الرأي

متى سيسقط الانقلاب؟ 

(1) 

 

مهدي رابح

“استكمالاً لنقاش دار في محطة البلابل على هامش موكب السادس من أبريل مع الصديق نجم الدين داؤود”

هذا المقال هو محاولة متواضعة للإجابة عن تساؤل أصبح يتردد بوتيرة متصاعدة من قِبَلِ كثير من الناس، ليس فقط من صف الانقلابيين بدافع إشفاقهم على مصيرهم الشخصي، أو من غير المبالين أو المتذمرين، بل أيضاً من قِبَل شابات وشباب ظلوا حاضرين في كل المواكب، بعضهم تلقفه الرصاص وعبوات الغاز المسيل للدموع الموجهة نحو الصدور والجماَجم أكثر من مرة، لكنهم ما زالوا هنا في مقدمة الصفوف يتكئون على عصي، وأطرافهم ملفوفة بضمادات من كل الألوان، يحملون أجساداً ناحلة منهكة، وقلوباً ثابتة لم يزدها القمع إلا عزيمة وبسالة.

هو سؤال يطرحونه ليس بدافع اليأس من الانتصار أو كلل من نضال، بل سؤال مشروع مدفوع بالإشفاق على رفاقهم الذين يتساقطون بطلقات الغدر في كل موكب، على بلاد يحبونها حد الاستعداد لافتدائها بأرواحهم، يرون أنها تسير نحو الانحدار وعلى توسّع رقعة العنف وازدياد جرأة المجرمين الانقلابيين، وازدياد قدرتهم على تجاوز حدود الانحطاط الأخلاقي والتوحّش ما يصعب استيعابه للبشر الأصحاء وجدانياً، ذوي الضمير الحي.

وأعتقد أنه لا مناص من التأسيس للإجابة عن السؤال أعلاه بالإجابة عن سؤال آخر، هو: لماذا يجب أن يسقط الانقلاب؟

الثابت هو أن التدهور الأمني والمعيشي المتواصل، وتفكك جهاز الدولة، واضمحلال قدرته علي القيام بأدنى حد من وظائفه، واستمرار فقدان السودان لسيادته واستقلال قراره، وتعمّق ثنائية الفساد والاستبداد، مرده دون أدني شك لاستمرار هذه المنظومة الإجرامية في الإمساك بزمام السلطة، وهي جماع قبيح وغير متجانس من شبكات المصالح والأنشطة الطفيلية غير القانونية المحميّة بقوى مسلحة، بعضها مختطف من قبل قيادات غارقة حتى أذنيها في وحل هذا الانحراف، والآخر مملوك لأشخاص ظلوا يستخدمون مزيج المال المشبوه وقوة السلاح والقمع والخطاب الديماغوجي السمج للتمدد في فضاءات النفوذ بتجلياته المختلفة، وفي كلا الحالين ينوء بأكتافهم حملٌ ثقيلٌ من المسؤولية المباشرة عن جرائم متطاولة ومستمرة لانتهاك أرواح وحرمات المواطنين وأموالهم العامة، والتي لن تسقط بالتقادم.

ما يجعل هذه المنظومة تتسم بمظهر خارجي متماسك نسبياً رغم هشاشتها، هو وحدة الهدف المتمثل في الإرادة المشتركة لقطع الطريق أمام أي فرصة للتحول المدني الديموقراطي، والذي يعني في حال نجاحه فرض سيادة حكم القانون على الجميع دون استثناء، وإخضاع قياداتهم من العسكريين والمدنيين لرحمة عدالتها، ثم إعمال الإصلاح المؤسسي في صفوف القوى الأمنية والمسلحة، وهي عملية ستفضي لولاية الدولة على مصادر أموالها السريّة، وإلى إنهاء احتكار بضعة أسماء للقرار فيها واستغلالها بغرض الاستئثار بالسلطة والثروة، وتحويلها إلى قوى موحدة محترفة وخاضعة للسلطة السياسية المدنية بالضرورة، وفي خدمة الشعب تحرس أمنه وحدود بلاده، وتحمي سيادته ودستوره تحت مجهر الرقابة الشعبية والتشريعية، وتقوم بواجباتها المذكورة من خارج ميادين العمل السياسي، وما يتسم به من تنافس في الرؤى في إطار آليات سلمية ديموقراطية تدير تبايناته، فالحكم للشعب وهو المالك الوحيد لهذه القوات.

وبإلقاء نظرة سريعة على مكونات المعسكر الانقلابي، سنجد أنه يجمع شتاتاً من قيادات لجيش متململ ومليشيات متعددة على رأسها قوات الدعم السريع المتمددة والمملوكة لأفراد ذوي طموحات عابرة للحدود، وبعض القوى المسلحة الموقعة على اتفاق سلام لا ترى فيه أبعد من ذريعة لاقتسام الغنيمة مع المكون العسكري، ووسيلة للاستحواذ على تركة النظام السابق، ثم ما تبقى من شبكات عناصر النظام السابق المتغلغلين في مفاصل الدولة، وفي ذيل القائمة بضعة انتهازيين في انتظار الانقضاض على ما يتساقط من على مائدة اللئام من فتات سلطة وثروة، وسنصل بذلك ودون كثير عناء إلى محصلة منطقية مفادها أن التناقضات الداخلية بين مكونات هذه المنظومة وتقاطع مصالحها وافتقادها لأدنى معايير الكفاءة الفنية والأخلاقية لإدارة الدولة وشؤون مواطنيها، وارتباط عديد منها بقوى خارجية متصارعة ذات أجندات تتناقض جوهرياً مع مصالح السودان، يجعل من استمرارها في الحكم لفترات أطول إيذاناً بانهيار جهاز الدولة، وإعداداً لمسرح المواجهات المسلحة، وربما تهيئةً لتحويل البلاد إلى ميدان صراع إقليمي ودولي لا يبقى ولا يذر، ومن هنا تأتي الإجابة عن السؤال التأسيسي الأول:

“يجب أن يسقط النظام بأسرع ما يمكن، لأن استمراره في الحكم لا يمثل فقط تهديداً مباشراً لاستقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه، بل لوجوده”.

يتبع….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى