الرأي

“مات الناس تحت إشراف الدولة”.. زلزال تركيا يكشف فساد قطاع البناء

أثار زلزال تركيا المدمر الكثير من التساؤلات حول الفساد وعمليات الاحتيال في قطاع البناء، وتسامح الحكومة مع تشييد منازل غير آمنة. كما أثار تساؤلات عن “عفو البناء” ومسؤولية الدولة عن حجم خسائر وضحايا الزلزال.
تسود حالة من اليأس والسخط في جنوب شرق تركيا، حيث ضرب زلزالان قويان المنطقةالتي تساوي مساحتها مساحة البرتغال تقريبا، إذ كان الأول في الساعة 4:17 صباحا بالتوقيت المحلي (01:17 بتوقيت غرينتش) وبلغت قوته 7,8 درجة على مقياس ريختر وبعد تسع ساعات فقط وقع الزلزال الثاني بقوة بلغت 7,6 درجات، وذلك يوم الاثنين في السادس من فبراير.
وأودى الزلزال بحياة أكثر من 35 ألف شخص في تركيا وأكثر من 6 آلاف شخص في سوريا فيما ترتفع حصيلة القتلى بمرور الوقت نظرا لاستمرار عمليات الإنقاذ والبحث عن الضحايا تحت الأنقاض.
وبحسب السلطات التركية، فإن عدد المتضررين من الزلازل بلغ قرابة 13 مليون شخص في عشر مدن، مع انهيار أكثر من 33 ألف بناية أو تصدعها؛ ما يتطلب في بعض الأحيان الهدم وسط توقعات بارتفاع أعداد المباني المتضررة مع استمرار السلطات في تقييم الخسائر الناجمة عن الكارثة. وأدى الزلزال إلى تشريد قرابة مليون شخص يعيشون حاليا في خيام بعد سقوط منازلهم.
ومع تجاوز الصدمة الأولى، أصبح حجم الدمار الذي خلفه الزلزل جليا للناس، وهو يثير التساؤل حول من يتحمل المسؤولية وعلى من يقع اللوم؟
وفي لقاء مع أحد ضحايا الزلازل بعد 56 ساعة من وقوع الكارثة، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “القدر.. إنها أشياء في خطة القدر” فيما رد أحد السكان على منصات التواصل الاجتماعي قائلا: “لماذا لا يزور القدر اليابان على الإطلاق؟”
بدوره، وجه نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي أصابع الاتهام إلى 134 مقاولا في أنحاء البلاد فيما يتعلق ببناء مبان دمرها الزلزال، وتم توقيف البعض منهم في المطارات أثناء محاولتهم الفرار من البلاد وبحوزتهم مبالغ نقدية كبيرة. فيما أرسلت وزارة العدل خطابا إلى النائب العام لإنشاء “مكاتب للتحقيق في جرائم الزلازل”.

بيد أن سوابق التحقيقات التي أجرتها السلطات التركية بعد وقوع كوارث زلزالية تثير تساؤلات من قبيل: هل ستتم معاقبة المسؤولين بسبب التورط في شبهات إهمال بعد زلزال السادس من فبراير أم سيكون الحال كما حدث في الماضي؟
تاريخ ليس ببعيد
يشار إلى أنه في 17 أغسطس عام 1999 وقع زلزال بلغت سدته 7,4 درجة وأسفر عن مقتل أكثر من 18 ألفا، وبعده بعامين جرى سن تشريع جديد بشأن عمليات التفتيش للمباني المقاومة للزلازل ثم جرى تحديث الضوابط عام 2018 حتى تتواكب مع أحدث المعايير التقنية والعلمية.
وفي ذلك، قال هالوك سوجو أوغلو، أستاذ الهندسة في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة ومدير مختبر الهندسة الإنشائية والزلازل “اعتقدنا بحسن نية أن المباني التي شُيدت بعد عام 2001 كانت أقل خطورة في جميع أنحاء البلاد. لكن البيانات التي حصلنا عليهم غيّرت وجهة نظرنا. هناك الكثير من الخطط والقوانين واللوائح، لكن دون تنفيذ”. وأضاف أن الأمر يشبه “وجود نظام قضائي قوي، لكن لا يتم تطبيقه للقبض على المجرمين”.
يشار إلى أن معهد الإحصاء التركي قد ذكر أن 51 بالمئة من المواطنين المتضررين من الزلزال في عشر محافظات كانوا يقطنون في مبانٍ جرى تشييدها بعد عام 2001.
شبهات احتيال ونفوذ سياسي
وقال سوجو أوغلو: إن المسؤولين المنوط بهم تنفيذ القوانين اعترفوا في عدة مناسبات أن أصحاب شركات البناء، خاصة في المدن الصغيرة، يتمتعون بنفوذ سياسي ويستخدمونه لتجنب التعرض لعمليات إشراف وتدقيق حكومية، مضيفا أن شركات البناء تضع نصب أعينها جنى الكثير من الأرباح حتى على حساب السلامة.
ووفق لوائح عام 2001، فإنه يجب فحص الأبنية من قبل شركات تدقيق متخصصة، لكن كان اختيار هذه الشركات ودفع تكاليف عملية التدقيق من قبل المقاولين، يمثل تضاربا في المصالح.
وفي هذا السياق، قال سوجوغ أوغلو “نحن نعلم أن شركات المقاولات قامت بإنشاء شركات التدقيق وقامت بعمليات التدقيق على المباني التي تشيدها”.
لكن شركات التدقيق ليست الوحيدة المسؤولة عن الموافقة على البناء، إذ يتضمن الأمر البلديات والإدارة المركزية في أنقرة وهي كيانات منوط بها إعطاء تراخيص البناء.
بدوره، قال المحامي مراد كمال غوندوز: إن وزارة البيئة يمكنها إصدار تراخيص لبناء مشاريع الإسكان الكبيرة، فيما تكمن مسؤولية الوزارة الرئيسة في مراقبة جميع التراخيص الصادرة.

تم نصب خيام في ملعب كهرمان مرعش لإيواء بعض من تشردوا بعد الزلزال المدمر

العفو قبل الانتخابات!
قبل الانتخابات كثيرا ما تتردد عبارة “عفو البناء”. وهي تشير إلى لائحة تقنن الإنشاءات التي جرى تشييدها بشكل غير قانوني، حيث يمنح هذا الإجراء التصاريح لهذه المباني مقابل دفع رسوم. فيما يقول المراقبون إن الحكومات التركية المتعاقبة تستخدم هذا الإجراء كوسيلة لكسب الأصوات قبل الانتخابات.
وفي هذا السياق، يقول أيوب موهجو، رئيس غرفة المهندسين المعماريين في تركيا، إن “العفو عن البناء يعني وجود مبانٍ غير آمنة”.
ووفقًا لأحدث اللوائح الذي دخلت حيز التنفيذ في 8 يونيو 2018 ووقعها أردوغان، فإنه سيتم تقنين الأبنية التي تنتهك قوانين تقسيم المناطق “وفقا لإقرار صاحب المنزل”، وهو الأمر الذي يسمح للدولة بالتراجع عن أي مسؤولية.
ويقول موهجو بأن من واجب الدولة ضمان سلامة أرواح المواطنين وممتلكاتهم، ما يعني أن اللوائح الجديدة تنتهك هذا الأمر ويتعين إلغاؤها لأنها تتعارض مع المسؤوليات الأساسية للحكومة التركية.
ويضيف أن “السبب في وجود أبنية غير قانونية في تركيا يعود إلى الجهات التي تصدر قرارات عفو البناء، وهي الحكومة. بعض الناس يجنون الأموال من وراء المباني غير القانونية ويتم تبادل الأموال. في الواقع، جرى قتل السكان تحت إشراف الدولة نفسها”.

أزمة السكن
وخلال تجمع حاشد في مدينة كهرمان مرعش عام 2019 ، تفاخر أردوغان أن حكومته تمكنت من حل مشاكل أكثر من 144 ألف من السكان المحليين بفضل قواعد العفو عن البناء.
وقد ذكر وزير البيئة والإعمار التركي مراد كوروم أنه جرى إصدار أكثر من سبعة ملايين شهادة تسجيل بناء في جميع أنحاء تركيا، منها قرابة ستة ملايين شهادة خاصة ببناء وحدات سكنية.
وفي بيان صدر العام الماضي، قال الوزير “جرى تحقيق الهدف من وراء قرارات العفو، حيث دخل أكثر من 25 مليار ليرة تركية في خزينة الدولة” وكان يعادل هذا المبلغ في حينه 4,1 مليار دولار أو 3,8 مليار يورو، وهو ما يكفي لبناء شقق مقاومة للزلازل يقطنها 600 ألف شخص، وفقا لما ذكره الدكتور بوغرا غوكجه، مسؤول التخطيط العمراني في بلدية اسطنبول.
ويرى مراقبون أن قوانين العفو خلقت مفهوما داخل المجتمع التركي يتمثل في أنه يمكن التسامح مع انتهاكات البناء، وهو ما أدى إلى زيادة الأبنية غير المطابقة للمواصفات فضلا عن إضفاء الشرعية على البناء غير القانوني، ويعد قطاع البناء من أكثر القطاعات فسادا في تركيا.
يشار إلى أن التحالف الحاكم في تركيا بزعامة حزب أردوغان، قد طلب في وقت سابق من البرلمان التركي مناقشة قانون “عفو البناء” الجديد، لكن جرى تأجيل النقاش بسبب كارثة الزلزال وسط تساؤلات: هل يمكن أن يتم طرح النقاش حيال العفو قبل إجراء الانتخابات المقرر إجراؤها في مايو؟
الصوت الانتخابي مقابل السلامة!
يشار إلى أن قطاع البناء يعد ركيزة هامة في عملية النمو الاقتصادي لتركيا منذ تولي أردوغان السلطة في البلاد. إذ يوفر هذا القطاع الكثير من الوظائف خاصة للعمال ذوي المهارات المنخفضة، فيما يعد القطاع أيضا محركا لقطاعات أخرى، وهو ما يدفع الحكومة لدعمه.
ففي عام 2002، عندما تولى حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان الحكم بعد كارثة زلزال عام 1999، كانت التعاونيات السكنية تبني ثلث الشقق السكنية تقريبا أي حوالي 33 بالمائة، لكن انخفضت حصتها إلى 9 بالمائة في عام 2010 وإلى 1 بالمائة فقط في عام 2021 وهو الأمر الذي جعل قطاع الإسكان بالكامل في قبضة سوق غير منظمة.وقال هالوك سوجو أوغلو، الأستاذ في جامعة الشرق الأوسط التقنية بأنقرة، إنه على مدار العقدين الماضيين، اختارت الحكومة ضخ استثمارات في تدشين طرق وجسور بهدف الحصول على دعم الناخبين. وأضاف “لا تمنح إجراءات الحد من مخاطر الزلازل أي قيمة [سياسية] مضافة، إذ أن الأمر لا يشبه افتتاح مصنع أو منشأة نقل! لكن عندما يقع زلزال، فسيتم خسارة كل شيء. ”
الجدير بالذكر أن مديرية الاتصالات في إدارة أردوغان قالت إن تركيا تواجه “كارثة القرن” وهو ما ردده الرئيس التركي، لكن في المقابل يقول خبراء إن كان يمكن تفادي هذه الكارثة وأن ما شهدته تركيا ليس “كارثة القرن” وإنما “إهمال القرن”.
* نقلا عن دويتشة فيله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى