الرأي

خطاب الكراهية يعمر البندقية والمعلومات المضللة تضغط على الزناد

باهر كمال*
تُضخم التقنيات الجديدة على نطاق غير مسبوق إنتاج الأسلحة وبيعها واستخدامها في تغذية الحروب، وتعزز خطاب الكراهية وتأثيره اللاإنساني في زمن تشتد فيه التفاوتات والكوارث المناخية المدمرة.
وقد بلغ خطاب الكراهية اليوم مستويات خطيرة، وهو ما يؤجج التمييز والعنصرية وكراهية الأجانب وانتهاكات حقوق الإنسان ويستهدف كل من ليس مثلنا؛ أي الأقليات العرقية، والسود، والآسيويين، والمسلمين في جميع أنحاء العالم من خلال انتشار الإسلاموفوبيا، كما يستهدف الملايين من المهاجرين والفقراء، أي أضعف فئات البشر.
وكانت الأمم المتحدة قد ذكرت أن تقنيات الاتصالات الجديدة تعدّ واحدة من أكثر الطرق الشائعة لنشر خطاب مثير للانقسام على نطاق عالمي، مهددا السلام في جميع أنحاء العالم.
وتقدم سلسلة تدوينات صوتية جديدة للأمم المتحدة بعنوان “الاتحاد ضد الكراهية” شرحا لكيفية التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة على المستوى الدولي.
وتشير دراسة أجريت مؤخرا إلى زيادة قدرها 400 في المئة باستخدام مصطلحات الكراهية عبر الإنترنت في باكستان بين عامي 2011 و2021، وفقا للمجموعة الدولية لحقوق الأقليات.

◙ مسؤولية الشركات عن العدالة العرقية وحقوق الإنسان هي مسؤولية اجتماعية أساسية، وأن احترام حقوق الإنسان هو في مصلحة هذه الشركات

ومن الممكن أن تتيح مراقبة خطاب الكراهية معلومات تعتمدها السلطات للتنبؤ بجرائم ترتكب مستقبلا، أو اتخاذ تدابير تحول دون تكرارها.
ويسود قلق بين خبراء ونشطاء في حقوق الإنسان من أن يصبح خطاب الكراهية أكثر انتشارا، وهو ما كان يعتبر حتى وقت قريب أمرا هامشيا ومتطرفا.
وفي هذا الإطار، استضافت حلقة من برنامج “متحدون ضد الكراهية” المقررة الخاصة تينداي أشيومي المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب. واستضافت أيضا ياروسلاف فالوش مدير مشروع تدقيق الحقائق ومحو الأمية الإخبارية في منظمة التطوير الإعلامي ترانزيشنز.
شددت أشيومي على ضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام لنماذج أعمال شركات التواصل الاجتماعي. حيث يرغب الناس في الحديث عن تعديل المحتوى في كثير من الأحيان وما يجب السماح به على هذه المنصات، التي لا تكترث سوى للأرباح التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي بغض النظر عن الموقف السياسي، بعد أن اتضح أن الكلام الذي يحض على الكراهية مربح.
ونوه كريستوفر توكوود، المدير التنفيذي لمشروع سنتينل، إلى أن خطاب الكراهية والمعلومات المضللة مترابطان. وقال إن “خطاب الكراهية يعمر البندقية والمعلومات المضللة تضغط على الزناد. هذه هي العلاقة التي توصلنا إلى استنتاجها”.
من الممكن اليوم، من الناحية النظرية، لأي إنسان لديه اتصال بالإنترنت أن يصبح منتجا لهذا النوع من المحتوى. ويرى توكوود أن هذا الواقع الجديد يحث تغيرات على مستوى عالمي.
ويراقب مشروع سنتينل، وهي منظمة كندية غير ربحية، الكلمات المسيئة التي تظهر على منصات مختلفة وتهدد بالتحول إلى عنف في العالم الحقيقي. يصف توكوود المشروع بأنه “مؤشر إنذار مبكر يمكن أن يساعد في الحد من زيادة مخاطر العنف”.
ويعمل النظام على مراقبة فضاءات الإنترنت، خاصة تويتر، للبحث عن كلمات مفتاحية معينة وبلغات مختلفة، ومن ثم قبل تطبيق قواعد متفق عليها لتحديد ما إذا كان المحتوى يحض على الكراهية.

◙ استخدام كلمة العنصرية لوصف السود على منصة تويتر زاد بنسبة 500 في المئة تقريبا خلال فترة 12 ساعة”، مقارنة بالمعدل السابق

وتعمل شبكة تقارير استقصائية في البلقان على رسم خرائط لخطاب الكراهية، وتراقب جميع المحاكم التي تتعلق بفظائع الحرب المرتكبة في البوسنة والهرسك، التي يصل عددها إلى 700 قضية مفتوحة.
وتبحث الشبكة في أربعة جوانب مختلفة لرسم خرائط الكراهية: روايات الكراهية الصادرة عن السياسيين، واللغة التمييزية، وإنكار الفظائع، والحوادث الفعلية على الأرض، حيث تعرضت مجموعات الأقليات العرقية للاعتداء.
وقال دينيس جيليك، المدير التنفيذي ومحرر فرع الشبكة في البوسنة والهرسك، إن السياسيين الشعبويين والمتعصبين القوميين يشعلون روايات الكراهية في البلاد، وإن “الفكرة من وراء رسم الخرائط بأكملها هي إثبات العلاقة بين البيانات السياسية والدوافع السياسية للكراهية والفظائع الفعلية التي حدثت”.
كما تعمل الشبكة على إثبات وجود “نقائص في المقاضاة المنهجية لجرائم الكراهية، وإثبات أن خطاب الكراهية يجعل دورة العنف مستمرة، مع استخدام السياسيين للغة أكثر تحيزا دون أن نشهد الكثير من الملاحقات القضائية”.
وذكر أن خطاب الكراهية يحشد عددا متزايدا من الجماعات اليمينية المتطرفة.
وتابع جيليك “نرى منظمات غير حكومية مزيفة ومجموعات إنسانية مزيفة تجيش لنشر خطاب الكراهية بهدف توسيع الفجوة بين المجموعات العرقية والدينية المختلفة في هذا البلد”.
وتضمنت النتائج الواقعية التي أبلغت عنها الشبكة تخريب المساجد والكنائس، تبعا لمكان وجود مجموعة دينية معينة من الأقليات، وتبعا للدعوات العلنية للعنف. ويغذي هذا، وفقا لجيليك، أجندة الأحزاب العرقية القومية التي تريد إحداث الانقسامات.
وتكمن طريقة مكافحة هذه البيئة السامة في إنشاء خطاب مضاد ونشر معلومات وقصص دقيقة وواقعية تعزز الوحدة بدل الانقسام.
ويعترف جيليك بأن هذا الطلب كبير، حيث “تصعب مواجهة وسائل الإعلام الكبيرة التي تضم عدة مئات من الصحافيين والآلاف من المراسلين بمجموعة من 10 إلى 15 صحافيا يحاولون الكتابة عن مواضيع محددة جدا، بطريقة مختلفة، وصياغة التقارير التحليلية والاستقصائية”.
وتحاول منظمة كركوك ناو إنشاء روايات مضادة، وهي وسيلة إعلامية مستقلة في العراق تحاول إنتاج محتوى موضوعي لهذه المجموعات ومشاركة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
وقال رئيس التحرير سلام عمر “تركيزنا ينصب على الأقليات والنازحين والنساء والأطفال، وبالطبع حرية التعبير. فنحن لا نجد سوى القليل جدا من المحتوى حولهم في الإعلام العراقي السائد. وفي حال قرر تصويرهم، فسيكون ذلك بالحديث على أنهم مشاكل”.
ويحث مدراء عدد من منصات التواصل الاجتماعي عبر العالم على تغيير نماذج أعمالهم، وأن يصبحوا أكثر تحملا للمسؤولية في المعركة ضد خطاب الكراهية المتزايد عبر الإنترنت.
وفي بيان مفصل، قال أكثر من عشرين خبيرا مستقلا في حقوق الإنسان عينتهم الأمم المتحدة (ومن ضمنهم ممثلون لثلاث مجموعات عمل مختلفة) رؤساء تنفيذيين، إن المؤسسات التي يقودونها “يجب أن تعالج على وجه السرعة المنشورات والأنشطة التي تحض على الكراهية وتحرض على التمييز، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحرية التعبير”.
وقالوا أيضا إن الملياردير إيلون ماسك الذي يمتلك تويتر، ومارك زوكربيرغ الذي يمتلك ميتا، والمدير التنفيذي لألفابت سوندار بيتشاي، وتيم كوك من أبل، و”الرؤساء التنفيذيين لمنصات التواصل الاجتماعي الأخرى”، يجب أن “يركزوا حقوق الإنسان والعدالة العرقية والمساءلة والشفافية والمسؤولية الاجتماعية للشركات وأخلاقياتها في نموذج أعمالهم”.

◙ سلسلة تدوينات صوتية جديدة للأمم المتحدة بعنوان “الاتحاد ضد الكراهية” تقدم شرحا لكيفية التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة على المستوى الدولي

وذكّروا بأن مسؤولية الشركات عن العدالة العرقية وحقوق الإنسان “هي مسؤولية اجتماعية أساسية”، وأن احترام حقوق الإنسان هو في مصلحة هذه الشركات ومساهميها على المدى الطويل.
وأكد خبراء حقوق الإنسان أن الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان توفر مسارا واضحا للمضي قدما حول كيفية القيام بذلك.
وجاء في التقرير “نحن نحث جميع الرؤساء التنفيذيين وقادة وسائل التواصل الاجتماعي على تحمل مسؤوليتهم الكاملة عن احترام حقوق الإنسان والتصدي للكراهية العنصرية”.
وكدليل على فشل الشركات في السيطرة على خطاب الكراهية، أشار الخبراء المستقلون الذين عينهم مجلس حقوق الإنسان إلى “زيادة حادة في استخدام الكلمة العنصرية لوصف السود على تويتر بعد أن اشتراه إيلون ماسك. وأبرز ذلك الحاجة الملحة لأن تكون شركات وسائل التواصل الاجتماعي أكثر عرضة للمساءلة عن الكراهية تجاه المنحدرين من أصل أفريقي، على حد قولهم.
وبعد فترة وجيزة من تولي ماسك المنصب، أبرز معهد أبحاث نيتورك كونتاجيون التابع لجامعة روتجرز في الولايات المتحدة أن استخدام الكلمة العنصرية لوصف السود على المنصة “زاد بنسبة 500 في المئة تقريبا خلال فترة 12 ساعة”، مقارنة بالمعدل السابق.
*كاتب اسباني- مصري
*نقلا عن العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى