قضايا فكرية

باراديغم الحرب العالمية الثالثة محاولة في تحديد مفهوم الإرهاب

داعش 3(حريات)
باراديغم الحرب العالمية الثالثة محاولة في تحديد مفهوم الإرهاب
الفاهم محمد
يشير جاك ديريدا إلى أن الحادي عشر من سبتمبر لا يشير فقط إلى حدث مؤسس بل أيضًا إلى حدث غير قابل للوصف بحيث أننا لا نعرف عما نتكلم. هناك شيء ما حدث، وهو بالتأكيد يتجاوز مجرد عدد الضحايا الذين سقطوا. يقول ديريدا: “إن شيئًا ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لكننا لا ندري ما هو”، فأسوء ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو أنه فتحنا أمام شكل جديد من الصراع والشرِّ الذي يصعب تسميته أو تحديد طبيعته شكل يتجاوز حتى الفظاعات التي عرفناها عن الحروب الكلاسيكية.
مقدمة
تشكِّل الحرب حدثًا تأسيسيًا في حياة الشعوب، لأنها تدفع إلى إعادة النظر في تكوين الذات وحضورها التاريخي، سواء تعلق الأمر بالنصر أو بالهزيمة. ورغم أن الحرب كانت دومًا تمثل الخطر الأقصى الذي ينبغي دفعه واستبعاده عن الأمة، إلا أنها مع ذلك وفي حالة قيامها فهي تنبني على أخلاقيات صارمة، تتعلق مثلاً في حالة الإسلام باحترام العدو وعدم التنكيل بأطفاله ونسائه، كما تفرض أيضًا قيودًا صارمة بضرورة احترام الطبيعة وعدم تسميمها، فالحرب ينبغي أن تتمَّ في نوع من الممارسة الفروسية النبيلة، والانتصار غير المستحق ليس انتصارًا شريفًا وإنما هو هزيمة مقنَّعة. إن المبدأ العام الذي كانت تقوم عليه معارك الماضي هو أن الهزيمة بشرف خير من الانتصار الغادر. كانت الحرب حتى في أبشع صورها أخلاقية لأنها لم تكن هدفًا في حد ذاتها، بل هي وسيلة من أجل وضع القانون وخلق نظام اجتماعي ما. غير أن المنعطف الذي تعرفه الألفية الثالثة بعيد كليًا عن هذا الأفق، فنحن لأول مرة في تاريخ البشرية نتجه نحو تأبيد الحرب وجعلها علامة مميزة للحضارة المعاصرة.
تكمن الأطروحات الأساسية التي يودُّ هذا البحث بسطها والدفاع عنها فيما يلي:
أولاً: فرضية حول المفهوم تتعلق بتوصيف ومساءلة المعالم الأساسية التي تميز هذه الظاهرة، فالمضمون الذي يحمله الإرهاب يظل غير مفهوم، لأن الإرهاب ما هو إلا التحلل اللاعقلاني للبراديغمات التي كانت تقوم عليها الحرب الكلاسيكية. فحينما تصبح هذه الأخيرة غير قادرة على عقلنة مجالها وأهدافها وعلاقتها بسلاحها وأعدائها، فإننا لا نكون بإزاء الحرب بل بإزاء الإرهاب. لقد أصبح هناك شبه إجماع من طرف المفكرين على أن الصراع الذي يدور اليوم حول الإرهاب يشير إلى نوع جديد من الحروب غير المعهودة في التاريخ[1].
هكذا يهدف هذا الموضوع إلى الكشف عن الطابع المتناقض لما يسمى بالحرب على الإرهاب خاصة مع التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم الحرب بعد بروز ظاهرة الإرهاب الدولية. فحربنا تختلف حتمًا عن الحرب الكلاسيكية التي عرفها الفرس أو العرب أو الرومان. إنها حرب بلغت درجتها القصوى ومن ثمَّة اقتربت من نهايتها، تاركة المجال لشكل جديد من الاقتتال هو ما أصبحنا نسميه اليوم بالإرهاب. لقد كان للحرب لدى جميع الشعوب القديمة بل وحتى البدائية طقوسها الشعائرية الخاصة وموروثها الثقافي، الذي قد يتجلى في تعزيز الروح الوطنية، والإحساس بالانتماء لهوية حضارية ما، أو بسبب الممارسة الفروسية النبيلة. غير أن الإرهاب اليوم يعلن عن نفسه كتبديد لهذه الثقافة، أي كإهدار لما هو “إيجابي” في الحرب، واستكمال للوجه الآخر القذر لها. من هنا يبرز الطابع العبثي لمفهوم “الحرب على الإرهاب” حيث نلاحظ بشكل مفارق التداخل بين الإرهاب كما تمارسه التنظيمات الموصوفة بهذا الاسم وإرهاب الدولة[2] ثانيًا: فرضية حول الأسباب تتعلق بتوصيف الفشل الذي وصلت إليه رهانات الحداثة الأنوارية التي بلغت قمتها في التقنية العسكرية، في الهيمنة والعنف على شعوب العالم بواسطة الاستعمار المباشر أو بواسطة العولمة كما هو حاصل اليوم. إن الفرضية التي ندافع عليها هاهنا تقضي بأن الإرهاب ظاهرة مزدوجة الأسباب، فهي من ناحية أولى خلل ثقافي تعاني منه قراءة معينة للإسلام هي القراءة الأصولية المغلقة التي انتهى بها الأمر إلى تحويل الدين والإيمان إلى ظاهرة بليدة غير قادرة على التعايش مع منطق العصر. ومن ناحية ثانية علامة على الأزمة الداخلية التي تعاني منها الحداثة، فحينما يقال إن الإرهاب لا دين له فهذا معناه بالأساس أن التناقضات الأخلاقية للحداثة والبربرية التي يسير باتجاهها العالم اليوم من شأنها أن تصطدم مع كل التعبيرات الروحية أو الدينية أو الثقافية سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية. اليوم يبدو الإسلام في الواجهة لأنه شعر أنه تعرض للإهانة أكثر من الآخرين في الشيشان والبوسنة وفلسطين، غير أن المستقبل قد يؤدي إلى ظهور واجهات احتجاجية أخرى قد تكون من قلب العالم المسيحي نفسه، من هنا رمزية عملية أوكلاهوما التي تحطم تلك القسمة الخرافية التي وضعها بوش بين محور الخير ومحور الشرِّ أو بين: “لدينا ثقافتنا ولديهم ثقافتهم” أو حتى: “يكرهوننا لأننا أحرار” فالآخر هنا الذي نصفه بالإرهاب عدو الحرية ذو الثقافة الماقبل حداثية والذي نموقعه ضمن جغرافية وثقافة محددة، لا يقع بعيدًا عن الذات بل هو يخترقها ويسكنها من الداخل.
ثالثًا: فرضية حول النتائج تتناول الأفق المسدود الذي وصلت إليه الحضارة التي تراهن على القوة العسكرية وعلى الحرب لحل مشاكلها ومعالجة اختلافاتها. هكذا يريد هذا البحث أن يثبت أن كل المفاهيم العقلانية حول الحرب سواء الحرب المطلقة أو الحرب الدفاعية أو الحرب الوقائية كلها لا تحمل أي إمكانية كي تعالج البشرية اختلافها. ينبغي التأكيد على أن ما يضعه الإرهاب موضع خطر هو هذا الباراديغم المثالي الذي تقوم عليه الحرب، أي مجموع القواعد والقوانين الأخلاقية والتقنية التي سمحت للبشرية فيما بعد بالتمييز بين الحرب العادلة وجرائم الحرب، وذلك ما دام أن كل حرب كانت تنطوي ضمنيًا على انزلاقات وممارسات تخل بمبادئها وبأخلاقياتها العامة. إن مصطلح جرائم الحرب يدل صراحة على أن هناك قواعد وقيم لا بد أن يلتزم بها المتحاربون، تلك القواعد والقوانين التي دُونت في اتفاقيات جنيف. غير أن الإرهاب يوجد على النقيض تمامًا من هذه الاتفاقيات. إنه يستكمل الفظاعات التي تقوم بها الحروب لكنه في الآن ذاته يذهب بها أبعد من ذلك بكثير، وذلك حينما يلغي جميع العناصر التاريخية التي كان يقوم عليها باراديغم الحربLe paradigme de la guerre ومن بينها مثلاً إمكانية قيام تسويات معينة معتبرًا أن الصراع لا تحكمه غايات سياسية أو اقتصادية محددة ، بل أهداف سامية عليا ترمي إلى تغيير وجه الحضارة المعاصرة برمتها.
كيف إذن يتقاطع الإرهاب مع الحرب ضمن وشائج وروابط خفية تشتركان معًا في تشكيل الواقع وصياغة العلاقات الدولية المعاصرة؟ هل الإرهاب مجرد حرب متمردين ضد واقع سياسي فرضه الغرب، أم هو حرب محكومة بأهداف ومطالب عقائدية عليا، وما دلالة هذا الأمر؟ ما هي السمات المميزة لباراديغم الحرب العالمية الثالثة؟ لماذا لا تحقق الحرب على الإرهاب تقدمًا حقيقيًا لا من الناحية السياسية ولا من الناحية العسكرية المحضة، بل لا تقوم سوى بمفاقمة الأوضاع التي تزيد من نشاط الجماعات المسلحة؟
كلوسفتش: العلاقات الممكنة بين السياسة والحرب
لنبدأ في البداية بإطلالة مركزة على مفكر الحرب بامتياز كارل فون كلوسفتسCarl von clausewitz [3]، ولنحلل معه هذه المعقولية التي كانت تقوم عليها الحروب الكلاسيكية. إنه يتحدث عن الحرب المطلقة أي تلك الحرب الشاملة التي تتضمن جميع العناصر الكلاسيكية المكونة للحرب التقليدية، لذلك فهو يقوم في كتابه[4] بتوصيف أساسي للتكتيكات والاستراتيجيات التي تضمن الانتصار في أي حرب ممكنة، غير أنه مع ذلك يحاول أن يفهم أسباب قيامها، هذه الأسباب التي لن تكون شيئًا آخر غير السياسات التي تقوم خلفها، إذ ليست هناك أبدًا حرب عرضية تقوم من أجل الاقتتال فقط، بل إن السياسات التي يضعها رجال الدولة هي التي تنطوي على أسباب معينة قد تدفع إلى التوسع أو السيطرة أو البحت عن الخيرات لدى الشعوب الأخرى، هكذا فالحرب في نظر كلوسفتش هي ببساطة وسيلة من الوسائل، مثلها في ذلك مثل الاقتصاد، لتطبيق وتجسيد سياسة دولة ما والدفاع عن مصالحها.
لهذا السبب يرى ريمون آرون أن كلوسفتس لا يمكن اعتباره بأي وجه من الوجوه داعية من دعاة الحرب كما تم غالبًا من طرف أغلب التأويلات المتسرعة التي تعرضت لأفكاره، بل هو المفكر الذي رأى أن إصلاح السياسة، من شأنه أن يؤدي إلى وضع نهاية للحروب، فاستقرار السياسات ووصولها إلى نوع من التوافقات المجمع عليها من طرف الجميع هو الهدف الأسمى الذي لن يترك أية إمكانية للتنازع والاقتتال، لذلك فهو يقارن في دلالة بالغة بين الحرب والاقتصاد لأن كليهما في نظره يقوم على تضارب في المصالح وبحث عن مكاسب مادية ملموسة، النصر الحاسم في الحرب والربح الكافي في الاقتصاد، وبالتالي فالاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي أمر محمود إذا ما عرف البشر كيف يعقلنون سلوكهم الاقتصادي والسياسي.
يبدو أن كلوسفتس رغم أنه ينظر للحرب ويضع استراتيجياتها الأساسية إلا أنه كان يفكر في السلام، فهو لم يذهب إذن إلى إدراك الماهية الحقيقة للحرب باعتبارها شرًا أساسيًا ملازمًا لصيرورة التاريخ والتقدم البشري، بل نظر إليها كانزلاق لاعقلاني ناتج عن طموحات سياسية جامحة. لم ينتبه كلوسفتس إلى هذا الصراع الذي يختلط مع وجود الإنسان والذي حاول هيجل مثلاً أن يلامسه باعتباره الجدل الأساسي الذي يصنع حركة التاريخ البشري ولكن سواء تعلق الأمر بالحرب المطلقة المباشرة (كلوسفتس)، أو بالحرب الممتدة في تاريخ وجود الإنسان كتعبير عن صراعه من أجل البقاء (هيجل)، فإن الإرهاب هو على النقيض منهما معًا، لأنه يتجنب في الآن ذاته الطابع المباشر للحروب الكلاسيكية، إنه يستفيد من لعبة السرية دون أن تكون هدفه، ما دام أن نجاح عملياته لا يكون إلا بمقدار الفزع والرعب الذي يحدثه في المجتمع والذي تنقله وسائل الإعلام بشكل مباشر، ثم إنه على عكس الصراع الذي نظر له هيجل باعتباره نزاعًا قابلاً للذوبان في صيرورة الجدل، يبرز الإرهاب اليوم إذا ما أردنا أن نستعيد تعبيرات فلسفة الاختلاف كاختلاف أساسي غير قابل للمعالجة.
إن التاريخ المعاصر للألفية الثالثة يبين بكل وضوح الإحراجات الكبيرة التي تعرضت لها المبادئ الفكرية الأساسية التي ميزت نظرية كلوسفتس ومنها مثلاً فكرة أن الحرب الدفاعية هي أقوى شكل معين للحرب، فالحرب الاستباقية اليوم تبين بكل جلاء أن الحرب لم تعد تتقيد بمنطق الدفاع عن حق معين والذود عنه، بل هي تعمل على اختلاق هذا “الحق” في إشعال الحرب وابتلاع أمة بكاملها باسم مصلحة عليا معينة.
ثم هناك المبدأ الآخر الذي ميز أطروحة كلوسفتس وهو أن الحرب تظل دائمًا قابلة للتفكير ومن ثمَّة فهي قابلة للعقلنة والتوجيه من طرف رجل السياسة الذي هو وحده القادر على وضع الإستراتيجيات التي تتجه صوبها الحرب. فالإرهاب اليوم يكشف عن نفسه باعتباره شكلاً للاقتتال غير قابل للعقلنة أو التوجيه، إنه ليس مجرد حرب قذرة، أي حرب تجاوزت بعض معالمها النبيلة، بل هو الحرب التي تنطلق أساسًا من مبدأ إلغاء كل منطق وكل مبدأ وكل معقولية. من هذه المبادئ نذكر الأسئلة الآتية: لماذا الإرهاب؟ هل هناك سياسة معينة يمكن أن تقوده وتوجهه؟ للأسف الجواب هو النفي وذلك مادام الإرهاب قام أساسًا من أجل تجاوز السياسة وإلغاء منطق التفاهمات والتسويات. إذا كانت كل هذه الأمور تظل مفهومة ضمن مجال الحروب الكلاسيكية، فإن الإرهاب يضعنا اليوم ضمن حالة خاصة واستثنائية.
كيف نحارب؟ إن كل التكتيكات والوسائل أصبحت اليوم مباحة، من هنا تأتي دلالة السؤال الذي طرح حول كيف يمكن محاربة الإرهاب وفي نفس الوقت احترام حقوق الإنسان. أما من نحارب؟ فهو سؤال لا نحتاج إلى التذكير بصدده إلى أن العدو ليس له وجه محدد، لا من الناحية الثقافية أو الاقتصادية أو حتى من الناحية التنظيمية.
لقد كان الهدف العام للحرب هو السياسة طبقًا لتصور كلوسفتش، أي أن الحرب ما هي في نهاية المطاف إلا تلك الإرادة في الوصول إلى تسويات وتوافقات تضمن انتصار وهيمنة أحد الطرفين على الآخر، وهذا هو معنى مقولة كلوسفتش التي طارت شهرتها: “إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى”، بمعنى أن الحرب تريد أن تصنع واقعًا سياسيًا ما، تستقر فيه مصالح دولة أو جهة ما. لكن من الملاحظ أن هذا المبدأ قد ينطبق على بعض الحروب المعاصرة مثل حرب فيتنام أو الحرب الإسرائيلية العربية أو الحرب الباردة حيث لعبت السياسة دورًا بارزًا في تجنب الدخول في حرب نووية مباشرة، أما الحرب على الإرهاب فلا يبدو أن السياسة تفتعل حروبًا من أجل أن ترسم مواقع معينة وتحدد استراتيجيات. كانت السياسة هي التي تصنع الحرب: “أطروحة كلوسفتش”، أما اليوم فالحرب هي التي ترسم السياسات وتحدد معالمها، في الحالة الأولى تتخذ الحرب كوسيلة هدفها بشكل عام هو الدفاع عن قيم معينة، حتى وإن كانت هذه القيم تبدو غريبة وغير معقولة من طرف أعدائها، أما في الحالة الثانية فتصبح الحرب غاية في حد ذاتها، غير قادرة على وضع حد لها بل بالعكس لا تعمل إلا على تأجيج الصراعات وافتعال المعارك هنا أو هناك، وذلك بسببين: إما بدافع خلق أسواق ممتازة لبيع وترويج الأسلحة، أو بدافع إيجاد مبررات “معقولة” لفرض ما يسمى بالشرعية الدولية أو القرارات الأممية، بل وحتى في حالة غياب هذه الشرعية وانعدام هذه القرارات كما في حالة حرب الخليج الثانية، فإن الحرب مع ذلك تظل مصرَّة على شرعيتها الخاصة، وان اقتضى الأمر تلفيق أكاذيب معينة كادعاء امتلاك صدَّام لأسلحة الدمار الشامل أو ادعاء علاقة متوهمة بينه وبين القاعدة.
في فكر كلوسفتش يبدو أن الحرب لها هدف أساسي ألا وهو الهيمنة على العنف وعقلنته كما يرى ريمون آرون، وبالتالي كل الوصفات التكتيكية التي يقدمها تقوم على قاعدة أخلاقية ضمنية وهي أن الحرب عبارة عن علم يقوم على منطق وعقل معينLa raison de la guerre ، هذا العقل الذي يجعل في نهاية المطاف السياسة هي المهيمنة على الحرب، ورجل الدولة هو الذي يقود الجنرال في المعارك وليس العكس. وكيفما كان الحال كل هذه التحاليل التي يقدمها في كتابه تنطوي على درس واحد وهو أن الحرب تظل تحت سيطرة الإنسان هو الذي يتحكم فيها، بإمكانه إشعالها أو وضع نهاية لها. هناك إذن مراهنة على عقلانية البشر. إنه لم يذهب إلى حد الانتباه للطابع الفريد الذي تتميز به الحروب كحتمية لصيقة بالمضمون الداخلي للحضارة المعاصرة، وهذا معناه أنها ليست نتيجة للصدفة وتقلبات التاريخ، بل لها أسباب معروفة والتي لن تكون في نظرنا شيئًا آخر غير التطور الكاسح للرأسمال وما يتركه من مفارقات اجتماعية عنيفة، تم ضعف البناء الأخلاقي للحداثة والتمزقات التي أدت إليها في الهوية الثقافية والكينونة الاجتماعية.
لا نعتقد إذن أن كلوسفتش قد وصل إلى حدس هذا الشرِّ المطلق الذي وصل إليه التاريخ المعاصر، إذ يبدو كيفما كان الأمر أن الحرب والسياسة ظلتا في فكره عبارة عن قطبين يمكنهما أن يتبادلا الأدوار، وأن يخدم أحدهما الآخر: الحرب تضع واقعًا سياسيًا، والسياسة تدبير لهذا الواقع، ففي فكر كلوسفتش ما زالت الحرب تحافظ على باراديغماتها الكلاسيكية، لأن ما كان يهمه كما رأى ريمون أرون هو إدراك أهمية الحرب الدفاعية والتي هي اسم آخر للسياسة وتفضيلها على الحرب الهجومية المباشرة، لذلك ورغم أنه قام بوصف دقيق لكل التكتيكات والإستراتيجيات الكفيلة بضمان النصر في المعركة، إلا أنه مع ذلك لم يصل إلى إدراك الماهية الحقيقية للحرب باعتبارها انحرافًا لاعقلانيًا للأساس الحضاري الغربي، وهنا تكمن محدودية القراءة التأويلية التي يقدمها آرون نفسه حينما يؤكد على أن كلوسفتش كان يهدف إلى تقديم الحرب باعتبارها ظاهرة خاضعة لإرادة الدولة وبالتالي لتخطيطات رجل السياسة. وكما رأى عبد الله العروي[5]، في إشارة لافتة أن كل هذه القراءة التي يقدمها أرون تقوم على افتراض أساسي يعود بجذوره للفلسفة الأنوارية وهو أن العقلانية هي الأفق الذي تتطلع إليه الدولة. ولكن ماذا لو نظرنا قليلاً إلى التاريخ وتأملنا المآل الذي انتهت إليه مثل الأنوار؟ ماذا لو وقفنا الآن على هذه الماهية المميزة للحرب بمفهومها الغربي، وكيف يشكل تحقق هذه الماهية منعطفًا كبيرًا في تاريخ الإنسانية؟
إن ماهية الحرب هاته كما نحاول توضيح ذلك تكمن في العقلانية الغربية وقد بلغت كمالها المطلق في التقنية كما عبَّر عن ذلك مارتن هيدغر في أطروحته الشهيرة عن :”التقنية باعتبارها ميتافيزيقا مكتملة”، غير أن هذه التقنية بدورها كما نلاحظ اليوم قد وصلت مطلقيتها في الترسانة العسكرية الفائقة، ومن تمت في الحرب كوظيفة لازمة لهذه الأسلحة، فالحروب الجديدة التي تدور رحاها اليوم قد تجاوزت بكثير الوظيفة الإنتاجية للحروب الكلاسيكية التي ولت وانتهت، لم يعد هدفها هو أن تصنع واقعًا سياسيًا ولا السياسة أن تضع حدًّا للحروب القائمة كما كان يعتقد كلوسفتس. إن هدف الحرب هو الحرب ذاتها، إذ يجب أن تكون هناك حروب حتى تظل السياسات قائمة وفاعلة، ليست السياسات هي التي تبرر الحرب اليوم بل بالعكس الحروب هي التي تبرر السياسات وتمنحها نمطًا من “المعقولية”.
بطريقة أخرى حين تغيب السياسة وتدخل في دوامة من الاضطراب في صناعة القرار وتنفيذه نتيجة سيطرة المال وتوجيهه للشأن العام فإن الأولوية لا تصبح معطاة للسياسة بل للمركب المالي/العسكري Le complexe militaro Industriel، وبالتالي تصبح القيم التي تدافع عنها السياسة مستمدة من قيم السوق والمضاربات المالية.
لقد تميزت الحداثة في بداياتها الأولى بما عرف بإرادة المعرفة La volante du savoir أي الرغبة في اكتشاف أسرار الوجود واختراق الحقيقة، غير أن هذه المسألة تحولت مع التاريخ كما تبين أغلب التحليلات الفلسفية المعاصرة إلى إرادة اقتدار وقوة La volante du pouvoir، هذه القوة التي تجلت في صورتها الواضحة من خلال التوسع الكوني عن طريق الحرب والقوة العسكرية الكاسحة. لذلك يمكننا أن نقول بوضوح إن الإرهاب حاول أن يحطم هذه الوسيلة بالضبط التي اعتمدتها الحداثة، لقد أراد أن يهزم الحرب من خلال تفكيك باراديغماتها العقلانية، ودفع العنف نحو حدوده القصوى، وذلك بتعريته من كل منطق ومعقولية، تلك المعقولية التي حاولت الحداثة إيهامنا بها.
حينما تغيب السياسة وتفقد فعاليتها الحقيقية تحضر بدلها الحرب، كي تقدم نفسها على أنها الحل السياسي الوحيد والممكن لمشاكل الحاضر، غير أنها حرب ذات طبيعة خاصة فهي تلغي من داخلها كل إمكانية في الوصول إلى النصر النهائي، لأن هدفها بالضبط هو ضمان الاستمرارية والدوام، وما دام الأمر على هذا النحو فينبغي أن لا يكون هناك نصر حاسم يضع نهاية للاقتتال، بل ينبغي تجنب هذا النصر كلما اقتربنا منه، وذلك حتى نعطي للحرب طابعها الأبدي ونمنحها فرصة كي تجدد نفسها وتخلق الأسباب الكفيلة بأن تظل قائمة. لقد استغرب الكثيرون مثلاً من جورج ولكر بوش الذي ترك بن لادن حرًا طليقًا في أفغانستان وذهب إلى العراق مختلقًا كذبة سياسية. افتضح أمرها فيما بعد تتحدث عن التهديد الذي يشكله صدَّام حسين لأمريكا وأسلحة الدمار الشامل التي بحوزته.
هذه النظرة الكلوسفتشية التي هيمنت على أغلب حروب القرن العشرين هي التي تجد نهايتها فيما يسمى الآن بشكل غامض ومتناقض “الحرب على الإرهاب” التي افتتحت القرن الواحد والعشرين. تاريخيًا إذن كانت الحرب الهمجية هي أسوء ما يمكن أن يقع فيه الإنسان. ولكن هاكم الآن ما يميز أزمنتنا المعاصرة: منذ الآن فصاعدًا لن يكون للحرب هدف ولا معنى، أو بشكل أدق إنها هدف ذاتها، وغايتها الوحيدة هي إلغاء المعنى، إنها حرب ضد الحقيقة وضد القيم الإنسانية العليا التي حلمت بها البشرية. قديمًا كانت الحرب من أجل السلام، أما الآن فالحرب تقام من أجل تأجيل السلام. أو كما عبَّر كينيون غيبسون إنها: “الحرب على السلام”[6].
منطق الإرهاب ومنطق الحداثة
يبدو الإرهاب اليوم كردِّ فعل لاعقلاني ضدَّ لاعقلانية الحداثة، فلاعقلانية الإرهاب تبرز بالإضافة إلى الطابع الدموي الذي يواجه به العالم في القراءة السطحية التي يقوم بها لتراث ضخم هو التراث الإسلامي عاملاً على إفراغه من مضمونه الحي، ومحولاً إياه إلى شعارات متصلبة غير قادرة على التعايش مع الحاضر. أما لاعقلانية الحداثة فلها تجليات مختلفة في السياسة والاقتصاد والبيئة، لكن أبرزها يظهر فيما وصفه النقد الفلسفي المعاصر بتحول العقل من طابعه الاستكشافي التساؤلي للعالم إلى مقولة تصنيفية ثابتة تحاول تنميط العالم في قوالب جاهزة قابلة للتداول تجاريًا. أو بطريقة أخرى تحولت المقولة الأنوارية “كل شيء ينبغي أن يكون قابلاً للتفكير” إلى مقولة ماركوتينغية وهي “كل شيء ينبغي أن يكون قابلاً للبيع”. هكذا تتضافر عدمية الإرهاب مع عدمية الحداثة في تشكيل وصنع مأساة الحاضر.
لهذا السبب لا ينحصر الإرهاب اليوم فقط في التنظيمات الإرهابية، بل في السياقات السياسية والاقتصادية والحضارية المؤدية إليه، وبالتالي فإن استئصال العناصر الإرهابية دون معالجة حقيقية لهذه السياقات لن يؤدي إلى أي نتائج ملموسة. والحال أن الحضارة المعاصرة تحتضن في داخلها إمكانات تدميرها كما تحتضن البذرة الثمرة، لذلك لا يمكن معالجة هذه السياقات دون القيام بتنقيب جدري حقيقي عن الأسس التي تقوم عليها وهذا يبدو من قبيل الاستحالات، على الأقل في المدى القريب والمتوسطـ. أليس لهذا السبب لا تنحصر مطالب القاعدة في لائحة سياسية محددة بل هي تؤكد على أنها تقود حربًا شاملة ضد القيم الغربية “الكافرة”، ضد “اليهود والصليبيين” على حد تعبيرها.
لقد أصبحنا اليوم نضع السلام في خانة الأوهام الكبرى، بينما نتحدث عن الحروب، وإن كان بمرارة. على أنها الواقع الحتمي الذي لا يمكن أن يستقيم أي تفكير خارجه. كنا نتحدث عن السلام الدائم، غير أن الحرب اليوم هي التي اتخذت طابع الديمومة. إنها هنا حتى في اللحظة التي لا تعلن عن حضورها بشكل مباشر، حتى وإن لم تطلق رصاصة واحدة يظل تهديد الحرب قائمًا. ليس ثمة من نقطة فوق المعمورة لا يمكن أن يطالها خراب الحرب. “سنضرب في كل مكان”. يقول جورج ولكر بوش إثر عمليات 11 سبتمبر. فالحرب ممكنة إذن وفي أية لحظة، ومن لم يقبل الضربات الوقائية عليه أن يكون مستعدًا للحرب الاستئصالية الشاملة. إن الكل يطلبها هذه هي دلالة التعبير الذي تردد بعد عمليات 11 سبتمبر: “هم الذين فعلوها لكننا أردنا ذلك”. لا يتعلق الأمر إذن بسياسة هوجاء ناتجة عن طموح شخص مغرور بقوته، وإن كانت هذه الاعتبارات الذاتية موجودة دائمًا، بل إن السياسة المعاصرة جوهريًا لا يتحقق كيانها إلا إذا كانت لها حربها الخاصة، فإذا كانت السياسة في الماضي هدفها هو تجنب الحروب بالطرق الدبلوماسية الممكنة وإبعاد شبحها ما أمكن، فإن السياسة اليوم ما هي إلا تجلٍّ للحرب وهذا هو ما يطرح ماهيتها وماهية السياسة موضع تساؤل.
ينبغي أن نؤكد كذلك على أن هذه الحرب التي تقودها أمريكا اليوم ضدَّ ما تسميه بالإرهاب ليست حربًا عرضية كما قيل غالبًا، جاءت بها الأحداث المتعاقبة لما بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشيوعي، حيث كان على الولايات المتحدة أن تبرز نفسها كقوة عظمى مهيمنة على العالم بأجمعه. إننا نعتقد على العكس من ذلك أن علاقة أمريكا بالحرب ليست علاقة صدفة تاريخية أملت عليها مضطرة أن تسلك سلوكًا عدوانيًا اتجاه من يناصبونها العداء من الإسلاميين المتطرفين أو غيرهم من المعارضين لسياستها الإمبراطورية. فهذه الدولة التي تفتقد لعمق تاريخي[7]، والتي أرادت أن تستكمل المشروع الغربي حتى أبعد أقاصيه، بل وتبديل الطرق والمناهج الأوروبية العتيقة في نظرها بطرق أكثر قوة وأبعد تأثيرًا لتحقيق مشروعها، هي على يقين من أن التجربة الحضارية للعالم الجديد لا يمكنها أن تكون ناجحة إلا إذا صفت حسابها مع العالم القديم برمته بما فيه أوروبا نفسها، ومن هنا دلالة التعبير الذي أطلقه رامسفيلد معلقًا على معارضة ألمانيا وفرنسا الحرب على العراق: “إنها أوروبا القديمة”.
لم تعد أمريكا راغبة في أن تضع نفسها إلى جانب الشعوب والحضارات الأخرى ضمن علاقة تجاور ثقافية وإنسانية عامة، بل هي تريد أن يكون موقعها فوق الكلِّ، بما فيه هيئة الأمم المتحدة نفسها، وكأنها الدولة العالمية التي ينبغي أن تذوب فيها جميع الدول الأخرى وتلتحق بها. إن التوسع الإمبراطوري ليس مجرد خطأ سياسي وقعت فيه حكومة معينة هي حكومة بوش، بل هو أفق استراتيجي يقع في صلب الكيان الحضاري للولايات المتحدة الأمريكية. غير أن هذا التوسع المطلق من شأنه حتمًا أن يصطدم بالعديد من الحضارات الأخرى مثل الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الهندية والصينية. هذه الحضارات التي تمتلك عمقًا تاريخيًا يعود لآلاف السنين والتي تجد نفسها مجبرة لكي تؤكد بقائها في عصر التقنية الفائقة الحفاظ على هذا العمق التاريخي، بل رفعه كبديل حضاري للأزمات التي ينتجها المشروع الحداثي الغربي.
لا تهدد أمريكا إذن فقط العالم العربي الجريح، ولا الدول المنهكة التي تركها الإتحاد السوفياتي البائد، ولا إفريقيا الجائعة والمترقبة، ولا أوروبا التي علمها التاريخ أن الأحلام المجنحة لا مكان لها تحت السماء، بل هي تهدد كل إمكان للوجود والكينونة، إنها انقلاب ضد التاريخ الذي ما عاد يمكن أن يعني شيئًا بعد نهايته، والذي لا يمكن بعد الآن أن يتم النظر إليه كمجرى للهوية المتماسكة التي كانت الأوطان تعرف نفسها انطلاقًا منها وضدَّ الجغرافيا. فكرة الحدود والدولة الوطنية والسيادة والانتماء كلها ينبغي أن تخلي السبيل لمشروع العولمة، ولمشروع غزو الفضاء، وضد النوع البشري، الذي عليه أن يذعن راضخًا لمشاريع الاستنساخ والجينوم والسيبرنطيقا، وضد الثقافة والفكر، كأسس ومبادئ والتزام وتضحية لصالح شكل خاص من الثقافة يتحول فيها الفكر إلى سلوك استهلاكي. أمريكا إذن هي أسطورة الإنسان الأبيض تواصل سيرها نحو النجوم.
هذه هي “المهمة التاريخية” لأمريكا: قلب مفهوم الكائن لكائنيته ولكينونته، سواء على الصعيد الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي أو حتى البيولوجي المحض، وهي مهمة قد لا تكون مفهومة من طرف الغالبية العظمى من البشر الذين يتشبثون بمواقفهم التقليدية، إما انطلاقًا من دوافع عقائدية ماضوية أو بدوافع مصلحية سياسية. إنها سياسة من أجل إنهاء السياسة، أي سياسة تجعل الطموحات والبرامج الوطنية الكبرى المبنية غالبًا على إرادة تحقيق التوازنات الاجتماعية شيئًا من الماضي، فالسياسة اليوم هي عمل يدار بالأساس خارج الدوائر السياسية التقليدية: الكونغرس، مجلس الشيوخ، بل يصنعه المركب العسكري/المالي والشركات العابرة للقارات والذي يقتضي عبورها ذوبان الحدود واختفاء السيادة ونهاية الدولة الوطنية، وكل من يقف اليوم أمام هذه السياسة فهو يتهم بإعاقة تطور الرأسمال العالمي ومن ثمَّة فقد أباح لنا بالبحث عن كل المبررات لإسقاطه. هذا هو حقيقة مفهوم الحكامة La gouvernance الذي يعني في نهاية المطاف أن الدولة عليها أن تتحول من جهاز سياسي إلى جهاز إداري مهمته فقط تدبير الشأن العام بما يتلاءم مع إملاءات هذه الشركات والدوائر المالية العالمية.
لم تعد أمريكا اليوم مجرد أمة من الأمم تعيش تجربتها الحضارية الخاصة، بل هي تجسد وتختزل مغامرة الحداثة في تخومها القصوى، حداثة السرعة المزدوجة. إن الذات الحرة والفاعلة قد اختفت تحت ركام البضائع، وتم غسل دماغ الجماهير بالسياسات الدعائية الاستهلاكية، والذات/البضاعة حلَّت محل الذات المفكرة، فهل نحن مع الإرهاب إزاء الإنسان الأخير الذي يرفض الانبطاح لديانة السلعة؟ ألا يكون الإرهابي هو الرجل الذي يستفيد من عصر الصورة والمعلوماتية ولكن لكي يضعها بين قوسين؟
للإجابة بشكل قاطع نقول إنه علينا أن نحذر من السقوط في مديح الإرهاب لأن كلِّيانية الأصولية لا يمكنها أن تعالج كلِّيانية الحداثة، والرفض الراديكالي الذي يتضمنه الإرهاب لا يساعد سوى على مفاقمة أزمة الحداثة، لأنه يزيد من تسارعها المفرط ومن رغبتها في تشديد الهيمنة والسيطرة على العالم.
إن الاعتبارات السابقة تجعل الحرب على الإرهاب اليوم ليست ضد الهيمنة الأمريكية تحديدًا، حتى وان كانت هذه المسألة تدخل ضمن حساباتها، بل هي حرب ضد طبيعة المجتمعات الحديثة وضد طبيعة الحداثة نفسها. لقد وصلت العقلانية الغربية غاياتها القصوى في التقنية كما أوضح هيدغر، والآن ها نحن نرى من بعده كيف أن هذه التقنية قد بلغت بدورها غاياتها النهائية في الصناعة الحربية والتقنية العسكرية. يكفي أن نذكر أن نصف علماء الولايات المتحدة يشتغلون في الصناعة الحربية، أي في صناعة الموت، أما العلماء الباقون فهم خاضعون لهيمنة الشركات التي تقتل طموحاتهم في البحث العلمي من خلال ربطهم بالصناعات الاستهلاكية والتجميلية.
لهذا السبب يهدف الإرهاب إلى الإطاحة بالبراديغمات العقلانية التي تقوم عليها هذه الحرب، وتقويض كل إمكان للمنطق والمعقولية التي تدعيها الحداثة المعاصرة. هكذا بالاعتماد على الأطروحات الفلسفية والتصورات التي بنتها العلوم الإنسانية بدءًا من نيتشه وإلى غاية مدرسة فرانكفورت يمكن توصيف أزمة الحداثة التي تقودها الولايات المتحدة اليوم على سبيل المثال لا الحصر في العناصر الآتية:
– تراجع الرؤية الدينية للعالم لصالح الرؤية العلمية الموضوعية، وهو ما يمكن التعبير عنه بفلسفة المصير.
– الواضح التي تستبعد كلَّ معنى للمجهول أو القدر أو أي عمق غامض للعالم.
– ضعف الوازع الأخلاقي والقيمي في سلوك البشر وطغيان أخلاق المنفعة والتفوق المادي.
– الارتباط المخيف للعلم بالصناعة الحربية وليس بالبحث في المسائل التي من شأنها أن تحسن وضع البشر على هذه الأرض.
– التخريب الممنهج للطبيعة والقضاء على الثروات الحية لصالح هدف واحد ألا وهو التصنيع.
– تزايد الهوة بين الدول الفقيرة والدول الغنية والاستغلال الفاحش للأطفال والنساء على نطاق واسع.

– انتشار ثقافة الفراغ والتملك والاستهلاك بدل ثقافة الإبداع والتعبير الحر عن الذات وتأكيد الوجود.
– سحق الهويات والخصوصيات والثقافات المحلية بدعوى الثقافة الكونية والتقدم والعالمية.
إن بربرية الحداثة التي تنشرها أمريكا أدَّت إلى أن تصبح الحرب اليوم هي التي تشرع القانون، وليس القانون هو الذي يشرع الحرب. فمجلس الأمن الدولي والهيئات التشريعية الأخرى وضعت جانبًا وحمل الجنرالات ترسانتهم الحربية لتأديب العالم. كان الإنسان يحارب من أجل ردم الهوة بين الشعوب وتقريب الاختلافات من بعضها البعض، أما اليوم فالإنسان يحارب من أجل تأجيج الاختلافات وإذكاء النار في الأحقاد والصراعات القديمة التي طمرها التاريخ، أليس بهذا المعنى يمكن أن نفهم عودة الحروب الدينية في شكلها الجديد فالحرب ضد الإرهاب، هي حرب آلهة متناحرة فوق مسرح الحداثة. إنها عودة لكل الاختلالات القديمة في التاريخ وقد أضيفت إليها بهارات الاقتصاد والسياسة المعاصرة.
ظاهرة الإرهاب إذن هي انتكاسة حقيقية ليتوبيات الأنوار، هذه اليتوبيات التي تكمن في حلمها بإمكانية أن يقضي التقدم على بربرية البشر، وأن يحل العقل محل الأسطورة والسلام محل الحرب. غير أن تاريخنا الراهن يكشف بشكل حزين وتراجيدي عن ضياع هذا الحلم، فالتقدم لم يعزز سوى ميلاد بربرية جديدة لا يمكن مضاهاتها ببربرية الإنسان القديم، والأساطير التي اعتقدنا أنه تم دفنها في الماضي عادت لتمارس فعلها السحري على الإنسان، هذا إن لم يكن العقل نفسه قد تحول إلى أسطورة جديدة. أما الحروب التي كانت تخاض بشرف ونبل فقد ولت لتحل محلها الحرب الأخيرة التي هي دمار مطلق للنبل والشرف والحقيقة، مادامت قد ألغت من داخلها ذلك الأمل القديم بالعثور على سلام وعلى تفاهم ممكن بين البشر. وما يزيد في بعث الضنك في النفوس الحرة اليوم هو أن الحروب لم تعد تشنُّ باسم عدالة ممكنة، بل هي تجري بأهداف استئصالية محضة، غرضها ليس الإبقاء على حياة العدو بغية نزع الاعتراف منه كما قدم هيجل في تحاليله الشهيرة حول جدلية العبد والسيد. إن السيد اليوم ليست له أية رغبة في الإبقاء على حياة هذا العبد، إنه بالعكس من ذلك يريد التفنن في قتله والتنكيل به ومحو ذكراه من على الأرض فأبو غريب وغوانتانامو وباغرام، كلها وقائع لا يمكن أن تجد لها مكانًا في الفلسفة الهيجيلية التي ما زالت مع ذلك تتحدث عن عنف وعن وصراع إيجابي يرمي إلى خلق علاقة إنسانية ممكنة حتى وان كانت هذه العلاقة تفتقد إلى التكافؤ.
هنا يبرز العجز الجذري للحداثة التي من خلال مشروعها الكوني لا تعمل إلا على نزع الجذور الأخلاقية للإنسان، والزجِّ به في المغامرة الجامحة لأخلاق الربح والمردودية، وقيم التفوق والقوة وهي بذلك تفاقم المفارقات التي يعمل من خلالها الإرهاب ويوسع دائرة نشاطه.
لكن في المقابل لا يمكن النظر إلى الإرهاب على أنه ظاهرة فاقدة للمعنى، أو أنه مجرد سلوك إجرامي منحرف يمكن معالجته أمنيًا، فرغم أن الإيديولوجيات الدعائية التي يستند إليها لا تتضمن أيَّ حلٍّ للمعضلات التي تطرحها الحداثة، إلا أنه مع ذلك يكشف بشكل دراماتيكي عن حضورها. إنه يؤشر على المفارقات الكبرى التي تعترض التقدم البشري، لكنه وفي الآن ذاته عن طريق العمليات التي يخوضها لا يستطيع أن يحقق مكاسب ملموسة لصالحه أو إلى إضعاف العدو كما يعتقد بن لادن، بل هو لا يزيد سوى في تعزيز وتقوية الإرهاب المضاد إرهاب الحداثة والعولمة.
باراديغم الحرب العالمية الثالثة
لقد غيرت الحرب إذن مفهومها ومعالمها بل وحتى غاياتها. إن المواجهة اليوم لا تتم بين طرفين يعرف كل منهما الآخر، ويتم استهدافه بشكل مباشر وطبقًا للقواعد المتفق عليها أخلاقيًا أو قانونيًا. إن العدو الآن ليس له وجه، سرعان ما يتبخر ويختفي داخل الطبيعة، كما أن أرض المعركة لم تعد مكانًا محددًا، إنها بالعكس يمكنها أن تكون أي مكان، مدرسة، سوق، مواقع سياحية، مستشفيات، …
إن مقاتلي الإرهاب ليسوا بمليشيات لأن هذا الأخير عبارة عن جيش مؤقت يناضل من أجل قضية سياسية محددة. ولا بجيش نظامي لأنه لا يخضع لسلطة الدولة وتوجيهاتها، ولا حتى بمحاربي العصابات لأن هؤلاء يخوضون حربًا غير نظامية ولكنها مع ذلك مقننة سياسيًا ولها نزاع واضح قابل للتفاوض السياسي. بل إن الإرهاب هو شكل غير محدد من القتال قد يستفيد من التكتيكات السابقة لكنه يتجاوزها بكثير، وذلك ما دام أنه يمكن أن تنفذه جهة معينة أو أفراد معزولين هنا أو هناك يعلنون الولاء لنفس الفكرة تم يمرون إلى التنفيذ.
يظل مع ذلك ما يميز الإرهاب ليس شكل التنظيم الذي يهيئ به صفوفه، بل الأثر أو الفكرة التي يحدثها وهي قتل أكبر عدد من الناس بأبشع صورة ممكنة، وبشكل يسمح بتداول هذا الحدث بطريقة واسعة في الواجهات الإعلامية المرئية والمسموعة، وبالتالي يكون هدف الإرهاب ليس فقط تنفيذ العملية في حد ذاتها بل إحداث نوع من الإهانة والتحقير ومرارة الخسارة. هذا بالضبط هو ما تركته أحداث 11سبتمبر، وكذلك هو نفس الأمر الذي تركته صور المختطفين الذي يذبحون علانية أمام الكاميرات. فالإرهاب ليس فقط هو القتل المجاني للأبرياء بل هو يستهدف نشر الرعب واستدامته في المجتمعات المعاصرة.
يستند الإرهاب إذن على ثقافة خاصة به، وهذا من سخرية الأقدار طبعًا، فهو يصدر للغرب ما يريد أن يتناساه ويطرده بعيدًا عنه، إنه ثقافة الموت الشعائري، والعنف المقدس، وهي كلها أمور لا يمكن أن تكون مفهومة من طرف نظام حياة غربي قائم على الرفاهية واستبعاد الألم – حالة الموت الرحيم مثلاً -. إن الإرهاب هو إظهارية الشر L’exhibition du mal Le terrorisme est، نقصد أن الإرهاب ليس مجرد اعتداء، أو معركة من أجل حسم قضية ما، بل إن القضية نفسها التي يجري عليها الصراع هي تصدير الألم والتذكير بالتناهي الإنساني، هذا الألم الذي نسيته الحضارة الغربية رغم أن أساسها الروحي قائم بالضبط على تقديس الآلام، (لنتذكر هنا طبعًا آلام المسيح والتضحية من أجل الآخر كمكون أساسي في العقيدة المسيحية). إن الإرهابي يقدم اليوم نفسه ككائن استشهادي مستعد للتضحية من أجل مبدأ ما حتى وإن كان هذا المبدأ لا تستسيغه الحداثة المعاصرة، ولكن يبدو أنه يستمرئ هذا الرفض، بل هو يستمد منه طاقة محركة تجعله أكثر إمعانًا في التأكيد على حقه في رفض الحياة. إن الرسالة الوحيدة التي يريد الإرهاب طرحها للعالم هي تذكير الإنسان بحدوده الجذرية.
لقد عاد الإرهاب إذن إلى ما هو عميق في الثقافة الشرقية، وهو الموت الخلاصي La mort salvatrice، لكنه في الآن معًا حينما يوظف هذه الأمور ضمن سياق سياسي، وحرب لا تخلو من أيديولوجية ألا يعمل على علمنتها وذلك باستثمارها وإقحامها في حرب ليست هي حربها. ألا يكون الإرهاب بهذه الطريقة أيضًا يلعب تلك اللعبة الغربية التي يكرهها على أية حال، ويريد أن يعلن حربه عليها. فالعمق الشرقي الروحي يتحول مع الإرهاب إلى مواضعات سياسية دنيوية، إذ لا يمكن أن نبحث بطريقة لاأخلاقية عن أساس أخلاقي لهذا العالم.
لكن في المقابل ألا يقوم بوش بالشيء نفسه، ألا يلعب نفس لعبة بن لادن، فإعلاؤه من التقوى المسيحية الطهرانية يجعل الحرب على الإرهاب شكلاً جديدًا من أشكال الحروب الصليبية، وهو أمر فهمته الجماعات الإسلامية جيدًا مما زاد من “حماسها الجهادي”. إن مفارقة ما بعد الحرب تكمن في كون هذه الحرب يصنعها اليوم الرأسمال العالمي والشركات العابرة للقارات لكن ينفذها في واقع الأمر أناس يدعون الانتماء إلى مرجعيات ثقافية أو دينية وكأنهم بذلك يريدون مناهضة هذا الرأسمال واقتلاع جذوره، لكنهم في واقع الأمر لا يعملون سوى على مفاقمة الوضع الذي يبحث عنه ألا وهو وضع اللاأمن واللاإستقرار. إذ يبدو هنا أن رفض الرأسمال وإدانته تمارس بنفس اللغة التي يطلبها هو نفسه. اليوم يتحدث الغرب والقاعدة لغة الدين لكنهما يلعبان لعبة الرأسمال.
إن الاصطدام إذن هو بين عقيدتين شموليتين كل واحدة تريد أن تهيمن على الأخرى وتقصيها بدعوى امتلاك الحقيقة، فلا أحد يريد أن يقبل اختلاف الآخر. العقيدة الأولى هي عقيدة العولمة التي تريد فرض الرأسمالية كديانة أخيرة للإنسان، بحيث تختزل كينونته برمتها إلى مجرد سلعة قابلة للتثمين. أما العقيدة الثانية فهي عقيدة أسلمة العالم التي تعتقد أن عهد الفتوحات والجهاد ونشر الدعوة بالسيف مازال قائمًا، والذين يربطون كل هذه الأمور بالسياق التاريخي ويرون أنه من الضروري ربط الإسلام بالحاضر، وإعادة بحث كل هذه المفاهيم بما يتلاءم والقراءة الحداثية العقلانية، هم كفرة يوجدون خارج الملة، أي مرتدين وبالتي هم أول من ينبغي الجهاد فيهم. فالإسلام إذن من منظور هذه الجهات حقيقة أزلية ثابتة وخالدة، توجد فوق التاريخ ولا تخضع لتحولاته وتغيراته.
ولكن إذا لم تكن الحرب إلى حد الآن قادرة على أن تعمل على معالجة الاختلافات الأساسية بين البشر، فهل يمكن أن تلعب الحداثة هذا الدور بحيث تذيب هذا الاختلاف الجدري؟ ألا تقوم العولمة اليوم بثورة صامتة تحول فيها كل شيء، العلاقات الاجتماعية، رؤى العالم، الأخلاق، القيم والعادات…؟ هل من الممكن أن ننتظر إذن في المستقبل ذوبان هذه الجماعات تحت ثقل السيولة المذيبة للرأسمال؟
بالأمس كان الرهان الكبير للماركسية الكلاسيكية هو أن الرأسمالية تحمل في داخلها تناقضاتها التي ستعمل على الإطاحة بها. بمعنى إن الرأسمال من خلال العلاقات التبادلية الإنتاجية سيصل إلى حد معين تنقلب فيه الأوضاع بشكل ثوري عاملة على خلق أوضاع جديدة. غير أن الصيرورة التاريخية كما هو معروف لم تتطابق تمامًا مع تنظيرات ماركس. لقد علمنا الواقع العيش مع التناقض بدل حله في صيرورة جدلية، فحركية الرأسمال هي حركية عدمية بدون هدف ماعدا الهدف الاستهلاكي المعمم. غير أن هذه الحركية الجامحة تولد دائمًا مقاومات وطاقات تعمل على الهامش، وحركات تحاول صياغة لغة مضادة للغة الرأسمال، أي باختصار تولد وتصعد في الآن ذاته هذا الحنين المضاد لما قبل الحداثة، والذي يتفاقم كلما أمعن الرأسمال في زيادة تناقضاته. إن المعركة ضد الإرهاب هي في حقيقة الأمر معركة الحداثة وأزمتها الداخلية، غير أنها المعركة الأخيرة التي لن تنتصر فيها الحداثة مادام أن مشروعها لا يتواصل إلا على حساب التخريب العدمي للكائن والطبيعة، كما لن ينتصر فيها الإرهاب كذلك لكونه يكرر الخطأ الكبير الذي سقطت فيه جميع الخطابات الكليانية وهو افتراض أنه ثمة خارج معين يقع بعيدًا عن دائرة الحداثة، والحال أن الحداثة هي الأفق الكوني الذي وصل إليه تاريخ البشر على هذه الأرض، نقصد أنه لا يمكن مراجعة الحداثة إلا بواسطة حداثة مضادة كما تفعل ما بعد الحداثة مثلاً. لذلك لا يمكن الخروج منها مطلقًا بغرض البحث عن نظام آخر بديل لها، أو عن مجتمع فردوسي مضاد لتناقضات المجتمعات الحديثة، وما دامت الأزمة الأخلاقية للحداثة والرأسمال ستتفاقم في المستقبل سواء من خلال المزيد من استغلال الدول الغنية للدول الفقيرة، أو ارتفاع معدل الفقر على الصعيد العالمي، وفشل الطبقة المتوسطة، واستمرار المشروع العلمي التقني المضاد لهوية الإنسان وقداسة الحياة…، فإن هذا الحنين العدمي لما قبل الحداثة من المنتظر أن يتفاقم بدوره في أشكال مختلفة يتخذ بعضها للأسف طابعًا مأساويًا دمويًا، وقد يكون على الإنسان أن يتعلم وإن كان بمرارة كيف يعيش مع التناقض وكيف يقبل بأن تكون ظاهرة الإرهاب رديفًا مضادًا للحداثة وملازمًا لها في الآن ذاته[8].
ولكن مع ذلك لا يعني هذا أن الإرهاب هو رد فعل طبيعي ومباشر ضد الهيمنة التي تفرضها العولمة كما أعتقد جان بودريار[9]، وذلك لأن بروزه إلى الوجود كان سابقًا على ظهور العولمة نفسها، ثم إن خطابه لا ينطوي على أي لغة سياسية مناهضة لسياسة العولمة، عكس ما نجد في الحركات الاحتجاجية والتنظيمات التي تقف في وجه كل مؤتمر يكون موضوعه تخطيط السياسة الاقتصادية الجديدة للعالم. إننا نتذكر جميعًا أن ما كان يهم المجاهدين في بداية الأمر هو طرد “البلاشفة الملحدين” من أفغانستان، ولم تكن لهم أية رؤية نقدية للسياسة الأمريكية حتى أنهم وضعوا أيديهم في أيديها معتبرين إياها حليفة لهم. ثم إن بن لادن لم يتذكر فلسطين ولم تدخل خطاباته إلا لاحقًا، وذلك بالضبط حينما شعر أن انهيار البرجين لا بد له من سبب وجيه على أي حال. لكن الحقيقة هي أن الإرهاب كفعل مجاني لا يحمل إلا الحقد لكل ما على وارتفع من البنيان والعمارة، لأنهم لا يرون في كل هذا إلا تطاولاً على عظمة الله وأسراره الجليلة، ففي المخيال الرمزي الديني للقاعدة لا تذكر أبراج نيويورك إلا بأبراج بابل التي أرادت أن تطاول بوقاحة عنان السماء فدكَّها الله دكًا.
إن الشعارات الأساسية التي تحرك عمل القاعدة هي شعارات عقائدية مثل سياسة الولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاكمية الله… بل هي حتى حينما ترفع بعض الشعارات السياسية فهي لا تفعل ذلك إلا مضطرة بدافع الاقتراب من الجماهير واستقطابها، ففي خطاب تلفازي برر بن لادن بطريقة غرائبية سبب تدميره لأبراج نيويورك مؤكدًا أن السبب هو الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة 1982، وكأنه كان مضطرًا للانتظار 22 سنة حتى يرد على هذا الاجتياح. لقد كان واضحًا أنه سبب ملفق بل يعبر عن بلادة سياسية واضحة، أما السبب الحقيقي لاستعمال مثل هذه الشعارات السياسية بين الحين والآخر فقد عبَّر عنه أيمن الظواهري في كتابه فرسان تحت راية النبي قائلاً:
يجب على الحركة الجهادية أن تتخلى عن الاقتصار على خوض المعركة تحت شعارات الحاكمية والولاء والبراء فقط، فإن هذه الشعارات وللأسف ـليست مفهومة لدى جماهير الأمة التي لا تجد نفسها مستعدة للتضحية من أجل شعارات لا تفهمها، حتى وإن كانت هذه الشعارات صحيحة مائة بالمائة، لذا يجب أن نضيف إلى شعاراتنا العقائدية الخالصة شعارات أخرى هي من الحق الخالص أيضًا ولكن هذه الشعارات مفهومة لدى جماهير الأمة المسلمة، أي أننا بتعبير آخر بدلاً من أن نعتبرها شعارات من الدرجة الثانية في الأهمية يجب أن ندفع بها إلى الأمام لتتصدر دعوتنا جنبًا إلى جنب مع الدعوة إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصافية، والشعار الذي تتفهمه الأمة المسلمة جيدًا وتتجاوب معه منذ خمسين سنة هو شعار الدعوة إلى جهاد إسرائيل[10].
واضح إذن من كلام الظواهري أن الشعارات السياسية ليست سوى تكتيكات وليست مبدأ استراتيجيًا واضحًا، لأن الأصولية الجهادية ليست حركة سياسية وإنما هي حركة عقائدية، وأنها لا توظف السياسة إلا من أجل خدمة الأغراض العقائدية الأساسية. من هنا يزول ذلك الغموض والتساؤل الذي طرحه البعض بعد عملية 11 ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍سبتمبر متسائلين إذا كانت القاعدة تملك كل هذه القوة والمقدرة على ضرب الولايات المتحدة في عقر دارها فلماذا لم توجه ضربة موجعة إلى إسرائيل في قلب تل أبيب. الجواب هو أن القاعدة وكما تؤكد أدبياتها تميز بين العدو القريب والعدو البعيد، وأنه إذا كان الهدف هو خدمة العقيدة و”التوحيد الخالص”، فإنه ينبغي أن نبدأ بالعدو البعيد، لأن الأول يستمد قوته من الثاني، لذلك ما أن ينهار النظام العالمي حتى تجد الأنظمة التابعة له نفسها وحيدة معزولة.
الإرهاب إذن فعل غير سياسيLe terrorisme est un acte apolitique . ولكن ألا يكون بهذا المعنى يفاقم دلالة ما هو سياسي ويذهب بها بعيدًا، بالضبط لأنه يعلن أن السياسية ومن ثمَّة أيضًا الاقتصاد لا يمكن أن تكون هي كل ما يمكن أن يقرر مصير الكائن البشري. لا يتحدث الإرهاب لغة سياسية مباشرة قابلة للتداول السياسي رغم أن عملياته قد يكون لها تأثير سياسي واضح، فقد دفعت عمليات 11 سبتمبر مثلاً إلى تحرير آليات الفعل الديمقراطي في دول الخليج، إذ ستقوم السعودية لأول مرة بانتخابات بلدية، كما ستصادق الكويت على قانون الحرية السياسية بالنسبة للمرأة. أما عمليات الدار البيضاء فقد أدت إلى تحريك الملف الاجتماعي وتبني برنامج لمحاربة الفقر وإدماج أحياء الصفيح في الحياة الاجتماعية. كما أن تفجيرات مدريد تركت أثرًا واضحًا على المستقبل السياسي لأسنار، في حين أدت تفجيرات لندن إلى رفع المساعدات المالية لإفريقيا من 25 مليار إلى 50 مليار. لكن مع ذلك لا يبدو أن الإرهاب هو الذي ينتصر في نهاية المطاف، وذلك لأن هذه التغييرات السياسية ليست هي الهدف الأسمى الذي يسعى إليه، كما لا يعني هذا أيضًا أن الديمقراطية هي التي تنتصر وذلك لأن كل هذه الإصلاحات في مجملها لا تؤدي إلى تغيير حقيقي وجذري.
من المؤكد أن للحرب المعاصرة أهدافها هي أيضًا، ومطامحها السياسية أو الاقتصادية. غير أنها مع ذلك غير قادرة على ضبط هذه الأهداف وحسمها بقوة السلاح والتدخلات العسكرية المباشرة، كما هو الأمر في حالة الإرهاب مثلاً حيث لا تصنع الحرب إلا عنفًا مضاعفًا، وتفاقم من الطابع اللاأخلاقي للردِّ والردِّ المضادِّ. هكذا إذا كانت الحرب كما عاهدناها تضع حلولاً للمشاكل بغض النظر عن عدالة هذه الحلول ومصداقيتها، حربنا اليوم لا تعمل إلا على التناسل بطريقة ذاتية سرطانية. تصبح الحرب ذاتها كما لو أنها تبحث عن أهدافها من خلال المعارك التي تشعلها. فما هي مثلاً أهداف الجماعة الدينية أوم شينريكيو التي أطلقت غاز ساران في ميترو اليابان، أو أهداف تنظيم القاعدة، وهل تحمل في جهادها المزعوم لائحة مطالب سياسية محددة. إن في ضرب الأبراج التجارية في نيويورك رسالة لا تخلو من قوة وتفاهة في الآن معًا. فغزوة منهاتن بتعبير هذه الجماعة قوية لأنها تعلن عن حضور معارضة جذرية، لها كامل القدرة على اختراق الأجهزة الأمنية والضرب في العمق، لكنها تافهة مع ذلك لأنها حرب ضد حضارة بأكملها. نقصد أن ما تريده القاعدة ليس الدفاع عن قضية محددة سياسيًا، وإنما قضيتها هي ضد الحضارة الغربية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن ما تريده القاعدة ليس رفع القواعد العسكرية من الخليج، وحلٌّ عادل للقضية الفلسطينية وإنهاء احتلال العراق، وإن كانت توظف هذه الأمور كشعارات تعبوية، بل ما تريده هو تغيير وجه العالم، قلب نظام القيم والثقافة الغربية، حربها إذن ضد” الحداثة الضالة” و”الديمقراطية الكافرة” و”القوانين الوضعية”… ولكن حتى بمثل هذا المنطق هل يمكن للإرهاب أن يحقق مطالبه أو حتى بعضًا منها؟ يمكننا أن نقول إن الإرهاب هو الموت المجاني لأنه غير قادر على انتزاع أهداف سياسية محددة.
ولكن من منظور آخر هل تملك “الحرب على الإرهاب” بدورها أهدافها الواضحة؟ في العديد من فلتات اللسان التي سقطت من بعض السياسيين وعلى رأسهم بوش، سمعنا أن الحرب هي ضد الإسلام، وضد مجتمعات لا تفرخ إلا الإرهاب بفعل عتاقتها وتقادم نظامها السياسي، إذ ما معنى “خطة تغيير الشرق الأوسط” إن لم تكن حربًا ضدَّ كيان حضاري بأكمله. ثم هل تملك هذه الحرب من الشجاعة ما يمكنها من الانتصار في النهاية. إنها هي نفسها واعية بأن الأمر يتعدى مجرد عمليات عسكرية كاسحة، فالحرب ضد الإرهاب هي “حرب طويلة الأمد” يقول بوش. ترى كم ستدوم من العقود؟ كلا إن الأمر لا يتعلق بمدة زمنية طالت أو قصرت، إنها الحرب التي لن تنتهي إلا بسقوط النجوم فوق رؤوسنا. ثم إنه ليس هناك سلاح يمكنه أن يحسم الحرب ضد الإرهاب. فإذا كانت قنبلة هيروشيما هي التي وضعت حدًا للحرب العالمية الثانية، هنا الأمر مختلف تمامًا إذ لا يمكن أن تخيف بالموت من يطلبونها ويسعون إليها جاهدين، ففي تصريح تلفزيوني أكد أحد مفجري عملية بالي وهو يضحك أن كل ما يتمناه هو أن يتم قتله وإعدامه على يد أعدائه.
إننا نعيش عصر نهاية السلاح وهذه ميزة أخرى للحرب العالمية الثالثة التي ما عاد للسلاح مهما كان أشد فتكًا ودمارًا أن يضع نهاية للنزاع. حربنا اليوم هي أيضًا حرب هزيمة السلاح الذي لم يعد قادرًا حتى وإن كان من نوع أسلحة الدمار الشامل على أن يضمن استسلام أحد الطرفين. ما يرفضه الإرهاب هو تمركز القوة العسكرية من خلال الترسانة التكنولوجية وادعاء اكتمال العنف في القوة النووية، إنه يريد أن يقول بصراحة هذا الردع النووي لا يمكن أن يخيفنا وأن سلاحنا لهو أقوى من كل سلاح يمكن العثور عليه. لقد كان القرن العشرين هو عصر احتكار العنف خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، أما القرن الواحد والعشرين فهو عصر دمقرطة العنف والمساواة أمام الموت.
يبدو أن الإرهاب يعود من جديد إلى إحياء الأسئلة القديمة للبشرية، أسئلة الوجود والتناهي والمصير الديني للعالم ، تلك الأسئلة التي اعتقد الإنسان أنه قد طمرها إلى الأبد بفعل التقدم العلمي والتقني، إنه الحلم الأمريكي، العيش بدون أسئلة ميتافيزيقية، حيث يتحول الفكر نفسه إلى موضة وسلوك حياتي. يعتقد الإرهاب إذن أن الخير والرفاهية التي وفرتها المجتمعات المعاصرة، لا يمكن اعتبارها بأي حال خيرًا، وبهذا فهو لا يحتج إذن على مطالب سياسية محددة بل على مجمل المشروع الحداثي ونمط العيش ككل. لنتذكر هنا مثلاً كيف تعاملت الرأسمالية الأمريكية مع حدث انهيار البرجين، حيث خلقت في الحين مجموعة من الأنشطة والبضائع التجارية المرتبطة بموت الآخرين. هذه إذن هي الأشياء الخاصة بالعقلية الأمريكية، القيمة التجارية هي قيمة القيم.
ماذا نملك كعلاج إزاء ظاهرة كهذه؟ الحلُّ الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية هو التدخل العسكري المباشر، وهو ما قامت به في أفغانستان، واختلقت أسبابه أيضًا في العراق، وما زالت توجه التهديدات لدول أخرى. لكن الحلَّ الأمني مع ذلك تبينت محدوديته وعدم قدرته على وضع نهاية لهذه الظاهرة، من هنا جاء الحلُّ التنموي الذي حاولت أن توصي به حلفائها من الدول العربية، ومعناه أن التطرف يصنعه بالأساس بؤس الحياة والشقاء الاقتصادي. ولكن هل نسينا فعلاً أن أغلب العناصر التي تكون أنصار القاعدة هم أناس لهم إطارهم الاجتماعي المحترم، ويتمتعون في الغالب بمستوى تعليمي متطور. يكفي أن نذكر مثلاً أن بن لادن هو من أغنى أغنياء العالم، وأن الأفراد الذين اصطدموا بالبرجين التوأمين كانوا يتابعون دراساتهم في معاهد وجامعات عليا في أوروبا وأمريكا. لا نعتقد إذن أن الإرهاب هو حرب الفقراء، بل هو حرب رمزية قيمية يصبح فيها المال والثراء هما الفاحشة التي ينبغي إنكارها. ليس الإرهاب حرب تملُّك بل حرب وجود. إنها إذن حرب الاختلالات والانكسارات التي ولدتها الحداثة الغربية نفسها. إن الأمر لا يتعلق بنزعة معادية لأمريكا تحديدًا، بل بموقف كاره للمشروع الحداثي المعاصر، فحتى لو اختفت أمريكا من الوجود لما أدى ذلك إلى اختفاء الإرهاب. من هنا بؤس الحداثة التي لن تستطيع هذه المرة احتواء الجماعات الإسلامية المسلحة المكفِّرة لها كما احتوت في السابق المعسكر الاشتراكي مذيبة إياه في السيولة اللامتناهية للرأسمال، لكن وفي الآن ذاته بؤس الإرهاب الذي مهما ألحق بالغرب من خسائر مادية وبشرية فهو لن يتمكن مطلقًا من الاعتراف به كطرف محاور. ولا من السماع للغته كلغة قابلة للمعالجة.
الحرب العالمية الثالثة هي إذن الحرب الأخيرة التي تفتقر إلى أي أفق سياسي أو عسكري ما وهذا هو الوجه الفظيع الذي يبرز فيه الإرهاب إنه الحرب غير القابلة للانتهاء Le terrorisme est une guerre inachevable. إنها لمأساة حقًا أن تصبح الحرب في وجودنا الحضاري هذا كلية الحضور L’omniprésence de la guerre. لقد غيرت إذن شكلها ومفهومها. إن قانونها الوحيد هو غياب القانون. إنها تجيز لنفسها اختراق كل ميثاق أو قواعد محددة دوليًا أو أخلاقيًا. فما نعيشه اليوم هو النهاية اللاأخلاقية للحرب الأخلاقية. والمفارقة الكبرى مع ذلك هي أن هذه الحرب بدأت تقدم نفسها اليوم بحلَّة إنسانية وبرداء أخلاقي، فهي حرب بدون دم ولا خسائر بشرية، بل هي حرب ذكية كما تسميها الإدارة الأمريكية، أي حرب تعرف كيف تصيب أهدافها العسكرية بدقة فائقة ودون إزهاق للأرواح المدنية، فهل هناك حرب بدون موت؟ ثم إن هذا الحضور المطلق للحرب مصحوب في الآن نفسه بالطابع الخفي، والسرعة في تنفيذ العمليات الخاطفة. هذه هي الحرب القيامية الخفية La guerre apocalyptique التي تقدم نفسها كما لو أنها مجرد لعبة فيديو. لكن كل هذا عليه أن لا ينسينا أن هذه الحرب في بعديها معًا، نقصد الإرهاب والحرب المضادة للإرهاب، ما هما سوى التدمير الكلي للحياة سواء بواسطة الأسلحة الفائقة التطور أو بواسطة كميات المتفجرات والأحزمة الناسفة.
ماذا نقصد إذن بوصفنا لباراديغم الحرب العالمية الثالثة؟ نريد أن نقول باختصار بأن شكل الاقتتال الجديد لا يمكن أن نفهمه من منطلق الحرب الكلاسيكية العادية إنه يتناقض معها بشكل يفوقها ويستكمل آلامها في نفس الوقت، ونحن نفضل أن ندعو هذه الحرب الجديدة بما بعد الحربPost guerre كمحاولة لتجاوز مصطلح الإرهاب الذي أصبح محملاً بدلالات إيديولوجية واضحة انحدرت إليه خصوصًا من الدعاية السياسة للإدارة الأمريكية، وكما أوضحنا سابقًا حينما يلتقي الإرهاب مع الحرب على الإرهاب ضمن وشائج خفية، بحيث لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، لا يسعنا بعد أن نتحدث لا عن الحرب بمعناها الكلاسيكي، ما دامت قد فقدت مجموع الباراديغمات الذي كانت تقوم عليه سابقًا، ولا عن الإرهاب بدلالته الكلاسيكية كعنف منفلت يهدد حياة واستقرار الجماعة البشرية، وذلك ما دام أن هذه الظاهرة لم تعد اليوم استثناء يمكن محاصرته ومن ثمة إيجاد العلاجات الجذرية له.
هكذا يمكننا أن نعزل الباراديغمات الأساسية المميزة لما بعد الحرب من خلال المعالم الآتية:
1. مجال أرض المعركة: في كل المعارك التي عرفها التاريخ كان هناك دائمًا مجال تتم فيه المعركة سواء كان ذلك في البحر أو في الجو أو في اليابسة. كان للحرب أخلاقها القائمة على احترام هذا المجال وعدم تجاوزه بل إن الانتصار كان يقتضي التحكم فيه. غير أن ما بعد الحرب اليوم فهي تقوم على النقيض من هذا الأمر، إنها الحرب الكلية التي تنطلق أساسًا على إلغاء منطقة الأمان، فاستهداف القطارات والتجمعات السكنية والأماكن السياحية التي يجتازها السياح دليل على أن الإرهاب ما هو إلا الرغبة في جعل التهديد بالموت الجماعي قائمًا في كل مكان. لم تعد الأهداف العسكرية هي الغاية التي نسعى إلى تهديمها بغرض إضعاف العدو وجرِّه إلى الهزيمة كما في الحروب الكلاسيكية، فحينما يتعذر الوصول إلى هذه الأهداف يصبح الهدف هو “اللحم الأبيض”[11] أينما حلَّ وارتحل. يصبح إذن كل إنسان بسبب انتمائه المعرفي أو الديني أو الحضاري هدفًا عسكريًا. ربما يكون المجال الوحيد الذي تدور فيه المعركة اليوم هو المجال المعلوماتي الذي يتعلق بالتجسس والحرب السرية الخفية.
من هنا تبرز عبثية فكرة بوش القاضية بنقل الحرب على الإرهاب إلى مواقع الإرهابيين: “سنستمر في نقل القتال إلى أرض العدو”، وذلك مادام أن هؤلاء ليس لهم مواقع محددة وبالتالي فالحرب على الإرهاب لا يمكن أن تمنِّي نفسها بالحصول على مجال محدد تمارس فيه قتالها.
2. بعد المواجهة: إن كل حرب تفترض بالضرورة طرفين يتواجهان بشكل مباشر، غير أن ما بعد الحرب يقودها عدو شبحي لا وجه له. لا يمكننا اليوم أن نقول بأن موت بن لادن سيؤدي حتمًا إلى القضاء على تنظيم القاعدة، لأن هذه الأخيرة ما هي إلا طيف من الخلايا منها النشيطة ومنها النائمة، بل أكثر من ذلك يكفي أن يجتمع بعض المتعاطفين معها ليعلنوا انتمائهم إليها دون أن تكون هناك رابطة تنظيمية مباشرة بينهما. لم تعد المواجهة بعدًا من أبعاد الحرب ليس بسبب خداع العدو كما هو الأمر في الحروب الكلاسيكية، هذا الخداع الذي يقتضي الاختفاء عن أعين العدو ومفاجئته، كما هو الحال في مثال حصان طروادة، بل إن غياب المواجهة هنا يدل على أن العدو نفسه لاشخصي Impersonnel ولازمني Intemporel بمعنى أنه يمكن أن يجمد نشاطه في مرحلة معينة طبقًا لحساباته الخاصة لكنه سرعان ما يعود للضرب مجددًا بعد أن يكون قد أوهم الجميع بتراجعه النهائي. ليس للإرهاب أية هوية محددة في هذا السياق، لذلك نعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن ننتبه إليه ليس فقط هو ما هي القاعدة، بل ماذا يوجد وراء القاعدة، نقصد أن النشاط الذي تقوم به لا شك أنه يدمج عددًا من الأفراد أو الجماعات التي قد لا تنتمي إلى المرجعية الإسلامية المسلحة، ولكنها تتحكم فيها أهداف أخرى قد تتعلق بتهريب السلاح، أو المخدرات، أو مجرد النقمة على أمريكا. هكذا تتحول القاعدة من مجرد تنظيم سري يعمل تحت الأرض، إلى تنظيم افتراضيUne organisation virtuelle تضم كل من يريد أن يمارس عملاً غير شرعي، أو أن يلحق الأذى بالعالم المعاصر. وتلك ميزة أخرى لما بعد الحرب المعاصرة، إنها إرادة تشبيح كل شيء بدءًا من الأسلحة (الطائرة الشبح) إلى العدو (شبح القاعدة) وانتهاء بالضحايا الذين يتم إخفاء وجودهم تحت منطق “الأهداف العسكرية المحددة وحرب الصفر من القتلى”.
3. عامل الزمان: أي المدة التي تستغرقها الحرب سواء طالت أو قصرت، فقد دامت حرب البسوس كما تحكي لنا كتب التاريخ أزيد من أربعين سنة، أما الحرب العالمية الثانية فقد استمرت خمس سنوات، غير أن الإرهاب هو على العكس من هذا الأمر تمامًا ليس له زمان محدد كما سبقت الإشارة، لأنه يمكنه أن ينام مدة طويلة لكي يستيقظ متى شاء فيضرب على حين غفلة. لقد أصبح التهديد بالحرب الكلية قائمًا وإلى الأبد، وربما لهذا السبب وصف جان بودريار[12] الإرهاب على أنه الحرب العالمية الحقيقية لأنه بالإضافة إلى شموليتها في المكان، تتخذ طابع الديمومة المطلقة في الزمان. ذكر بوش الابن في احدى خطاباته أن الحرب على الإرهاب طويلة الأمد، وبعد أقل من أسبوع يرد عليه أيمن الظواهري قائلاً: “سنصمد لقتالكم حتى تقوم الساعة”.
4. إمكانية التسويات: كل معركة عليها أن تفكر في نهايتها، ومن ثمة في إمكانية القيام بتسويات مع العدو الذي تحاربه، في حين أن الإرهاب ومن حيث هو تهديد كلي للحياة، لا يمكن أن نتفاوض معه أو أن نقيم تسويات مع تنظيماته، فنحن اليوم لا يمكننا أن نتصور جلوس أعضاء من الإدارة الأمريكية مع ممثلين من القاعدة على طاولة المفاوضات، لذلك نقول إن كل حرب انتفت فيها إمكانيات التفاوض تحولت حتمًا إلى إرهاب أي إلى ما بعد الحرب. وبدل التفاوض والتسوية السياسية نلجأ إلى رهاب أمني Une phobie sécuritaire تحضر فيه الكاميرات والجواسيس في كل مكان، هذا الرهاب الذي يتحول في نهاية المطاف إلى إسلاموفوبيا Eslamophobie تخترق فيه جميع الحدود وتضيع فيها أي معنى لحقوق الإنسان. من هنا نفهم الإيحاءات التي تضمنها السؤال الذي طرح بخصوص عما إذا كانت الحرب على الإرهاب تحقق تقدمًا. الجواب واضح إذن فالحرب لا تتقدم إلا من أجل مضاعفة قوة العدو وآليات انتشاره. لقد لاحظ المتتبعون أن التدخل الأمريكي في العراق لم يزد سوى في توفير مجال آخر لنشاط الجماعات الإسلامية المسلحة.
5. أداة السلاح: ومعناها أن القوة العسكرية هي التي كان لها القدرة على حسم المعركة. فالذي يتوفر على أسلحة قوية، أو يجيد استعمالها هو الذي يتمكن في نهاية المطاف من وضع نهاية للحرب. هذه مثلاً هي حال الحرب العالمية الثانية التي أنهتها القنبلة النووية، أما في حالة الإرهاب فلا يوجد سلاح يمكن أن يضع له نهاية حتى ولو كان من أسلحة الدمار الشامل. وذلك لأن العدو غير محدد وأرض المعركة موجودة في كل مكان. لكن في المقابل إذا لم يكن هناك سلاح قادر على إنهاء المعركة فهذا من شأنه أن يفسح المجال لكل الأسلحة الممكنة: الجمرة الخبيثة، غاز الأنتراكس، اليورانيوم المخصب… لذلك علينا أن لا ننخدع من السياسة المتبعة حول الحدِّ من أسلحة الدمار الشامل لأن الحرب القادمة هي حرب الأسلحة السرية الخبيثة، المبهمة وغير المتوقعة.
6. القضية أو الهدف: لكل حرب هدف يحركها وغاية محددة تسعى إليها أما ما بعد الحرب فهي عقيدة غفلة بدون اسم Une doctrine anonyme وذلك لأنها تفتقر إلى مطالب إستراتيجية، أو إلى لائحة مطالب سياسية مباشرة، بل حتى وان كانت لديها مثل هذه المطالب التي تعليها بين الحين والآخر كشعارات تعبوية دعائية، فهي مطالب لا يمكن أن يتوقف عند تحقيقها نشاط الإرهاب. إن هذا الأخير هو رفاهية الموت المجاني، لأنه غير قادر على أن يحقق أي من مطالبه. ولهذا السبب أيضًا يمكننا أن نعرفه كظاهرة صامتة لأنه ليس لديه ما يقوله للعالم. نقصد هنا أن المطالب التي تنادي بها هذه الجهات لا يمكن تباحثها سياسيًا، لأنها أكبر من أي مفاوضات سياسية. إذ كيف يمكن أن نتباحث مطالب تتناقض مع الديمقراطية والحداثة وتكفرهما. بالإضافة إلى ذلك فهذا الفكر لا يحمل أي إجابة للإشكالات التي يطرحها عصرنا ومن بينها مثلاً مشكلة التعددية، والاختلاف الحضاري، والحرية الفردية، ثم التعايش مع الآخر وقبوله. يكشف بن لادن في إحدى خطبه الجهادية عن الهدف العقائدي الذي يكمن وراء نشاطه يقول: “… الشاهد هنا أن الخمس الأول، وهي أركان الإسلام لا تقوم كحكومة ولا تقوم كمنهج للبشر إلا بالخمس الآخر كما لا يمكن أن يكون إنسان مسلمًا في ذاته وفي قلبه وهو يحكم بالقوانين الوضعية ولا يعم الإسلام الأرض. أما الإسلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بإبلاغه هو أن يعم الأرض ويتحاكم إليه لا أن يبقى في الشعائر التعبدية”. إذا كان هدف الإرهاب إذن هو أسلمة الكرة الأرضية، فإن هذا الهدف لا يختلف قليلاً عن هدف الحرب المعلنة ضده من قبل بوش والذي يريد بدوره تمسيحها وإخضاعها لهيمنة العولمة وإملاءاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية.
7. قانون الانتصار هو هزيمة العدو: إن كل حرب تقوم على هذا المنطق، أما ما الإرهاب فانتصاره يقتضي إبادة العدو ومن ثمة كان الإرهاب هو الشرَّ في درجته القصوىLe terrorisme est l’archi violence لذلك إذا كانت الحرب هي بالضرورة قذرة، لأنها تحمل الموت لبني البشر وتقضي على الاستقرار والعمران، فإن الإرهاب ليس مجرد ممارسة قذرة بل هو يضفي على القذارة طابعًا أخلاقيًا ويبررها من منطلق روحي أو طهراني. سواء كان ذلك بدعوى تطهير العالم من أعداء الحرية، أو بدعوى الجهاد ضد الكفرة والخارجين عن طوع الله. إن قصف الأسواق والأعراس والتعذيب الذي يستهدف الإذلال سواء في سجن أبو غريب أو في معتقلات غوانتانامو أو الإبادة الجماعية التي لا تميز بين المسلحين والسكان العاديين مثل ما حدث في الفلوجة كلها أمور لا يمكنها بأي حال أن تدخل ضمن منطق الحرب الكلاسيكية. فحينما يصبح الهدف هو إبادة العدو والتشهير به إلى حدود الخسَّة في معتقداته الدينية وأعرافه الخلقية، تكون الحرب على الإرهاب إرهابًا مضاعفًا ومفاقمة مجانية للعنف.
8. النظام العسكري: من الصفات المعروفة للحروب الكلاسيكية أنها تخاض بجيوش نظامية خاضعة لسيطرة الدولة، أو لأي مرجعية ما معترف بها من طرف المجتمع أو شرائح عريضة منه على الأقل. إن وجود مثل هذا الجيش النظامي دليل على استقرار الدولة وخضوعها لمبدأ قانوني أعلى، وقد كان الإسلام نفسه قد أوصى بضرورة وجود مثل هذه العقلنة في تنظيم المجال العسكري حينما ذكر القرآن في سورة الصف الآية 61: “إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص”.
غير أن التحول الكبير الذي حدث مع الإرهاب هو أن العقلانية العسكرتارية الكلاسيكية لا يمكن أن تكون نافعة بعد الآن، فالحرب اليوم لا تخاض لا بجيش نظامي ولا حتى بحرب العصابات بل بعمليات مسلحة خاطفة، “وضربات وقائية جراحية”، وانتحارات فردية أو جماعية. إن تراجع الوظيفة التي كان يقوم بها الجيش النظامي الكلاسيكي قد فتح المجال اليوم لشكل جديد من التجنيد العسكري، حيث بدأنا نسمع عن “خصخصة القطاع العسكري”. لقد ظهرت مؤسسات مختصة في تدريب وتجنيد الأفراد تم توظيفهم لحماية شركات معينة كما كان الحال في العراق مثلاً. حيث بدأ الجنود النظاميون أنفسهم يستقيلون من مناصبهم الرسمية ليعملوا في هذا القطاع الخاص الجديد وذلك للقيام بأعمال محددة كحماية المسئولين ومدراء الشركات البترولية الكبرى، أو حتى القيام بعمليات عسكرية محددة من أجل الحفاظ على الأمن أو تصفية الحسابات معينة.

ينطبق هذا الأمر كذلك على القاعدة التي لا يمكن بحال من الأحوال القول بأنها تملك جيشًا نظاميًا أو أن حربها حرب نظامية. يشير جيريمي سكاهيل[13] إلى أن الرئيس الأمريكي أيزنهاور كان من أوائل الذين أشاروا إلى مخاطر نشوء هذا المركب: “العسكري الصناعي” وذلك في خطابه الوداعي، وإلى أن سلطة مثل هذه ستشكل “خطرًا على حريتنا أو على العملية الديمقراطية”. غير أن الحرب على العراق كما سيظهر لاحقًا ستكون أكبر مثال لتشكل عدد كبير من مثل هذه الشركات أبرزها بلاكووتر التي تضم أكثر من ألفين وثلاثة مائة جندي خاص منتشرين ليس فقط في العراق ولكن في بلدان أخرى، وما يثير التساؤل هو أن هذا الجيش الخاص يعتبر مقاتلوه فوق القانون والمحاسبة.
9. إلغاء منطقة الحياد: يضعنا الإرهاب ضمن الثنائية الضيقة إما أو إما، فالقاعدة تميز بين فسطاطين، فسطاط الإسلام وفسطاط الكفر، أما بوش فهو يضعنا بدوره ضمن القسمة الحادة وهي إما أنكم معنا أو أنتم ضدنا. هكذا يقدم الإرهاب إحدى خصائصه المميزة، إنه يقصي كل إمكانية للحياد، ففي مواجهته نحن إما إرهابيون أو ضحايا، وهذا طبعًا عكس الحرب التي تحافظ للإنسان على إمكانية أن يختار منطقة الحياد.
10. الهزيمة القبلية: مع الإرهاب نكون خاسرين بشكل قبلي، فحينما يجد الإنسان نفسه محرومًا من إمكانية التدخل والوقوف ضد ما هو قائم، أو حينما يكون تدخله محكوم بشكل مسبق بفشل حتمي، غير قادر على ردِّ العنف حتى وإن كان يتوقعه، عالقًا في مرارة الهزيمة وألم الخسارة تكون وضعية مثل هذه وضعية إرهاب. فالإرهاب إذن بهذا المعنى هو ذلك الفعل الذي يسحب منا كل إمكانية للانتصار عليه بحيث نكون مهزومين منذ اللحظة الأولى للمعركة.

يشير جاك ديريدا إلى أن الحادي عشر من سبتمبر لا يشير فقط إلى حدث مؤسس بل أيضًا إلى حدث غير قابل للوصف بحيث أننا لا نعرف عما نتكلم. هناك شيء ما حدث وهو بالتأكيد يتجاوز مجرد عدد الضحايا الذين سقطوا. يقول ديريدا: “إن شيئًا ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لكننا لا ندري ما هو”[14]، فأسوء ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو أنه فتحنا أمام شكل جديد من الصراع والشرِّ الذي يصعب تسميته أو تحديد طبيعته شكل يتجاوز حتى الفظاعات التي عرفناها عن الحروب الكلاسيكية.
لقد حاولنا أن نوضح طيلة هذا المقال أن الحرب بمعناها الكلاسيكي قد انتهت، ولكن هذا للأسف ليس تحقيقًا للحلم الأزلي للبشرية في إحلال السلام والأمن محل الحروب والغزوات. بل إن نهاية الحرب كانت من سخرية أقدار التاريخ، بمعنى أن نهايتها أفسحت المجال لقيام شكل لا شكل له من الصراع والاقتتال وكأن البشرية لا تتغلب على شرٍّ معين إلا بتعويضه بشرٍّ أعنف. إننا لا نقول أيضًا أن الحرب الكلاسيكية كانت دائمًا نظيفة وأخلاقية، فكثيرًا ما تمَّ التنكيل بالمدنيين، كما أن أرض المعركة تمَّ اختراقها مرارًا، والأعداء كذلك كثيرًا ما تمَّت أبادتهم بدل التعامل معهم كأسرى. لكننا نعتقد مع ذلك أنه كان دائمًا هناك وجود لنموذج إرشادي للحرب، وأخلاقيات معينة حول العلاقة مع العدو وكيفية إدارة المعركة واستخدام السلاح وهي كلها أخلاقيات نجدها واضحة لدى كل المفكرين الذين تناولوا موضوع الحرب بالدراسة والتحليل بدءًا من سان تسو[15] وإلى كلوسفتش مرورًا بمكيافيل وهوبس كان هناك دائمًا طابع إنساني ضمني تهدف إليه الحرب. أما ما بعد الحرب فهي على العكس من ذلك تقوم أساسًا على مثل هذه الممارسات وتتباها بها. وبكلمة واحدة نقول إن الإرهاب من هذا المنطلق هو نقيض الحرب بمعنى أنه يستجمع كل الشرور التي تنطوي عليها الحروب الكلاسيكية ويذهب بها إلى مداها الأقصى. إن الأفق الذي يسير باتجاهه الإرهاب هو عولمة الخوف والرعب على المستوى الإنساني، ونهاية التوافقات على المستوى السياسي، ولانهائية الحرب على المستوى العسكري والأمني. لقد أكدنا إذن أن الإرهاب عبارة عن ظاهرة تمثل معارضة جذرية تعبر من جهة أولى عن مشكلة ثقافية عميقة في التراث العربي الإسلامي، ومن جهة ثانية عن الأزمة الداخلية للحداثة وعن تناقضاتها ومفارقاتها الأساسية. غير أن الإرهاب مع ذلك ـسواء كان بأسباب داخلية أو بأسباب خارجية، يظل غير قادر على تأسيس إحراجات حقيقية للحداثة ما دام عاجزًا عن اختراق مشروعها من الداخل، بل كل ما يقوم به هو تقديم حكاية أخرى من الحكايات الكبرى Les Meta récits التي تدَّعي معارضة الحداثة بما قبل الحداثة، وهو بذلك لا يقوم سوى بلعب اللعبة الرديئة للحداثة المتمثلة في المراهنة على القوة والعنف كوسيلة والرفض المطلق للآخر كهدف. إن المجتمع المغلق الذي أنتجته الحداثة تتم معارضته بالمجتمع المغلق الذي أنتجته التقليدوية.
لا يمتلك الإرهاب إذن أيَّ إجابات أو حلول واضحة عن الأسئلة المقلقة التي تطرحها الحداثة ماعدا الهروب المستمر إلى الماضي. أما الحداثة فهي رغم أزمتها الداخلية تلحُّ على إمكانية مراجعة ذاتها بالانخراط في قلب الحاضر، إذ لا يمكن مراجعة الحداثة إلا بواسطة حداثة مضادَّة، رغم أن هذا المشروع الأخير مازال متعثرًا في بداياته الأولى، ومحاصرًا من طرف الدوائر المالية والسياسية التي مازالت مصرَّة على تجاهل الخطر الذي تحمله هذه الأزمة ليس فقط بالنسبة للدول الفقيرة، بل بالنسبة لمستقبل الإنسان على الأرض[16].
*** *** ***
horizontal rule
* باحث في قضايا الفكر الفلسفي من المغرب. إيميله: [email protected]
[1] لقد وردت الإشارة إلى هذا الربط بين الإرهاب والمفهوم الجديد للحرب عند أبرز المفكرين والمحللين السياسيين، نذكر منهم على الخصوص نعوم شومسكي، في كتابه، 11/9، تعريب إبراهيم محمد إبراهيم، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، 2002، فحول سؤال: هل نسمي ما يحدث الآن حربًا؟ يجيب شومسكي قائلاً: لا يوجد تعريف دقيق للحرب، فالناس يتحدثون عن الحرب على الفقر، وحرب المخدرات إلخ…. وما يتشكل الآن ليس صراعًا بين دول، رغم أنه يمكن أن يصبح كذلك”. ص 56.
أنظر أيضًا كتاب جاك ديريدا، ماذا حدث في 11 سبتمبر، ترجمة صفاء فتحي، المجلس الأعلى للثقافة، 2003، يقول ديريدا مثلاً حول صعوبة تحديد مفهوم الإرهاب: “إن ما سيظل مريعًا في 11 سبتمبر وما سيحيى دون نهاية في هذا الجرح هو أننا لا نعرف ما هو، ولا نستطيع وصفه ولا تحديده ولا حتى خلع اسم معين عليه”، ص 66. أنظر كذلك إشارته إلى التداخلات بين مفهوم الإرهاب ومفهوم الحرب في الصفحات 78-79.
[2] للمزيد من توضيح طبيعة هذه التداخلات أنظر كتاب نعوم شومسكي، الهيمنة أم البقاء، السعي الأمريكي للسيطرة على العالم، ترجمة سامي الكعكي، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004.
[3] هو الجنرال البروسي كارل فون كلوسفتس، 1780-1831، الذي خاض حربًا ضد الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونابارت في معركة يينا 1806، كما شارك أيضًا في المعركة الشهيرة واترلو 1815، التي كانت بمثابة الهزيمة النهائية لنابليون، تفرغ بعدها للكتابة والتنظير لموضوع الحرب، جمعت أفكاره بعد وفاته في كتاب شهير هو عن الحرب.
[4] كارل فون كلاوزفيتز، عن الحرب، نشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997، الطبعة الأولى، وأنظر كذلك كتاب ريمون آرون Penser la guerre, Clausewitz, 2 vol., Paris, Gallimard, (1976).
[5] عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، 2002، ص 92-93.
[6] كينيون غيبسون، أوكار الشر، دراسة حول آل بوش ووكالة المخابرات المركزية والشكوك حول هجمات 9/ 11،. الدار العربية للعلوم، لبنان، الطبعة الأولى، 2004.
[7] إريك هوبزباوم، العولمة والديموقراطية والإرهاب، ترجمة أكرم حمدان ونزهت طيب، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 2009. يشير هوبزباوم وهو واحد من أبرز المؤرخين البريطانيين في معرض حديثه عن الفرق بين الإمبراطورية البريطانية قديمًا والأمريكية حاليًا إلى الجانب المؤسس لكلا الإمبراطوريتين، يقول: “دعني أذكر باختصار فرقًا آخر بين البلدين الذين يعدان أمتين وهو العمر، فكما تحتاج الدولة القومية إلى العلم والنشيد الوطني، فإنها تحتاج إلى أسطورة تأسيسية لبنائها الحديث هو الأمة والتي يوفرها بلا عناء تاريخ الأجداد. لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستطع استخدام تاريخ الأجداد كأسطورة تأسيسية كما استطاعت انجلترا”، ص55.
[8] إن الإرهاب باعتباره رديفا للحداثة فكرة يشير اليها تري اجلتون، حينما يعود بجذور هذا المفهوم الى الثورة الفرنسية مستخلصا أن:”الإرهاب والدولة الديموقراطية الحديثة كانا توأمين منذ الولادة”، أنظر كتاب الإرهاب المقدس، ترجمة أسامة إسبر، طبعة بدايات، 2007، ص5. لكنه ورغم هذه الملاحظة يبدو أن إيجلتون يدافع في مجمل الكتاب على أن مفهوم الإرهاب يرتبط بما قبل ولادة العالم الحديث، حيث كان الإرهاب له صلة بالممارسات الطقوسية وبالمقدس, غير أننا في هذا المقال ندافع عن روية مغايرة ترى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الممارسات العنيفة التي كانت تحدث في الماضي وبين شكل الإرهاب كما يمارس اليوم، وتبلغ حدة هذا الفرق في المقارنة التي نجريها بين الحرب والإرهاب.
[9] جان بودريار، ذهنية الإرهاب لماذا يقاتلون بموتهم، إعداد وترجمة، بسام حجار، الطبعة الأولى، 2003.
[10]أيمن الظواهري، فرسان تحت راية النبي، عن الإنترنيت.
[11] نعت جاء ذكره في إحدى التسجيلات الصوتية لعناصر القاعدة الذين قاموا بتفجيرات بالي والذي يشيرون به إلى السواح الغربيين المتواجدين في أندونيسيا.
[12] جان بودريار، المرجع السابق.

[13] جيريمي سكاهيل، بلاكووتر أخطر منظمة سرية في العالم، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الثالثة، 2010.
[14]جاك ديريدا، مرجع سابق، ص 54.
[15] Sun tzu L’art de la guerre traduit par le père Amiot édition mille et une nuits septembre 2000
[16] لكن كلَّ هذا لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يُفهم على أنه دعوة إلى تمجيد الحرب كحقيقة تاريخية عليا غير قابلة للتجاوز، ولكنه بالأحرى موقفٌ منهجيٌّ يدخل في باب القضية المنطقية المقارنة التي تؤكد على أهمية التحليل المنطقي الواقعي لعلاقات الأشياء ونسبتها إلى بعضها البعض.
(منقول).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى