استنارة

حدود الإنسان ما بين الفيلسوف والكاردينال والشيخ

علي حرب
(لبنان)
علي حربالنظرة الأحادية الى سير الأشخاص وأفكارهم، من خلال وجه واحد أو صورة وحيدة، مآلها التبسيط والاختزال. على هذا النحو عومل الكاردينال جوزيف راتسنغر، الذي غدا بابا روما تحت اسم بندكت السادس عشر، غداة طرح اسمه كخلف محتمل للبابا الراحل، كما بعد اعتلائه سدة البابوية: لقد صُنف في معظم الصحف العالمية والعربية في خانة المحافظ المتشدد، سيما وأنه كان المسؤول عن لجنة العقيدة والإيمان.
هذا ما بدا لي يومئذ: لقد غالى وتطرّف الذين وصفوه بالتشدد والتطرف. كان مستندي في ذلك المناظرة التي جرت بين الكاردينال وبين الفيلسوف يورغن هابرماس في مدينة ميونخ، في شهر كانون الثاني من عام 2004، وكان عنوانها، (في ما يسبق الأسس السياسية للدولة الديمقراطية) (راجع مجلة اسبري (Esprit)، عدد تموز 2004).
وبعد قراءتي لمداخلة راتسنغر، تكون لديّ يومئذ انطباع عن هذا الكاردينال، الذي لم أسمع باسمه من قبل، بصفته متنوراً، إذ هو ناقد للأديان بقدر ما هو ناقد للعقل، ومدرك لحدوده بصفته ينتمي الى العالم الغربي، بقدر ما يعترف بمنابع الثقافة الأخرى كالإسلام والهندوسية والبوذية والأفريقية. ولذا أرى ان الأستاذ جوزيف سماحة قد ظلم البابا الحالي بعض الظلم في افتتاحيته التي وصفه فيها بأنه (بابا الردة).
وبالطبع لم يجر التطرق في مداخلة راتسنغر الى قضايا كنسية أو طقوسية تتعلق بالعبادات والمعاملات وسواها من القضايا التي قيل بأنه متشدد إزاءها، ذلك أن المناظرة تمحورت حول قضايا فكرية مثل (الديمقراطية والحق والدين) كما كان عنوان مداخلة راتسنغر، أو (الأخلاق والتعددية)، كما كان عنوان مداخلة هابرماس.
ولا مراء أن هذا اللقاء غير المتوقع، كان بالغ الإثارة، إذ يحدث بين اثنين هما على طرفي نقيض: هابرماس الذي يوصف بأنه (حارس أخلاقية المناقشة) وراتسنغر الذي يوصف بأنه (حارس العقيدة)؛ والأول هو فيلسوف ينتمي الى عصر ما بعد الماورائيات بعقلانيته النقدية التي لا تحركها دوافع دينية على الإطلاق، فيما الثاني هو رجل دين يضعه موقعه في مناقضة حرية التفكير كما يصفه مترجم المناظرة الى الفرنسية جان لوي شليغل. أما المفاجئ في اللقاء فكان اقتراب الاثنين من بعضهما البعض (خطوات متبادلة).
ما بعد العلمانية
هذا ما يصنعه نقد الذات، كفاعلية ايجابية وبناءة تحمل صاحب المذهب أو المعتقد على إخضاع تراثه وتقاليده ومعارفه الى التأمل وإعادة النظر، وعلى نحو يفضي الى الاعتراف بالآخر، عبر الإقرار بأن لكل واحد حدوده، في ما يتعلق بالقيم العامة المتصلة بالحقيقة والعدالة، أو في ما يخص ادعاءات المصداقية والمشروعية.
وهذا ما فعله الفيلسوف هابرماس، فيما هو يتأمل التعددية في أنماط الحياة الثقافية وفي التصورات حول العالم؛ وفيما هو يلاحظ، بشكل خاص، العوامل التي يمكن أن تتهدد المجتمعات الليبرالية والديمقراطية من غير مصدر، كالنزاعات الناشبة، والمظالم الصارخة، والميل الى الخصخصة، وطغيان النزعة الفردية في مجتمع عالمي آخذ في التفتت. لقد آل به الفحص والتشخيص الى الاعتراف، الذي تأخر، بوجود أزمة تعاني منها الحداثة، تمس المشروع التنويري كما تمس مبادئ المجتمع العلماني وأسس الدولة الليبرالية.
والتفكير في الأزمة يحمل العقل الفلسفي التنويري على التوجه بالنقد الى داخله، للاشتغال على حدوده، والانفتاح على (آخر سواه)، والمقصود بذلك الدين، أي الخصم التاريخي للمذهب العلماني، وأنا أؤثر القول العقل الديني، لأن الطرفين المتصارعين، الدين والعلمانية هما وجهان لنفس العقل الكوني، وإن اختلفت عند كل منهما البداهات ومرجعيات المعنى وآليات الاشتغال.
ومؤدى هذا الانفتاح، من جانب الطرف العلماني، هو أن يقر للجماعات الدينية بمشروعيتها كنمط وجود، وأن تؤخذ بعين الاعتبار حقوقها ومصالحها، ليس فقط من الناحية السياسية والاجتماعية، كشريك مساهم في مناقشة القضايا العامة، بل أيضا من الناحية المعرفية، بمعنى الإقرار من جانب القوى العلمانية بأن للتصورات الدينية رصيدها أو قسطها من الحقيقة والمعرفة.
بالطبع، لا يعني ذلك، في نظر هابرماس، أن الدين يكتسب (قيمة مضافة)، لكي يصبح مفتاح الخلاص للخروج من المأزق الراهن الذي تعاني منه المجتمعات المعاصرة، على ما يتوهم عندنا في العالم العربي الدعاة والجهاديون الذين تحول معهم الدين من أفيون مخدِّر الى فيروس قاتل. ذلك أن سيرورة التحديث للوعي العمومي أفضت، كما يبين هابرماس، الى تحويل مزدوج للعقليات يطاول الطرفين الديني والعلماني.
من وجوه هذا التحول بالنسبة الى الدين، الفصل الوظيفي بين دوائر المجتمع كما يتجلى بشكل خاص في عدم الخلط بين المؤمن والمواطن، وتخلي الكنيسة عن (احتكار مشروعية التأويل) وعن محاولات (القولبة الشاملة) للحياة، لكي تصبح إحدى المشروعيات والقوى الفاعلة. بهذا يعمل المؤمنون على كسر سياجاتهم العقائدية لكي ينفتحوا بتصوراتهم التوراتية أو الإنجيلية على غير المؤمنين، وأنا أوثر القول على سواهم من القوى المجتمعية، متجاوزاً بذلك ثنائية الإيمان والإلحاد، أو الإيمان وعدم الإيمان، إذ لا احد يعرى من إيمانه، ولكن كل واحد يؤمن بمثله وصوره ورموزه لكي يجحد ما عند سواه، كما تشهد الصراعات الدينية، أو داخل الديانة الواحدة، بين مسلم ومسيحي، أو بين كاثوليكي وبروتستانتي، أو بين سنّي وشيعي.
فلا مجال إذن للعودة الى الوراء. ما يفتحه نقد الذات هو المساهمة في تشكيل ثقافة سياسية جديدة تأخذ بعين الاعتبار تعددية الأنماط والتصورات والقوى، في الفضاء الاجتماعي وبصورة يُعاد معها بناء العلاقات بين الجماعات الدينية وغير الدينية، في سياق سيرورة من التفاعل والتعلم المتبادل، بإنتاج كل ما يسهم في تعزيز الرابطة الاجتماعية وفي تشكيل الرأي العام من اللغات والمعايير والتوسطات. بذلك يؤكد هابرماس على أطروحته الجديدة حول (مجتمع ما بعد العلمانية)، بقدر ما يوظف (إستراتيجيته العقلانية التواصلية).
وهكذا يعترف هابرماس بمشروعية الموقف الديني بقدر ما يدرك بأن المبادئ الدستورية والنظام الحقوقي والعقل الحيادي، لا تكفي وحدها للأم الرابطة المجتمعية، ما لم تلتصق أو تندرج في الضمير الجمعي أو في (النسق الخلقي) للجماعات والطوائف التي يتركب منها أي مجتمع.
من هنا فإن ما يجزم به الآن مثقفون عرب وغير عرب من أن الاندماج الاجتماعي يقوم عند هابرماس، على مبادئ أو قواعد دستورية ومدنية خالصة، يأتي بعد فوات الأوان، بقدر ما يشهد على جهل أصحابه المركب بتطور هابرماس الفكري أولا، وبالمجتمع البشري ثانياً. ولا عجب أن تتراجع معهم شعارات الديمقراطية والمجتمع المدني والحقوق الدستورية بعد عقود من المناضلة، لكي تنتج أسوأ التقاليد والعلاقات القومية أو الدينية أو الاجتماعية عامة، كما تشهد تجمعات النخب الثقافية التي تتحكم في روابطها مفردات الاستبعاد والإلغاء أو الحجب والتعتيم. ذلك ان المجتمع ليس مجرد إجراءات أو حسابات ديمقراطية أو عقلانية أو حتى فضائل خلقية، بقدر ما هو مصنع رمزي يلتئم بالعصبيات والطقوس والتقاليد والأساطير، مما يعني الحاجة الدائمة والمتواصلة للعمل على الهويات والرغبات والسلطات لتحويلها الى سلوك مدني، ديمقراطي، عقلاني، تداولي. فلا شيء يكتسي طابعه النهائي في هذا الخصوص، كما تشهده الحياة المعاصرة، بغرائبها اللامعقولة، بل بعبثها وجنونها. ثمة إمكان دائم للعودة الى نقطة الصفر عقلانياً ومدنياً. مما يعني ان العاقل ليس مَن يُحسن قيادة عقله، بحسب العنوان الديكارتي، بل الذي يدرّب عقله على اكتساب العادات النقدية، لكي يُحسن قيادة أهوائه وسلطاته ومشاريعه.
لا أريد بذلك ان أعود الى موقفي النقدي المركب من هابرماس، مستفيداً من منجزه التواصلي، ومتجاوزاً موقفه الدغمائي من التنوير، وإنما أريد الإشارة الى ان هذا التحول الفكري باتجاه الآخر، لا يقتصر على الجماعات الدينية، وإنما يطال أيضا موقف هابرماس الصارم وغير المهادن بالنسبة الى فلاسفة ما بعد الحداثة، من نقاد المشروع التنويري، إذ هو يفيد من منجزاتهم، ويخطو باتجاههم، وربما يتصالح معهم، كما يلاحظ الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، ولكن من دون الاعتراف بذلك، بشكل صريح، مما يقدم دليلاً على أن الصراع داخل المعسكر الواحد، يكون أحيانا اقسي واعنف من الصراع بين المعسكرات.
وأياً يكن، نحن إزاء صورة جديدة لهابرماس، تختلف عن الصورة التي يكونها عنه أطفال الحداثة وسذج الاستنارة ومتخلفو العلمانية: إعادة النظر في الثوابت والمسلّمات لإعادة بناء الذات في ضوء التحولات وعلى وقع الأزمات أو الإخفاقات.
أمراض الدين
هذا ما فعله بدوره الكاردينال راتسنغر. فهو فيما يتأمل التحولات التي طرأت على العالم وغيرت صورته، يقر بوجود أزمة تعصف بالمجتمعات المعاصرة من غير وجه:
الأول، هو التشابك والتداخل في القوى والتكتلات التي يتركب منها المجتمع العالمي؛ والثاني هو امتلاك الإنسان قدرات هائلة على الفعل والتدمير تحتاج الى المراقبة والضبط؛ والثالث هو (انهيار اليقينيات الخلقية) التي كانت حتى الآن تلعب دور الموجه لمساعي البشر ومشاريعهم. من هنا الحاجة الملحة الى البحث عن أسس جديدة لبناء الحياة المشتركة بين الهويات الثقافية المختلفة.
والأزمة تطاول، برأي راتسنغر، العقل كما تطاول الدين. من جهة الدين يلاحظ الكاردينال السابق، الذي غدا بابا روما، بأنه يعاني من (أمراض هي في غاية الخطورة)، كما تتجسم بشكل خاص في انتشار الإرهاب الذي يتغذى من التعصب الديني. هنا يعترف راتسنغر، بعد تشخيص الآفة، بأن العقل يشكل بالنسبة الى الدين أداة صالحة ودائمة لضبطه وتصحيحه بل (تطهيره). صحيح ان راتسنغر يتعامل مع العقل كنور الهي. ولكن ذلك لا يغير من الأمر شيئاً. فسواء كان العقل نوراً إلهيا أم طبيعياً، فله دوره في النهاية، كما يرى راتسنغر، في (مراقبة) العمل الديني.
ولكن العقل ليس بمنأى عن الأزمة كما يشخصها الكاردينال. فله أيضا أمراضه التي لا تقل خطورة عن أمراض الدين، كما تتجسم في استخدام القنبلة النووية، وفي امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي تحويل الإنسان الى (نتاج)، بعد أن كان هبة الطبيعة أو
الخالق. وهكذا ثمّة أزمة على جبهة العلم والعقل، تتجسم في امتلاك الإنسان القدرة على إنتاج نفسه أو تدمير نفسه.
من هنا يعتبر راتسنغر ان هذه الأزمة التي تطاول العقل والدين معاً، تدفع كل واحد من الطرفين الى الوقوف عند حده، للعمل على ما يسميه عملية التطهير وإعادة التكوين. ولأنها كذلك، فهي في النهاية تجسد أزمة الإنسان عامة. ومعنى كونها كذلك، أنها تملي على الإنسان ان يعترف بحدوده، أي بتناهيه. وهذا واجبه، ولذا يتجاوز راتسنغر الكلام على حقوق الإنسان، للكلام على (واجبات الإنسان).
بذلك يتفق الكاردينال مع الفيلسوف، على أن المهمة الآن، هي أن يعمل كل واحد على نفسه وحدوده، لكي يخطو نحو الآخر، على سبيل الإنصات والتعلم والإفادة بصورة متبادلة. وهذه ثمرة الاعتراف بالحدود، أي بالتناهي: كسر الحدود، كسياجات عازلة، والإقرار بالحاجة الى الآخر لفتح خطوط التواصل معه، ولتعزيز أو خلق كل ما تحتاج اليه الشراكة بين قوى المجتمع، من المساحات والمجالات أو الأطر والأدوات. وحسناً يصنع المتناظران باستخدام مصطلح (القوة)، في مواضع كثيرة لأن الفكرة أو العقيدة أو الطائفة هي في النهاية مردودها من القدرة والكفاءة أو الجدارة، مواقع وسلطات أو خيرات وثروات أو صلات وتحالفات.
قد لا اتفق تمام الاتفاق مع المتناظرين في تأويلاتهما للقضايا التي كانت مثار المناقشة، وهي قضايا لا يمكن القطع فيها، كما هو شأن معظم القضايا الفكرية والمركّبات المفهومية، التي تند عن الحسم والقطع، لكي تكشف عن بنيتها المركبة والإشكالية أو عن طابعها الملتبس والمفارق. ولا عجب فهذا شأن مفهوم مثل (العلمانية). إنه ليس مجرد مفهوم محض واضح ومتميز، أو قول منطقي مُحكَم، وإنما هو مكوناته وتاريخه، بقدر هو ممكناته احتمالاته. ولذا لا تخلو شروحات كل من المحاضرين من التباساتها أو ازدواجيتها، خاصة وأنها لا تتطرق الى مواقف عملية إجرائية تحتاج الى البتّ والحسم.
ومع ذلك وأيا كان اختلافي معهما، فانا أشطارها الموقف النقدي، نقد العقل والدين والإنسان. ولعل هابرماس تأخر في موقفه النقدي، للحداثة وتقاليدها التنويرية، بل إنه في طوره الأول قدم دوماً الغطاء الأيديولوجي والنضالي للممانعة النقدية، من جانب الحداثيين التقليديين. وفي أي حال، إن النقد، بالنسبة لي، ليس بالأمر الجديد، ولا اعني بذلك نقد العقل أو الدين، بل نقد الإنسان. فهذا مراس وجودي انخرط فيه منذ زمن، كما في كتابي (لعبة المعنى) الذي هو (فصول في نقد الإنسان).
ولعل الحرب اللبنانية كانت المحرك والحافز للمراجعة وإعادة النظر في كل ما كان يشكل عندي مراجع المعنى ومعايير المصداقية من العناوين والشعارات القديمة أو الحديثة. فلا يُعقل أن تبقى الشعارات والأفكار على ما هي عليه، بعد كل هذه الحروب والتحولات والانهيارات. هناك أناس خرجوا من الحرب اللبنانية، بنفس العقلية لكي يتشبثوا بنفس التصورات والقناعات، أو لكي يرموا دوماً التهمة على آخر يحملونه المسؤولية عما جرى ويجري من الفظائع والكوارث. والنتيجة تفاقم المشكلات وإعادة إنتاج الأزمات. ذلك ان الممكن، على وقع الإخفاقات والانهيارات في العناوين والمشاريع، هو التوجه النقدي نحو الذات والإنسان. فما نفاجأ به من البربرية هو ثمرة منازعنا الفاشية أو السادية أو الإرهابية.
أعود الى المناظرة، لأقول، بأنني أشاطر هابرماس وراتسنغر موقفهما، بقدر ما اشهد اننا إزاء مثقفين كبيرين ينتميان الى الفضاء الغربي التنويري، من حيث ممارسة النقد الذاتي، والزحزحة عن التمركز على الذات، أو من حيث التوجه الى إعادة بناء الذات، سواء تعلق الأمر بالعقل والإيمان، أو بالحداثة والدين، أو بالأنماط الثقافية الأخرى الواقعة خارج المساحة الغربية. وإذا كان هابرماس يتخطى مواقعه بطرحه لمجتمع ما بعد العلمانية، فإن راتسنغر يتخطى، هو الآخر، على نحو متبادل، مواقعه الماورائية، باعترافه بأمراض الأديان وحاجتها الى (النقد الفلسفي التنويري).
وهكذا نحن إزاء اعتراف مركب من غير وجه أو على غير صعيد. الأول هو نقد الذات للاعتراف بالآخر على نحو متبادل؟ والثاني نقد الذات للاعتراف بحدود الإنسان عامة، أكان ذا موقف علماني أم ديني؛ والثالث نقد الذات من اجل العمل على تشكيل اللغات والمجالات والأدوات التي تزداد معها إمكانات العيش المشترك. ومؤدى ذلك من جانب كل طرف، فكّ الوصاية على القيَم العامة والتخلّي عن الادعاء بامتلاك مفاتيح الحقيقة والهداية والسعادة.
مثل هذا النقد المركب يكسر يقينيات العقائد وطوباويات الانسنة، بقدر ما يتخطى الثنائيات القديمة والحديثة: ثنائية الإيمان والإلحاد، أو الدين والعلمانية، لشق أفق جديد أمام العمل البشري، لا يقوم على الأحادية والجدال أو النفي، بقدر ما يقوم على التوسط والتعلم والتحول والتسوية.
ولذا فنحن لا نتحاور مع الآخر، لكي نعرف من المخطئ ومن المصيب، أو من الضال ومن المهتدي؛ ولا نتحاور معه وفقاً لمبدأ التسامح لكي نتنازل له عما نعتقده صواباً عندنا، أو خطأ عنده، بل نتحاور لكي نكسر الحواجز ونتعدى الخطوط الحمر، وعلى نحو يتيح لكل واحد أن يتحول عما هو عليه، لكي يسهم في تحويل الآخر.
تعددية الدوائر
بهذا المعنى يبدو الكاردينال راتسنغر الذي أصبح البابا الحالي، أكثر حداثة وعقلانية واستنارة، من كثير من الحداثيين العرب، الذين يتعاملون مع العلمانية والحداثة كديانة جديدة أو كلاهوت تقدمي.
وبالطبع يتخطى راستنغر الأكثرية الساحقة من رجال الدين الذين يتحدثون عن العقلانية والعلمانية والاستنارة، لتلميع الصورة، أو بصورة تلفيقية، كما يمارس التنوير عندنا؛ إذ الأكثرون لا يملكون الجرأة على نقد الذات على نحو يكسر السياجات العقائدية، من اجل العبور نحو الآخر.
هناك بالطبع استثناءات كما أشرت في مكان آخر. أشير من جديد الى رجل الدين الإيراني الشيخ محمد شبستري الذي يعالج أزمة المجتمعات الإسلامية، من خلال الأخذ بمقولة (تعددية الدوائر)، والاعتراف بأن لكل دائرة (حدودها الخاصة)، سواء تعلق الأمر بالعلم والفلسفة والفن أو بالأخلاق والسياسة والشريعة، بحيث لا يُهيمن مجال على سواه أو تُلغي دائرة ما عداها. وهذا ما جعل شبستري يعتبر أن (الاسلمة)، بصفتها نزعة شمولية لممارسة هيمنة الدين على سائر دوائر المجتمع، يخلق من المشكلات أكثر مما يعمل على حلها. (راجع حديثه في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 19، 2002).
بهذا المعنى يغدو الدين دائرة من دوائر الحياة لا أكثر ولا اقل، كما أشرت في مقالتي على هذه (الصفحة)، قبل شهور، أي مجرد حقل يعمل بخصوصيته بقدر ما ينفتح على الحقول الأخرى لكي يتغذى منها ويتحول بها، بقدر ما يؤثر فيها.
خلاصة القول: إن الدروس التي يمكن استفادتها من هذه المناظرة، بين الفيلسوف العلماني والكاردينال الكاثوليكي، وفي ضوء ما أبداه الشيخ المسلم من الوعي النقدي ضداً على الذات، هي على غير وجه.
الأول: التخلي عن استراتيجية الرفض والاستبعاد المتبادل بين القوى والمشروعيات المجتمعية، للتمرّس بسياسة الاعتراف المتبادل، القائمة على مبدأ التعددية في الأنماط والمجالات أو في الحقول والدوائر، التي تنفصل بقدر ما تتصل، ضمن نظام مركب، من الوصل والفصل، لكي تتفاعل على نحو مثمر بناء في صياغة حياة مجتمعية تنطوي على قدر من التوازن والتضامن.
الثاني: أن الاعتراف المتبادل يعني أن لا تدار الحوارات والمناظرات، لا بعقلية الانتصار ولا بعقلية التسامح، وبالطبع ليس بعقلية الإلغاء، أي بما يؤدي الى إعادة إنتاج النزاعات بتحويل الهويات الى معسكرات؛ الأحرى أن تدار بمنطق التواصل والشراكة والتعلم المتبادل، من جانب كل القوى الفاعلة والمساهمة في إدارة الشأن العمومي وفي قيادة المصائر.
الثالث: لا وجود لهويات صافية أو نقية، أصولية أو نهائية، كما هو شأن الدين والعلمانية. نحن إزاء تجارب لا تنفك تختلف وتتحول بقدر ما نحن إزاء مشاريع هي دوماً قيد التشكل والانبناء.
كذلك نحن إزاء أضداد أو نقائض يتضمن بعضها البعض بقدر ما يؤول بعضها الى بعض. ولهذا فاللاهوتي قد يجحد دنيويته، بقدر ما يخفي العلماني أو العقلاني منابعه الدينية أو ممارساته اللامعقولة والمعتمة. ولهذا أيضا نرى مجتمعات علمانية تجنح نحو الأصولية، كما نرى مجتمعات دينية تقليدية تميل نحو العلمانية.
الرابع: هو أن الدين ليس البديل ولا الحل، كما يطرحه دعاته وكما يعتقد الكثيرون من الذين يبشروننا بأن القرن الحادي والعشرين سوف يكون دينياً بامتياز، فيما الدين يكاد يتحول على يد دعاته وحماته من الجهاديين والأصوليين الى سياسة للاستئصال أو آلة للخراب. ولكن ذلك لا يعني تحييد الدين وعزله عن المجال العمومي، بصفته ينتمي الى عالم القداسة والتعالي. هذا الموقف الذي يلجأ اليه علمانيون عرب، يشهد على جهلهم وعلى ممارستهم الخداع، ذلك أن الدين، ما كان يوماً منفصلاً عن سياقه البشري أو الدنيوي، بل كان دوماً وسيلة بشرية لضبط الناس وإدارتهم أو السيطرة عليهم.
والذين يريدون تحييده يهيئون لعودته على النحو الأسوأ. ذلك ان ما يستبعد، يعود دوماً على النحو الارهب والأخطر، تماماً كما هي حال ما يستعاد من غير عمل عليه بالصرف والتحويل. فالأحرى ان يعامل الدين بأساطيره وتصوراته وتقاليده ومؤسساته بصفته إحدى المشروعيات والقوى الفاعلة في بناء الحياة الاجتماعية وصوغ المستقبل، شأن سواه من القوى والمشروعيات.
وإذا كانت الأزمة هي أزمة الدين والعقل معاً، بآفاتهما وكوارثهما، فمعنى ذلك أننا اقل تديناً وعقلانية مما نحسب، إذن اقل إنسانية مما ندعي. فالأولى ان نستيقظ من سباتنا الإنساني العلماني والديني، لأن المسألة تتجاوز العلمانية الى ما بعدها، كما تتجاوز العصر الماوارئي الى ما بعده. ليست القضية الآن الدفاع عن هذه الخصوصية أو تلك الهوية، بل هذه هي المشكلة. وأما القضية فهي الدفاع عن اشكال العيش المشترك على الأرض. ولذا، السؤال الآن كيف يمكن ترجمة الأفكار والعقائد والمذاهب والقيم، على ارض الواقع المعاش، لكي يتمكن البشر من العيش سوياً، في مواجهة الأخطار والكوارث التي تكاد تُهدد الأرض بمن عليها وما عليها، وإلا لن يعود هناك حطام يتصارعون عليه، أو ما يمكن ان يرثه العباد الصالحون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى