قضايا فكرية

بنية الوعي الحديث في فكر ألكسندر كوجيف ..بقلم : محمد الشيخ

محمد الشيخ..
تعد نظرية كوجيف (1902-1968) في الحداثة تحشية على نظرية هيجل (1770-1831). فنسبة النظريتين إلى بعضهما البعض، من هذه الجهة، نسبة الحاشية إلى المتن. ولما كان المطلوب من الحاشية أن توافق المتن من حيث الروح العامة وأن تفارقه في التفاصيل الحيثية، فإن نظرية كوجيف شابهت أصلها الهيجلي من حيث جاءت، مثله ثلاثية القوام؛ إذ قامت على ثلاثة أركان -الفردية والحرية والدنيوية- بينما قامت النظرية الهيجلية على مفاهيم “الذاتية” و”الحرية” و”العقلانية”؛ لكنها خالفت المتن من حيث أنها صيرت المواضع المشكلة في نظرية هيجل الحداثية -نعني القول بـ”اكتمال الحداثة” وما يلزم عنه من قول بـ”نهاية التاريخ” و”نهاية الفلسفة”- مواضع بينة مثبتة.

والمتأمل في حاشية كوجيف الموسومة بـ”المدخل إلى قراءة هيجل”(1). ليتأدى به النظر إلى أن نظرية الرجل في الحداثة إنما استندت إلى فلسفة هيجل في تطور الوعي؛ نعني كتاب الفينومينولوجيا. ولذلك انبنت بأكملها على مفهوم “الوعي”؛ إذ الحداثة عنده وعي متقدم؛ وهي وعي مخالف لوعي القدامة. والحال أننا لو فتشنا في أنحاء هذا الوعي لوجدناه وعيا بأمور ثلاثة: وعي بفردية الإنسان وحريته ودنيوية فعبه. إنه وعي عبد أفلح في تحرير نفسه من رهاب الموت الذي استبد به أول النشء وقهره أوسطه؛ وذلك بعد أن اهتدى العبد إلى أليتي قهر القهر؛ نعني الشغل بما هو تحرر من الطبيعة وتحرير للذات والمخاطرة بالحياة بما هي تحرر من الخوف وتحرير لطاقة الإنسان. وإن تحقيق الوعي لحداثته معناه تحقيقه لفرديته وحريته ودنيويته.

والمتحصل من هذا أن الوعي الحديث إنما قام على ثلاثة أركان بتوابعها ونوافيها؛ وهي على الترتيب:
أولا: مفهوم “الفردية” بتابعيه “الخصوصية” و”الذاتية” ونافييه “الكونية المجردة” و”العضوية المتوحدة”.

ثانيا: مفهوم “الحرية” وعوالقه من “نفي” و”لسلب” و”فعل” ونوافيه من “قسر” و”استبعاد” و”خمول”.

ثالثا: مفهوم “الدنيوية”(2). وما علق به من “محايثة” و”إلحاد” و”ناسوت” وما فارقه من “تعالي” و”دينونة” و”لاهوت”.

والحق أن هذه المفاهيم لو نظرت لظهر أنها أواسط بينية تقع بين ما تطرف من المفاهيم؛ فمفهوم “الفردية” يقف وسطا بين “الخصوصية المتطرفة” و”الكونية المجردة”، ومفهوم “الحرية” ينتصب حكما بين “الحرية المطلقة” و”الضرورة العمياء”، ومفهوم “الدنيوية” يقوم فيصلا بين “المحايثة الضيقة” و”التعالي المطلق”. مما ينم عن أن الوعي الحديث وعي بيني متعقل كما يشي بكونه أعلى درجات الوعي التي بلغتها البشرية.

الفردية
من معلوم الأمور عند كوجيف أن الكائن الإنسي يباين الموجود الحيواني من وجوه عدة. ولعل أحد أبرز وجوه هذه المباينة المتعددة صلة الفرد بالنوع. ذاك أن نسبة “الفرد” الواحد من الحيوان إلى نوعه نسبة “النسخة الشبيهة” أو “الصورة المثيلة” إلى النوع الطبيعي المعلوم. فليس بين “الدجاجات” فوارق تذكر؛ إذ كل “فردياتها” متماثلة الواحدة منها تنوب مناب الأخرى وتغني عنها. أما الفرد البشري -الذي هو “الفرد” على وجه التحقيق- فيفترض فيه أن يكون “وحيد نوعه” مخالفا لأفراد بني ذريته. وهو أبدا يسعى إلى التخالف والتمايز عن أغياره ولا يرضى أن يكون لهم بدلا أو عوضا أو مثيلا. أكثر من هذا لا أحد من بني البشر يريد أن يكون ذاك “الإنسان العادي” امرءا غفلا مأخوذا على جملة “أيهذا الإنسان”. أو لم يتضايق نابليون أشد التضايق لما اشتبه حاله على بستانيه فعده أحد غزاة الشرق الأقصى الكثر؟ أولا تحنق المرأة حين ترى صديقتها وقد ارتدت لباسا كان قد بيع لها على أنه فرد عزيز الاستنساخ؟ الظاهر إذن أن الإنسان إنما يريد، أولا، أن يكون مخالفا لبقية أغياره. ويحبذ، ثانيا، أن ينظر له بما هو “وحيد نوعه” و”فريد عالمه”. ويطلب، ثالثا، أن يعترف به في خصوصيته وواحديته وفرادته تلك.

والإنسان في مراميه هذه بالاختلاف والتفرد والخصوصية والتميز يفترض أن تكون له قيمة إيجابية. وهو يريدها قيمة كونية لا بالنظر إلى النوع الذي ينتمي إليه أو العائلة التي ينحدر منها أو الطبقة التي يشاركها الانتساب أو الأمة التي يقاسمها بالارتباط وإنما بالنظر له في ذاته بما لا ينتج عنه إمكان استبداله بغيره أو تعويضه بسواه. فإن تبينا الرغبة في التفرد والطموح إلى الاعتراف الكوني وطلب تحقيق القيمة المطلقة بما هي ما يميز الإنسان عن الحيوان تبينا معه مفهوم “الفردية” عند كوجيف بما هو أحد سمات الحداثة.

غير أن هاهنا لبسا لزم رفعه؛ وهو أن “الفردية” هاهنا لا تعني، عند كوجيف كما عند سلفه هيجل أيضا، الخصوصية المغالية أو الذاتية المتطرفة التي تؤدي بصاحبها إلى رفض المجال المشترك؛ فهذه إن هي إلا “مرض الفردية وتعفنها”. إنما الفردية الحقة تعني التوليف بين الخصوصي، بما هو رغبة الفرد، والكوني، بما هو رغبة الجماعة. فالفرد لا يحقق فرديته المثلى على وجهها الأكمل إلا إن هو رغب في فعل بما بمكنة أي فرد فعله؛ مثل أن يختار الشغل بما الشغل ما يحقق به إنسيته وينفي به بهيميته؛ أما أن يشاكس فيخالف فيجنح إلى الخمول؛ فتلك فردية مزاجية منبوذة. والفرد لا يحقق تفرده إلا إن اعترف بأغياره واعترفوا به؛ فإن عن له أن يتجاهل السوى -بأثر من غضب- فإن معنى ذلك أنه يتشبث بذاتيته المتطرفة القصية التي سرعان ما تنتقل إلى الآخرين انتقال العدوى فلا يعترفوا به. وبالجملة، الفردية لا تكون فردية حقة؛ أي إنسانية وحرة وتاريخية، إلا إذا اعترف بها الأغيار واعترفت بهم؛ ذلك هو “الاعتراف المتبادل”.

ولئن كان فيما تقدم من شيء مضمر فهو أن الفرد الإنسي، بما هو يروم كسب اعتراف الأغيار به من حيث تفرده واختلافه وتميزه، لا يمكنه أن يحيا سوى ضمن جماعة بشرية معنية؛ أي ضمن مجتمع. لكن الجماعة لا تكون مجتمعا حقا إلا إذا تفاعل أعضاؤها فأنشأوا دولة. فإذن لا يكون الإنسي “فردا”، على وجه الحق، ما لم يكن له إمكان التصرف بما هو مواطن معترف به داخل دولة قائمة. والحال أن هذه الفردية المواطنة الكونية لم تتحقق في تاريخ الإنسان هكذا فجاءة عن غدارة؛ فبين الفرد وما رامه قرون من التاريخ طوال يتبين فيها كوجيف، على جهة المبدأ، عهدين: ذاك أن الدولة، في بادئة عهدها، لا ترضي الفرد ولا تستجيب إلى مطلبه؛ فهي، بدءا، لا تنظر إليه بما هو “هذا” الفرد أو “ذاك” المواطن المتفرد المخالف المتوحد غير القابل لعوض أو بدل وإنما هي ترى فيه “نسخة” من نوع إنساني محارب قابل للاستبدال والعوض منتم لأسرة أو طبقة أو أمة أو عرق. وكأن لسان حالها يقول: “المحارب بالمحارب والأنفع هو الأفيد لوطنه في ساحة المعركة، ولا فرق بين هذا وذاك”. ولئن رام الفرد أن يحقق تميزه بما هو فرد معترف به كونيا، أي بما هو مواطن كامل الحقوق السياسية، فإن عليه أن يغير -بفعله وتحرره- الواقع الاجتماعي والسياسي المعطى وينشئ بدله واقعا آخرا. وإنه لمطلب عزيز إنما تطلب نقل المجتمع من “مجتمع قدامة” إلى “مجتمع حداثة”؛ وذاك هو عهد تحقق الفردية على وجه التدقيق.

هذا على جهة النظر والمبدأ أما على جهة التطبيق والتحقيق فنقول:
أول عهود التاريخ كان عهد سيادة الدولة وانتفاء الفردية؛ وبالتعيين كان عهد الدولة اليونانية. ذاك أن هذه الدولة لم تقم على أساس “إنسي” حتى تحقق الفردية وإنما قامت على أساس “طبيعي”؛ فلم يكن الشعب عندها وفيها “مجموعة أفراد” وإنما كان “وحدة عضوية” على شاكلة “وحدة مرجانية” أو “قطعة ماشية”!ولذلك ما كان الفرد اليوناني -بما هو “السيد”- فردا على التحقيق؛ إذ لم تكن له قيمة في ذاته -بما هو فرد- وإنما كانت قيمته في سلاحه وعضده. كان مواطنا غفلا نكرة ومحاربا ب اسم يشبه بقية المحاربين ليس من حقه أن يرغب في التفرد ولا حتى أن يعلن “أناه”؛ إذ كانت الدولة الوثنية -تنبذ السادة- “تنبذ الأنا الشخصية؛ ومن ثمة تنبذ فكرة “الفردية” بما هذه تقوم على مبدأ “الأنا” وتعتد به”. فإذن كانت الدولة تحتل “المجال العمومي”، فلا إرادة تتعين إلا إرادة الدولة بما هي الإرادة الكونية المشتركة، ولا إمكان لبروز الفرد وظهوره وإنما كل الأفراد متساوون أمام الوطن وأمام الدفاع عنه؛ أي أمام الموت. فلكل مواطن جرعة من الموت يسقاها والكل متساو أمام كأس المنون.

لم يكن للفرد إذن حتى يحقق ذاتيته سوى الانطواء إلى داخل “المجال الخصوصي”؛ أي الأسرة. كيف لا ووجوده داخل الأسرة غير وجوده داخل الدولة؛ في هذه محارب غفل نكرة وفي تلك أب أو زوج أو ابن؟ أكثر من هذا إن وجوده وجود تعين لا وجود تنكر؛ فهو “هذا” الأب أو الزوج “الفلاني” أو الابن “المعلوم” “المعروف”… عير أن هاهنا وجها آخر للاختلاف أهم وأحسم؛ نعني أنه داخل الأسرة، عكس الدولة، “لا يفعل”؛ أي لا يشتغل -بما هو رب البيت أو سيده- ولا يحارب – وكيف له أن يحارب أهله؟ فوجوده إذن وجود “طبيعي” محض بلا فعل ولا حراك؛ وتلك مأساته. إنه أشبه بالظل والعدم والموت منه بالوجود الاجتماعي الفاعل الحق؛ فهو شبح خاو لا روح ممتلئة، وجوده “حضور طبيعي” خمول وخصوصيته خصوصية حيوانية بهيمية سلبية. ولها كانت الحرب، في هذا المجتمع، أساس تحقيق الفرد لقيمته؛ أي للاعتراف به، وكان لا حرب داخل الأسرة، تبين أن ما تعترف به الأسرة للفرد ليس فعله الإنسي ووجوده الفاعل وإنما حضوره البهيمي ووجوده البيولوجي… والحال أن إعطاء قيمة ما للفرد بما هو “يوجد” و”يحيا” لا بما هو “يفعل” و”يشتغل” و”يحارب” -وهو المسمى ب”الحب”- أمر لا يقوى إلا بالغياب، والغياب هنا كناية عن الموت. وبه يتضح أن لا قيمة للفرد عند اليونان إلا بما هو ميت، أي بما هو سلف!وتلك مفارقتهم!وبالجملة، لا مجال للحديث عن “الفردية” في الدولة الوثنية سواء اعتبرنا المواطن في صلته بالدولة -إذ هو مجرد محارب غفل- أو اعتبرناه في صلته بالأسرة – إذ لا يكرم إلا بعد موته. والواقع أن أمر المواطن متأرجح بين حالين مأساويين: إن هو رام درك فرديته امتنعت عليه المشاركة في شأن الدولة، ومن ثمة صار منبوذا من طرف الكوني وافتقد سيادته وحياته؛ وإن هو أراد الحفاظ على كونيته اضطر إلى التضحية بخصوصيته وفرديته. وليس وجود المواطن الوثني هنا وجود حيرة وتأرجح فحسب وإنما هو “وجود تراجيدي”؛ أي وجود في إطار صراع قدري بلا مخرج ولا منفذ. وسواء أقدم الفرد على الخيار الأول بما هو خيار المحافظة على الفردية أم أتى الفعل الثاني بما هو خيار مرام الكونية فإنه يجد نفسه خارج القانون. نعني، في حال تحقق المرام الأول، الخروج عن “قانون الدولة” أو قل “قانون البشر”، كما نعني، في حال تحقق المرام الثاني، الخروج عن “قانون الأسرة” الفطري أو قل “القانون الإلهي”. وأمر المواطن أمر محير؛ فهو لا يقدر على فعل هذا ولا على فعل ذاك فأنى ولى وجهه فالتأثيم له بالمرصاد. ولقد شخصت مسرحية أنتيجونا لسوفوكليس هذه الحياة اليونانية المأساوية التي آلت إلى الدمار لأنها لم تستطع أن تحل لغز التوفيق بين مطلب الكونية (الدولة) ومطلب الخصوصية (الأسرة) ولأن الدولة سعت إلى تقويض الأسرة بزعوعة الفردية ودفعها إلى الحرب؛ فكان أن تحقق انتقام “القانون الإلهي” (الأسرة) من “القانون البشري” (الدولة) بأن هوى بالمدينة اليونانية أسفل سافلين.

ولم يكن حال الفردية على عهد الدولة الرومانية بأفضل من حالها على عهد سالفتها؛ فهاهنا أيضا قام التنابذ ين “الكونية” و”الخصوصية” وانعدام التقاطب فضاع حق “الفردية”. هاهنا صارت الدولة وقد أصبحت ملكا عظيما فائقة التجريد مترامية الأطراف متعددة العرقيات ولم تعد دولة المدينة ولا دولة الجماعة المنصهرة؛ ومن ثمة لم يعد المواطنون يجدوا فيها أنفسهم كما كان الشأن عليه في العهد السابق… وما زالت الدولة تتجرد وتتعالى وتتباعد وما زال الإمبراطور يتعاظم ويتكبر ويتجبر وما زال الفرد يتضاءل ويتهاوى ويضمحل حتى صارت الدولة قدرا أعمى وصار الإمبراطور ربا أعلى وانقلب الفرد ذرة هباء خاوية هاوية وخصوصية منغلقة على ذاتها فاقدة للهوية. ذلك أنه لما ذابت مدينة المواطنين -المدينة اليونانية- في إمبراطورية الرعايا -الدولة الرومانية- احتيج إلى طلب معونة المرتزقة المتعددة الانتماءات لحماية الثغور الممتدة؛ فكان أن استعين بالعبيد وكان أن توقف السادة عن خدمة الدولة (المخاطرة بالحياة) بما صاروا فضلة لا عمدة؛ ففقدوا بذلك قيمتهم الكونية ولم يعودوا يهتمون بالشأن العام -مع أن الجمهورية تعني أساسا الشأن العام المشترك- Res publica وإنما انكفأوا على شأنهم الذاتي وانكمشوا على قيمهم الخاصة داخل أسرهم؛ فعدموا بذلك الفعل -الشغل والصراع- وعادوا إلى وجودهم الطبيعي الحيواني مثل هباء هواء في إمبراطورية ممتدة الأرجاء imperium romanum. والحال أنه حين يصير وضع الفردية وضعا صوريا شكليا فإن روابطها بلحمتها الاجتماعية والسياسية -الدولة- تصير بدورها روابط شكلية؛ وهذا يفسر سيادة “القانون المجرد” الذي عكس اهتمامات الفرد بحياة الجماعة بما هي اهتمامات دنيا؛ نعني “حفظ النفس” و”صيانة الملكية الخاصة”؛ كما عكس توقفه عن أن يظل مواطنا خالصا وفيا وصيرورته مالكا خاصا وبورجوازيا عينيا. ولم يقتصر الأمر على تحول السادة إلى ملاكين خاصين، وبالتالي تجاهل الدولة لهم وتجاهلهم لها، وإنما تعدى الأمر ذلك إلى تصيير الدولة نفسها ملكية خاصة للإمبراطور بصفته كبير الملاك؛ وبه لم تعد الدولة، كما كانت في سالف عهدها، “جماعة طبيعية” قائمة على أساس عرقي وإنما فقدت الطبيعة وامتزج العرق وأضحت الدولة وحدة واعية بذاتها في شخص الإمبراطور؛ فإذا بنا نلف أن “الإمبراطورية الرومانية لم تعد على التحقيق دولة بالمعنى الأصح وإنما صارت ملك الإمبراطور الخاص” (المدخل. ص.105) تلقاء ذلك أضحى كل شخص كائنا واعيا بذاته ومصالحه بما هو فرد خاص مجرد. وبذلك فقدت الكونية الحقة التي هي أساس الفردية الثابت كما آلت الفردية إلى خصوصية قانونية نخبة هواء؛ مما جعل “الفردية الحقة تنعدم في روما” (المدخل. ص.106).

ولئن كنا بانتقالنا من عالم اليونان إلى عالم الرومان قد انتقلنا من عالم السيادة إلى عالم العبودية؛ وبالتالي انتقلنا من عالم التصارع إلى عالم الشغل، فإن الشغل لم يكن يقو هنا على تحرير الفردية. فإذا حق أ الشغل الذي مارسه العبد كان يشكل -من الناحية المبدئية- أفضل مدخل لإثبات الخصوصية وضمان الفردية بما الشغل ظهار للجانب الشخصي في الفرد علام على ذاتيته؛ أي مشكل للخصوصية منشئ للشخصية؛ فإنه تحق الملاحظة -بالرغم من ذلك- بأن ما اعترفت به الدولة هنا في اعترافها بشغل العبد ليس هو العبد الفرد في ذاته وإنما حصيلة شغله؛ أي طابعه اللاشخصي بالذات. وهكذا عوض أن يدل الشغل على فردية العبد دل على اغترابه واستلابه ما دام أن ما هم الدولة ليس شغل العامل وإنما نتاجه. وطالما قبل العبد بهذا الوضع يشتغل وهو عبد؛ أي لا يخاطر بحياته ولا يتسيد، فإن قيمته الخاصة تبقى مجرد قيمة ذاتية يعترف بها وحده لنفسه ولا أحد غيره بها علام. أكثر من هذا يشرع هذا العبد الذي لا يقوى على تحرير فرديته وحمل السوى على الاعتراف له بها على “تخيل” أدلوجات تبريرية مخصوصة يعبر بها عن وعيه المسلوب هذا؛ أي عن خصوصيته غير المعترف بها. وهي أدلوجات تلتقي، على العموم، في الإعلاء من شأن توحده واعتزاله الشأن العام وتنكر واقع الدولة وأمر العبودية والتبعية. ولذلك ينعتها كوجيف بأنها “أدلوجات أنا وحدية” أو “أدلوجات توحدية انعزالية” أو “أدلوجات وجودية”؛ وزهي أدلوجات لا تكون ممكنة ولا تقوم إلا “في مجتمع أو دولة يعترفان بالخاص بما هو شخص حقوقي صاحب ملكية خاصة” ولا يعترفان به “بما هو مواطن مندمج”؛ بمعنى أن الدولة والمجتمع هنا “يقصيان الفرد من الحياة السياسية، فلا يعودان يطلبان منه بدل حياته للدفاع عن الدولة؛ وإنما يجعلان منه أحد رعايا المستبد ذب السيادة المطلقة” (المدخل. ص.108) وباعتناق الفرد لهذه الأدلوجات الفردانية المتطرفة لا يعود العبد -كما السيد المتشبه به- يأبه للعالم المحيط به؛ أي للكونية (الدولة)؛ فيتقلب في مراقي “الرواقية”، أو هو ينكر العالم انكارا فيستحيل بذلك “شكيا عدميا”، أو هو يطفق يبحث عن ملجأ وملاذ للروح في عالم أخروي ينشد فيه خلاص ذاته بما هو فرد ممزق معذب، فيتدرج أنها في مدارج “المسيحية”.
والحال أن أمر هذا التقلب الإيديولوجي من الرواقية إلى الشكية فالمسيحية أمر مفيد لميلاد وانبثاق الحس بالفردانية؛ ففي المسيحية يكتشف الفرد لأول مرة فضائل الفردية. ولئن حق أن مفهوم “الفرد” إنما تبلور لأول مرة في التاريخ الكوني عند تبلور مفهوم “الشخص القانوني” الذي قال به الرومان، فإن هذا المفهوم ظل مناط الفرد الأجوف الفارغ الهواء الذي ينعم بالشكل (الملكية) ويعدم المضمون (الحرية). لذلك كله يمكن اعتبار المسيحية رائدة في مجال تثبيت الفردية؛ أي تشخيص الفرد وتجسيده وملئه مخصوص ومحتوى متعين. غير أن خطوة المسيحية هذه كانت خطوة خجولة وذلك لسببين اثنين: أولهما؛ أنه لئن حق أن المسيحي هو أول من اكتشف فضائل الفردية، فإنه يحق أيضا أنه ولد فردا هشا ضعيفا واهنا لا يقوى على الإقرار بفرديته بعد. وإذا كانت قيمته الشخصية لم تعد تحدد، مثلما كان الشأن عليه في العالم الوثني، بدءا من موضعه في “الكوسموس” الطبيعي وكأنه حيوان تابع لنوع، فإنه لا يزال يبحث لنفسه عن موقع في الكوسموس الإلهي الجديد؛ وهو كوسموس -على أية حال- منفصل عن إرادته مثله في ذلك كمثل سابقه. ثانيهما؛ أنه لئن كانت المسيحية قد اعترفت بالفردية فإنها لم تقر بالفردية الحقة إلا للإله، فالإله “يتفرد” و”يتجسد” و”يمتلئ” في المسيح، وليس كل الناس مسيحا؛ فإذن لا إقرار بالفردية الحقة للإنسان، إنما الإنسان عبد لرب ومولى لإله.

والحق أن الموقف المسيحي من الفردية موقف منشرح منفصم منقسم: فالمسيحية تؤكد، من جهة، على الجانب الإيجابي للفردية، بل تدعو إلى تحويل الشخصية الوثنية الكونية العضوية إلى شخصية مسيحية فردية مقتنعة. إذ أنه إذا كان الوثني يولد على وثنيته ويبقى وثنيا أبد الدهر؛ مثلما يبقى الصخر صخرا، أي وجودا حيوانيا مضادا لقيمة الفرد وحقه في الخيار والقناعة؛ فإن المسيحي لا يقبل العالم -الوثني- الذي انوجد فيه وإنما يتصور لنفسه مثالا فرديا وجماعيا -دولة الجماعة المؤمنة- يسعى إلى تحقيقه ببذل الجهد ومجاهدة النفس حتى تتحقق له فرديته الإنسية الحقة ما دام لا فردي حقة إلا فردية مجاهدة النفس وما دام أن الفرد لا يولد فردا وإنما يصيره. مما يؤكد أن المسيحية ردة فعل فردية وخصوصية ضد كونية وعمومية الوثنية. بيد أن المسيحية تخالف وعدها بتحقيق الفردية للفرد عندما تذهب إلى أن الفردية الحقة لا تتحقق في عالم الدنيوية وإنما في عالم الدينونة؛ بمعنى أنها ترى أن الفردية الحقة لا تتجسد إلا في عالم الآخرة “هناك” يحقق الفرد “خلاصة” و”حريته” و”سعادته”، أما الدنيا فهي عالم “بلاء” و”شقوة” و”عبودية”. ولئن دل هذا الأمر على شيء فإنما هو يدل على أن المسيحية، بما هي أدلوجة عبد، لا تسعى إلى تحقيق “المثال” في الأرض وإنما تهرب إلى السماء؛ بمعنى أنها أدلوجة إنسان غير قادر على أن يكون إنسانا؛ أي فردية مميزة. وهو لطالما ظل عبدا؛ أي منوطا بسيده الوثني الذي آلت الهيمنة على العالم إليه، فإنه لم يكن يسهم في تحقيق المواطن لقيمته الكونية؛ ومن ثمة لم يكن يقو على أن يفرض قيمته الشخصية على أسويائه حتى يعترفوا به. وعلى فرض أنه لم يعد عبدا لسيد واقعي متجسد، فإنه مع ذلك بقي عبدا في ذاته لذاته؛ أي بقي عبد نفسه بما اعتقده من أنه عبد ربه الذي سواه بيده وتخيله بمخيلته.

ومناقضة المسيحية لنفسها تبدو أوضح ما تبدو في موقفها من رضى المرء عن نفسه. فهي تقر، من جهة أولى، أن الرضى عن النفس هو محرك الوجود الإنسي وأساسه؛ علما أن الرضى عن النفس هنا -المخيلة- هو العبارة عن النزوع نحو الفرادة والتفرد والفردية؛ إذ لا فردية بلا مخيلة أو خيلاء. لكنها، من جهة أخرى، تعتبر الرضى عن النفس استكبارا؛ ومن ثمة تدعوه “خطيئة” و”رذيلة” وتدعو إلى محاربته بما هو غطرسة وطاووسية. ومعنى هذا أن المسيحي يرى في طموحه إلى تحقيق فرديته خيلاء واستكبارا، وطالما ظل يفهم ذاته من خلال المسيحية فإنه سيرى في رغبته الخيلائية بأن يهب لخصوصيته الإنسية المستقلة قيمة مطلقة أو كونية الاعتراف والإقرار، لا مثالا للتحقيق الدنيوي، وإنما شرا وبلاء يلزم قمعه وكسره ودرؤه لتحقيق الخلاص الأخروي. والمترتب عن هذا الاعتبار أمران: الأول؛ أن مثال الفردية الذي جاءت به المسيحية ليس مثالا للتطبيق في عالم الدنيوية؛ إذ لا فردية حقة إلا في عالم الدينونة إلى حيث رفع المسيح… وكأننا هنا أمام “تصنيم” أو “أقنمة” لفكرة الفرد (المدخل. ص.257)؛ وهو التصنيم الذي يفسر نزعة المسيحية إلى القول بأن المسيح ضحى بخصوصيته الإنسية لأجل كونيته الإلهية. وبالجملة، ما يبدله المسيحي بيد (فكرة الفردية) يستمده بيد أخرى (فكرة الألوهية). الثاني، أن الوعي المسيحي بتأرجحه في موقفه من الفردية يبين عن أنه وعي مزدوج أو قل وعيا شقيا. فالمسيحي ممزق بين مثاله وواقعه حتى لأن مثاله، “تحقق الفردية”، لا يتجسد في عالمه، “عالم العبودية”. ولطالما بقي المسيحي ذا دينونة فإنه لن يحقق مثاله في الحياة الدنيوية أو قل إنه بقدر ما لا يفلح في تحقيق مثاله في الحياة الدنيا يبقى ديانيا…
تلك مفارقة الأدلوجة المسيحية الفردانية! والمسألة هي كيف يمكن تحقيق هذا المثال الفرداني الديني في الدنيا؟ الحق أن “تاريخ العالم المسيحي ليس على التحقيق شيئا آخر سوى قصة هذا التحقيق” (المدخل. ص.192) غير أن الذي يعيه المسيحي هو أنه “لا يمكن تحقيق المثال الناسوتي المسيحي إلا بإزالة الفكر اللاهوتي”؛ بمعنى أن الإنسان المسيحي لا يمكنه أن يصبح فردا على نحو حق وأن تتحقق له الذاتية إلا إن هو كف عن تصور عالم الألوهية؛ أي إلا عندما يصير إنسان نفسه لا إنسان إلهه وفرد ذاته لا فرد ربه؛ أو قل إلا عندما يعيد من السماء إلى الأرض تلك الكنوز التي نسبها إلى غيره وسلبها نفسه (المدخل. ص.192) وبعبارة أخرى لا يمكن تحقق الفردية إلا بتجاوز المسيحية؛ أي بتحقيق الخيلاء الإنسية. ولهذا التحقيق رواية خاصة.

إن أول خطوة نحو هذا الاتجاه المحقق للفردية إنما أقدم عليه مثقفو عصر النهضة؛ فهؤلاء بادروا إلى “إشاحة الأنظار عن العالم الأخروي وإعادة تسليطها على العالم الدنيوي”. هاهنا وضع جديد: فالمثقف البورجوازي النهضوي إن كان لا يشبه السيد من جهة كونه لا يحارب، فإنه كذلك لا يشبه العبد من جهة كونه لا يشتغل. فهو إذن يعدم خصيصة السيد (الصراع) والعبد (الشغل). وبما أنه ليس عبدا فبمكنته أن يتحرر من طابع المسيحية العبودي؛ أي من طابعها اللاهوتي المتعالي مادام أن المسيحي العبد كان يعمل خوفا من ربه ومولاه أما المثقف فقد رفع الشعار “لا عبودية ولا ربوبية”ز وبما أنه ليس سيدا فبمكنته أن يحتفظ بالأدلوجة الخصوصية “الفردانية” التي قالت بها الإنسية المسيحية. فهاهنا يحفظ من المسيحية ناسوتها ويلفظ لاهوتها. لكن بما أنه لا يصارع ولا يشتغل؛ أي لا يفعل في الواقع، فإن قصاراه أن يجرأ على تصور “مثال فرداني” من غير أن يجرأ على تحقيقه وتجسيده. ولهذا الشأن تبقى فردانيته مفردية ولفظية واصطلاحية… رغم أنه يتقلب بها في مراتب عديدة.

ها قد تقدم مثقف النهضة خطوة للبحث عن فرديته وتحقيقها في هذه الدنيا؛ لكنه التحقيق الفج المباشر؛ نعني تحقيق من لا يجني ثمار عمله من شجرة صراعه وشغله وإنما يلتقطها من الأرض التقاطا. ها هو يبحث عن المتعة لا في عالم آخر كما كان يفعل سلفه المسيحي ولكن “الآن” و”هنا”. ولئن حقق بذلك تقدما بما لم يعد وعيا مبتئسا يعاني انفصام مثاله عن واقعه فإنه مع ذلك لا زال يشعر ب”عدم الرضا”. والسبب في ذلك يعود إلى “الطابع المباشر لموقفه”؛ نعني أنه لا يفعل في العالم؛ أي لا يغيره ولا يبدله، وإنما يتركه على نحو ما يجده؛ ومن ثمة فهو لا يصارع ولا ينافح ليجعله مطابقا لفرديته كما لا يكدح ولا يفعل ليصيره مناسبا لذاته. وإنما هو يكتفي بالاستمتاع به والاستلذاذ على نحو حيواني فج أو قل كما تفعل الحيوانات والبهائم. ولهذا السبب بالذات يكني كوجيف عن هذا النحو من الفردانية ب”الفردانية المطلقة” أو “الفردانية الحيوانية” كما يكني عن صحابها ب”الحيوانات المثقفة” (المدخل. ص.42).

والمتحصل أن المثقف الفرداني النهضوي ما عاد يعتبر العالم شرا ولا بلاء، كما كان يفعل سلفه المسيحي، وإنما صار يتصوره جمالا وجلالا؛ ومن ثمة صار يتوق إلى الاستمتاع به والالتذاذ. وأنى له بغير هذا الموقف البهيمي لا الإنسي وهو لا يصارع ولا يشتغل؟ لكن بدء مأساة صاحبنا يتعين عندما يطلب اعتراف الآخرين به وينشده؛ فبأية صفة يطلب هذا الاعتراف والإقرار وهو الذي لا ينافح ولا يكدح؟ الحق أنه يعد نفسه “موهبة” و”عبقرية”؛ فهو من النوابغ أصحاب المواهب. غير أن موقفه هذا إن تؤمل نم عن أنه لا يطلب الاعتراف بقدر ما يطلب الشهرة ولا يطلب الإقرار قدر ما يطلب الشنعة. إنه يحيا في مجتمع أهل الأدب والقلم حيث الكل يريد أن يشتهر. لكن بما أنه نابتة معتزلة متوحدة فإنه لا يحيا في “مجتمع حقيقي” وإنما يعيش في “مجتمع شبيهي”. ولما فقد العروة الاجتماعية التأنيسية فإنه ينتهي إلى أحوال سويدائية مشفقة: إما “الثرثرة” أو “الحمقة” أو “الانتحار”…

نحن هنا إذن في “مملكة الحيوانات المثقفة” التي تريد أن تعبر عن ذاتها وتشتهر، لكن عبارتها متفردة متوحدة وفعلها فعل فردي معزول لا فعلا اجتماعيا مسؤولا. ولذلك فهي تتوسل الأدب بساطا إلى هذه العبارة؛ تكتب لذلك كتبا وتؤلف مؤلفات وتتقلب أحوالا: حيوانات مثقفة مبدعة فناقدة أدبية منافقة فمنظرة للمجتمع مشرعة مثالية.. وهي في هذه الأحوال مجتمعة تنشئ، كتابة ونقدا وتنظيرا، “أدلوجات فردانية”. أدلوجات إن هي تؤملت بان أنها سليلة فكرة العبد الرواقي -التي تبناها العبد المسيحي فيما بعد- القائلة إن بمكنة الإنسان أن يحقق بغيته؛ أي الرضا المطلق؛ أو قل أن “يتحقق”، باعراضه عن الاهتمام بالفعل الاجتماعي والسياسي وبإقباله على العيش نابتة متوحدا معتزلا في أية دولة كانت ما كانت وفي أية شروط عدت ما عدت. والحق أنه لئن تمثل أمر هذا المثقف لظهر أنه، مثله مثل الإنسان المتدين، يفر من الواقع المتعين ليحتمي بعالم متخيل. وإذا حق أن عالمه المتخيل هذا ليس مثل عالم الإنسان المتدين؛ أي عالما أخرويا بعيدا مفترضا، وإنما هو عالم دنيوي قريب متحقق؛ فإنه مع ذلك عالم مثالي غير واقعي؛ أي عالم للجمال والحق والخير؛ عالم للقيم السعيدة التي يهاجم بها دنياه البئيسة؛ عالم لفظي…

بيد أن هذا العالم المليء بطنين الكلمات وإن لم يعمل على تبديل الواقع وتغييره فإنه على الأقل ينفذ فيه منفذ الدعاية. ذاك عرفتموه “عصر الأنوار” وأولئك الناقدون الناقمون علمتموهم “مثقفو الأنوار”. والحق أن مهمة هذا العصر تمثلت في نقد الدين والمثقفين على حد السواء؛ نقد الدين بنقد فكرة “الخطيئة الأصلية” التي تؤثم الإنسان وتجرم خيلاءه الفردية؛ ونقد المثقفين بنقد فكرة “العبقرية المتوحدة” و”الموهبة المفردة”. والذي ينتج عن هذا النقد إنما هو إلغاء المسيحية لنفسها وتجاوز المثقف الانعزالي لذاته؛ وذلك كله بتحويل الإنسان المتدين والناظر إلى إنسان فاعل، وبالتحول من الحياة التأملية vita contempplativa إلى الحياة العملية vita practica وإن كان هذا التحول على التحقيق تحول دعاية موجهة نحو الجماهير والحشود داعية إلى الثورة أكثر منه تحول فعل اجتماعي حق. ولهذا الأمر كانت الأنوار “ظاهرة اجتماعية” تقيم وزنا لفرد الإنسان المشخص وتعيد إليه الثقة بنفسه؛ أي تثبت الفردية الثورية الفاعلة على الرغم من أنحاء النزعة اللفظية التي اعتورتها.

والحق أن تحقيق هذه الفردية الناشئة إنما يقتضي امتحانها؛ أي وضعها في محنة تذوق من خلالها من كأس الجزع والخوف والعدم. وهذا ما تقدم به عهد الثورة خطوة بأن عرض الفردية -عهد الرعب- إلى خطر الموت الأحمر؛ فصمدت وقاومت وانتفضت… وبذلك حقق العبد الشغيل الخائف أمر المخاطرة والمجازفة بحياته… فلما سكنت أحوال الثورة تبين أن العهد الذي تلاها -عهد ما بعد الثورة (نابليون)- قد حقق فعلا “المثال الإنسي للفردية المستقلة” الذي طالما أخفق الفرد في تحقيقه غبر تاريخه المتقدم. ولم يكن لهذا المثال الفرداني أن يتحقق لولا ارتكاب المرء، عن علم ووعي، خطيئة الخيلاء المسيحية. ذاك المرء علمتموه هو نابليون بونبارت الذي حقق مثال الفردية بأن فرض ذاته، من حيث أن له قيمة كونية يعترف له بها الجميع، في عالم أنشأه بملء يده على أنقاض عالم العدم الثوري؛ فحاز بذلك رضا وإقرار الكل وحرر الفردية من قمقمها الذي طالما حبست فيه. وبهذا تحققت الفردية الحقة على نحو التمام والكمال.

هكذا وبعد عهود من التاريخ طويلة قاسية تحقق الفرد الحق الراضي بفرديته وبحياته. والحال أن الفرد يكون راضيا؛ أي محققا لفرديته، عندما يكون مالكا لشخصيته وعندما يعترف له بها الآخرون سواء من حيث واقعها أو قيمتها أو كرامتها؛ شريطة أن يكون الاعتراف متبادلا؛ أي أن يعترف هو بدوره بواقع وقيمة وكرامة الأفراد الآخرين. وبه يتضح أن معنى أن يكون الفرد راضيا محققا لفرديته هو “أن يكون فريد نوعه في العالم وفي نفس الآن معترفا به من طرف أسويائه على نحو كوني” (المدخل. ص.146) وهذا ما لم يتحقق للفرد إلا على عهد الحداثة. ومعنى تحققه أن الفرد أصبح “كونيا”؛ بمعنى أنه أضحى معترفا به من طرف كل الأغيار بما هم شركاء له في الاعتراف والإقرار، كما أن المعترف به هنا ليس أسرة الفرد ولا طبقته الاجتماعية ولا أمته وإنما الفرد ذاته؛ بمعنى أن المحتفى به هنا ليس الفرد بما هو ممثل أسرة ميسورة أو مشهورة ولا بوصفه ممثل طبقة حاكمة أو مالكة ولا بوسمه منتم إلى أمة متحضرة أو متمكنة، وإنما المعترف به هنا الفرد بما هو فرد. فهاهنا يناط الفرد بالدولة على نحو مباشر، أي يكون معها بلا علائق أسرية أو طبقية أو عرقية. وبه يظهر أن الفردية الحقة لم تتحقق إلا في مجتمع ما بعد الثورة (المدخل. ص.146).

وبالجملة، إن تحقق الفردية، بما هي أولى علائم الحداثة، لم يتم هكذا فجاءة عن غدارة؛ وإنما تطلب من الفرد التقلب في أحوال أولية ووسطية ونهائية. فأما الأحوال الأولية فهي أحوال الذوبان في الدولة الكونية الكلية على عهود الوثنية اليونانية والرومانية. وأما الأحوال الوسطية فهي أحوال بروز الفردية الشكلية الفارغة بدءا من عهد “الشخص القانوني” مرورا بعهد “الفرد المتدين” وانتهاء بعهد “الفرد اللفظي”، وأما الأحوال النهائية فهي أحوال مجتمع ما بعد الثورة الفرنسية بما هو مجتمع الحداثة على التحقيق؛ أي بما هو عهد تحقق الفردية واكتمالها.
الحرية
للقول في الحرية عند كوجيف تمهيدات ذات طبيعة أنطلوجية:
الوجود عند صاحب المدخل وجودان: “وجود طبيعي” -أو بالأحرى “طبيعي”- يكون وجود الكائن فيه تابعا لطبيعة الشيء وطبعه المعطى سلفا ضمن منزلة من منازل الكون على جهة الانطباع والانفعال والسلب؛ مثلما يشهد على ذلك وجود الأشياء والعجماوات، و”وجود إنسي” هو، على التحقيق، رفض للوجود الطبيعي وتمرد عليه وإنكار له؛ وبالتالي فهو وجود على جهة الفعل والمبادرة والإيجاب؛ مثلما يشهد على ذلك وجود الإنسان. ولذلك كنينا بالوجود الأول عن وجود الحيوان القابع في محله الطبيعي الراضي بمكانه المقدر في نظام الكون تمام الرضا من غير “تبرم” أو “شكوى”، كما كنينا بالوجود الثاني على وجود الإنسان بما هو متمرد عن محله الطبيعي المقدر أنه محله طالب أبدا لسواه ولسوى سواه. والحال أن متعلق التمييز هنا إنما هو مسألة العبودية والحرية؛ فالحيوان مستعبد للكون الطبيعي إمعة إمرة، والإنسان ثائرة على الكون الطبيعي متمردة متحررة. ولهذا عد الإنسان، بالإضافة إلى سائر الكائنات، الموجود الوحيد الحر، و”بلا حرية لن يعدو الإنسان سوى بهيمة” (المدخل. ص.345) ويتحصل أن الحرية هي ما يمتاز به الإنسان عن باقي الحيوانات. أو لم يقل روسو: “ليس الفهم هو ما يمتاز به الإنسان عن الحيوان وإنما هو الحرية” (ذكره كوجيف في المدخل. ص.494) بيد أن درك هذه الفكرة، بل وتحقيقها، إنما اقتضى من الإنسان القطع من عهد القدامة وتدشين عهد الحداثة بتوسل مسار تاريخي طويل وشاق.
هذه الوثنية -ممثلة هذه المرة في شخص فيلسوفها أرسطو- ترى أن الإنسان يولد وقد استبقته إلى هذا الوجود “طبيعته”؛ وهي إما “طبيعة عبدة” أو “طبيعة حرة”؛ وليس بمكنته أبدا أن يحيد عنها أو يبدل منها أو يعدل؛ وكأن العبد والحر يشكلان “نوعين” حيوانيين قائمي الذات ثابتي الطبع على جهة الدوام والأبدية بحيث لا يمكن لأي طبع متعين منهما، كائنا ما كان، أن يهجر “المحل الطبيعي” المقدر له، إن عبودة أو حرية، ويحل بما ضاده وخالفه. أو ليس الطبع يحيا في كون “كوسموس” تصورته الوثنية ثابتا جامدا غير بدال ولا سيال؟ الحال أن هذا التصور الوثني الأرسطي يقتضي رسم الإنسان بصورة “الكائن الطبيعي” الخالص المساو لنفسه على الدوام؛ حيث لا حرية له ولا تاريخ ولا فرادة، وحيث لا تمثل حياته سوى تحقق “فكرة” أو “ماهية” سابقة خالدة معطاة مرة واحدة وإلى الأبد مطابقة لنفسها على الدوام؛ مثله في ذلك كمثل الحيوان محدد بالموضع Topos الذي يحتله في الكون Cosmos الدائم الثابت.

وحده هيجل خالف تمام المخالفة هذا التصور.فليست الحرية عنده خصيصة مملكة للسيد والعبودية قدرا مفروضا على العبد إنما “الحرية فعل منتزع” (المدخل. ص.66)؛ أي مكسوبة لا موهوبة، كما العبودية “فعل حال طارئ” أي “تطبع” لا طبع. وبناء على تجديد النظر في أنطلوجيا الحرية هذه لا يكون الإنسان حرا مرة واحدة وإلى الأبد وإنما هو يحصل على حريته ويصيرها؛ بمعنى أنه ليست هناك “حرية” على التحقيق وإنما هناك “تحرر”، وبمعنى أن المرء قد يستعبد حينا ويتحرر حينا بل يتحرر الحريات المختلفة داخل تاريخه الواحد. وقس على ذلك العبودية؛ فهي ليست “طبيعة” قائمة في نفس الإنسان العبد وإنما هي مآل ومصير بالمكنة تفاديه وتحويله وتبديله؛ ولذلك فبمكنة العبد أن يصير حرا إن هو رغب في ذلك وعمل عليه.

والحق أن التعارض بين موقف أرسطو وموقف هيجل في شأن تصور الحرية إنما هو تعارض بين القدامة والحداثة. ولئن شئت المزيد من الإبانة عن نواحي هذا التعارض لقلت؛ إن مبدأ الأخلاق الوثنية القديمة إنما كان: على الإنسان، بما هو كائن طبيعي يحتل موضعا طبيعيا في كون محدد المواضع أن يحقق “مثالا” معطى على نحو قبلي مسبق فلا يعارض مجاري القدر، وكأن لسان حال هذه الأخلاق يقول: “أيها الإنسان صر ما أنت هو بالطبع والأصل”. بينما يرى هيجل والمحدثون معه ألا طبيعة للإنسان أزلية أبدية معطاة موهوبة وإنما المبدأ: “أيها الإنسان لا تكن ما أنت هو وإنما كن عكس ما أنت”. ولتقريب هذا المبدأ نضرب المثل التالي: هذا الإنسان منذ أن كان لم يسر بحسب ما اقتضت الطبيعة وإنما عاكس مجراها؛ فهي زودته برجلين كي يمشي ولم تزوده بزعانف كي يسبح أو أجنحة كي يطير؛ فماذا فعل الإنسان؟ رفض ذاك المعطى المسبق؛ نعني حتمية المشي على قدمين بأن فرض، أولا، على أغياره حمله؛ ثم، تثنيه، ركب الدابة ورفض المسير؛ وما زال حتى اهتدى إلى فكرة السيارة التي لم تكن أبدا مقدرة في فكرة مسبقة أو سليلة ماهية قبلية وإنما صارت له فكرة بدعية ونظرة مستقبلية.. أكثر من هذا، لئن كانت طبيعة المشي تفرض عليه العيش في البر، فإنه خالف مجرى مجاله الحيوي المعطى بأن طار في السماء بفضل ما ابتدعه من طيارة وغاص في البحر ببسط الغواصة. وبالمقابل ظل الطائر يطير والزاحف يزحف والسمك يسبح من غير أن يغير طبيعته أو يتخذ لنفسه وسيلة أخرى غير ما طبع عليه. وفي هذا دليل على عبودية الحيوان، وفي ذاك أمارة على حرية الإنسان؛ تلك الأمارة التي مأمورها امتلاك الإنسان القدرة على السلب والنفي؛ أي التحقق بمخالفة الخلق. وبالجملة “ليس الإنسان محص ما هو كائنة وإنما هو ما يمكن أن ينفي الذي كانه” (المدخل. ص.63).

والحال أن هذا التصور الحداثي للإنسان الذي قام ضد التصور الوثني القدامي لم يتنزل على هيجل تنزل الوحي وإنما استلمه من التصور اليهودي-المسيحي للإنسان بما هو كائن تاريخي حر. وحسب هذا التصور خالف الوجود الإنسي الوجود الطبيعي لا من جهة الفكر فحسب وإنما من جهة الفعل كذلك. بل إن “الطبيعة” خطيئة في الإنسان لزمه أن ينكرها في ذاته ويجحدها في نفسه. فهو وإن كان يحيا في الطبيعة فإن عليه أن يتمرد على قوانينها فلا تحكمه؛ وإذ يتمرد يتحرر. بمعنى أن الإنسان ليس كائنا ثابتا وإنما هو كائن صائر. غير أن هيجل وإن وافق هذا التقليد من هذا الوجه فإنه خالفه من وجه آخر: ذاك أن التقليد المذكور تقليد دياني؛ أي أنه لا يرى التحرر متحققا إلا في عالم ما ورائي لا يدركه المؤمن إلا بعد مماته، أما هيجل فيرى الحرية متحققة هاهنا في الدنيا من طرف كائن زمني متناه.

والمتحصل من عرض أنطلوجية الحرية أمران في غاية الجلال. أولهما، أن الحرية تحرر؛ بمعنى أنها “فعل” وليست “خاصية” وأنها “إنكار” لا “إثبات”. فالحرية قرينة الفعل ومناطه والفعل أساسا، فعل إنكار ونفي وسلب؛ أي رفع لعبودية الطبيعة وتحقيق لحرية الإنسية. وهذا الفعل يتوسل بساطا إليه إمكانين: الشغل والصراع؛ فلا حرية تتحقق إلا إذا هي ركبت الكدح والحراب. والحق أن الشغل هو الفعل الإنكاري بامتياز؛ فهو الذي يجعل من الكائن الإنسي كائن نفي وجدل؛ أي كائنا لا يظل هو هو على حاله على الدوام وإنما ما يفتأ يصير ما ليس هو. غير أن الشغل وإن كان يحرر صاحبه فإن الأصل فيه استعباده؛ ذاك أن أصل الشغل الخوف من الموت والجبن عن المخاطرة بالحياة؛ فالعبد لا يشتغل إلا تحت طائلة التهديد بالإفناء. ولذلك كله لزم رفض أسباب الاستعباد؛ أي الخوف من الموت والجبن عن المخاطرة بالحياة، وذلك بركوب هذه المخاطرة. فالمخاطرة بالحياة من هذه الجهة، تتميم للتحرر بالشغل لأنها استدخال لعنصر السيادة المفقود إلى نفس العبد فاقدة المجازفة. وثانيهما؛ أن الحرية منوطة بالعبد لا بالسيد؛ ذلك أن هذا وإن ولد -من الناحية التاريخية- حرا طليقا فإن حريته الموهوبة لا المكسوبة عطالة؛ أي مطابقة للذات على نحو دائم ثابت جامد لا تغير فيه ولا تعديل ولا تبديل؛ وهي من ثمة في حكم “الطبع” أشبه ما تكون بالعبودية. يضاف إلى ذلك أنه ليس السيد الذي يعي الحرية وأنى له أن يجد من يقارن به نفسه؟ وإنما العبد هو الذي يعي ذاته في مرآة سيده؛ أي يتفقد ذاته التي فقدها في سيده. ولما “لم تكن الحرية خصيصة مملوكة وإنما هي فعل منتزع” (المدخل. ص.66)، فإن الإنسان لا يكون، عكس السيد بالولادة، حرا إلى الأبد وإنما هو، كالعبد، ينتزع حريته انتزاعا؛ أي يجعلها “مثالا منظورا” لا “فكرة محققة” ما يفتأ يطمح إليها. والمترتب عن هذا أن “التقدم في تحقيق الحرية لا يمكن أن ينجزه إلا العبد الذي ينطلق من مثال لها غير محقق” (المدخل. ص.177) ولهذا كان “التاريخ البشري بأكمله؛ أي مجمل “حركة” الوجود الإنسي في العالم الطبيعي، العبارة عن سعي العبد التدريجي إلى نفي عبوديته؛ أي العبارة عن سلسلة تحولات العبد المتتالية السائرة إلى تحقيقه تحرره” (المدخل. ص.496) غير أن هذه المرام ليس أمرا سهلا متيسرا وإنما مسار شاق طويل.

في البدء كان الطغيان. كان الطاغية يجسد بفعل قوة إرادته إرادة الجميع بما هي إرادة بهيمية غير متحققة في مؤسسة اجتماعية أو سياسية. كانت إرادة التنين إرادة الكوني (الجميع) الذي التهمت إرادة الخواص ودمرتها. فمن كانت إرادته مثيلة لإرادة الطاغية حفظ ومن خالفت إرادته إرادته قتل. لكن أمر الطغيان كان أمرا “مؤقتا عارضا”؛ إذ سرعان ما انزاح الطاغية بسبب قيام الدولة التي صارت مريدة نفسها وضامنة ذاتها. آنها قام مجتمع “الأحرار” وتحقق؛ نعني مجتمع الأسياد الوثني. لكن هذه الحرية إن تفكرت ظهر نها “طبع” وليست “فعلا”؛ بمعنى أنها شابهت الخصيصة الموهوبة لا الصفة المكسوبة. وإذا حق أن الأسياد أحرار فإنه يحق أيضا القول إنهم يبقون قابعين على حالهم من الحرية الموهوبة في مساواة مطلقة لذواتهم لا يتغيرون ولا يصيرون إلى أغيارهم بما هم عدموا الأغيار. فحريتهم إذن أشبه ب”المأزق الأنطلوجي” أو قل هي محرج بلا مخرج. يضاف إلى ذلك أن حريتهم هذه التي يتباهون بها حرية كونية عامة فاقدة للخصوصية والفرادة؛ فهم قابلون بقوانين الدولة من غير فحص أو نقد، وعندهم أن القوانين “إن وجدت” لتطبيق وأنها ذات أصل إلهي؛ أي أنها أمور طبيعية أو إلهية تبقوها ولم يخلقوها بفعل واع أو إرادي؛ أي بحرية. أما العبيد فإنهم وإن عدموا الحرية فإنهم لم يعدموا مثالها المتجسد أمامهم؛ نعني أسيادهم. فهم إذن محثوثون على تحقيق الحرية محضوضون عليها؛ علما أن “التقدم في تحقيق الحرية لا يمكن أن يتم إلا من طرف العبد الذي ينطلق من مثال للحرية غير محقق” (المدخل. ص.177) لكن كيف يطلب هؤلاء الحرية: أبتقليد أسيادهم (الصراع) أم لتوسل الشغل؟.

الحق أن العبيد لم يسلكوا ـــــــ طالبين للحرية ـــــــ مسلك السادة؛ نعني المخاطرة بالحياة، وإنما طلبوه بالشغل وإن لم يعلموا، بدءا، أن الشغل يحرر أصحابه. هاهنا في الدولة الرومانية قاموا يشتغلون. ومعنى الشغل هنا تحويل الطبيعة وتحويل الذات. لكن إن كان تحويل الطبيعة مدروكا فإن تحويل الذات كان أمرا معتاصا. ففي البدء؛ هذا العبد الذي بدأ يرتقي إلى فكرة الحرية بفضل شغله لم يكن ليدرك الحرية إلا فكرة مجردة طالما راودت أحلامه ولم يقو على تحقيقها؛ وذلك لأن التقوي يفترض محاربة رهاب الموت؛ أي ركوب المخاطرة بالذات مثلما فعل السيد. ولهذا عوض “التقوي” يلجأ العبد إلى “التسويغ” و”التبرير”؛ أي إلى تخيل أدلوجات تحررية إن تؤملت ظهرت أنها قامت، على التحقيق، بمهمتين: تبرير عبوديته الواقعة وصون حريته المأمولة؛ أي تكييف الحرية بما هي مثال مع واقع العبودية الحال.

وأول هذه الأدلوجات “الأدلوجة الرواقية”؛ فالرواقي يحاول أن يقنع نفسه أنه حر بالفعل لمجرد أنه يعلم أنه حر؛ أي أنه يمتلك فكرة مجردة عن الحرية. أما شروط وجوده العبودية فإنه لا يأبه لها ولا يحفل ولا يكترث. الحرية هنا علم والعبودية نسيان. ويتحصل من هذه الحذاقة الجدلية أن الأدلوجة الرواقية إنما “ابتدعت لتبرر فقد العبد للفعل ونكوفه عن خوض الصراع الذي يقتضيه تحقيقه لمثاله التحرري” (المدخل. ص.180) يقول الرواقي: “الإنسان حر لأنه يفكر”. ويجيب واقع الحال: “كلا، الإنسان حر لأنه يفعل”. ويزايد الرواقي فلا يقرن فكره بوضعه وإنما يرى أنه سواء كان معتليا العرش أم مقيد الرجلين فإنه حر. إنه يتجاهل العالم، وعنده أنه بهذا التجاهل يتحرر، وما تحرر من عبوديته وإنما هو من العالم تحرر أو قل إن العالم تحرر منه. والحال أن تأمل حرية الرواقي الفكرية يبين عن أنها، أولا، “حرية سلبية” موجهة ضد العالم وضد الأغيار لا تأبه لهم ولا تعتد بهم، وهي، تثنية، “حرية مجردة”؛ فالرواقي يفكر ويثور ويتحرر لا بفعل يختم به على قوله وإنما بفكر يجتره في ذهنه. وبالجملة إنه “يقف وجها لوجه أمام العالم، ينكفئ على الفكر ولا يصارع هذا العالم ولا سيد العالم حتى ينتزع من أغياره الإقرار له بحريته”.

ولذلك كله فهو إن كان يعتبر نفسه حرا فهو “ليس حرا إلا على نحو تجريدي لأنه ليس حرا إلا بالفكر وبفكره هو بالذات” (المدخل. ص.62) وبه تظهر حرية الرواقي حرية سلبية مجردة وهمية. فهل يعي ذلك؟
الحال أنه لما يعي تناقضات حريته الموهوبة لا يعود القهقري يقف على حاله ويدرك رهاب موته وإنما هو يهرب إلى الأمام فيعمد إلى نكران أسباب تناقضاته؛ أي إنكار العالم جملة وتفصيلا وإنكار المجتمع فلا يثبت إلا ذاته؛ أي أنه يتحول إلى “شكي” يؤمن بنزعة “أنا وحدية” أخلاقية ووجودية لا تكون فيها حرة إلا “الأنا” الموجودة وحذها في العالم دون سواها. وما حرية داعية “الأدلوجة الشكية”، على التحقيق، إلا دالة عزلته، وما استقلاله إلا دالة توحده بل دالة استقالته من قهرية عالمه. يخيل للشكي أن في نكرانيته هذه حريته؛ أخطأ الشكي لأن هذه حرية ذهنية مجردة ليس إلا. فالعبد هنا لا ينكر عبوديته إلا على جهة النظر المجردة أما على جهة العمل فلا زال يشتغل ويجبن عن مواجهة مشغله؛ أي أنه لا زال يؤمن، في قرارة نفسه، بربوبية سيده. يقول لسان حاله: “إن كان بمكنتي التفكير في ذاتي بمعزل عن هذا الذي يسمونه “عالما” أو “العالم”، صار بمكنتي تدميره من غير تدمير ذاتي؛ فلينهد العالم بأكمله ولتصن ذاتي”، بيد أن العالم لا ينهد والذات تبقى هشة وجهد الشكي الفكري يبقى بلا طائل، فحاله كحمار الطاحونة في السير دائم وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب، وما زاد إلا نقصا من تعب. لكن وبالرغم من طابع الحرية السلبي في قول الشكي العدمي فإن هاهنا وجها إيجابيا؛ وهو أن الإنسان ما عاد يكتفي بالإقرار بما هو، على جهة الطبع والطبيعة؛ وكأن الطبيعة قدره، وإنما صار بمكنته أن ينكر ما هو؛ أي أن ينكر طبيعته؛ علما أن أول الحرية الإنكار والنفي. والحق أن فكرة النفي هذه لمن بنات أفكار العدمي؛ وهي فكرة فائقة الأهمية لأن “النفي هو الحرية ذاتها”؛ أي هو تحقيق “إمكان أن يتعالى الإنسان (يتجاوز) على طبيعته”. وإن لفي ذلك، على وجه التحقيق، إثبات لإنسية الإنسان (المدخل. ص.64) غير أن الشكي -وتلك حدوده وتخوم فكرته- لا يمكنه أن ينفي وضعه العبودي في عالم السيادة بالإقبال على فعل نفي حقيقي يجبر به السيد على الاعتراف به والإقرار له؛ وإنما هو يكتفي بنفي نظري وذهني مجرد. وما لا يدركه العدمي هو أن الحرية ليست خصيصة ثابتة للإنسان وإنما هي فعل نفيي؛ فليس الإنسان حرا على نحو أبدي وإنما هو ما يفتأ يتحرر؛ ثم إن ما فعله، على التحقيق، فعل إنكار لا فعل نفي؛ وشتان بين الإنكار والنفي لأن النفي إنكار مع إقرار وهو لا يقر شيئا. يضاف إلى ذلك أن الشكي لا ينفي مضمونا متعينا أو نظرة محددة أو أخلاقا قائمة وإنما هو ينكر المضمون بعامة والنظرية ككل والأخلاق بمطلق… وذلك من غير أن يقترح بديلا أو يقر عوضا. فحريته لذلك حرية إنكار لا إقرار ونفي لا إثبات؛ أي إنكار ما يفعله الآخرون لا إقرار ما يفعله هو… وبعد، فإن التناقضات التي يؤول إليها الموقف الشكي توقفه على بؤس وعيه؛ والوعي المبتئس على التحقيق هو الوعي المسيحي.

إن “الأدلوجة المسيحية” هي أدلوجة الوعي الشقي بامتياز. ها قد تحول الشكي إلى مسيحي وعى ذاته وانفصم عن العالم. والحق أن الأدلوجة المسيحية تحقق قدرا من التقدم في النظر لم يتحقق لسابقاتها الوثنيات. فالمسيحي لا يقر أنه مسيحي بالطبع والولادة والموهبة، مثلما يفعله سلفه الوثني، وإنما هو يعلم أن التمسح اكتساب وبذل جهد وصيرورة ومآل؛ أي أنه تغيير للنفس من حال الإيقان إلى حال الإيمان. أما الوثني فيولد ويحيا ويموت على الوثنية؛ فوثنيته إذن موهبة لا مكسوبة، وهو وثني بالاضطرار لا بالاختيار وبالتبعية لا بالحرية؛ ومن ثمة كان وجوده وجودا طبيعيا أو طبعيا لا اختياريا أو حرا. وبالضد، يعتبر المسيحي -الذي اكتشف فضائل الفعل- أن ما هو أساسي هو الفعل أو النفي؛ فالأمر المهم عنده هو مجاهدة النفس حتى تتجاوز “أناها” الطبيعية وتنشئ أنا “ضنعية”؛ فهو يصير مسيحيا بفعل جهد واع لا بفعل وجود طبيعي (حيواني). وبالجملة “الإنسان يولد وثنيا ويصير مسيحيا” (المدخل. ص.121) ذلك وجه الإيجاب في الأدلوجة المسيحية، بيد أن لهذه الأدلوجة حدودا. فالفعل هذا ليس بعد فعل حضور في هذا العالم، ومن ثمة فعل تحرر، وإنما هو بالضد فعل هروب منه وبحث عن حياة أخرى. إنه فعل غفوة لا صحوة وغيبة لا حضرة. ولئن زانته الصيرورة فإن العبودية شانته. فالمسيحي يدعي، قولا، أنه مكافئ للسيد وأنهما معا عبدان لله متساويان في العبودية. والتساوي في العبودية عبودية لا ربوبية؛ لم أنه تساو من غير اعتراف متبادل.. ذاك أن العبد المسيحي ينكر الوثني من غير أن يحقق بنكرانه هذا حريته.. فهو يبقى عبدا. ثم إنه حتى لما يتقدم خطوة إلى الأمام فيستعيض عن عزلته الإيمانية بخلطته الكنسية -وهذا عمل يجب به عزلته، ويحقق به ألفته كما يحقق به تحرره الاجتماعي- فإنه يظل متعلقا بالقس، ثم إن الكنسية ليست مجتمعا حقا وإنما هي مجتمع شبيهي. ولهذه الأسباب مجتمعة لا يحقق المسيحي حريته على وجهها الأحق. وكيفما تصرفت الأحوال فإن جرأة المسيحي على النفي تحرزه قصب السبق في شأن تحرره، لكنه مع ذلك لا يعي أنه يتحرر ولا يعلم أنه حر. فهو إذن حر في ذاته لا حرا لذاته. ولذلك ما يفتأ يطلب الحرية في عالم أخروي. وقد أخطأ التقدير في ذلك لأنه “لم يتحرر من السيد الآدمي إلا ليصير عبدا للسيد الربوبي” (المدخل. ص.183) وبالجملة ليست ههنا حرية حقة، لأن الحرية الحقة تعي ذاتها. والمتحصل عن هذا أنه لكي يتحرر الإنسان من وعيه الشقي، الذي يجعله يتصور عالما آخر لتحقيق الحرية غير عالمه الدنيوي هذا، عليه أن يهجر فكرة الآخرة ويلحد بها ويعلم أن لا واقع آخر سوى واقعه الدنيوي وأن لا فعل تحرر سوى فعله الحر في هذا العالم وجله. فإن هو أقدم على فعل ذلك صرنا أمام إنسان عهد النهضة، نعني “إنسان العقل” هي حيث هو “إنسان بلا ديانة”. فلا غرابة أن يقول كوجيف واصفا حيثية هذا الإنسان وفعله ومآله: “إن العفو عن نقص الأدلوجة المسيحية والتحرر من السيد المطلق ومن فكرة الآخرة وتحقيق مبدأ الحرية والعيش في العالم حياة إنسية كريمة حرة مستقلة… تلك أمور لا يمكن أن تتحقق إلا بقبول فكرة الموت، ومن ثمة تبني نظرة الإلحاد” (المدخل. ص.183).

ها نحن نقتحم اللحظة التي تحول فيها الإنسان من كائن روايتي فشكب فمسيحي لينتهي إلى كائن ملحد لا يؤمن بالتعالي وإنما يقبل على العالم المعطى بها هو عالم المحايثة. ولا يطنن أن هذا الإنسان الأخير قد حقق الحرية المنشودة، وإنما هو، وإن فكر في الحياة الاجتماعية، لما يقبل بعد عليها، وإن هو أدرك فكرة الحرية، بحيث صار بلا إله ولا سيد فإنه لما يصارع بعد كسيد حر. إنما هو الآن الفرداني الليبرالي البورجوازي صاحب أدلوجات العبد بلا سيد. وإذا حق أنه يحيى داخل العالم لا خارجه فإنه لا زال لم يخبر بعد العالم الاجتماعي؛ فهو لذلك يكتفي بملاحظة الطبيعة ملاحظة سلبية لا ملاحظة فعل وحرية. أكثر من هذا إنه لا يلفي الحرية في إقدامه على الفعل الاجتماعي التغييري (الثورة) وإنما يجدها في البحث عن الملذات يعاقرها حتى تصعقه الضرورة الاجتماعية، وفي مغامرته بالإقدام على محاولة فرض مثاله الطوباوي الأحمق على العالم فلا ينثني العالم له، وفي شن حرب لفظية على مجرى العالم، باسم حزب الفضيلة، فيهزمه المجرى وتسوقه الأحداث… وهو في هذا التقلب الإيديولوجي، من “اللذوية” إلى “الطوباوية” ومن هذه إلى “النزعة اللفظية”، لا زال يعتقد أن العالم من صنعه أو أنه صنيعة فكره. وأنى للعالم أن يكون كذلك وهو لم يصارعه ولا نفاه؟ إن ما لا يفهمه هو أن عليه أن يفعل، أي أن يشتغل ويصارع، حتى يحقق فكره أو قل حتى يتحقق، أي يخلق عالما جديدا بحسب إرادته وطبقا لرغبته: ذاك هو فعل الحرية الحق الذي يعدم صاحبنا مفتاحه.

بيد أن إنسان الأنوار يحقق -جزئيا- ما عجز عنه “الحيوان المثقف” بما أنه أدرك فضيلة “النقد الاجتماعي” واتخذ لنفسه دور الناقد الاجتماعي. وإذا حق أن نقده هذا لا زال لفظيا فإنه مع ذلك صار يكتسي بعض طابع النفيية، يشهد على ذلك منزعه إلى “تجاوز فكرة أن الإنسان وجود طبيعي ومعطى وراثي”، سواء عنينا بهذا الوجود ما يدل عليه “الطبع” (المجتمع القدامي) أو ما توحي به “الخطيئة” (المجتمع المسيحي) أو ما تشير إليه “الموهبة” و”الصنعة” (المجتمع النهضوي). وهو إذ ينفك من اسار فكرة “الطبيعة” أو “الطبع” هذه -الأساس الأنطولوجي لمفهوم الحرية القدامي- فإنه يستعيض عنها بفكرة “الإنسان الفاعل”، أي الإنسان الثوري الذي يحرر نفسه بنفسه… والحال أن هذا الفكر الجديد إذا تدبر ظهر أنه ينم عن البورجوازي الجديد الذي صار يحيا في عالم سلمي لم يعد يخشى فيه من الموت (ومن ثمة أمكنه التخلي عن فكرة “خلود النفس” ومعها فكرة “الآخرة”)، مثلما ينم عن أنه أصبح فردا مدينيا لم تعد الطبيعة تخفيه أو تقهره… وإنما عاد مواطنا معترفا به بما هو كذلك، بينا كان العبد يحيا في مجتمع الموت الأحمر (الموت العنيف) وفي صلة بالطبيعة (الفلاحة) وفي وضع دوني (الكدح)… ولذلك صار الآن يعتبر العالم مادة هيولانية بلا شكل محدد يمكنه أن يطبع فيها بطابعه ويدمغها بدمغته مادام قد صار كائنا حرا طليقا، كما صار يعتبر التمييزات القائمة في العالم (الطبقات) لاغية وصار يطلب “مسح الطاولة” بفعله الإنسي الإلغائي التدميري… فإن أضفنا إلى ذلك فكرة المنفعة القائلة بأن لا قيمة للفكرة، مهما سمت أو جلت، إلا إن هي نفذت، صرنا على مشارف الثورة الفرنسية. والحال أنك إن أنت فتشت في معطف ثوري 1789لما وجدت مختفيا سوى الإنسان الأنواري (المدخل. ص.141) فأفكار الأنوار ذات الأصول المسيحية القائلة بالحرية والإيخاء والمساواة هي فاعلة الثورة. فإن حق ذلك ساغ القول “ما الثورة الفرنسية إلا ثمرة السعي إلى تحقيق المثال المسيحي على وجه المعمورة” (المدخل. ص.141).

ليس جديد الثورة الفرنسية السعي إلى تحرير الإنسان بتوسل الشغل وإنما توسل الصراع الدامي بساطا إلى ذلك المرام. فلم يعد المطلوب من الإنسان التكيف مع الموضوع (المجتمع) وإنما تحطيمه وتغييره وإعادة تشكيله، أي تنغيمه وتأليفه وإنشاؤه نشأة جديدة… ها نحن في عالم الحرية المطلقة. ها هو ذا العالم الثوري “الذي غابت عنه كل نزعة محافظة لأنه لم يعد يوجد ثمة شيء يمكن الحفاظ عليه” (المدخل. ص.141) هاهنا إهواء بالمجتمع إلى مهواة سحيقة. لكن ماذا بعد هذه الرجة؟ الحال أن الثورة لم تخلق بديلا لسنين معدودة؛ إذ أضحى الإنسان يحيا في فراغ تام؛ وإنها لحرية الفراغ والعدم. لم يعد هناك على التحقيق إلا عالم ودولة ظلية وأمة وهمية. وما عاد لم يكن سوى دمار وفوضى وعزلة. وبالجملة “ما عاد هناك عالم قائم وإنما انوجد موضوع بلا بنيات ومكان فارغ ينتظر إقامة عالم”؛ والذي حدث آنها أن “كل فرد سعى إلى تحويل أفكاره السياسية إلى واقع سياسي من غير أن يعتبر فاقدا لصوابه أو خارجا عن القانون؛ وقتها كان بمكنة أي كان أن يصيح” الدولة هي أنا “ويقترح دستوره الذي يحضه وحده دون غيره” (المدخل. ص.142) ذاك كان عمر الثورة الأول، وتلك كانت الحرية السلبية التي لا تقدر على فعل أي شيء إيجابي وضعي حقيقي… والحال أن ما كان ينقص ذا العهد هو تجربة موت حقة واقعية يستعيد بها الفرد رهاب الموت ويتجاوزه. ما كان ينقص الحرية هو الصراع، أي المخاطرة بالحياة؛ فالحرية ثمنها الموت. ومن ثمة كانت هذه التجربة “الفراغ الذي يدمر ذاته بذاته”. وإن تحقيق هذا التدمير والتعبير عنه لهو الرعب والإرهاب. فالحرية المطلقة عدم وإرادة تحقيقها انتحار؛ وما الرعب على التحقيق سوى “انتحار المجتمع نفسه” (المدخل. ص.143) والحال أنه لما كان تحقيق الحرية المطلقة قد توسل إلى فكرة “الفصيل الثوري” وإلى “تصارع الفصائل” فإن العبد استغل الفرصة التاريخية هاهنا لاستكمال ما كان ينقصه، نعني الصراع الدموي من أجل انتزاع اعتراف الغير. فبفضل الإقدام على المخاطرة بذاته وعى الإنسان أخيرا من هو على التحقيق؛ أي أنه عدم وموت ونفي… وأن لا حرية له إلا بهذا الثمن وفي هذا المقام.

ولئن كانت تجربة الترهيب هذه تجربة مريرة وقاسية فإنها كانت من جهة أخرى تجربة تثقيفية عظيمة. إذ بعد المرور منها تعقل الإنسان حقا ورغب في بناء مجتمع حر ودولة عاقلة… فبفضل هذه التجربة تمت البرهنة على أن الحرية أمر ممكن التحقق. وحتى عهد الرعب والإرهاب كان وجود العبد يشهد على بقايا عبودية مسيحية، دل عليها فصله بين روحه وجسده، أما بعد التجربة فإنه علم أن إرادة تحقيق الحرية المجردة ما هي إلا إرادة موت، كما أدرك أن عليه أن يحيا، جسدا وروحا، هاهنا في هذا العالم، أي أن يأخذ بالأسباب الدنيوية مادامت هي التي تهمه وبها يحقق مبتغاه ورضاه. والحق أن تجربة الموت هي التي دلت الأفراد على فكرة تشكيل دولة عاقلة إن كانت فيها حرية الأفراد محددة ونسبية فإنها أيضا واقع حاصل متحقق. إنه عالم الحرية المتحققة الذي أنشئ بعد هدم وعدل بعد تدمير. وبهذا العالم النابليوني تحقق للإنسان ثاني علائم الحداثة؛ نعني الحرية بما هي نفي عالم الطبيعة الاضطراري وإقامة عالم الحرية الاختياري.
الدنيوية
ينحو كوجيف نحو فهم الدين فهما دنيويا، أي بما هو “العبارة الرمزية عن الحقيقة الإنسانية” (المدخل. ص.332) أو قل بما هو “التصوير الرمزي للواقع البشري”. فالإنسان، عنده، بما هو فعل وصراع، لا يعي ذاته في ذاته وإنما في كائن آخر سواه يدعوه إلهه. لذلك كان “كل لاهوت بالضرورة ناسوتا” (المدخل. ص.265) بل “ناسوتا يجهل نفسه” (المدخل. ص.118)؛ بمعنى أن الدين “إنسية لا واعية ورمزية وأسطورية تظهر الإنسان المتكلم عن نفسه وكأنه يتكلم عن غيره” (المدخل. ص.201) أي عن إلهه؛ ف”الإنسان المتدين إذ يتحدث عن نفسه يعتقد أنه يتحدث عن إلهه” (المدخل. ص.265) ذاك هو ما يسميه كوجيف “الإسقاط الخيالي لمضمون روحي أو إنسي على عالم ما ورائي” (المدخل. ص.265) وتلك ميزة الدين الأساسية عنده.
وتأسيسا على ما سبق يذهب كوجيف إلى أن تقديس شعب ما لآلهته إن هو، على التحقيق، إلا تعبير عن تقديسه لنفسه، فما يعي الشعب ذاته إلا بتوسط علمه بآلهته. والسبب في ذلك أن الإنسان لا يجرؤ على أن ينسب لنفسه قيمة عالية جليلة، بما هو حي فاعل في العالم الدنيوي، فضلا عن أنه لا يرضى أن ينظر إلى هذا العالم الدنيوي على أنه مثال ومبتغاه ومنتهاه. ولذلك كله فهو ينسب خزائن نفسه إلى غيره. ومن ثمة ظهران “رفضية الإنسان -ذات المنشأ العبودي- ورغبته في الهروب إلى عالم علوي هما أساس الدين واللاهوت وقاعدتهما” (المدخل. ص.211) ومن ثمة اكتسى الدين دوما طابعا بينيا؛ لا هو باللاهوت الصرف Théologie ولا بالناسوت البحت Anthropologie وإنما هو ناسوت لاهوتي Anthropothéisme (المدخل. ص.47) ولا يفيد هذا أن الدين خرافة أو هراء أو هذاء وإنما للدين معاني -وما أغناها- لكنها معاني دنيوية ألبست حلة ديانية؛ بمعنى أن قول “الإيمان واليوطوبيا والمثال” هو قول دنيوي وإن توسل الإشارة والرمز والإيحاء.
ولئن كانت القدامة، عموما، عهد الدين، وكانت الحداثة، مجملا عهد الدنيوية؛ فإن كوجيف لا يفتأ ينيه على الوصلة بين القدامة والحداثة؛ نعني الديانة المسيحية، وإن كان يعكس قراءتها فلا يتحدث عن ملحمة حلول اللاهوت في الناسوت، كما تذهب إلى ذلك المسيحية بقولها بحلول الإله في الإنسان، وإنما بالضد يتحدث عن صيرورة الإنسان إلها على عهد الحداثة؛ أي عن تأله الإنسان الحديث. فالديانة المسيحية، إن هي قورنت بالديانة الوثنية، ديانة بالمعنى الأحق لاحتوائها على فكرة “التعالي”، أما الديانة الوثنية فهي ديانة شبيهية تجعل إنسانها يحيا في عالم منغلق “كوسموس”؛ وهي بالتالي كوسمولوجيا لا تكاد ترقى بالإنسان فوق مستوى الطبيعة؛ أي أنها ديانة محايثة وانغلاق. أما المسيحية فإنها تحرر الإنسان من آسار الكوسموس وتبني له عالما إنسا، وإن كان على نحو لا شعوري ورمزي وأسطوري. ذلك أن الإنسان وحده، من بين سائر الكائنات، يتعالى على العالم الطبيعي وعلى ذاته بما هو كائن طبيعي، فالحديث عن التعالي هو حديث عن الإنسان بامتياز. غير أن عوار المسيحي يظهر في كونه يتكلم عن ذاته وهو يعتقد أنه يتكلم عن إلهه، بينما الوثني يتكلم عن الطبيعة وهو يخال أنه يتكلم عن الإنسان. وما ينقص المسيحي، في رأي كوجيف، هو أن يعيد إلى الإنسان كل الثروات الفكرية التي نهبت منه ونسبت إلى السماء. تلك هي الفكرة الدنيوية؛ وهي فكرة اقتضى أمر تحقيقها القرون الطوال.
والحال أن هذه الصيرورة من الوثنية إلى المسيحية فالدنيوية ليست صيرورة بسيطة وإنما هي مسار معقد ذو وجوه متداخلة متشابكة. فهو، من جهة أولى، يتقاطع مع جدل السيد والعبد من حيث أن هذا الجدل، في أحد وجوهه، جدل للرب والعبد كما عكسته الديانة اليهودية؛ ثم إنه، من جهة ثانية، يتداخل فيه الأمر اللاهوتي بالأمر الاجتماعي من حيث أن كل مرحلة تاريخية اجتماعية توافقها حقبة لاهوتية، بما التصورات اللاهوتية منوطة بالصراعات الاجتماعية. ومن الجهة الأولى يذهب كوجيف حد القول “إن علاقة الرب بمربوبه لهي علاقة السيد بخادمه” (المدخل. ص.67)، وما السيد الآخر هنا سوى سيد متخيل سليل بنات أفكار العبد. ومن الجهة الثانية، يرى كوجيف أن الجدل السيد البشري وخادمه ولجدل الرب ومربوبه أصلا ميتافيزيقيا مشتركا هو “رهاب الموت”. فكما أن الإنسان أصبح عبد خصمه حفظا لحياته بأي ثمن، فكذلك أصبح عبد ربه تفاديا لفكرة الموت بأي ثمن وطلبا لخلود النفس. أكثر من هذا لا يلجأ العبد إلى اختلاق العالم الآخر المفارق إلا لهزيمته في هذا العالم الدنيوي المحايث؛ فاختلاق ذلك صدى للعجز عن اختراق هذا. والحال أن هذا الاختلاق لا يحل مشكلة العبد وإنما يعمي عليها فيصير وعي العبد وعيا مبتئسا؛ أي وعيا ممزقا؛ فهو مستعبد هنا حر هناك، جسد هنا روح هناك، معذب هنا سعيد هناك… “أناه الامبريقية” المستعبدة المرتبطة بالعالم ذائقة الموت في هذه الدنيا، و”أناه المتعالية” حرة في العالم الآخر خالدة هناك. وهذا الوعي الذي دخلته الازدواجية تدخله الشقوة؛ فهو وعي عبد شقي. والإنسان الديني، بما أنه لا يبلغ الوحدة المنشودة، يظل أبد الدهر في حال شقوة؛ أي في حال تمزق بين مثال لا يبلغه وواقع لا يحبذه؛ بين فكرته عن نفسه (حريته) وحياته في بلده (عبوديته). وما دام هذا الشرخ قائما يدوم منزع اسقاط المثال خارج العالم؛ أي يدوم الدين ومعه اللاهوت؛ وبالتالي تستمر الشقوة. غير أن كوجيف يرى أن الدين، إن حقق أمره، “ظاهرة عابرة” (المدخل. ص.213) لامتناع بقاء الثنائية إلى الأبد واستحالة دوام الشقوة إلى ما لا نهاية. وإلغاء هذه الإثنينية وعليقها؛ نعني الشقوة، منوط يتحقق الاحدية؛ نعني تحقيق المثال المنشود الموعود على وجه المعمورة؛ وذلك بتوسل فعل النفي الثوري الذي ينزل فكرة الآخرة منزلة الدنيا ويحقق السعادة المتوخاة “هنا” و”الآن”. فما من ثورة حقة إلا وتحمل في طياتها بدور الإلحاد بالعالم الأخروي وعناصر الإيقان بالعالم الدنيوي، ومتى توقف الإنسان عن اسقاط مثاله خارج العالم الدنيوي حدثت الثورة. فالثورة بهذا المعنى تحقيق للدين -المثال- في العالم أو قل هي دنيوية المثال. بمعنى آخر الحداثة تحرر من فكرة الآخرة؛ أي أنها حركة دنيوية؛ وهو تحرر اشترعه إنسان عصر النهضة بما و الإنسان بلا ديانة؛ وأتمه إنسان الثورة بما هو الإنسان الذي حقق الدين -المثال- في الواقع.
تلك كانت على الجملة ماهية الدين وصلته بالدنيا، فإن طلبنا الأمر على وجه التحقق التاريخي لتحصل لنا ما يلي:
تقلبت الديانات البدئية في ثلاثة أحوال، شأنها شأن جدل السيد والعبد، من “الرغبة” إلى “التصارع” ومن هذا إلى “الشغل”. فهاهنا إذن ثلاث ديانات أولية: “ديانة الرغبة” و”ديانة الصراع” و”ديانة الشغل”. وإنسان الديانة الأولى لم يكن يشتغل أو يحارب وإنما كان يحيا على إشباع رغبته الحيوانية بجني ثمار الطبيعة وقطفها. نحن هاهنا، في الديانة الفارسية بما هي “ديانة نورانية”، نحيا في مجتمع متشوق إلى الطعام متلهف إلى الجنس؛ أي مجتمع ولائم مشتركة وحفلات جنسية جماعية. وهو مجتمع يقدس الوجود الطبيعي (إله النور) ويدنس الرغبة المتلهفة (إله الظلام). وهو يرمز إلى ثنائية القداسة والدناسة هذه بالنور المتوهج، بما هو الوجود الذي يشبع رغبة الأكل والجنس، وبالنار المتوقدة، بما هي الرغبة المتلهفة التي تحطم المعطى. لكن هذا الوجود الذي تصور على نحو مجرد ما يفتأ يتجسد نورا يسري في النبات والحيوان اللذين يطفئان الرغبة الوقادة؛ فتنتقل أثرها إلى ديانة الطوطمية. والحال أن هذه الديانة توافق مرحلة صراع الموت والحياة؛ لكن الاعتبار هنا موجه للصراع في ذاته لا لمآله؛ ومن ثمة التركيز على الجانب البيولوجي (الدم) بما تسفر عليه عملية صرع الحيوان لتقديمه قربانا للإله. وإنها لعلى التحقيق ديانة الشعوب التي تتقاتل فيما بينها حد الموت لا حد النصر؛ فهي لا زالت لا تعرف للحفاظ على حياة المغلوب المستعبد معنى.. وإنها لعلى التدقيق ديانة طبيعية (ديانة النبات والحيوان) من غير مضمون اجتماعي وسياسي حق؛ أي من غير دولة. ثم إن هذا الإنسان المقاتل سرعان ما يكتشف فكرة “الشغل” فيؤولها؛ وتلك هي الديانة المصرية بما هي ديانة الفلاح الذي يشتغل لنفسه شغلا شاقا قليل الفائدة وشغل تضحيات بما يتضمنه من بناء الأهرامات والمسلات بما هي أشياء لا توجد في الطبيعة وإنما في ذهن المشتغل.
ولئن تؤمل مسار هذه الديانات البدئية لاتضح ميل الإنسان إلى تأنيس إلهه أكثر فأكثر؛ وهذا التأنيس هو ما يتحقق على وجهه الأول في ديانة اليونان. فلئن كان المصري لا يخدم إلا سلفه الميت وقد قام بتحنيطه فإن اليوناني يود الاستمتاع بشغله العقلي، وإذا كان عمل المصري أشبه ما يكون بعمل النحل في خليته، بما هو قائم على تمايز طائفي جلي، فإن عمل اليوناني عمل فني تم به الانتقال من ديانة الحرفي المصرية (المتركزة على المنتج الصانع) إلى ديانة الفنان (المتركزة على المستهلك المستمتع). في هذا التطور بالذات فقد الإنسان أمام الحق خرسه وبدأ يتكلم عن الآلهة (الميثولوجيا) كما بدأ في تكليمهم (التضرعات والابتهالات). هاهنا انتفت ديانة الطبيعة لأن الإنسان صار يتكلم؛ وهو إن حقق أمره يتكلم عن ذاته مع اعتقاده أنه يتحدث عن آلهته. ومهما تصرفت الأحوال فقد انتقل الإنسان من عهد ديانة الطبيعة إلى عهد ديانة الإنسان. والشاهد على ذلك أن شكل الإله بدأ انتقل الإنسان من عهد ديانة الطبيعة إلى عهد ديانة الإنسان. والشاهد على ذل أن شكل الإله بدأ في التغير فتحول من جسد حيوان (الطوطم) إلى جسد حيوان مخلوط بإنسان (أبو الهول) إلى جسد إنسان خالص (أبولون). وهذا التحول عكس انتقال المجتمع من مجتمع قنص إلى مجتمع فلاحة ومنه إلى مجتمع مدنية. وهو مجتمع سادة وعبيد لم تعد فيه الديانة ديانة عبيد وإنما ديانة أسياد تفرغوا إلى العمل الفني؛ أي ديانة جمالية تهتم بجمال المعبد (الفن) أكثر ما تهتم ببنائه (الشغل).
ولذلك كله كان دين اليونان دين فن يؤله الوجود الطبيعي بما هو وجود جميل ناسيا أن الجمال عمل للإنسان. والحال أن هذا العمل الفني المقدر بعين الجمال المقدس بعين الحق لينقلب أطوارا؛ يكون “تمثالا” ف”رياضة” ف”أديا”، وينتهي، بعدما كان عملا جديا، إلى “ملهاة” وعبث يتهكم من الآلهة ومن ثمة من البشر عبدة الآلهة. والحق أن مآل ديانة اليونان -التحذيف في حق الآلهة ومن ثمة الإلحاد بها- لهو “نهاية الفن”. إذ ظهور الملهاة يعني إلغاء ديانة الفن ما دامت الآلهة التي كانت تدعي أنها مقدسة على وجه الإطلاق صار يزرى بها وتثير الضحك؛ أي أنها أضحت ضحكة.. ومن ثمة ساغ القول: إنه لأول مرة صار الحديث عن “موت الآلهة” أمرا ممكنا؛ أو ليست “الآلهة تموت في الملهاة” (المدخل. ص.225).
إن لمن نتائج الملهاة التي قتلت الإله البحث عن إله عوض. وليس هذا الإله العوض سوى صانع الآلهة نفسه؛ نعني الإنسان. لكن الإنسان المؤله هنا ليس الإنسان بما هو إنسان؛ أي الإنسان الكوني الفاعل سيد مصيره، وإنما هو الإنسان الخصوصي؛ أي البورجوازي الروماني الذي نسي عالم السيادة وطفق يستمتع ويستلذ بما يملك ويحيا داخل أسرة ويعتقد أنه استنفذ جميع الإمكانات الوجودية التي أتيحت له. وبإيجاز، لقد أضحت “الأنا الشخصية” هنا هي الوجود المطلق الحق؛ نعني الإله. ومعنى هذا أن الملهاة كانت أول صورة من صور الإلحاد؛ أي القول بإنسان بلا إله. لكن هذا الإلحاد أحدث في ذوات أصحابه ضربا من الندم؛ مما جعل البورجوازي الروماني، الذي اختزله قدره إلى ملكه، يبكي عالم الجماعة الذي افتقده ويتخيل إمكان بناء عالم سلوى وعزاء عن فقدانه لعالم واقعه؛ نعني عالم الآخرة. ها نحن نقترب من عالم ديانة المسيح. ذلك أن البورجوازي الوثني الملحد لما قال إن “الأنا” الشخصية هي “الماهية المطلقة”؛ أي الإله نفسه، فإنه لم يكن يعلم علم اليقين أن الجزئي والخصوصي (الأنا) إن هو انفصل عن الكوني (الدولة أو الجماعة) صار بلا قيمة وبلا معنى؛ أي أضحى أشبه ما يكون بالظل أو الشبح أو العدم، كما صار وعيه بذاته وعيا شقيا ممزقا بين ذات بلا قيمة وكوني بعيد عنه مفارق له يحيى في عالم آخر غير عالمه.
والحق أن المسيحية وريثة الوثنية من جهة ومتجاوزتها من جهة ثانية. وريثة الوثنية لأنها هي أيضا ديانة “موت الإله”؛ فالإله المسيحي -يسوع- يموت أيضا فيها، ولأنها وريثة الوعي الشقي المنفصم القائل بعالمين عالم شقوة متحقق وعالم رغبة متوار. غير أن المسيحية حاولت تجاوز الوثنية لما سعت إلى التوفيق بين مفهوم “الإله” (الكوني) ومفهوم الإنسان (الخصوصي) في فكرة الإله الكوني الذي حل في جسد المسيح الفردي. وما حياة يسوع المسيح إلا شاهدة على ذلك؛ ففيها تآلف بين المسيح الإنسان الذي يضحي بخصوصيته وفرديته فيموت ليحقق الكوني؛ أي ليحيا إلها؛ مقابل الكوني (الإله) الذي يعترف بالخصوصي (المسيح) على أنه الإله نفسه وقد تجسد بشرا. بيد أن المسيحية ظلت تعاني من آفتين إثنتين: أولهما؛ أن المسيح ظل فيها -بالرغم من تجسد الإله فيه وحلوله- كائنا متواريا متعاليا مفارقا بعيدا؛ مما حافظ على الهوة السحيقة بين الإنسان وإلهه ومنه إتمام فعل “تأنس” الإله “وتأله” الإنسان. فالمسيحية من هذا الجانب مثلها مثل الوثنية لم تفهم القول الجنائزي “مات الإله” على أنه “فليحيا الإنسان”. وثانيهما؛ أن الكنيسة -وهي روح الجماعة المسيحية- لم تتوفق في أن تصير مجتمعا بشريا حقا وإنما ظل عملها بأكمله مقبلا على الدار الآخرة ناكفا عن الدنيا؛ علما أنه “يستحيل على الإنسان أن يحيا العمر كله في كنيسة”. وبعد هذا وذاك، فإن المسيحية لم تتخلص أبدا من آثار الحياة الاجتماعية والسياسية الرومانية؛ فصورة “الإله” فيها تحاكي صورة “الإمبراطورية”؛ ذلك أن “إله المسيحيين متصور بالقياس إلى نموذج الإمبراطور”، الأول “سيد العالم” والثاني “رب العالمين” (المدخل. ص.106).
بيد أنه إن كان من وجه إيجاب لديانة يسوع المسيح فإنما هو تثمينها للشغل. ذلك أن الإنسان الديني لا يقبل بأكمله على الآخرة وإنما يترك له مكانا في ظل العالم؛ أي أنه يشتغل ويعمل ويكدح وإن كان يعتبر عمله من أجل خدمة آخرته. أو لم يكن المسيح يشتغل؟ وإذا حق أن الإنسان المتدين إنما يشتغل ابتغاء مرضاة الله فإنه يحقق ذاته وفرديته من حيث لا يدري؛ وإنه لن يدري ذلك إلا في عهد فجر الحداثة (النهضة). آنها يدرك الإنسان أن الفعل فعله وأنه إنسان فاعل وأن الإله المتخيل ليس على التحقيق سوى نفسه. هاهنا نقلة من التدين إلى اللاتدين؛ هاهنا الحد الفاصل بين الإنسان وتمزقه وشقوته؛ هاهنا الأخذ بالأسباب الدنيوية.. وهذا الأمر إنما اقتضى منه التجاوز عن آفات الأدلوجة المسيحية والتحرر من سيده المطلق الأعلى وتحقيقه الحرية والإقبال بالعيش في هذا العالم بما هو كائن إنسي حر مستقل.. والثمن الذي أداه لبلوغ مبتغاه كان هو التخلي عن فكرة خلود النفس؛ أي القبول بفكرة موته.
الا إن الإنسان كائن حي مائت متناه. ولذلك كله ساغ القول: “ليس تطور العالم المسيحي على التحقيق سوى تقدم وعي الإنسان بوجوده بما هو وعي الحادي بوجود متناه” (المدخل. ص.183).
ها الإنسان الآن في عصر النهضة يدرك أن الفعل فعله وأن الواقع واقعه. ما عاد هذا الإنسان يؤمن بالآخرة وما عاد ينتظر؛ إنما هو يلحد بالعالم الآخر ويجحد. ما عاد يؤمن ب”التعالي” ويعتقد وإنما صار يوقن ب”المحايثة” ويلتزم بالعيش “هنا والآن” لا يعرف لعالمه الدنيوي هذا نظيرا ولا مثيلا ولا بديلا. هاهنا هطوة جبارة نحو دنيوية الحياة: لقد كفر الإنسان النهضوي بالتعالي ولم يعد يهرب من عالمه وإنما صار يحتمله ويقبله؛ وفي ذاك دليل على “تعقله”. غير أن هذا “الإنسان العاقل” الذي صار يقبل العالم الطبيعي على ما هو عليه من غير حاجة إلى القول بالتعالي أو التدين، ما زال ينفصل عن العالم الاجتماعي والسياسي فلا يشتغل أو يحارب. وهو إن علم أن بمكنته أن يفعل في هذا العالم ومن أجله فإنه لا يسعى إلى تغيير العالم أو تبديله. إنما قصاراه أن “يلاحظه” بتوسل حسه ودركه وميزه و”يلتذ به” بتوسل ذائقته من غير أن يناضل فيه أو يخاطر. إن “عديم الدين” هذا لا يحيا إلا لنفسه ولا يفكر إلا لذاته، فهو في أدلوجته عن أمره “حياة” تعلم الطبيعة وتلتذ بها وتستمتع لا “روح” تعلم التاريخ وتخبره وتغيره. إنه على التحقيق ظل إنسان وما هو بإنسان؛ أي أنه كائن فرداني ذو موقف غير اجتماعي وغير سياسي، موقفه عزلة ورأيه وحدة ونظرته للعالم نظرة مجردة فردانية، وأناه سليلة أنا رجل الدين. ولذلك الأمر فهي أنا انعزالية توحدية نابتة تحيا في مجتمع إنسي شبيهي؛ أي في مجتمع “فردانيات” أو في مجتمع أهل الموهبة لا الكسب؛ أي في مجتمع “أهل الادب وأمراء البيان”. إنه بإيجاز “حيوان مثقف” لا يعترف بالغير و‘نما يريد من الغير أن يعترف به وبما يبدعه خاصة؛ نعني أنه يريد الشهرة.
إن سليلة المسيحية، هذا الدنيوي من غير دنيا، إنما هو على التحقيق “ملحد مسيحي” (المدخل. ص108)؛ فهو وإن كان يحيا في الدنيا لا يحيا فيها، فما هو بحي بل ميت ولا يشعر، أي يحيا حياة انعزالية تشبه حياة سلفه المسيحي، بل إنه مصل المسيحي المتدين يهرب من الواقع المشخص الملموس ليلجأ إلى عالم متخيل منظور. وإذا حق أن هذا العالم يخالف عالم المسيحي بما أن هذا مفارق متعال (الآخرة) وذاك فكري مثالي (عالم الحق والخير والجمال)، فإنه يحق القول أيضا إن كلاهما يشتركان في معارضة العالم الدنيوي الواقعي المحقق. وبه يظهر أن قيم المثقف ليست على التحقيق سوى إضفاء طابع دنيوي على قيم المسيحي المتدين وعلى عزلته الوجودية؛ إنها دنيوية للدينونة. ذلك أن “أدلوجة الحق والخير والجمال ديانة من لا دين له” (المدخل. ص109) وبإيجاز، إن أدلوجة المثقف مزدوجة: فهي، من جهة أولى، أدلوجة إنسان ما عاد يؤمن بالخلود وإنما صار يرضى بهذه الدنيا وبتناهيه فيها، وهي، من جهة أخرى، أدلوجة من يريد تحصيل الرضا على نحو مباشر؛ أي من غير بذل الجهد والنفس لتحويل هذه الدنيا. فالمثقف هو العبد الذي أدرك فكرة الحرية بما هي الدنيوية فصار بلا سيد (بلا إله) لكنه لم يتسيد بعد؛ أي لم يحارب ولم يعمل.
ولئن عدم المثقف الفعالة فإنه لم يعدم المقالة. إنه أمير البيان الذي “يعمل” قلمه لنقد المجتمع. فهو بهذا “وعي متكلم”. ونتيجة كلامه القول بأن كل شيء ما خلا كلامه باطل. تلك جواذب العدمية ومفاتن الإنكارية والحجودية. وليس له والمأزق خطير سوى أمرين: إما استئناف القول المسيحي على جهة التجديد؛ وذاك كان مرام الجماعات الدينية التي عمت في القرن السابع عشر؛ من يسوعية وتقوية وغيرهما؛ أو تحديث القول العلماني الدنيوي الذي شرعه إنسان النهضة؛ وذاك كان مرام حركة الأنوار. المنحى الأول منحى ديني والمسلك الثاني مسلك الحادي. الأول تمثل العالم الواقعي (الاجتماعي) على نحو مجرد لا كما هو حادث وإنما كما ينبغي أن يكون، وإيمان بمملكة السموات التي تتحقق فيها الفردية ويقر للإنسان فيها بالخصوصية.. والثاني تمثل دنيوي للعالم وسعي إلى تدمير دواعي القدامة بالنهوض بشروط الحداثة وإن على نحو لفظي قولي لا فعلي عملي.. والحق أن الاثنين متعالقان متضامان: فحقيقة الإيمان الهروب إلى خارج العالم الذي ينتقده رجال الدين، وهو هروب أملته أيضا دواعي الإيقان الذي قالت بها حركة الأنوار. والإيمان فعل ثوري؛ أي مسيحية شقية ترفض العالم، كذا هو إيقان الأنوار. ولهذا كله جاز القول إن أول عمل يبدأ به العقل نقد نفسه؛ أي نقد الإيمان. ثم إن ثاني عمل يقوم به نقد المجتمع فيجيب بذلك مع أدلوجة مملكة الحيوان المثقف.
بيد أن جديد الأنوار الحق أنها تضفي على الإنسان قيمة مطلقة؛ ومن ثمة تجابه فكرة الإله المتعالي المحددة لقيمة الإنسان. وإذا صح أن حركة الأنوار كانت حركة عدمية قوضت المتعالي ولم تعوضه بشيء، صح القول أيضا إن هذا الأمر كان في بادئتها إذ سرعان ما تقدمت نحو الامتلاء بمضمون محدد متعين؛ نعني الامتلاء بفكرة “الألوهية الطبيعية” وفكرة “النزعة الحسية” وفكرة “النزعة الحسية” وفكرة “النزعة النفعية”. فبهذه الأفكار المستحدثة ملأت فراغ غياب المتعالي. ففيما يخص المضمون الأول بدا، لأول وهلة، إن نقد الأنوار ل”الماهية المطلقة”؛ أي للإله، جعل منها فراغا وهباء Vakuum؛ أي تواريا للإله إلى محل قصي بعيد المنال وكأنه “لا شيء” أو “عدم”. لكن إن قرأ هذا الأمر قراءة إيجابية تبدى اهتماما بالإنسان وإثباتا لوجوده؛ أي بداية “لاهوت ناسوتي”. وأما فيما يتعلق بالمنزع الثاني؛ نعني النزوع نحو الحسية، فإنه كان علامة على كف الفكر من التحليق في سماء المثل وتعينه بمضمون حسي وإن عدم هذا المضمون البعد الاجتماعي والسياسي. وفيما ترتب عن المنزع الثالث؛ نعني النزوع نحو النفعية، فإن مؤداه كان تسخير العالم للإنسان؛ وفي هذا دنيوية لمفهوم “التسخير” الديني. والمتحصل عن هذه المناحي الجديدة التي انتحاها الفكر الأنواري عودة الفكرة إلى الانكباب على الواقع بعد طول تيهان في مفازة المسيحية ومتاهة التديين. غير أن الواقع المعاد اكتشافه هاهنا هو المادة بلا شكل والهيولي بلا صورة والهباء بلا تعين؛ فلذلك جوز الإنسان الحديث لنفسه أن يفعل به ما يشاء؛ نعني تشكيله بتأنيسه. ذاك هو “الفعل العظيم”؛ نقصد فعل الثورة.
والحق أن الثورة مزدوجة المعنى؛ فهي، من جهة، مخاطرة بالحياة في تجربة موت رهيبة. وهذا أمر ضروري لأن “لا وجود إنسي (واع، ناطق، حر) من غير صراع يتضمن المخاطرة بالحياة؛ أي لا وجود من غير موت وتناه للإنسان” (المدخل. ص183) والثورة، من جهة ثانية، “محاولة لتحقيق المثال المسيحي على وجه المعمورة” (المدخل. ص141)؛ ذاك أنه ما من فكرة ينشئها الإنسان، كانت ما كانت، إلا وبالمكنة إيجاد سبيل إلى تنفيذها؛ والمسيحية لا تشذ عن هذه القاعدة الإنسية التاريخية، ولذلك “كان على المثال المسيحي أن يتحقق في عالم قائم الذات” (المدخل. ص141) ثم إنه “لكي يتم تجاوز أدلوجة ما وإلغاؤها يلزم على الإنسان أن يجرب أولا أمر تحقيقها في العالم الواقعي الذي يحيا فيه” (المدخل. ص184) وهذا ما تحقق عهد ما بعد الثورة بأن تم تحقيق المسيحية بإلغائها. وما هذا الإلغاء على التحقيق سوى تحقيقها. ها قد ألغى الإنسان، أخيرا فكرة “التعالي” المسيحية وأضحى يفكر في العالم بما هو عالم دنيوي محقق، كما صار يفكر في الإنسان بما هو كائن دنيوي ملموس؛ وبذلك سقطت إثنينية المقدس والدنيوي، ذاك هو ما يسميه كوجيف “تأنس الإله” و”تأله الإنسان”؛ أي الدنيوية.
ويتحقق الدنيوية طويت آخر صفحة من صفحات “كتاب الحداثة” كما ألفه كوجيف؛ وقد علمناه كتابا ثلاثي الأبواب: الفردية والحرية والدنيوية. وما من باب فتحناه إلا وجدناه يقودنا إلى القول بالتحقق والاكتمال والاستيفاء. ذاك أن الإنسان الحديث علم كيف يشق طريقه إلى الوعي المطابق لذاته بما هو إنسان. فقد خبر كيف يتجاوز “الكونية الضاغطة” بما هي دولة الطغيان والاستبداد التي تمحق الفرد وتطويه، وذلك من غير أن يقع في مناقضات الأدلوجات الفردانية المتطرفة التي تنتهي إلى الكفر بالمجتمع وإلى اعتزاله. كما خبر كيف يتجاوز قسرية وقهرية الأنظمة السياسية القدامية من غير أن يقع في قبضة الحرية الفوضوية المتطرفة. وأخيرا فقه الإنسان الحديث إمكان القضاء على وعيه الشقي لا بلعن ممالك الروح العلية وإنما بإنزال ثروات الدين المسلوبة إلى الأرض وتحقيق ماهية الإنسان هنا والآن. فإذن تحقق الإنسان الحديث بأن تحققت له الفردية الأصلية والحرية العاقلة والدنيوية الخصبة. وبذلك تحقق له الرضا الذي طالما بحث عنه كما تحققت له الحكمة التي طالما فتش عنها. أفهل يعني “كمال الحداثة” بتحقق موجباتها الثلاثة –الفردية والحرية والدنيوية- “نهاية التاريخ”؟ ذاك شأن آخر يحتاج تفصيل القول فيه إلى مقام آخر.
هوامش:
1) نلمع هنا بلفظ “المدخل” مرفوقا برقم الصفحة إلى كتاب كوجيف الأساسي:
Alexandre Kojève: Introduction à la lecture de Hegel. Leçons sur la phénoménologie de l’esprit professées de 1933 à 1939 à l’Ecole des Hautes Etudes, réunies et publiées par Raymond Oueneau. Coll Tel. Gallimard. 1949.
2) توسلنا لفظ “الدنيوية” بساطا للعبارة عن المقابل الأعجمي Sécularisation وهو لفظ يفيد في لسان العرب، النسبة إلى “الدنيا” والإقبال عليها. قال ابن منظور “والنسبة إلى الدنيا دنياوي، ويقال دنيوي ودنيي “(مادة “دنا”). وبالضد فلفظ “الدينونة”، الذي يفيد معنى التدين بالإدبار عن الدنيا والإقبال على الآخرة (أنظر أبا حيان التوحيدي، الامتاع والمؤانسة. المكتبة العصرية، بيروت، 1953الجزء الثاني ص13و(188) يمكن أن يوظف بما هو لفظ مضاد للفظ “الدنيوية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى