعالوا لنبحث معا هل هنالك شواهد في تاريخ الاسلام تدل على المدى الزمني الذي يجب أن يبقى فيه الحاكم وحكومته على سدة الحكم؟

وللاجابة على هذا السؤال دعونا نتأمل سويا في السيرة النبوية العطرة، فالرسول (ص) حكم عشر سنوات فقط بعد الهجرة وهي مرحلة الدولة في المدينة، فقد كانت الدولة تتقدم فيها صعودا في كافة الميادين، دعوة بالحسنى بعد الحديبية فدخل الناس في دين الله أفواجا وحربا لمن يقفون في وجه الدعوة السلمية وتربية وتزكية للنفوس وتشريعات توجه مسار الدولة وتوضح علاقاتها مع الآخرين الى أن جاء القراءن في نهاية السنين العشر ليعلن للامة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا…..اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا) وقد كان رسول الله في قمة العطاء والبذل والصحة البدنية والقدرة على قيادة المسيرة لفترة اطول من السنوات العشر تلك، حيث قاد (ص) جيش الفتح جنوبا ودخل مكة في السنة الثامنة للهجرة وقاد جيش العسرة شمالا الى تبوك في السنة التاسعة من الهجرة في ظروف طبيعية ومادية قاسية جدا وعاد بعد عدة شهور الى المدينة ليقود موكب الحج في السنة العاشرة للهجرة  الى مكة (حجة الوداع) ومعه ما يزيد عن أربعة عشر الفا في ظروف شاقة ومسيرة طويلة عبر فيها أكثر من خمسمائة كيلومترا ذهابا وجيئة وبعدها التحق الرسول بالرفيق الأعلى بسبب علة طارئة، وكان رحيله صدمة كبرى لم يتحملها الصحابة بمن فيهم عمر رغم هذا النص الصريح بكمال الدين والنصوص الأخرى التي تقول للرسول (انك ميت وانهم ميتون)، وتسلم السلطة من بعده أبوبكر الصديق رضي الله عنه الذي كانت مهمته الأساسية تثبيت الأمة واخراجها من الصدمة القاسية بالرحيل المفاجئ لنبيها وانقطاع الوحي، وقد أبلى في ذلك أحسن البلاء من أول وهلة عندما صعد المنبر وقال بصوت قوي (أيها الناس من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت) وكذلك كانت له مواقفه الصارمة من المرتدين والمتمردين الذين رفضوا الانصياع لأي كائن من كان بعد رحيل رسول الله، وما كان لأبي بكر أن يطيق البعد والفراق عن حبيبه الذي لازمه قبل البعثة في مكة وفي رحلة الهجرة وظل بجانبه في حله وترحاله ولم يفرقهما الا الموت فاصطفاه الله عاجلا وأجاب دعاءه ليكون بجوار رفيقه تحت الأرض أيضا في حجرة عائشة بعد فترة قصيرة من الحكم استتب فيها الأمن للدولة الفتية.

وجاء من بعده عمر بن الخطاب وحكم  عشر سنوات فقط  ولكنها ظلت النموذج والمعيار والمثال الذي يجسد عدالة الاسلام وحجيته لقيادة البشرية واصلاح حالها في كل زمان ومكان، وقد كان في قمة عطائه عندما اصطفاه الله شهيدا بطعنة خنجر من أبي لؤلؤة غلام المغيرة وأجاب الله دعوته التي كان يكررها دائما (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وميتة في مدينة نبيك) فلحق بصاحبيه ودفن معهما في حجرة عائشة، ثم جاء من بعده ذو النورين عثمان وكانت العشر الأوائل من حكمه استقرارا ونماءا وفتوحات وتوسعا وسعة في المعاش كما أورد أصحاب السير، وعندما تعداها بدأت تطل ظواهرومظاهر لم يعهدها الصحابة من قبل  في عهد الشيخين وعلى رأسها سطوة الامويين –عشيرة عثمان رضي الله عنه وأرضاه-  واستئثارهم بالسلطة ومنافعها مما دفع بعض الشباب المتحمسين من الأمصار في الدولة الاسلامية للهجوم على عاصمة الخلافة في مدينة رسول الله (ص) وقتلوا الخليفة عثمان رضي الله عنه ظنا منهم بأنه السبب في تلك الانحرافات التي بدأت تدب في دولة الخلافة الراشدة التي حدثت ربما بسبب تقدم سنه… وبعدما فعلوا فعلتهم الشنيعة أصيبوا بالذهول من هول الكارثة اذ لم تكن لديهم رؤية واضحة للبديل أو ما يترتب على فعلتهم تلك…، فكانت الفتنة الكبرى التي نعيش آثارها الى يومنا هذا، فهل نعتبر بذلك الدرس الذي جسدته حادثة مقتل الخليفة الراشد سيدنا عثمان وهو من المبشرين بالجنة ومن السابقين الأولين ونحدد مدة الحاكم في السلطة أم أن التأمل في أحداث الفتنة الكبرى حرام كما يقول بعض فقهاء عصر الانحطاط….
هل يمكننا أن نستنبط من تلك التجارب ما نقيس به مدة البقاء في الحكم؟ حيث حكم رسول الله في المدينة عشر سنوات واختاره الله بعدها لجواره وهو في قمة العطاء وحكم بعده عمر عشر سنوات واختاره الله شهيدا وهو في قمة عطائه وفتوحاته وعدله وحكم عثمان أكثر من عشر سنوات فأطلت الفتنة برأسها وتسرب الفساد والمحسوبية للدولة وقامت الثورة عليه بعد العشر الأوائل، فهل يمكننا أن نقول قياسا على ذلك بأن الحاكم يجب ألا يبقى أكثر من عشر سنوات، ينتخب لدورة أولى لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد في انتخابات عامة لدورة ثانية واحدة فقط، أم يريد لنا بعض المتفيقهين أن نقبل وننصاع لرأي وعاظ السلاطين الذين يقولون بأن الامام المبايع يظل في موقعه حتى الموت ما لم يفقد أهليته؟ وما هو الحد الفاصل الذي نقيس به الأهلية في ظل غياب الشفافية والمحاسبة والنصح؟  وهل تحتاج معرفة أهلية حكامنا العرب المعاصرين لكبير عناء، ومنهم من ظل في موقعه بعد أن أصابه العجز البدني حتى أصبح يعامل معاملة الرضيع في التخلص من الفضلات الطبيعية ومنهم من ظل مغيبا بفعل السكر والليالي الحمراء بصورة يومية ولا يصحو الا في منتصف النهار ليبدأ من جديد قبل غروب شمس اليوم التالي، ومنهم من استبد به الجنون حتى صار ملك الملوك ولا يجرؤ أحد على مخالفة ما يراه وان وصل الى مرحلة الجنون السافر ومنهم الغارق في اللهو البرئ والأنشطة الهامشية لدرجة تجعلك توقن بأنه اما مغيب عن قضايا الأمة أو متبلد الشعور عما يعايشه شعبه من مآسي لا تحصى ولا تعد ومنهم من سلم البلاد ومصالحها للأعداء واكتفي بدور كلب الحراسة….ومنهم…ومنهم…

فهل نصم آذاننا ونغمض أعيننا عن التجارب الناجحة في عالم اليوم ونحن نري الاستقرار السياسي والنماء الاقتصادي والولاء للأوطان في ظل الحرية والشفافية والعدالة لدى الشعوب التي تحرم على قادتها بالقانون البقاء في السلطة لأكثر من 8-10 سنوات كحد أقصى في دورتين فقط وفق المنافسة الحرة كما هو الحال في أمريكا وفرنسا وبريطانيا والمانيا…. وقد يتنحى أحدهم لمجرد أن تحوم حوله شبهة مالية أو أخلاقية ويتعرضون الى أقسى أنواع المساءلات أمام الرأي العام والقانون على السواء….. وقد جاء الاسلام في أول عهده واستصحب كثيرا من العادات الكريمة التي وجدها سائدة في ذلك الزمان فما العيب في أن نستفيد من تجاربهم التي طوروها بعد احتكاكهم ومعرفتهم للحضارة الاسلامية عن قرب، فأقاموا أنظمة مستقرة وشعوب منتجة ومحبة لأوطانها، شعوب تخيف حكامها وتعزلهم في اي وقت شاءت متى ما أحست بانحرافهم أو تسلطهم، فلماذا يصر وعاظ السلاطين وبطانة السوء في بلداننا العربية على استمرار الأوضاع على ما هي عليه ويتولى أمرالأمة أناس بمؤهلات متواضعة وخبرات ضعيفة وسمعة ملطخة واذعان وارتهان للغرب والشرق ولا تقف سوآتهم  في حدود دائرتهم الضيقة  فحسب بل يتنزل ذلك الانحلال والتحلل من المسئولية العامة على كثير من مرافق الدولة من أعلى الى أسفل حيث يولون عليها أهل الولاء المزيف والمصالح الشخصية مما ينتج عنه تخريب الاقتصاد وتمزيق البلاد وتدمير التعليم وخراب العلاقات الخارجية مع القريب والبعيد وفوق ذلك كله اضمحلال الولاء للوطن وضمور القيم التي عرفت بها أمتنا عبر تاريخها الطويل، ولنا أن نتساءل هل يقرأ حكامنا في السودان وفي بلاد العرب ما تتناقله المواقع الاليكترونية عن أدق ما يدور في دهاليز الدولة وما يحدث خلف الأسوار حتى في حياتهم الخاصة وحياة المقربين منهم، وهل نظل نحكم على تلك المعلومات المنشورة كلها بأنها اشاعات مغرضة وقذف بالباطل؟.

بالرغم من أنني أتعامل بحذر شديد مع كل ما يصلني من معلومات عبر قنوات التواصل الاليكتروني أو ما أعثر عليه عند البحث في بعض المواقع في الفضاءات المفتوحة في شبكة المعلومات الدولية فان كثيرا من المعلومات المتداولة عن الفساد بأنواعه المتعددة  يشير الى واقع مرير ولا يمكن انكاره او التستر عليه، ولنا أن نتساءل اما كان الأجدر لقادتنا أن يترجلوا طواعية ويفسحوا المجال لغيرهم ويرحموا أنفسهم وأسرهم وأعراضهم في المقام الأول بغض النظر عن المآسي التي تعيشها الأمة بسبب بقائهم المزمن في الحكم…..وهل هناك أمل في التغيير بعد الكوارث المتلاحقة ومذكرات الاحتجاج المتكررة من القواعد التي تطالبهم بالتغيير، أم نستطيع أن نقول بأن التغيير بات مستحيلا بسبب مافيا السلطة والمال التي تحيط بالكبار وتحول بينهم وبين اتخاذ خطوات جادة للاصلاح؟ والى متى يحتمى النظام بالأزمات الكبرى والفواجع التي تحدث بسبب وهنه وغفلته ويدفع ثمنها الشعب مزيدا من الدماء والشقاء؟ يخطئ النظام خطأ فادحا اذا فسر اصطفاف الشعب السوداني وهبته لتحرير هجليج هو التفاف حول شعارات الانقاذ البائرة أوالتفاف حول القيادة التي لا تحسن الخطاب العام، بل هو الحس الوطني والشعور بالمسئولية القومية، فهل من تدابير عملية بعد تحرير هجليج تخرج البلاد من الوقوع في كوارث أكبر من سابقاتها وتجعل الاصطفاف في ظل الأوضاع التي أفرزتها السياسات الرعناء للدولة مستحيلا وتدخل البلاد في فوضى عارمة؟ هل بامكان الشعب السوداني أن يقدم المزيد من التضحيات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والأداء الحكومي المتردي والخطاب السياسي المتخلف؟ أرجو أن يواجه الكبار هذه الأسئلة بمسئولية ان كان هنالك بقية من ضمائر حية، وأما القواعد فقد آن لها الأوان أن تبحث عن طريق آخر غير الذي تسلكه القيادة التي أصبحت مكبلة بهذا الواقع الذي فرضته على نفسها أو فرض عليها  بسبب طول المكث في السلطة كما هو الحال في الأنظمة العربية التي ثارت عليها شعوبها، وعليها ان كانت ترغب في الاصلاح أن تنفض يدها من المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية التي قتلوها وأشانوا سمعتها وتلتحق بحركة الشعوب العربية والاسلامية التي سبقتنا للتغيير تحت رايات الحرية والشفافية والعدالة…؟ ونواصل

هل من معالجة حقيقية لطول المكث في السلطة (المقال الثاني)
فيما سبق قلنا بأن طول المكث هو أول المسببات للاصابة بمتلازمة الحكام العرب بأعراضها المتعددة من استعداء واقصاء واستعلاء وفشل ونكران  وعناد لا تخطئها العين في  مسيرة الانقاذ خلال ربع القرن الماضي وتجلت آثار كل تلك الأعراض في الأداء داخل مؤسسات الدولة وفي المعاملة مع المعارضين للحكم وفي العلاقات مع دول الجوار والعالم أجمع كما سنرى بعض الأمثلة لذلك فيما بعد، ومن مثالب طول المكث أيضا أنه خلق علاقات اجتماعية ممتدة وشللية جعلت من الكبار الممسكين بزمام الأمور مجموعة يجمعها ارتباط المصالح ووحدة المصير وأصبحت الدولة بالنسبة لهم هي عبارة عن شركة مساهمة محدودة العضوية مملوكة لهم ويتبادلون كراسيها ويحددون شكلها حسب ما تمليه ضرورة اطالة عمر النظام والبقاء في الكراسي لأطول مدة ممكنة بعيدا عن مصالح الأمة كما تجلى ذلك في تشكيل  معظم الحكومات السابقة والحكومة الراهنة ذات القاعدة العريضة -كما يسمونها –على وجه الخصوص ولا تلوح في الأفق بادرة بأن يتم تغيير ملموس في مواقع الكبار المعتقين واذا فشل أحدهم في موقع تحول لآخر ليمارس دمارا أوسع طالما هو عضو مؤسس وصاحب أسهم كبيرة في الشركة المساهمة (دولة السودان المكلومة).

لقد سمعنا الرئيس يقول في عدة مناسبات بأنه لا ينوي الترشح للرئاسة في الانتخابات القادمة في عام 2014 ولنا أن نسأل ونتساءل هل نتوقع أن يقوم الرئيس باتخاذ خطوات عملية لتتم الاستجابة لهذه الرغبة التي أبداها وكررها عدة مرات وهو رئيس الدولة والحزب معا؟ هل سيأمر باعادة النظر في تعديل الدستور واللوائح التنظيمية للحزب بحيث تحدد الآجال في تولية المناصب في الحزب والدولة بما في ذلك رئاسة الجمهورية ويقول للذين أمضوا أكثر من عشرين عاما في الحكم خلاص كفاكم؟ اذا لم يقم بذلك فان الأمرلا يعدو أن يكون فقط جس نبض للساحة كما يقول بعض المراقبين، والغرض منه معرفة من يأخذون الأمر مأخذ الجد من المتطلعين للرئاسة فيتم التخلص منهم مبكرا كما كان يفعل كثير من الزعماء العرب …القذافي وصدام ومبارك وعلي صالح…. وربما اعتقد البعض بأن تصريحات الرئيس تلك أريد بها احراج مؤسسات الحزب لتبادر مبكرا من عندها وتعلن تمسكها بالرئيس مرشحا أوحدا للحزب قبل أن يدور جدل في الأمر اذا حان أجل الانتخابات وظل الرئيس صامتا.

ولعل الاحتمال الأخير هو الراجح فقد سمعنا كل الذين سئلوا من القيادات النافذة في الدولة والحزب عن ذلك التصريح الذي ظل الرئيس يدلي به يقولون بان الأمر يرجع لمؤسسات الحزب وليس للرئيس الحق في ذلك. بالطبع لا يمكنهم أن يقولوا غير ذلك في غياب اتخاذ الرئيس الخطوات والتدابير اللازمة للتغيير، ولا يمكن لأحد منهم أن يتجرأ ويثني على الرئيس في هذه المبادرة ويقول بأن  ذلك موقف مشرف وسنة حسنة من الرئيس أن يتنازل طواعية أو يقول هذا أمر طبيعي في حياة الأمم والشعوب المتحضرة، ولا شك ان قال أحد منهم بذلك فانه قطعا سيتهم بأنه يتطلع لخلافة الرئيس، هذا بالاضافة لأنهم يعلمون بأن الأمر اذا أصبح حقيقة فسيطالهم هم أنفسهم لأنهم جميعا مصابون بداء طول المكث في السلطة ويتطلع بعضهم  للاستمرار في السلطة اذا قدر للسودان أن يبقى سودانا تحت حكم الانقاذ حتى الانتخابات القادمة حتى عام 2014 وما بعدها الى الأبد. ونكاد نجزم بان ما ظل يحدث في البلدان العربية من تجديد وراء تجديد وتعديل للدستور للمزيد من التجديد سينسحب على سودان الانقاذ عندما تحين الانتخابات القادمة أو التي بعدها أو التي بعد التي بعدها ولن يعوزهم التبرير لذلك فهناك المقولة المكرورة عند الأنظمة العربية كافة والسودان ليس استثناء….الرئيس قبل الترشح استجابة لارادة التنظيم ورغبة الجماهير خاصة وأنه لا يوجد بديل ملائم تلتف القواعد حوله كما هو الحال بالنسبة للرئيس، وكأن الأرحام في بلاد العرب عاجزة عن ولادة الزعماء أو افرازهم بعد أن يتربع الرئيس على العرش فلا يجرؤ أحد أن ينزعه منه الا ملك الموت أو الثورة المدمرة كما يحدث الآن في بعض البلدان العربية، وقديما قيل  لفرعون بأن مولودا من بني اسرائيل سيولد وسيكون سببا في زوال ملكك فصار يسحيي النساء ويذبح الأبناء من بني اسرائيل وقيل أنه فرض الطهارة (الختان) الفرعونية حتى لا تستطيع المرأة الولادة بدون مساعدة قابلة وعندها ينكشف أمر المولود فاذا جاء المولود ذكرا ذبح، ولكن شاء الله أن يولد موسى  ويوضع في التابوت ويلقى في اليم ويلتقطه آل فرعون ويتربى في كنفهم ويكون سببا في هلاك فرعون فهل من مدكر.

طول المكث في السلطة واحدة من القضايا التي يجب أن يدور فيها وحولها الحوار بالصوت العالي داخل اروقة الحزب الحاكم مهما كانت التضحيات وحجم العزل أو التهميش الذي يمارسه الكبار للذين ينتقدونهم، وقد تابعنا اجراءات العزل والتهميش للذين يجهرون بالنقد خلال السنوات الماضية وكذلك تابعنا كشوفات الاحالة للمعاش المتكررة لكثير من الكفاءات في القوات النظامية بسبب ما جهروا به من المطالبة بالاصلاح، وبكل أسف أصبحت دائرة صنع القرار في الدولة ضيقة جدا، والذين يقدمون المشورة والنصح للقيادة العليا معظمهم ممن يفتقرون لأبسط المؤهلات في السياسة والاقتصاد والاجتماع وادارة شئون الدولة في ظل العولمة والفضاءات المفتوحة، وكذلك لا يملكون الشجاعة لقول الحق مما جعل مواقف الدولة متذبذبة وخطابها ممجوج ويتسبب في كثير من الاحراجات ويجلب المزيد الكوارث، بالاضافة لعدم القدرة على استغلال الفرص السانحة التي تسوقها لهم الأقدار كما حدث بعد تحرير هجليج عندما اصطفت الأمة كلها خلف قواتها المسلحة ومجاهديها، ولكن كان رد القيادة المزيد من العنتريات الفارغة والبطولات الزائفة والقرارات الطائشة على الهواء مباشرة ولا نلبث طويلا حتى  يتم التراجع عنها  بطريقة لا تحفظ ماء الوجه ولا تعطي أي قدر من الاحترام والمقبولية للطريقة التي تدار بها البلاد.

ملحمة استعادة هجليج كانت عظيمة وكشفت عن معدن الشعب السوداني الأصيل ومدي تلاحمه عندما تصبح المعركة معركة كرامة ورد شرف ولكن تلك الملحمة الصادقة لتحريرهجليج تم افسادها بالتهريج وعدم القدرة على ضبط الخطاب السياسي الرسمي وغوغائية الاعلام، فبدلا من التهديد والوعيد وادعاء البطولات كان يجب على القيادة التأمل الهادئ في الأسباب التي أدت لهذا الاختراق الأمني المشين والمهين لسمعة الدولة التي أصيبت في مقتل وفي أهم مورد اقتصادي وفي أصعب ظروف اقتصادية تمر بها البلاد وقد تم ذلك في وضح النهار وبترتيبات كانت مكشوفة تحدث عنها قادة الجنوب بدأ من رئيسهم سلفاكير. فقد كان الواجب النظرللانتصار الذي تم  في اطار رد الشرف ومسح العار وليس ادعاء البطولات الزائفة، وكنا نؤمل في اللقاءات العفوية التي اندفع لها الشعب السوداني بعد التحرير مباشرة أن يتبلور خطاب واقعي يشير الى أن القيادة قد استوعبت الدرس من اخفاقاتها المتكررة والتي جاءت نكبة هجليج على قمتها، ولكن بكل أسف لم نشهد الا تكريس للمزيد من الخواء الفكري وغياب الرؤية الصحيحة للأحداث واللجوء الى دغدغة عواطف العوام بالتصريحات الخاوية من المبنى والمعنى وكلها تصب في خانة المزيد من العزلة والاستهداف للبلاد بدون مبررات موضوعية. فمتى يتعلم قادتنا السياسة؟ كنا نتوقع أن تكون رسالة الشكر والعرفان للشعب السوداني واضحة في تلك التجمعات، وتحمل البشريات بتغيير نهج الغفلة وطرح نهج جديد يعالج داء التفريط في مقدرات الامة ومكتسباتها، وكذلك كنا نتوقع توجيه الخطاب لشعب جنوب السودان والتأكيد على العلاقات التاريخية التي تربطنا وضرورات الواقع والمستقبل التي تشد بعضنا الى بعض ونحاول فك الارتباط بينه وبين الحركة الشعبية التي ولت الدبر بعد أن أدخلتهم في مغامرة كبيرة لم تتحسب لعواقبها ونبين لهم عن طريق الارقام والاحصاءات الدقيقة أفعالها الخرقاء التي لا تصب في مصلحة شعب جنوب السودان، ولكن يبدو أن ما توصلت اليه ويوافقني فيه كثير من المراقبين بأنه لن ينصلح حال السودان الكبير الا بالاقصاء المتزامن للحركة الشعبية والمؤتمر الوطني من سدة الحكم  في الجنوب والشمال وحينها ربما تعود اللحمة من جديد ويتوحد أهل السودان بعد ان ذقنا مرارة التقسيم وفق رؤية جديدة تنبني على المصالح المتبادلة وما أكثرها وليس على المكايد المتبادلة كما يحدث بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، فهل يتحقق ذلك الحلم يا ترى؟
الخطاب السياسي الرسمي بعد التحرير بما فيه من تهديدات ووعيد وشتائم قطع الطريق على كل تدبير أمني خفي كان بالامكان القيام به لازاحة الحركة الشعبية من قيادة جنوب السودان وهي في أضعف حالها بعد الهزيمة النكراء في هجليج، وهو أمر أصبح من الضرورة بمكان، وليس من الصعب التخطيط له وتنفيذه اذا عرفنا كيف نستغل التناقضات الموجودة في الساحة الجنوبية على مستوى التركيبة القبلية والأطراف المتصارعة على السلطة في ظل هشاشة الأوضاع القائمة في الجنوب، والتي يعصمها من الانهيار الأيادي الخارجية التي تحكم سيطرتها على توجيه القرار السياسي لدولة الجنوب من العاصمة جوبا.

وقد كان المؤل فيه أيضا بعد استعادة  هجليج اعمال النظر فيما حدث ومحاسبة المفرطين في أداء الواجب والاستفادة من الاصطفاف الجماهيري الذي تم لاحداث انفراج في الساحة السياسية واصلاح واضح في مسيرة الدولة المتعثرة والاعتراف بالأخطاء التي حدثت، ولكن لم نر الا المزيد من دفن الرؤوس في الرمال. فهل اطلع قادتنا على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدخل مكة يوم الفتح مطأطا رأسه وهو في قمة النصر ويقول لأهل مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء فيدخل الناس في دين الله أفواجا ويتحول بين عشية وضحاها عتاة كفار قريش من مناوئين للدولة الاسلامية الى حملة رايات الاسلام والجهاد في كل أرجاء المعمورة المعروفة آنذاك….

في مثل هذه الظروف التي تمر بها البلاد لا يتم الاصلاح بالمذكرات الناعمة المتفرقة التي ظل يتقدم بها بعض الذين استعادوا وعيهم  من قواعد المؤتمر الوطني في مختلف المناطق والمؤسسات والقطاعات لأن الكبار سيتعاملون معها بكل اللطف والمكر والدهاء ما دامت مفرقة ولم تتحول الى تيار جارف للتغيير فهي في نظرهم وسيلة للتنفيس واثبات بأن هنالك شورى وحرية وسماع للرأي الآخر كما ظل يدور في اللقاءات التي تنعقد من حين لآخر. فالمطلوب هو ثورة داخلية عارمة تدعو للتغيير الذي تقر به القيادة مجبرة تحت ضغط القواعد الثائرة بحق ويثبت في المواثيق الرسمية للدولة والحزب ويشرع في تنفيذه وفق آجال محددة وليس كما ورد في المذكرة الألفية كما سماها البعض، ولا بد من الوقوف بحزم ضد طول المكث الذي جعل من قادتنا الكبار أباطرة وأصحاب قداسة لا يسألون عما يفعلون ولايحاسبون فيما اقترفوا من جرائم في حق الامة، وقد حصدنا ثمار كل ذلك في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ول المكث في الكراسي  والتفويض المطلق لأباطرتنا الكبار هو الذي ضيع منا ثلث السودان ولم يجلب لنا السلام رغم تنازلنا عن مكتسباتنا في البترول الذي استخرجناه بعرق المخلصين ودماء الشهداء، ولم يكتف المتمرون السابقون الذين أصبحوا يديرون دولة كاملة الدسم بما تنازلنا لهم به ولكنهم صاروا يهاجموننا في عقر دارنا ويخربون أعز ما نملك في هجليج حيث المورد الرئيس للعملة الصعبة ويهددون الزراعة المطرية والرعي في جنوب كردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض مما نتج عنه تشريد أهل الاستثمارات الضخمة التي كانت في تلك المناطق لعشرات السنين. هل تعلم الدولة كيف تضررت مصالحهم ومصالح العباد تبعا وقد أصبح بعضهم مطارد بسبب الافلاس؟

طول المكث هو الذي جعل أباطرتنا يولون علينا الكثير من ضعاف القدرات وضعاف النفوس – بمزاجهم- في مواقع مهمة تتصل بحياة الناس فيخربون مؤسسات الدولة ان لم ينهبوها. طول المكث هو الذي جعل أباطرتنا يطلقون العنان لألسنتهم عندما يعتلون المنابر فيجلبون لنا الوبال ويؤلبون علينا الآخرين بدون مبررات مستساغة..و.كثير من الأمثلة يمكن سردها في هذا الباب…..فهل يعي قادتنا الكبار الدرس بعد كل هذه المآسي التي تتعرض لها البلاد ويتخذون  خطوات عملية في تقنين البقاء في كراسي الحكم ومؤسسات التنظيم ويبدأ الكبار بالترجل طوعا قبل تثور عليهم القواعد فتقصيهم أو تندلع الثورة الشعبية التي ربما تنتهي بالفوضى والحرب الاهلية ويتحمل لعناتها أؤلئك الذين يصرون على البقاء في الكراسي حتى السقوط المدمر؟ ….ونواصل

عصبية الرأي الواحد (المقال الثالث)
بالاضافة لطول المكث في السلطة الذي تحدثنا عنه سابقا فان من الأدواء التي تسببت في متلازمة الحكام العرب التي انتقلت عدواها للانقاذ في السودان  بأعراضها كلها من استعداء واقصاء واستعلاء وفشل ونكران وعناد فهي العصبية العمياء للرأي الواحد وادعاء امتلاك الحق المطلق، وهذا داء قديم في حياة الأمم وكانت له آثاره المدمرة في حياة الشعوب وتسبب في حروب ممتدة عبر التاريخ، وقد كانت أفظع آثاره على الاطلاق ما قام به هتلر عندما روج لفكرة تفوق الجنس الآري وبدأ في تنفيذ طموحاته التوسعية  في اخضاع الشعوب الأخرى وقهرها بالقوة العسكرية من منطلق تلك العصبية للجنس الآري المتفوق على الشعوب الأخرى وراح ضحية تلك الادعاءت ما يصل الى خمسة وأربعين مليون نفس أزهقت في الحرب العالمية الثانية.

فالانقاذ أيضا ولدت بهذا الداء- ادعاء الحق المطلق- وبدت عليها أعراضه منذ وقت مبكر مثلها مثل غيرها من الأنظمة العربية الشمولية التي سادت في المنطقة العربية منذ موجة التحرر من الاستعمار في خمسينات وستينات القرن الماضي تحت رايات الاشتراكية والقومية والبعثية والجماهيرية  وقهرت الشعوب وأجبرتها على الانصياع لرأي واحد وقائد واحد وحزب واحد وحصدت الأمة العربية ثمار كل ذلك فيما نشاهده اليوم من انحطاط وتخلف وفرقة وتمكن للعدو الصهيوني في قلب الأمة العربية والارتماء التام في أحضان القوى الاستعمارية……

أما الانقاذ فقد كان ادعاؤها أكبروأخطر من غيرها من الأنظمة العربية التي جاءت باسم الاشتراكية والقومية والجماهيرية التي لم تثر غيظ اللاعبين الكبار في الساحة الدولية في عالم اليوم مثل ما ظل يغيظهم ويخيفهم الشعار الاسلامي، بل واقع الحال يقول بأن اللاعبين الكبار في العالم ظلوا يشجعون تلك الرايات -ولو في الخفاء بغض الطرف عما ترتكبه من فظائع في حق الشعوب-لأنها تبتعد بالامة الاسلامية عن مصدر عزتها وقوتها التاريخي وهو الاسلام، ولا خلاف في ذلك بين الشرق الشيوعي سابقا والغرب الليبرالي، فقد كانت الأنظمة العربية في العراق وسوريا وليبيا والجزائر ومصر تحارب تنامي التيار الاسلامي الحركي بعنف وتستخدم كل أدوات البطش لكبته وابعاده عن الثأثير في مجريات السياسة دون أي انتقاد يذكر من المنظمات الدولية التي يسيطر عليها الكبار.

في مثل هذا الظرف وتلك الروح السائدة في الساحة العربية قامت الانقاذ في السودان وتبنت التوجه الاسلامي الحركى الذي يؤمن بالاسلام كدين ودولة بعد فترة وجيزة من التخفي والتعمية والتمويه تحت شعارات الوطنية والمحافظة على وحدة البلاد ودحر التمرد في الجنوب – ليس ذلك فحسب – بل سرعان ما نصبت نفسها الوصي الوحيد على فهم الدين الاسلامي واقامة أحكامه في المجتمع وحاولت أن تحتكر مظاهر التدين في المجتمع وكممت أفواه كل المعارضين بما فيهم أصحاب الخلفية الاسلامية دون التأمل الواعي للمعادلة الداخلية والاقليمية والدولية المعقدة.

ادعاء أهل الانقاذ بأنهم أصحاب الحق المطلق المؤيد من السماء وبأنهم حماة الدين وحراس العقيدة  وأصحاب التوجه الحضاري جعلهم  يتصرفون باستعلاء واستعداء واقصاء وقسوة على الآخرين الذين عارضوهم في الداخل ووصفوهم بأسوأ نعوت العمالة والعلمانية، وهجموا على مؤسسات الدولة المدنية منها والعسكرية ومكنوا لكوادرهم فيها بمؤهل واحد هو الانتماء للحركة الاسلامية، وقد ظن أهل الانقاذ أن بامكانهم اقامة الدين كله دفعة واحدة عبر سلطان الدولة وفي فترة وجيزة طالما أنهم ملكوا زمام الحكم وتم لهم التأمين والتمكين في دولة السودان، وظنوا أن اعادة حكم الاسلام وأحكامه كما يفهمونها هم ستأتي بالخير الوفيروتفتح عليهم بركات السماء والأرض طالما طبقوها على شعب غالبيته العظمى من المسلمين الذين كانوا يحكمون بالاسلام قبل أقل من قرن من الزمان ابان الحقبة المهدية – ليس ذلك فحسب- بل بشروا بالمد الاسلامي الذي سينطلق من السودان ليعم المعمورة جمعاء في وقت وجيز.

تلك الحماسة الزائدة والنظرة الأحادية الضيقة بأنهم يملكون الحق كله تجاهلت كثير من المعطيات في الساحة الداخلية والاقليمية والخارجية وتسببت في استعداء قطاعات كبيرة ضدهم من داخل البلاد التي توجد فيها أحزاب سياسية عريقة ذات مرجعية اسلامية وطبقة عريضة من المثقفين الذين لا يشاطرونهم الرأي فيما ذهبوا اليه، وكذلك كان التغيير المفاجئ ملفتا لدول الجوارالتي يحظى السودان بتسعة منها تتداخل قبائلها ومصالحها مع السودان الذي يتوسطها جميعا، وكذلك القوى الدولية التي تعرف الموقع الجغرافي المميز للسودان وثرواته المكنونة في باطن الأرض وظاهرها.

فأهل الانقاذ في حماستهم تلك لم يتحسبوا أو يقدروا حجم المعادلات الدولية في عالم اليوم وهيمنة اللاعبين الكبار التي تسندها مؤسسات  بحثية ضخمة ومراكز دراسات تصرف عليها المليارات لاعداد ورسم السيناريوهات السياسية التي تعين القوى الغربية المهيمنة على توزيع الأدوار في السياسة الدولية فيما بينهم منذ سايسبيكو حسب ما تقتضيه حاجياتهم في جلب المواد الخام والطاقة الرخيصة وبيع منتجاتهم الصناعية خاصة السلاح وكبح جماح المتطاولين عليهم وتعويقهم  واخافة المتطلعين للانفلات ونهب ثروات المنبطحين وبالاضافة للتمكين للعدو الصهيوني في قلب الأمة العربية والاسلامية.

مهما يقال فقد استطاعت الانقاذ في أول عهدها أن تقوم بمغامرات ناجحة وقد ساعدها على ذلك وصولها المفاجئ للسلطة الذي لم تتنبأ به أجهزة المخابرات الغربية أو دول الجوار خاصة مصر رغم تجزرها في المنطقة العربية ولذلك احتاجت لبعض الوقت للتعرف على النظام الجديد وتعديل مساره فيما بعد في الخط الذي يريدونه هم أو على الأقل الخط الذي يحد من طموحاته ويحول دون الوصول الى أهدافه.  فقد تمكنت الانقاذ في سنواتها الأولى من احداث بعض النجاحات في تنفيذ خططها في الداخل حيث كسرت شوكة التمرد في الجنوب بعض الشئ وأوقفت زحفه نحو الشمال وعكست بعض النماذج للطهر والزهد والحزم في محاربة الفساد ومشاطرة الشعب السوداني شظف العيش، وفي محيط الجوار الأفريقي تم تغيير نظام منقستو المعادي في  أثيوبيا واستقلت دولة  اريتريا بدعم تام من السودان وكذلك حدث التغيير في الكنغو وتشاد… النشوة بتلك بتلك النجاحات جعلت الانقاذ تفتح أبواب البلاد على مصراعيها للحركات الاسلامية وحركات التحرر من كل أنحاء الدنيا بلا ضابط ولا رابط بحجة مناصرة المسلمين والمستضعفين في العالم في اطار المشروع الحضاري العالمي، وقام المؤتمر الشعبي العربي والاسلامي وكانت تلك فرصة مواتية للاختراق الذي تم بجدارة ودفعت الانقاذ ثمنه غاليا بعد فترة وجيزة.

أخطرما نتج عن ذلك الاندفاع بنظرية الرأي الواحد والحق المطلق الذي أصبحت دائرة صنع القرار فيه تضيق أكثر مما كان عليه الحال قبل استلام السلطة هوتشتيت الجهود في جبهات متعددة ومواجهة قضايا متنوعة لم تكن في الحسبان في الداخل والخارج، فبدأت الخلافات الداخلية  تدب وسط القيادة بين أهل الظاهر وأهل الباطن، القدامى والجدد، العسكر والملكية، ودار جدل كبير حول أولويات دولة المشروع الحضاري…بسط الحريات….اقصاء العسكر….المساومة مع التمرد في الجنوب….العلاقة مع الغرب…غزو العراق للكويت….. وبدأ أهل الحق المطلق الذين أزاحوا عند مجيئهم كل معارضيهم من مفاصل الدولة باسمه يتبادلون الاتهامات ويكيد بعضهم  لبعض الى أن وصلنا في فترة وجيزة لم تصل الى عشر سنوات للانشقاق، وحمل البعض السلاح في وجه الدولة الاسلامية التي شاركوا في قيامها ونعتوها بأبشع التهم كما كان الحال بالنسبة لحركة داوود بولاد وحركة العدل والمساواة التي كان يقودها الدكتورخليل ابراهيم –رحمهما الله- وما زالت تلك المعارك مستعرة بين الفرقاء الاسلاميين ووصل الحال بالتلاميذ أن زجوا بشيخهم الذي أوصلهم الى كراسي الحكم في السجن ووصفه بعضهم بالزندقة. حدث كل ذلك في أقل من عقد من الزمان، ألا يدعو ذلك الى مراجعة شاملة ووقفة تأمل من الجميع، بما فيهم الذين ما زالوا يمسكون بتلابيب الدولة ووصلوا بها الى الدرك الأسفل من الحضيض والذين يناصبونهم العداء وهم على استعداد للتعاون مع الشيطان لازاحة الانقلابيين الجدد الذين انقلبوا على الانقلابيين القدامى من السلطة؟
لقد كانت الهيمنة الاحادية المطلقة سببا في أن يشرب الاسلاميون من ذات الكأس التي سقوا منها مخالفيهم وبأيديهم هم، وتبخرت كل أحلامهم التي قاموا بالانقلاب من أجلها ولا يوجد مراقب عاقل يمكن أن يحسب ما نراه يجري اليوم في السودان بأنه كسب للاسلام أو للحركة الاسلامية، ولا يجادل في ذلك الا مكابر تعميه شهوة البقاء في السلطة. فما هي ثمار ذلك الاستحواذ والاستعلاء باسم الدين؟ هل أصبحت لدينا دولة اسلامية في السودان يحتذى بها كما كنا نمني أنفسنا عند قيام الانقاذ؟ هل حافظنا على دولة السودان التي تسلمناها عام 1989 بحدودها الجغرافية منذ استقلالها اسلامية أو غير اسلامية الآن؟ أم أن وجودها نفسه على الخارطة أصبح مهددا تماما بعد أن تقطعت من أطرافها في الشمال والشرق وكل الجنوب تحت مرأى ومسمع منا وبسوء تدبيرنا وقلة حيلتنا وهواننا. وهل قهرنا الأعداء الذين صنفناهم بادئ ذي بدء وأعلنا عداوتنا لهم واستعدادنا لمنازلتهم أم أجبرتنا العزلة التامة حتى من أقرب الأقربين في دول الجوار الى الاستجداء المستمر لكسب ود الشيطان الأكبرالذي كنا نلعنه ونتمنى منازلته ومواجهته في الميدان لنسيمه سوء العذاب ومازال يتمنع ويرفض الرضى عنا او التطبيع معنا رغم ما بذلناه له مطارف وحشايا وما قدمنا له من معلومات أمنية وقرابين بشرية.

من أسوأ افرازات نظرية الحق المطلق كان الاسراع في تنصيب أهل الولاء على مرافق الدولة واقصاء الآخر مهما كانت خبرته ما دام لا ينتمي للتنظيم ولا يدين بالولاء التام للنظام الجديد فتم تخريب الخدمة المدنية بعمليات الصالح العام ولم تسلم من تلك الحملة القوات النظامية في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والسلك الدبلوماسي حيث تمت حملات تطهير واسعة ولجأت الانقاذ في ذات الوقت الى قيام أجهزة خاصة موازية لأجهزة الدولة رغم تنصيب أهل الولاء في كافة المواقع المهمة في مؤسسات الدولة، فكان قيام الدفاع الشعبي، والشرطة الشعبية، والأمن الشعبي  وغيرها كثير وظلت مؤسسات الدولة في الخدمة المدنية تدار من أوكار يجتمع فيها أهل (الجلد والراس) بالليل ويدفعون بما يقررونه بالنهارالى مؤسسات الدولة ويتم تنفيذ كل ما يريدون بالاملاء على المؤسسات وفي كثير من المواقع يشار الى فلان الذي يملك الحل والعقد في المؤسسة وقد يكون (فنطوطا صغيرا) ولكنه يستطيع أن يملي ما يريد  على الآخرين وان علت مكانتهم الوظيفية أو الأكاديمية أو رتبتهم العسكرية  وليس لأولئك الا الاذعان لما يريده أهل الجلد والراس أو انتظار الكشف القادم للاحالة للصالح العام أو المعاش او العزل تحت مبررات واهية، وللأسف ما زالت تلك السياسة قائمة بعد أكثر من عقدين من الزمان الى يومنا هذا وقد ازدادت بعد انشقاق الاسلاميين حيث أصبح هنالك هوس جديد وبعبع مخيف يستنصر به المفسدون المستفيدون من الوضع الهش القائم حاليا في ضرب من يقفون في طريق مكاسبهم ومكتسباتهم الغير مشروعة وهو الاتهام بالانتماء الى المؤتمر الشعبي.

ومما يؤسف له حقا فقد أصبحت هنالك اليوم في مؤسسات الدولة  طبقات وشلليات وعصابات تهيمن وتملك القرار ليس بالحق المطلق كما كان يقال في بادئ الامر- ولكن بتشابك المصالح المادية ويناصر بعضها بعضا في الاقصاء والعزل لكل حادب مخلص بتلفيقات يصدقها أصحاب القرارالكبار الذين أغرقتهم المصائب الكبرى التي تواجه البلاد ولا يلمون بما يجري في مؤسسات الدولة ولا يستطيعون متابعتها عن قرب مما هيا الأجواء لمافيا السلطة والمال أن تنخر في جسم الدولة وتفتعل المشاكل وتخلق الأزمات كبيرها وصغيرها دون محاسبة أو ردع، ويكفي ما نراه من انفلات ومشاكسات في مرافق الدولة على أعلى المستويات- الولاة والوزراء والمدراء- وما أصاب السوق من سعار في الأسعار وخراب للاقتصاد وضنك في العيش تعاني منه أكثرية الأمة بينما هنالك أقوام  تتكاثر ثرواتهم في كل فجر جديد ويظهر عليهم أثر النعمة التي حلت عليهم بدون مقدمات منطقية مقبولة، وما تزال الأزمات والمصائب تتوالى بسبب هيمنتهم على مفاصل الدولة دون رقيب ولا حسيب.

هل لنا ان نسأل من كان المسئول عما حدث من تفريط أدى الى احتلال هجليج وتخريب أعز مورد نملكه؟ فقد كان اجتياح هجليج امتحانا مكشوفا لكل مراقب للأحداث قبل عشر أيام من وقوعه فهل من لجان كونت لدراسة ما حدث بشفافية وابلاغ المواطن الذي أصابه الذهول من هول الكارثة.  وهل لنا أن نطالب بمحاسبة المسئولين عن الاخفاق الشديد في العلاقة مع الحركة الشعبية وتدليلها خلال سنين الفترة الانتقالية الذي انتهي بنا الى بتر ثلث السودان وتصاعد المواجهة معها الآن الى ما هو أسوأ مما كانت عليه عشرات المرات قبل اتفاقية السلام المزعومة. وهل لنا أن نطالب بمحاسبة الذين صرفوا المليارات الضخمة في الجنوب قبيل الاستفتاء على الانفصال دون أن تكون لهم أدنى فراسة في التنبؤ بنتائجه التي جاءت بنسبة 98% لصالح الانفصال؟ وهل حقا نصدق اليوم بأننا عدنا من جديد لرفع رايات الجهاد من جديد بعد ان طويناها باسم السلام مع الحركة الشعبية وسلمنا لها الجمل بما حمل، وأصبح الجنوب كله لها بما فيه من نفط  ومنشآت أقمناها بعرق الكادحين ودماء المجاهدين.

لا يختلف اثنان ولا تنطح عنزان في ان الانقاذ بعد أكثر من عقدين من الزمان في الحكم المطلق قد فشلت  في بسط المؤسسية في مؤسسات الدولة وما زالت سطوة المتنفذين والمفسدين والاجهزة الموازية هي الي تسير الدولة وتسير بنا بخطوات متسارعة الى الهاوية. ولا توجد أي اجراءات ملموسة لمحاربة الفساد أو كبح المحسوبية التي تزكم الأنوف وما زال الاقصاء مستمرا مما دفع بالآلاف من الكفاءات البحث عن سبل العيش الكريم في بلاد أخرى بل لجأ الكثيرون الى وطن بديل وتخلوا عن هويتهم السودانية ولم يقل بذلك خصوم الانقاذ وحدهم بل تحدثت عنه قطاعات كبيرة من قواعد الحزب الحاكم نفسه وسطروه في مذكرات احتجاج نشرت على مدى واسع وتلقفتها وسائل الاعلام….فهل بقي شئ من المشروع الحضاري الذي حكمنا الناس باسمه وشردناهم وعزلناهم أم أننا أصبنا حقا بمتلازمة الحكام العرب وننتظر فقط مصير صدام وبن علي والقذافي وعلي صالح ومبارك  الذين ظلوا جميعا يحكمون باسم الحزب القائد الذي يحصل على 99%  في كل انتخابات وكلهم ذهبوا وذهبت معهم أحزابهم الى مزبلة التاريخ ولم يبك عليهم أحد بل ستظل لعنات الشعوب تطاردهم الى الأبد، فدولة الظلم تغرب وتذهب بمجرد أن تفقد كراسي الحكم وينفض سامرها ودولة الحق تصمد لقرون وتترك آثارا ومآثر تتغنى بها الأجيال وتمجدها فهل يا ترى سيذكر أهل السودان الانقاذ بخير ان دالت دولتها في الغد القريب؟ وهل من سبل لمعالجة الهيمنة باسم الحزب الواحد تجنبنا الانزلاق للسقوط المدمر بعد أن أكملت الانقاذ كل أعراض متلازمة الحكام العرب؟….ونواصل

بعد كل تلك المآسي هل يقبل الانقاذيون بالتغيير السلمي؟ (المقال الرابع)
لقد رأينا  في المقالات السابقة الواقع المريرالذي أفرزته هيمنة الحزب الواحد -وباسم الاسلام- في السودان،  وواضح بما لا يدع مجالا للشك أننا نحتاج لمراجعة شاملة لفهم الدين ومراجعة المنهج الذي يتبع لانزاله على أرض الواقع في عالم اليوم بعد غياب امتد لعدة قرون حدثت فيها تغيرات هائلة في حياة البشر، بعد أن تم اقصاء الأمة الاسلامية من التأثيرفي مجريات السياسة العالمية بسبب انهيار الخلافة العثمانية وأصبحت السيادة المطلقة للغرب الذي أنتج خلال القرنين الماضيين أدوات ونظريات جديدة أصبحت تؤثر في حياة البشر في كافة المجالات الثقافية والاجتماعية الاقتصادية والفكرية وأصبحت بلاد الاسلام سوقا رائجة لكل ما ينتجه الغرب وتتلقفه دون تمحيص.

البلدان العربية تعيش اليوم مخاضا عسيرا للتغيير في ظل ما سمي بالربيع العربي الذي انتفضت فيه الشعوب على الدكتاتوريات التي ظلت تحكم بالحزب القائد والزعيم الخالد وظل المطلب الرئيسي هو المناداة بالحرية والعودة الى الحكم الراشد. وفي معظم البلدان التي انتفضت فيها الجماهير كان الشعار السائد هو المناداة باصلاح الحكم وفق مرجعية اسلامية معاصرة تستوعب المستجدات في الساحة الدولية، فهل يجد ذلك التوجه من يرعاه ويوجهه بما يستوعب ما أنجزته البشرية خلال الحقبة الماضية من تعميق لمعاني الحرية الفكرية الواسعة والديمقراطية أم أن الاسلاميين في بلدان الربيع العربي سيقعون فيما ابتليت به الانقاذ في السودان؟  هل يقبل الاسلاميون في دول الربيع العربي النزول الى الميدان السياسي ويمارسون الحراك السياسي السلمي والقبول بالتداول السلمي للسلطة وفق ما تنتجه صناديق الاقتراع ويبذلون كل ما في وسعهم لحراسة ذلك النهج ان هم وصلوا الى الحكم؟ أم أنهم سيسعون لاحتكار السلطة اذا وصلوا اليها بالذرائع المختلفة ويقفلون الباب على الآخرين باعمال السلطان وليس بالانجازات التي تجعلهم أقرب الى وجدان الناخب؟ واهل ذا لم يحصلوا على الأغلبية في دورة أو دورتين من الانتخابات سيبيتون النية بالانقلاب على الآخرين كما فعل أهل الانقاذ عام 1989 ؟ وهل يستجيبون لاستفزاز الآخرين بالتحالف ضدهم وبتأليب وتحريض من القوى الخارجية التي لا تريد التمكين للاسلاميين في بلاد العرب ويقومون بنشاطات رعناء تؤدي الى اقصائهم من الساحة مرة أخرى كما حدث خلال نصف القرن الماضي؟
أرجو أن يكون فيما حدث في السودان عبرة لنا في السودان وللآخرين الذين ينشدون التغيير هذه الأيام في البلدان العربية، فقد وصل أهل الانقاذ الى الحكم بانقلاب أبيض لم ترق فيه دماء وانفردوا بحكم البلاد حوالى ربع قرن وباسم الاسلام الذي حاولوا تطبيقه وفق رؤيتهم له ولم ينجحوا لا في تطبيق الاسلام ولا في تلبية مطالب الجمهور في العيش الكريم، بل ولم يحافظوا على وحدة البلاد فمزقوها ونهبوا خيراتها وأصبح كثير منهم من أصحاب الممتلكات عابرة القارات، وانتهي بهم الحال الى قتل تنظيمهم الذي أوصلهم الى السلطة عام 1989  بأيديهم هم، وهاهم اليوم يتباكون على أطلاله. وقد تابعت بألم شديد ما يتداوله ويتبادله بعض الاسلاميين هذه الأيام من حديث ووثائق عن ضرورة عودة المرحومة الحركة الاسلامية التي استخدمت سلما للوصول الى السلطة وتم لفظها الى ركن قصي أدراج بعض التنفدين حتى توفاها الله وشبعت موتا، وفي نظري لا سبيل لاحيائها من جديد كما سنرى فيما بعد في هذه المقالات.

سمعنا الشيخ الترابي عدة مرات يبدي أسفه على التسرع بالانقلاب ولا أدري هل كان يمكن أن يقوم بتلك المراجعات اذا ظل ممسكا بالسلطة حتى اليوم ووصل الحال الى ما وصل اليه الآن أم لا؟ فقد  تمت تلك المراجعات بعد اقصائه من السلطة رغم أننا كنا نسمع منه نقدا قويا لمسيرة الدولة قبل الانشقاق ولكننا لم نسمعه يبدي أسفه على الانقلاب وقتها. لانصاف الرجل- وأنا من جلساء أهل الباطن في الحركة الاسلامية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي-  أقول بأنه رغم حرصه على امتلاك الحركة الاسلامية للقوة وسعيه لتغلغل كوادرها في أجهزة الدولة قد استغرق  اقناعه بتنفيذ الانقلاب عام 1989 وقتا طويلا. وأقول بكل الثقة من معلوماتي انه كان في مقدور الحركة الاسلامية أن تقوم بالانقلاب منذ المفاصلة مع نميري قبيل الانتفاضة عام 1985 وقد كان الترابي هو الذي حال دون ذلك، فتحول المسار لقبول تسلم قيادة الجيش برئاسة المشير سوار الدهب -رضي الله عنه -السلطة.

ومهما كان من تبريرات سمعناها مرارا وتكرارا للانقلاب على تلك الديمقراطية الهشة فاننا اليوم في حال أسوأ بكثير مما كان عليه الوضع قبل انقلاب عام 89 ولا يكابر في ذلك الا من تعميه شهوة السلطان والامتيازات الشخصية التي حصل عليها خلال فترة حكم الانقاذ، ولن يشفع للانقاذ التوسع في التعليم ولا ثورة الاتصالات ولا الطرق التي عبدتها ولا خزان مروي ولا حكم الشريعة المحنط…ولا…,لا…. لأننا لم نر لكل ذلك أثر ملموس في حياة المجتمع السوداني اليوم لا في التعليم ولا في الاقتصاد ولا في الصحة ولا في قيم المجتمع والسبب في ذلك هيمنة شلة بسيطة باسم الحزب الواحد الذي حل محل الحركة الاسلامية ومن خلفهم مجموعة زمارين وطبالين ونفعيين يزينون لهم سوء أعمالهم بعد أن فقدوا أي رصيد من أي نوع يسندهم  لقيادة هذا البلد المنكوب الذي يتجه نحو الدمار الشامل بخطى حثيثة ان لم تتداركه رحمة الله وحكمة العقلاء. فمن أين جاءت فكرة التسلط على البلاد ورقاب العباد باسم الاسلام هذه؟

اذا رجعنا الى الوراء وتأملنا في الرسالات السماوية السابقة كلها ورسالة الاسلام على وجه الخصوص نجد أنها بادرت بتعميق الحوار الفكري والمجادلة بالحسنى وبقدر ما توفرت الحريات العامة انتشرت الرسالة وزاد أتباعها. وقد استغرق الأمر وقتا طويلا من الحوار والدعوة بالحسنى حتى تصل دعوة رسولنا (ص) الى مرحلة الدولة في المدينة، وتم ذلك بجهد بشري كبير بعد توفيق الله، وظل القراءن ينزل على الرسول (ص) ويطلب منه المزيد من الصبر وبذل المزيد من الجهد البشري في تثبيت مبادئ الحق في نفوس المؤمنين والصبر على أذى المخالفين (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)..(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…) (لو شاء الله لهدى الناس جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟

وعندما تمنعت قريش عليه وحاربته- وهي عشيرته في مكة وقد ولد في أشرف بيوتها- على مدى ثلاثة عشر عاما من العمل المتواصل بدأ  يبحث عن قاعدة أخرى ينشر فيها ومنها الدعوة ويقيم فيها دولة الاسلام وتعاليمه على الرغم من أهمية مكة في تاريخ الدين والبشرية وحبه الشخصي لها (ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) فاتجه الى الطائف ووجد صدودا أكبر واهانة أسوأ، وعندما جاءه أهل المدينة وبايعوه على النصرة والحماية في منى طلبوا منه في ذات الاجتماع أن يأذن لهم ليميلوا بسيوفهم على القرشيين الذين كانوا في مني فيقضوا عليهم، فقال لهم لم نؤمر بذلك، وعندما جاءهم مهاجرا الى المدينة أول عمل بدأ به هو كتابة ميثاق شرف ودستور يحفظ لكل أهلها من مسلمين ويهود ووثنيين حقوقهم وحدثنا أهل السير بأنه ذهب الى اليهود ليستعين بهم في المساهمة في دفع دية قتيل ومات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان على الرغم من علمه بنفاق عبد الله بن أبي بن سلول ظل يصله ويحسن اليه ولم يسمح بقتله بعد الفتنة التي أثارها في غزوة بني المصطلق، وحتى عندما جاءه ابنه وطلب منه أن يكون هو القاتل لأبيه اذا قرر الرسول (ص) قتله رفض الرسول ذلك، بل لم يأمر بحبسه أو ابعاده من المدينة وهو يقوم بأسوأ أعمال الدس والوقيعة داخل المجتمع المسلم الذي استطاع بالرغم من كل تلك المعوقات أن يحدث نقلة كبيرة في حياة البشر فهما وسلوكا ونتاجا وانجازات ملموسة في واقع الحياة. و عندما رحل الرسول (ص) بصورة مفاجئة اثر علة لم تمهله طويلا والتحق بالرفيق الأعلى، استطاع المجتمع المسلم أن يمتص الصدمة بسرعة وتمضي  مسيرة الأمة المختارة وتتمدد الدولة الاسلامية من أفقر البلاد على ظهر الأرض حتى تبلغ كل أطراف العالم المعروف في أقل من ربع قرن، تنشر دينها ولغتها وثقافتها المنبثقة من هذا الدين الخالد الذي علم الناس الحرية والشفافية والعدالة والمساواة على أنقاض حضارات عريقة وراسخة في ذلك الزمان الروم والفرس……فما هو كسبنا في السودان بلد المليون ميل مربع سابقا خلال ربع قرن من حكم الانقاذ باسم الاسلام وبقيادة حركة اسلامية عمرها أكثر من رنصف قرن ؟ صفر أو ما دونه….

اذن ما هي السبل  للخروج من الأزمة الحالية التي يواجهها السودان وتواجهها حكومة الانقاذ  التي فرضت رؤيتها للاسلام وبعد ما يقارب ربع القرن من التجريب والتخريب أفلست تماما ووصلت الى طريق مسدود واستكملت كل أعراض متلازمة الحكام العرب من  استعداء واقصاء واستعلاء وفشل ونكران وعناد ولم يبق لها الا السقوط المدمر الذي نسال الله أن يجنبنا اياه.
أول هذه السبل للخروج من الازمة هو الاعتراف بالفشل من عند القائمين على الأمر أنفسهم وكذلك من قواعد الحزب الحاكم، هذه هي نقطة البداية للاصلاح فهل يمكن أن يحدث ذلك؟  أما على مستوى القيادة فهنالك كثيرون عرفوا الخطأ الذي تسير فيه الدولة ومنهم من (تخارج) بهدوء وابتعد من عدة سنوات، ومنهم من جهر بالنصح فهمش وأبعد من دائرة صنع القرار، ومنهم من اتهم بموالاة الأعداء فعزل، أما القواعد فقد بدأت تتحرك مؤخرا وقرأنا المذكرات تلو المذكرات وبعض الأقلام الجريئة من داخل صفوف الحزب الحاكم التي بدأت تجهر بالنصح على الملأ ولكن لا يوجد أثر حقيقي لكل تلك الأعمال لأن الفئة المحدودة التي تمسك بزمام الأمور لم تقتنع بعد بخطورة ما يجري، وهنالك من يزين لها موقفها من بطانة السوء واهل المصالح العاجلة لتستمر في ذات النهج، فهل هنالك من أمل أن تحدث ثورة قواعد عارمة تطيح بالرءوس المتحجرة ام يفيق بعض رموز النظام ويعلنون الثورة من عل، الله اعلم.

فلنحسن الظن ونتفاءل خيرا ونقول بأن المؤتمر الوطني اقتنع بضرورة التغيير وحدثت فيه ثورة من أسفل الى أعلى أو من أعلى الى أسفل فما هو المطلوب من تلك الثورة أن تقوم به للخروج من الظرف الراهن؟
اذا حدثت تلك الثورة من داخل الحزب – وأدعو الله أن يتم ذلك عاجلا غير آجل- فسيكون ذلك اعتراف ضمني بحجم المشكلة التي يعاني منها السودان اليوم وكذلك اقرار بفشل النهج الذي أتبع خلال الفترة السابقة وبذلك تكون الانقاذ قد تعافت من الاستعلاء والنكران والعناد وتلك من أهم أعراض متلازمة الحكام العرب، ويبقى أمامنا كيفية الخروج من الأزمة التي خلفتها الفترة السابقة قبيل الانتخابات القادمة التي تحل بعد أقل من عامين بحكمة يقبلها الجميع ويشارك فيها الجميع دون عزل أو اقصاء لأحد في ظل حرية تامة تنهي سيطرة الحزب الواحد خلال فترة انتقالية تمتد لأربعة وعشرين شهرا يعرف فيها كل فريق قدره أمام الشعب السوداني، وأهم ملامح تلك الفترة الانتقالية وأولى خطواتها المطلوبة هي تشكيل مجلس سيادة أعلى توافقي من سبعة أشخاص يمثلون الكتل السياسية الكبيرة التي كانت في الساحة قبيل الانقاذ (2 لحزب الأمة 2 للاتحادي 1 للجبهة الاسلامية و1 لأحزاب اليسار) بالاضافة للمشير البشير وتكون رئاسة المجلس بالتناوب لمدة  24 شهرا، ويرأسه المشير عمر البشير في الاشهر الثلاثة الاولى والثلاثة الاخيرة وبقية الشهور تتم فيها الرئاسة بالقرعة ثلاثة أشهر لكل عضو.

أولى مهام مجلس السيادة التوافقي تشكيل حكومة نكنوقراط  رشيقة تتولى ادارة شئون البلاد خلال الفترة الانتقالية وتعد العدة لانتخابات عامة لتشكيل برلمان قومي يعقد أولى جلساته  خلال ثمانية عشر شهرا من بداية الفترة الانتقالية ويقوم مجلس السيادة في ذات الوقت أيضا بتشكيل لجنة قومية توافقية  لتقديم مقترح دستور للبلاد يتم التوافق علية في مجلس السيادة ويرفع للبرلمان المنتخب بعد تشكيله مباشرة لدراسته واجازته. بعد اجازة الدستور في البرلمان يتولى مجلس السيادة والحكومة الانتقالية الاعداد لانتخابات الرئيس الجديد وفق ما نص عليه الدستور المجاز في بقية الشهور الستة المتبقية من المرحلة الانتقالية ليتولى صلاحياته من مجلس السيادة بنهاية ال24 شهرا من المشير البشير مباشرة، وبعد ذلك يقوم الرئيس المنتخب مع البرلمان المنتخب بتشكيل الحكومة وفق نصوص الدستور المجاز -اذا كان رئاسي او برلماني.

اذا تمت الموافقة على هذا المقترح  وهو قابل للتعديل والاضافة والحذف نكون قد انجزنا عملا حضاريا مميزا تذكره لنا الأجيال القادمة ونكون قد تخلصنا من هيمنة الحزب الواحد بطريقة متحضرة و جنبنا البلاد الدخول الى مرحلة الفوضى واني لأرجو أن  يتم حوله حوار واسع داخل الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة  وتقدم الدعوة لكل حملة السلاح في أطراف السودان لالقائه فورا والمشاركة في العملية السياسية، ويقدم الدعم للقوات النظامية لتقوم بدورها الفاعل في حماية الثقور وحماية المرحلة الانتقالية في ظل حريات مشرعة تتيح لكل حادب على مستقبل السودان أن يدلو بدلوه. هذه الفترة الانتقالية لمدة أربعة وعشرين شهرا ستوصلنا الى موعد الانتخابات القادمة حسب ماهو مبرمج من قبل الحكومة نفسها، فخير للحكومة أن تزيل الاحتقان الداخلي بهذه الخطوة الجريئة وتربك حسابات القوى الدولية التي تصعد من ضغطها هذه الأيام على الحكومة  عبر المحكمة الجنائية والخنق الاقتصادي بمختلف السبل للحصول على المزيد من التنازلات لحكومة الجنوب في المفاوضات المتعثرة وكل الشواهد والمشاهد على مسرح السياسة الدولية تقول بأننا نحتاج لمبادرة جريئة فهل يفعلها السيد الرئيس مرة واحدة، أرجو ذلك.

بالتزامن مع هذا المسار المقترح للمرحلة الانتقالية فانني أدعو قواعد حزب الحرية والشفافية والعدالة (الحشد)  وكل القوى السياسية في البلاد بما فيها قواعد المؤتمر الوطني التي لا تعجبها الأوضاع الراهنة الى وقفة أسبوعية صامتة يوم الجمعة من الساعة 11- 12 ظهرا في الميادين العامة في كل مدن وقرى السودان ليس فيها هتاف ولا ندوات ولا ميكروفونات، فقط يمكن أن نحمل فيها شعارات مكتوبة وتدور فيها  مناقشات فردية جانبية وتعارف وتنسيق مواقف، تبدأ هذه الوقفات الاحتجاجية الصامتة ابتدأ من الجمعة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر يونيو الحالي وتستمر آخر جمعة من شهر رمضان المعظم في الخرطوم ميدان أبو جنزير وبحري ميدان عقرب وأم درمان ميدان الخليفة وبقية مدن السودان وقراه بالميادين التي يتفق عليها أهل البلد، واذا وجدنا تجاوبا من الشعب في مختلف أنحاء السودان  وتم توثيق ذلك عبر وسائل الاعلام المحلية والعالمية نكون قد قمنا بعمل حضاري على طريقة الزعيم الهندي غاندي. ونبذل كل ما في وسعنا الالتزام بأنها وقفة صامتة واذا تصدت لها الحكومة بالمنع نصر عليها ونكررها كل أسبوع ونلتزم بالصمت وعدم الاستجابة لأي استفزاز واذا أصبحت التجمعات مليونية كل أسبوع سوف تقبل الحكومة بتغيير موقفها طوعا أو كرها، ولكل حادثة حديث، ولكن من حقنا أن نقف في حر الشمس ونعبر عن احتجاجنا لما يجري ولن تغلب ارادة الشعوب أبدا باذن الله….ونواصل

مقالات ذات صلة

‫9 تعليقات

  1. سردك لحلول؟ ألم تقل أن نظامه دكتاتوري؟ فلماذا جاء إسمه مره أخري؟ يا ناس هي شوفوا إذا لم تنتفضوا الآن فسوف يقوم الجبهجية بما يسمونه “بالثورة من الداخل ” وسوف تكون عندها كأننا لا رحنا ولا جئنا ، فلنسقط نظام الحرامية آكلي أموال السودان بانتفاضة قوية تكون عظة وعبرة لكل من إنتمي لهم من أمثال هذا البروف الذي عرف حقيقة هؤولاء بعد 23 عاما” أنا من قلب الحركة الأسلامية وأقول بمليء تماما كما توقعنا إذا لم يخرج الشعب السوداني عن بكرة أبيه ويقوم باسقاط هذا النظام الفاشي فسوف يأتي أمثال هؤولاء ويحاول “مخارجة” للنظام من ورطته ، لماذا تقترح “المشير البشير مرة أخري عند الفم هيا للانتفاضة يا رجال …………….الوليد أحمد

  2. يا بروف تشخيصك للداء سليم مئة بالمئة وانت ممن قالوا كلمة حق فى وجه سلطان جائر وانت بالخدمة.أما روشتة الدواء فقد جاءت معيبة لقوة المقالات ولا تتناسب وخطورة المرض. أى بشير هذا وهو العضو الفاسد والذى يجب بتره اولا لحماية باقى الجسد تريده ان يبقى لعامين آخرين يتولى فى ربعهما الرئاسةكمان؟ وأى جسد هذا الذى يتعافى وقد تعفن فيه عضو بالفساد وتريد له ان يبقى اكثر واول تشخيصك لأسباب المتلازمة هو طول البقاء فى السلطة؟أرجو مراجعة الروشتة يا بروف ولابد من العلاج الناجع وليس انصاف الحلول

  3. قولوا لناس البشير انتو لسه ماشبعتوا
    المشكله اي حكومه نجي تنهب من مال الشعب وتذهب
    ولو كنا عقلاء وتركنا نميري كنا الان نتستمتع من خيرات بلدنا بعد ماكتفو الحكام اسع اصيروا لناس البشير قربوا يشبعوا وبعدين يتذكرونا

  4. “التي استعنا بها في الوصول للتشخيص أعلاه ولم يتبق الا وصف الدواء الذي ربما يجنبنا الوصول للمرحلة الأخيرة من المتلازمة وهي السقوط المدمر بصورة مفاجئة بثورة مكلفة في الأرواح والخسائر المادية ربما تنتهي بالمزيد من التفتيت لما تبقى من السودان، ونرجو أن يكون فيما نورده في هذه المقالات والتي سبقت ابراء للذمة باننا قد بذلنا ما في وسعنا من النصح رغم النكران والعناد ودفن الرؤءس في الرمال”،
    التخويف من الثورة التي ستفكك السودان محاولة لتغبيش الوعي وتجنب سقوط النظام والذين يرددون هذا الكلام يجب التنبه لخطورتهم
    التفكيك للسودان حدث تحت هذا النظام وبسببه واستمراره سيؤدي الي انفصال أجزاء أخرى
    لا بديل لاسقاط النظام وأين كان هذا الدكتور الفاضل عندما تم هدم وتكسير جامعة الخرطوم وتشريد عشرات الالاف من الخدمة العسكرية والمدنية
    السفينة ستغرق بمن فيها ولن ينجو من أيوا النظام منذ بدايته لأنهم ساهموا في الخراب الذي حل بالسودان

  5. أستاذي الفاضل الدكتور مصطفى إدريس ،عاشرناك ولم نعلم عنك إلا ما هو خير …شهادة لله…ويكفيك شرفاً وقوف أمام مصلحجية النظام عندما أرادوا بيع أراضي الجامعة
    مع إحترامي الشديد لك يا أستاذي الفاضل/يجب أن تعلم أن أولئك النفر قد عميت قلوبهم من أكل الحرام والسحت والرباولن يسمعوا نصيحة من أحد أو يتفاوضوا معه إلا إذا حمل السلاح وعندها تكون التنازلات المدوية والكارثية في حق الشعب والوطن والدين…
    فقط اسمح لي أستاذي الفاضل أن أضيف بعض الشروط إذا هم قبلوا بنصيحتك وهي لابد من المحاسبة العادلة على أرض الوطن(من رأس النظام لأصغر إنتفاعي)وكذلك المعارضة التي شاركت النظام وقبلت منه الهبات والتعيينات على حساب الشعب المغلوب على أمره ورد الحقوق لكل من ظلم وإعادة الأموال المنهوبة وذلك خير لهم من تمزيق الوطن والذهاب إلى لاهاي…واسأل الله أن يجمع أهل السودان على كلمة سواء وأن يبرم لهم أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويهدى فيه أهل المعصية..آمين

  6. شكرا بروف مصطفى فقد اتقنت كعادتك دائما تشخيص الداء.ولكن تبقى المشكلة ان الفساد في الانقاذ اصبح مستشريا لدرجة لايمكن انيزول بغير الثورة الكاسحة .كما احب ان اوضح لك امرا ان القوات المسلحة هي المتضرر الاكبر من بقاءهؤلاء الطغمة على سدة الحكم بعد ان استبدلوها بكتائب الدفاع الشعبي والخدمة الوطنيةوكتائب الامن التي تجوب الطرقات وتنتهك العراض تفتك بالمساكين.فالقوات المسلحة مع الشعب في ثورته

  7. والله كلما نخشاه ان يخطط هؤلاء الى انقلاب من الداخل كما حدث فى عهد نميرى وبسئ الذكر سودار الدهب ( حد امه سوار الدهب فيه فايدة)

  8. بالله على مين العبوا غيرها البتر والاستئصال للعضو الفاسد وما اظن بيشفع لك يابروفس لانك رضعت من نفس الثدى المسموم كم كان مرتبك ومخصصاتك وكم من هو احق منك من زملائك ارفع درجات علمية وخبرة الم تاتى بتعيين سياسى لمازا لم ترفض انكشف المستور اصبحتم مكشوفيين فلا داعى للبطولات الزائفة ودمتم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى