قضايا فكرية

النص الديني بين ميثولوجيا المقدس والعقل الفقهي ..بقلم: عبد النور إدريس

بقلم: عبد النور إدريس..

.. باحث من المغرب

 في زمن تحتويه منظومة التناقضات لتؤسس ثنائيات يتفاعل فيها السلب والإيجاب..ما هو شرعي وما هو وضعي ، ما هو مقدس وما هو مدنس، كانت هذه النظرة تشكل أساس تقويض دائم لمسلمات الإنسان المسلم، الذي تأسست نظرته للعالم ضمن ثقافة إسلامية استهلكت الإطار الفقهي الكلاسيكي ، وهي التي يُطلب منها استيعاب الواقع الحضاري الجديد.

1- إشكالية المحظور والقُدسي: قصة الخلق
– نموذج لتحليل النسق-
عند الانتقال داخل المجتمع نجد أن دائرة المقدس تتسع فيه لتتقاطع مع ما هو مدنس. كما تتسع فيه أحيانا دائرة المدنس لتتداخل مع المقدس. مع العلم أن الفصل التام بين (المقدس) و(المدنس)، لا يساعد في فهم الظاهرة الدينية.

إن أزمة التقديس هاته تعني ” انحسار دائرة المقدس على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، وذلك بـ” تدنس” عناصر كثيرة كانت ، إلى عهد قريب، معدودة من متعلقات المقدس بل من صلبه”.(1)
فالمقدس موجود على شكله المطلق، وعلى اعتبار أن المقدس هو الأصل ،فالخرق موجود كذلك في شكله المبأر، في قوة إيحاءاته المُتَحَرْبِئَة على المعاني ،فما يجعل المحظور مدركا في ذاته ويوحي بأسبقيته على المقدس هو مساهمته في بناء المقدس ذاته، فالمقدس بهذا المعنى لا سلطة له دون قيام المحظور بتحقيقها. فهو يأخذ معنى الوجود بالفعل كبداية “والضرورة تعني البدء من الوجود لا من العدم”.(2)
فالوجود مؤسس على انبثاق المحظور من المقدس، من ثم كان وعي المحظور لذاته يجعله أصلا وموجودا بالقوة بعدما كان موجودا بالفعل وينتمي للرمزي، فمن حيث هو ممارسة إنسانية محكومة بالنسبي ، يشترك في علاقة جدلية بما هو مقدس حيث يضطر هذا الأخير للاقتراب من النسبي فيأخذ حكم الاستعمال فيصبح الواقع هو قصدية النص فيُنزّل المعنى المتحقق في ذاته تنزيل النص المطلق.

يستعمل العقل الرمزي ومضات الكشف الصوفي كي يحرر المقدس من لُبس الخرق المنتشر في خطاب الحظر، والذي يعتبر أساس المنظومة الدينية والقانونية من حيث تفسيره وتأويله، وهكذا “(ففي الخطاب الديني على الخصوص) ثمة بداهات واحدة تشتغل لإنتاج الحقيقة والمعنى تتمثل في القول بأولوية الذات ومنطق الهوية ومثالية المدلولات وجوهرية المعاني وتواطؤ المفهومات وحقيقة التصورات وذاتية الحدود وشفافية العلامات وعِلِّية التفسيرات وغائيتها”.(3)
إن الثنائية الميتافيزيقية، التقليدية، للوجود مقدس/ مدنس، تجعل المقدس بما هو لانهائي، في قلب المدنس النهائي ، كل ذلك يجعل منظومة التقديس جوابا مصادرا من طرف السؤال، فالجواب بهذه المنظومة يجد صياغته النهائية قبل السؤال، حيث الأسئلة هي التي تحدد للقراءة – أية قراءة- آلياتها، وما دام السؤال مضمرا تكون آليات القراءة بدورها مضمرة تؤدي بالتأويل إلى سيرورات تأويلية بعيدة عن الموضوعية في الوصول إلى المغزى الحداثي للنص التراثي فـ”في الدين هناك دوما حيزا خفيا يشغله المقدس، ومنطقة ممنوعة يحتلها المحرم”.(4)
فالمحظور ينفعل بذاته في الوجود الإنساني، ومع استمراره في تأزيم التاريخ يسكن الأسطوري والديني والرمزي باعتباره ينتمي إلى جدلية تنتقل من الأسطوري وإليه ، وهو إذ يفعل يسيطر على مملكة المعنى ويختبئ في الأنساق الرمزية، فلو انعدم المحظور لما وُجد المباح ولهذا قال الحلاج :” ما من طاعة إلا ووراءها معصية ” ومن ذلك نستخلص نتيجة بانية تجعل من الخرق البناء الأول في صياغة الوجود بحيث نجد المعصية تسبق الطاعة على المستوى الزمني،” ولو انعدم الفجور لما وجد التُّقى”(5)، ولهذا فوعي الوجود مؤسس على المحظورات بما هي مقدسة، وقد اكتمل هذا البناء الذهني فيما يتعلق بقصة الخلق من حيث البناء الإلهي للمحظور حيث يقول تعالى:﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ (سورة البقرة الآية: 29.) وهو بناء يجعل الأمر الإلهي في صيغة الإصرار على الأمر ” جاعل” متحققا عبر تبئير المحظور من أجل خرقه كي يستمر المقدس.

فبما أن الله قد وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا (البقرة الآية: 30)، ألا يعتبر”آدم “هو المسؤول الأول عن التنفيذ المبطَّن لتحققات الكينونة الإلهية، ولهذا نرى أن الله (سبحانه) هو الفاعل بإخراج آدم من الجنة وإن كان قد عهد بذلك إلى الشيطان. فخطة الله كانت تتجلى في أن يسكن آدم الأرض بعد أن يسكن الجنة، فأمره بألا يأكل من الشجرة مع تحذيره من الشيطان.

إن الخطة الإلهية قد تضمنت المختفي والمضمر مند البداية وأسس سبحانه لانبثاق المحظور من المقدس على يد الإنسان.

فأين حدود المقدس وحدود المدنس في الخطة الإلهية؟
هل لو غاب المدنس أكانت التجليات المضمرة للخطة الإلهية تجد طريقا للتحقق؟
لقد أورد محمد بن جرير الطبري (224-31ه/839/922م) في تفسيره ما جعل آدم الضحية في قصة الخلق وحمّل حواء خطيئة خروجه من الجنة، وقد جاءت على الصيغة التوراتية- التي رواها عن ” وهب بن منبه” (من أحبار اليهود الذين اعتنقوا الإسلام)- الذي ضمّن فيه التصورات المستقاة من المرجعية التوراتية والتي تسربت إلى كتب التفسير وأصبحت جزءا من البناء الفكري بالنسبة للمنظومة الإسلامية ، ولذلك ما معنى العقاب الذي تحملته حواء إثر هذا الخرق في منظومة الخلق إن لم يكن استشراء لمعاني التوراة فيما يتعلق بتحقير المرأة وتخطيئها باعتبارها هي التي غررت بآدم، يقول الطبري ” فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت ؟ قال: أنا هنا يا رب، قال ألا تخرج؟ قال أستحيي منك يا رب ، قال : ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة يتحول ثمرها شوكا ، ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة أفضل من الطلح والسدر.ثم قال: يا حواء، أنتِ التي غررت عبدي ، فإنك لا تحملين حملا إلا حملته كرها، وإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا”.(6) فهذه الصورة التي ترفع عن آدم التلبس بالخطيئة، تتناقض من حيث إلحاق العقوبة بمن لم يخطئ (حواء)، ولهذا نقترح مرافعة لا تخلو من مشاكسة تتعلق بتفاصيل منظومة الحظر الإسلامية التي لا تحتوي فيما تحتويه كلية على تجليات الإغراء، الإغراء الذي ينفلت من المقدس ويخترق النظام الإلهي ومن ذلك ” يسهر الإغراء دائما على تحطيم نظام الإله”(7)، ولهذا يبقى الإغراء الأنثوي خارج منظومة القُدسي ، يحل متشظيا في كل الأشياء يحمل الرغبة واللذة والإرواء كعلامة تبادلية وهناك تكمن رمزيته وسلطته فهو يأخذ أبعادا لا متناهية من الحالات التي تتعلق بتحديده ولهذا قال ج. بودريار Jean Baudrillard “يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه”(8)، ومن هنا استوطنت العلامة الأيروتيكية رأس منظومة القيم، فأصبح الجسد الأنثوي يحرض على التعامل معه وفق انتظامه في مدار الأيقونات، فالجسد الأنثوي بحسب هذا الاعتبار يتداخل مع الإغراء من دون أن يكون الإغراء نابعا منه.

وقد مزج جورج باطاي ما بين إدراكنا للنزعة الأيروتيكية والبعد الديني إلى حدود أنه جعل من الأول العامل الموضوعي للثاني يقول: ” فالمعنى الأصيل للنزعة الأيروتيكية يفلت منا إذا لم نحاول اكتشاف بعدها الديني تماما مثلما سيفلت منا المعنى الأصيل للدين إذا لم نكتشف الرابط الذي يشده إلى النزعة الأيروتيكية”(9)، وقد استشف الباحث عبد الحق منصف قوة هذا المزج لدى باطاي في مجمل الثقافات القديمة التي يتداخل فيها تصور العالم والإنسان بمفاهيم أسطورية أو دينية أو ميتافيزيقية، والتي تتمازج وتتداخل فيما بينها داخل تلك الثقافات.(10)
ومن ثم فالإغراء يتموقع في منظومة المقدس كالقدر لاحتلاله أنظمة العلامات والتمثلات، وبذلكّ ” فهو أقوى من السلطة”(11)، لأنه ينتمي للمعيش اليومي باعتباره يقاسم نظامه استيهامات الواقع بالرغم من كونه لا ينتمي للواقع ولا للسلطة الدينية وعلاقاتها بالسُّلط الأخرى.

فالأنثى تتحول مع الإغراء من الوعي بوجودها بالفعل إلى الوعي بوجودها بالقوة، فينعكس هذا الوعي على إدراك الجسد الذي يطمح في مسيرته المُجهدة للعودة إلى أصله الإلهي (المقدس)، من هنا كان الجنس المقدس لدى بعض الديانات “مشاركة في الفعل الإلهي وطقس عبور (معمودية) باتجـاه الخلـود والألوهيـة”.(12)
ولقد كان الإغراء ومن ضمنه استيهامات الأنثوي، محفلا للعلاقات الرمزية داخل الزمن، “وهي كلها عناصر ليست من خصائص العالم اللازمني”(13)، يحقق الصعود والنزول لتحقيق الأمر الإلهي، على مستوى المحظور (النزول إلى الأرض) وعلى مستوى المقدس (الصعود إلى التجليات الإلهية)  وعلى كل تبقى “صورة آدم البريء تلك في حقيقتها تعكس مجتمعا يكون الرجل فيه هو مثال الخير والبراءة، في حين تمثل الأنثى الشر والخطيئة. فالقصة تشير إلى المجتمع أكثر مما تفسر النص الديني”.(14)
–    ألم تكن الخطة الإلهية هي أن يجعل الله (في الأرض خليفة)؟
–     أليس معنى هذا أن الخطة الإلهية تضمنت المختفي، وأن هذا المضمر أسس لانبثاق المحظور القدسي من المقدس كحقيقة مطلقة؟
–    أين تكمن حدود المقدس وحدود خرقه في نزول آدم إلى الأرض؟
ولهذا لايمكن تصور قيام المدنس منفردا، كما لايمكن تصور المقدس من دونه وبالتالي لا معنى للمقدس في ذاته إلا في طبيعة المحظور ، ” فإذا توقف المحظور عن لعب دوره وإذا فقدنا الإيمان به يغدو الخرق مستحيلا” كما قال جورج بطاي في كتابه (Erotisme p : 155) لهذا فمنذ بدأ الخليقة، وضع المحظور نفسه كمؤسس شرعي للمقدس، وهذه النظرة من شأنها أن تُبَرِّئ المدنس في مرحلة تأسيسه الأولى من أبعاده الإنسانية والتاريخية.

فكيف ندرك مطلقية المقدس وتجلياته في المعنى، لو غاب المحظور؟
2- العقل الفقهي ومنظومة الحظر.
–    كيف يمكن اعتبار الفقه تابعا رئيسيا للمقدس؟
–    هل يحقق العقل الفقهي جدلية الاختلاف بين المقدس والمحظور، بين الشريعة والتاريخ؟
–    ما معنى الإجازة الشرعية (الخرق) التي يجيزها الفقه بالنسبة لإجازة أحد المحظورين إذا تقابلا؟
إن مظاهر الأزمة القائمة بين المسلم المعاصر والعقل الفقهي يمكن استجلاؤها من خلال تطلعات كل منهما نحو العالم والوجود، فالمسلم الحديث يرتضي في اقتناعه اعتماد المُقْنِع على البرهان العقلي الخارج من دائرة المقدس الذي لم يعد يشمل إلا القرآن والسنة “على خلاف ما كان يتسم به موقف القدامى من بعض رموز الإسلام الأخرى كالصحابة مثلا”.(18)
لقد حدث تحول عميق في علاقة المسلم بالقُدسي عامة حتى ليصعب الفصل بين الفقه المجرد و الواقع الإسلامي، وقد انعكس ذلك الوضع على المجال الفقهي من حيث أن العقل الفقهي كان “لا يشتغل إلا ضمن المقدس ولا ينفك عنه ، فإنه سيصيبه، لا محالة، ما أصاب المقدس ذاته”.(19)
فالمسلم المعاصر ما زال يطمئن إلى وضعه الوجودي القديم يتأرجح داخل هذا الوضع بين كونه موضوعا للتاريخ وكونه أداة له، لأنه لا يستطيع أن يخلق نفسه ، فهو مرتبط بالمقدس بشكل حميمي و يعمل باستمرار على إنتاج معاني قصة الخلق في ذاته، وبذلك فهو على هذا الصعيد يتقاطع مع المركزية الغربية التي يخلق فيها الإنسان نفسه كما يقول مرسيا إلياد في كتابه “رمزية الطقس والأسطورة” ” ولا يصل إلى خلق نفسه تماما إلا بمقدار ما يتجرد من القداسة ويجرد العالم منها “(20) ومن هنا أصبح القدسي بالنسبة لهذه المركزية الغربية المتمركزة على الذات من آليات كبح انطلاقة الإنسان.

لقد أصبح القُدسي ينكمش على نفسه بالنسبة للفرد والمجتمع على السواء وذلك بتدنس مجالات متعددة كانت تحيطها دائرة المقدس سابقا وتعتبر من ركائزه، حيث أصبحت العديد من قضايا المسلم المعاصر يتم تدبيرها خارج منظومة التقديس.

لهذا كان لزاما على العاملين بالاجتهاد*(21) ألاّ يجعلوا مسلماتهم تعارض تكيف أحكامهم مع الواقع الجديد للمسلم المعاصر على اعتبار أن” الواقعة غير متناهية والنصوص متناهية” كما يقول الشهرستاني، ومن ذلك أن المجتهد ضمن العقل الفقهي هذا يستبعد من دائرة اجتهاده أحكام العقائد بحجة أن القرآن والسنة لا يقبلان التعديل ولا التغيير ومن ضمن ما يجب أن يمسه الاجتهاد من أحكام المعاملات” تعدد الزوجات والجلد والرجم [..] ورؤية الهلال بالعين المجردة “(22) أو كما في مسائل العبيد و الإماء و العِدة وثلاث ” قُروء” أو الأرملة وتربصها لأربعة أشهر وعشرا…

3- منهجية تأويل النص الديني.
–    هل أصبح الشرعي بتعاليه وقدسيته قاصرا عن إقناع عقل المسلم الحديث؟
–    هل عمَّق تأويل النص الديني الجدلية التراتبية للمحظور والقُدسي؟
–    هل يتضمن النص الديني آليات تأويله: قراءته وفهمه وتفسيره؟
إن أي قراءة تستهدف التأويل لا بد لها من طرح الأسئلة قصد الوصول إلى إجابات ممكنة ” فطبيعة الأسئلة تحدد للقراءة آلياتها “(23) وبذلك تتحدد إشكالية التأويل في طبيعة التساؤلات التي تقترحها القراءة التي تغوص في أعماق فهم العالم والإنسان والنصوص.

إن تأويل النصوص الدينية وتفسيرها اتسع ليشمل كافة العلوم الإنسانية.
–    هل أنتج الواقع الإسلامي الجديد آلياته الخاصة لتأويل النص القرآني؟
–    هل ما يزال النص الديني سندا تفسيريا وحيدا للأحداث الراهنة؟
لقد أنتج التراث الإسلامي مواقف تفسيرية للنص الديني ففرق ما بين منهجيتين حُددتا في موقفين:
1-    التفسير بالمأثور: هذا التفسير يهدف في وصول المفسر إلى معنى النص “عن طريق تجميع الأدلة التاريخية واللغوية التي تساعد على فهم النص فهما (موضوعيا)، أي كما فهمه المعاصرون لنزول هذا النص من خلال المعطيات اللغوية التي يتضمّنها النص وتفهمها الجماعة”.(24) وهذا التفسير قد استعمله أهل السنة والسلف الصالح في استنباط تشريعاتهم على اعتبار أن نص الانطلاق يشتمل على وحدة زمنية جامدة على أساس صلاحيته لكل الزمان والمكان، فالمفسر هنا يبدأ من الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية لإعادة إنتاج نفس المناخ الفقهي متضمنا في رأيه صفاء ونقاء النموذج الإسلامي الأول.
2-    التفسير بالرأي أو التأويل. إن المفسر حسب هذا الاتجاه لا ينطلق من نفس منطلقات التفسير بالمأثور ، أي من الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية بل “يبدأ بموقفه الراهن محاولا أن يجد في القرآن(النص) سندا لهذا الموقف”.(25)
وقد يتداخل هذان الاتجاهان فيستعمل أصحاب الاتجاه الأول بعض الآليات التأويلية للاتجاه الثاني والعكس صحيح ، وقد تنتقل في هذا الاتجاه اللغة في دلالتها المرجعية إلى دلالتها الرمزية ، يخضع فيها النص القديم لشروط إنتاجه الجديدة فتلعب التأويلات الداخلية وجدل الدال والمدلول دورا في إعادة إنتاج النص من حيث أن التحول الذي يقع للعلامات يذهب بالنص القديم إلى أخذ أبعاد رمزية.
وقد ولد هذا الجدل التفسيري للنص الديني بعض التساؤلات المعرفية والتي نسوقها على الشكل التالي:
–    كيف يمكن الوصول إلى معنى النص القرآني بشكل موضوعي؟
–    كيف نوقف توالد معاني الإسرائيليات في إنتاج معانينا الفقهية؟
–    هل في استطاعة المؤول (فقيه) الوصول إلى مطلقية وكمال القصد الإلهي؟
إن التأويل قد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه فأعطى للمؤول حرية واسعة في فهم النص بالرغم من أن التفسير بالمأثور بحسب المنهجية المتبعة قد يضع بيد المفسر إمكانية موضوعية للفهم حيث أن “الاتجاه الأول يتجاهل المفسر ويلغي وجوده لحساب النص وحقائقه التاريخية واللغوية.(26)
إن هذين المنهجين في قراءة النص الديني قد شكلا وعي المفسرين في العصر الحديث كما حازا سابقا على اهتمام كل المفكرين العرب كابن عربي، ابن رشد، ابن حزم والسهروردي، وندرج هنا بعض أفكارهم فيما يتعلق بالتأويل: فابن عربي في كتابه الفتوحات المكية يجعل من التأويل “عبارة عمّا يؤول إليه ذلك الحديث الذي حدث عنده في خياله (المتلقي) فهو ينقله من خيال إلى خيال لأن السامع يتخيله على قدر فهمه، فقد يطابق الخيال الخيال، خيال السامع مع خيال المتكلم، وقد لا يطابق. فإذا طابق سمي فهما عنه وإن لم يطابق فليس بفهم”.(27)
إن المعنى الذي يحيل عليه قول ابن عربي يجعل “النص” كدلالة ظل يستخدم في حقله الدلالي كدلالة واضحة لا تحتاج إلى تأويل ، بينما ينتج النسق الفقهي المعاصر الالتباس المنهجي في استخدام كلمة “نص” للدلالة على كل النصوص الدينية من القرآن الكريم إلى الأحاديث النبوية متغاضيا بذلك عن الواضح منها والذي يحتاج إلى التأويل، وبذلك “يخلط الخطاب الديني عن عمد وقصد بين الدلالة القديمة التي استخدمها الفقهاء حين قرروا المبدأ، وبين الدلالة المعاصرة التي تسبق إلى وعي المخاطب العادي، فيترسخ في الذهن”تحريم الاجتهاد”(28)، وقد يتّجه الاجتهاد إلى رد الفرع إلا أصل لمساواته في علة الحكم.
فمن خلال المبدأ الفقهي القديم “لااجتهاد فيما فيه نص” يُحكم الفقه المعاصر الحصار على النصوص لتنفرد فئة الفقهاء بسلطة تأويلها وتفسيرها، وبذلك تحتكر هذه الفئة القدرة على التمييز بين القُدسي والمحظور وتهيمن إثر ذلك على الأسلوب الذي تنتج عبره المنظومة الفقهية عقلانيتها.
وقد عرف ابن رشد التأويل في “فصل المقال” باعتباره “إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة اللسان في التجوز في تسمية الشيء بشبيهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنة أو غير ذلك.” لقد ركز ابن رشد هنا على المجاز واعتبر للغة وجهين، وجه ظاهر وآخر باطن.
أما ابن حزم فقد اعتبر أن التأويل “هو انحراف عن النص وعن صورته الحقيقية، وهو تجاهل للنص وللحقيقة في آن واحد”، فاللغة عند ابن حزم لا تحتاج للبحث عن الظاهر أو الباطن، والنص الديني عنده وحيد التفسير له حقيقة واحدة فعلية، الوصول إليها يستوجب رؤية موحدة للتعامل معه.
بينما فرق أبو النجيب السهروردي بين التفسير والتأويل، فالتفسير عنده “علم نزول الآية وشأنها وقصتها وأسبابها وهذا محظور على الناس كافة القول فيه إلا بالسماع والأثر”.(29)
وعندما انتقل السهروردي إلى التأويل جعل النص الديني يتسع في معناه بحسب قُرائه ودرجة معرفتهم وعمق فهمهم ، حيث جعل التأويل ” صرف الآية إلى معنى تحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه يوافق الكتاب والسنة، فالتأويل يختلف باختلاف حال المؤول : من صفاء الفهم ورتبة المعرفة.(30)
فالفعل التأويلي عند السهروردي يتجاوز حدود اللغة ليتصل بذات المؤول التي تشتمل بالإضافة إلى المعرفة المحضة على الحضور القوي للبناء النفسي والاجتماعي له، فالتأويل عنده يبقى اجتهادا نسبيا يتغير وفق حالة المؤول ووضعيته.
وبهذا نكون قد وصلنا عبر هذه الاستشهادات حول التأويل ومعناه إلى الاستنتاج الذي يجعل التأويل تحريفا للكلمات عن معانيها الأولى لتخدم معاني جديدة هاجسها موافقة قناعات فئة دون أخرى.
لذا فالتأويل(31) “لا يعني مجرد عملية الفهم لشيء معطى محدد سلفا، له وجود خارجي محايد عن المتلقي الذي يحاول أن يفهم هذا الشيء أو النص”.(32)
إن الصيغة التفسيرية للنص الديني التي تجعل التأويل ممكنا يكشف على أن منظومة اللغة هي التي تتكلم من خلال هذا التأويل من حيث أن اللغة هي مجال خام للفهم والتفسير فـ” الانفتاح الوجودي عند المتلقي – من خلال وعيه بوجوده الذاتي – يجعل عملية الفهم ممكنة”(33)، وهي إشكالية ارتبطت باللغة والدلالة والتي كانت القاعدة التي انطلق منها الفكر الإسلامي لتأسيس علاقته بالنص.
الهوامش:
1-    نور الدين بوثوري ” مقاصد الشريعة، التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد وتصور الاجتهاد” دار الطليعة، بيروت الطبعة الأولى شتنبر 2000 ص: 112.
2-    علي حرب ” لعبة المعنى..فصول في نقد الإنسان” المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1991، ص: 98.
3-    علي حرب، نفس المرجع السابق ص:117.
4-    علي حرب ،المرجع السابق نفسه ص: 119.
5-    علي حرب ،هو نفسه ص: 129.
6-    الطبري”التفسير” الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، سنة 1984، الصفحة335. التشديد منّي
7-    Jean Baudrillard, De la séduction », Ed, Galilée, Paris, 1979, P :10.
8-     De la séduction, Ibid, p : 17. الترجمة مني
9-    Georges Bataille « les larmes d’Eros » 1961 paris p :94.
10-    منصف عبد الحق ” الكتابة والتجربة الصوفية، نموذج محيي الدين بن عربي” مطبعة عكاظ، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1988 الصفحة: 367.
11-    De la séduction , Ibid, p :69.
12-    تركي علي الربيعو” العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية” المركز الثقافي العربي الدار البيضاء،الطبعة الثانية ، سنة 1995، الصفحة 89
13-    قصة الخلق…دراسة في الجنس المقدس” موقع د. سعيد بن?ــراد
SAIDBENGRAD.FREE.FR
14-    د.نصر حامد أبو زيد” دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة” المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، سنة 2000 ص: 22.
15-    الطبري ” التفسير” نفس المرجع السابق ص: 237.
16-    القرطبي” الجامع لأحكام القرآن ، الجزء 11-12 ص: 90.
17-    القرطبي، المصدر السابق ص: 91.
18-    القرطبي، نفس المصدر ، ص: 113.
19-    القرطبي، المصدر نفسه ص: 114.
20-    مرسيا إلياد” رمزية الطقس والأسطورة..المقدس والدنيوي” ترجمة نهاد خياطة، دار العربي، دمشق، سنة 1987، ص:189.
21-    يعني الاجتهاد بالرأي “بذل الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما لا نص فيه”
22-    عبد الوهاب خلاف” مصادر التشريع فيما لانص فيه” دار القلم للنشر والتوزيع- الكويت الطبعة السادسة سنة 1993 الصفحة:7.
23-    د. نصر حامد أبو زيد ” إشكالية القراءة وآليات التأويل” المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء المغرب، الطبعة الخامسة ،سنة 1999، ص: 6.
24-    إشكالية القراءة وآليات التأويل” المرجع نفسه ص: 15″
25-     إشكالية القراءة وآليات التأويل” المرجع نفسه ص: 15.
26-    المرجع نفسه ص: 16.
27-    محي الدين بن عربي ” الفتوحات المكية” الجزء الثاني، دار صادر بيروت، بدون تاريخ ص: 181.
28-    د. نصر حامد أبو زيد” النص، السلطة، الحقيقة..الفكر الديني بين إٍرادة المعرفة وإرادة الهيمنة” المركز الثقافي العربي الدار البيضاء الطبعة الثانية سنة 1997 ص: 157.
29-    أبو النجيب السهروردي ” عوارف المعارف” دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى ،سنة 1966، ص: 25.
30-    المرجع نفسه ،ص: 26.
31-    أبو النجيب السهروردي ” عوارف المعارف” نفس المرجع السابق ص: 25-26.
32-    التأويل أومصطلح هرمينيوطيقا قديم ارتبط بالأبحاث اللاهوتية ليشير إلى القواعد والمعايير والآليات التي على المفسر أن يتّبعها لفهم النص الديني.
32 – ” إشكالية القراءة وآليات التأويل” المرجع نفسه ص: 27.
33-    ” إشكالية القراءة وآليات التأويل” نفسه ص: 36.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى