الرأي

انقلاب السجم والرماد..!

مسألة

هذا الانقلاب الطائش أوصل السودان إلي حالة (اللا دولة) وهذه ليس من مبالغات الديربي وتخرّصات الرمّالين و(ستات الودع) ..إنما هي خلاصة قراءات مهنية ومقاربات رصد وقياس فنية وأممية مجرّدة من أي حسابات و(مكاورات) سياسية أو عاطفية أو انتقائية..! ولك أن تنظر إلى معادلات غياب حكم القانون وغياب إدارة الدولة وغياب الأمن واستعصاء أسباب المعيشة وفوضى النقد والتداول والأسعار وقيمة العملة وستعلم معنى غياب الدولة في السودان والوصول إلى شفا (الانهيار العشوائي) وليس السقوط المتدرِّج..!!
هذه الخلاصة هي وليدة المقارنة المُحكمة التي وقفنا عليها من بعض البحوث والتقارير التي تضع السودان في معادلات حسابية (إندكسية) مجرّدة و(ناشفة) من كل تأثيرات مصاحبة أو تجنيات وتحاملات شعوبية.. وهي مقارنة بين السودان وبين كل من (الصومالين): “صومال مقديشيو” و”صومال هيرقيسا”..! وكان السودان هي (البطة العرجاء) بين هذا الثالوث الذي تضعه القياسات بين دول (أدنى السلم) في نظام الحكم والأمن والأمان الصحي والوظيفي والمعيشي والمجتمعي والمؤسسي..!!
هذه القراءة ظلمت وتجنّت قليلاً على صومال هيرقيسا بل حتى الصومال الآخر الذي ظل يعيش لعقود تحت مظلة (اللادولة) وللحقيقة فإن كثير من التقارير الدولية الموثوقة التي تتعامل بالبيانات والأرقام والمصفوفات القياسية (حتى بعد أن تخصم منها درجات مئوية عديدة لاستبعاد شبهة المبالغة والتحامل) أصبحت لا تذكر السودان إلا قريناً بثلاث دول هي: (بوركينا فاسو ومالي وغينيا الاستوائية) باعتبار أنها الدول التي ضربتها الانقلابات العسكرية في هذا العقد الثالث من الألفية حيث تتقدم الدول الإفريقية والكاريبية نحو آفاق التنمية والرشد والحوكمة والنهضة..بينما ترتكس هذه الدول المعدودة (ومن بينها السودان مادام الأسف) تحت انقلابات جنرالات مزيفين ومليشيات (مجهولة الوجه واليد واللسان والتوجّه والوجهة)..وهي مليشيات تحاول الالتصاق بجسم القوات النظامية القومية ولا تجد من يصدّها عن هذا الجُرم الكبير..!! بالرغم من أنها مجموعات مدججة بالسلاح ليس لها (ضابط ولا رابط)..ولا تحكمها قوانين ولا قواعد ولا محددات..وليست لها صفة وطنية ولا عقيدة عسكرية معلومة..إنما هي عناصر اقرب إلي التنظيمات السرية المصلحية التي تعيش على موارد الدولة بالنهب والسلب و(وضع اليد)..!!
وحسبك أن يكون هذا هو حال دولة مثل السودان؛ تنظر إليها من جانب آخر هو جانب شعبها العجيب فترى دولة تتسنّم أعلي ما في الدنيا من صفات وملامح وبوادر الوعي والوطنية والحصافة وترى فتستقرأ السجل الناصع لشباب قاد ثورة عجيبة سامقة أعظم من (ثورة الباستيل) بلا مغالاة من حيث السلمية والأهداف والمرامي والشعارات والغايات والمثابرة والحس الوطني.. ومن حيث تغليب المصالح العامة والعليا على نزوات النفوس والتعافي من تضخيم الذوات والمظهرية والادعاء و(النفخة)..ولك أن تنظر إلى هذا الشباب الذي ينهض كل صباح منافحاً عن مدنية الدولة وهو يسير على قدميه في سلمية خالصة طاوي البطن خاوي الجيب..في العاصمة وفي كل مدن السودان منافحاً عن كرامة وطنه..ثم يتداعى لندائه بالتأييد والمرافقة الآباء والأمهات والأخوات والجدات والعمّات والخالات والأطفال.. يتنادون من كل فج عميق بغير أن تنتظرهم سيارات الحرامية أو (سندوتشات الاخونجية) أو سبائط من (موز السلطة المُغتصبة)..!! فأعجب بربك لهذه الحالة الشعبية التي تتعالى على أشد مراقي الصوفية صدقاً وشفافية و(عرفان ونكران ذات) إلى حد التضحية بالروح ممن يخرجون إلي الشوارع بهذه الحالة الوجدانية من حب الوطن ونشدان الكرامة وهم يعلمون ما يترصّد صدورهم ورءوسهم من رصاص القنص والغدر..! هذه ثورة عصيّة على الانكسار… فبأي آلاء ربكما تكذبان..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى