قضايا فكرية

المسلمون ما بين الحداثة ومابعد الحداثة.. ترجمة : زيد العامري الرفاعي

ترجمة وإعداد

زيد العامري الرفاعي

تقديم المترجم

لايزال موضوع الحداثة ومابعد الحداثة وموقف الاسلام  منهما ، فكرا وممارسة ، يشغل بال كثيرين من الباحثين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء.  إذ قد تناولوه من اوجه مختلفة، وياتي هذا البحث إضافة في هذا السياق . وفي هذا البحث،  وهو الفصل الاول  من كتاب  المسلمون والحداثة (Muslims & Modernity ) ، يعقد المؤلف  مقارنة بين وجهتي نظر مختلفتين  لاثنين من المفكرين الاسلاميين  المعاصرين ( أكبر أحمد وضياء الدين سردار)  وهما من المنشغلين والمشتغلين بالفكر الاسلامي ، من بين اخرين، وتناولا مسالة الحداثة  في كثير من مؤلفاتهم . وقد ترجمت الفصل بتصرف إذ فيه كثير من الاحالات والهوامش غير المهمة  التي أثرت  عدم ايرادها ، والذي  لايؤثر البتة على سياق النص ومحتواه بالنسبة للقارئ المتخصص وغير المتخصص على حد سواء.  وقد لايتفق  القارئ مع المؤلف في  مااورده فاحجمت  من جانبي عن التعليق عليه وتركته لفطنة القارئ وحدسه.

“مابعد الحداثة”  مفهوم مختلق عن الجدة وعن التباين  الجوهري،  أُستخدم  باعتباره  وسيلة تنم  بصورة الية  عن التنميط الايدولوجي منه والتحليلي  كلما تداعى للاذهان استعراض الصراع العالمي  والصراع المحلي في المجالات الاجتماعية والسياسية، استعراضا جمعيا. واصبح مفهوم مابعد الحداثة  عبارة عن  لفظة مبتذلة مستهلكة  تختزل الحقائق الى حقيقة واحدة ،يعبر عنها بتفريعات  ثانوية، مما يجعلها عرضة للتلاعب؛ بمعنى اخر، مابعد الحداثة ما هي إلا  شكل حديث عن الاتجاه  الايدولوجي الذي عرف  سابقا “بنهاية الايدولوجية”. (عزيز العظمة،1993  الاسلام والحداثات ص 5-6)

1- ازمات الحداثة

في كتابه “الاسلام في التاريخ المعاصر”(1957) يقول W.C. Smith  “ لقد واجه الاسلام،  حين دخل  العصر الحديث، تحديا حقيقيا إذ بدى لكثير من المسلمين ان المشروع الاسلامي قد فاته القطار وهجره الزمن؛ مما ادى بالتالي الى تغير مسار تاريخه وانحراف اتجاهه. وهذه هي  محنة الاسلام المعاصر ، إذ نجد ان الشغل الشاغل لمسلمي اليوم  منصب على  كيفية اعادة تاهيل ذلك التاريخ لكي يستعيد المجتمع الاسلامي عافيته وحيويته مرة ثانية باعتباره مجتمع ايماني يلتزم خط الرسالة  الالهية“. وصدمت  السيطرة الاستعمارية  المسلمين  صدمة  عنيفة ؛ وحينها بدءوا التساؤل بعد انهيار ارث ماضيهم وخضوعهم  للاستعمار، قائلين لماذا حدث ذلك لنا ؟ ووجدوا انفسهم في موقف صعب حين انعدم الانسجام بين معتقداتهم الدينية وبين العالم لانه لم يعد ممكنا التوفيق بين فكرة ‘وكنتم خير امة اخرجت للناس‘ وبين حقيقة وواقع كون اعضاء هذه الامة هم من بين الضعفاء الخاسرين في النظام العالمي الحاضر الذي يسيطر عليه الغرب؛ خاصة اذا عرفنا ان الاستعمار الجديد شل المسلمين وأدخلهم في حالة حطام روحي، و خواء فكري وخواء اجتماعي.

وفي هذا الفصل نستعرض  وجهتي نظر اثنين من المفكرين  المعاصرين وهما ( اكبر احمد وضياء الدين سردار) بخصوص الحداثة ومابعد الحداثة،لكننا في الوقت نفسه ارتاينا  ضرورة استعراض اربعة استراتيجيات  معبرة عن بعض التيارات الاسلامية للرد على هذه الازمة.

السلفيون

انصب هدف هذه الحركة اساسا  على استعادة المؤسسات الاسلامية التقليدية والترويج  للحكومة الاسلامية لكن من غير ان يشتركوا انفسهم بالسياسة لتحقيق هذا الهدف؛ بل كان نهجهم العملي هو اسناد ودعم انظمة الحكم الاستبدادية الاوتوقراطية شريطة التزامها  بالشريعة  لان الله ، وليس الحاكم، هو صاحب السيادة والسلطة. بمعنى اخر، يريدون استرجاع اسلام الماضي المثالي الذي ضاع بسبب سيطرة الاستعمار على البلدان الاسلامية وبسبب انحراف المسلمين عن هذا النموذج. وبينا هم لايعتبرون الغرب مصدر كل الحكمة والمعرفة ، لكنهم من الناحية العملية هم الحلفاء العسكريون والاقتصاديون  لهذا الغرب. ورائد  الاسلام السلفي هو محمد بن عبد الوهاب الذي قام اتباعه بتاسيس الدولة السعودية؛ ولقد  كان يرى ضرورة  استعادة الاسلام خاليا من كل مالحقه من اضافات وبدع  وبضمنها الصوفية التي تتهمها الجماعة السلفية بالانحراف عن الاسلام وبالتالي تحملها  مسؤولية، ولو جزئيا، انحطاط الاسلام. وتوجب  على المسلمين منذ  زمن محمد عبد الوهاب ان يختاروا بين الوهابية وفرعها السياسي وبين الاسلام الاصلاحي؛ يعني بين اليمين واليسار. بينما يرى اخرون  ان الاسلام ينقسم الى فئتين هما : اسلام رجعي واخر تقدمي؛ وان اي خطوة للاصلاح لابد ان تستند للتراث حتى تكتسب اصالتها وشرعيتها ، لان السلفية تعتبر نفسها هي الاسلام الحقيقي في مقابل الاسلام الليبرالي.

السلفيون الجدد

وهم يختلفون عن السلفيين بانتقادهم الغرب بالرغم من تفاعلهم مع الفكر الغربي والاستفادة من منجزاته  في ترويج افكارهم؛ ويؤيدون التحديث لكنهم يرفضون الانصياع الاعمى للغرب. ومع  تقيدهم الحرفي بالشريعة الا انهم يتقبلون جزئيا اعادة التاويل في مجالات معينة لاتتعارض مباشرة مع القران والسنة النبوية. ومما يميزهم هو استخدامهم الخطاب الاصلاحي  فضلا عن مناصرة  وحدة الدين والسياسة والسعي لخلق واقامة دولة اسلامية باستخدام الوسائل الدستورية  مثل الانتخابات  والدعاية والتعليم. والغرب في نظرهم ليس هو من يحكم ويقرر حقوق الانسان والشرعية السياسية.  ويرى (اكبر احمد) انهم يمدون جسرا بين القديم وبين الحديث اي بين الغرب وبين التقليد. ولايرون باسا في اعادة تاويل النصوص بما يلائم ظروف الوقت المعاصر، اي استخدام الاجتهاد، وان  جرى ضمن المعايير المحافظة والسلفية. ويستعيرون منهج اهل الحداثة، مع رفضهم لهم،   في الدفاع عن الاسلام  ضد الغرب.  وبينما لايعارض السلفيون الحكومات المستبدة ، نرى ان السلفيين الجدد  يناصرون الشكل الدستوري للحكومة بما فيه الاحتكام لراي الشعب مع انهم لايؤمنون بالتعددية السياسية. ويدعون ايضا مثلهم مثل المعاصرين واهل الحداثة للاخذ  بالاجتهاد المعاصر وقبوله  ولو كرها؛ وغايتهم اقامة نظام عالمي اسلامي.

ونجد ان كثيرا من السلفيين الجدد تعلموا في الغرب ويحملون درجات علمية مهنية وقليل منهم درس دراسة دينية صرفة  على خلاف  محمد عبده وعلي عبد الرازق. ويعتبر سيد احمد خان ومحمد اقبال من اوائل من قالوا بعدم الحاجة للاعداد الديني التقليدي لاجل التنظير والنظر في مشاكل الاسلام. وبعضهم حين زار الغرب غير نظرته عنه مثل سيد قطب الذي ارتبط بحركة الاخوان المسلمين بعد دراسته في امريكا؛ فلقد وجد ان الغرب متحلل اخلاقيا وهمه الجنس فقط ولذلك دعى الى  وجوب تحطيم كل المشروع الغربي.

الراديكاليون

وهم الجماعة التي تدعي  ان الغرب في حالة حرب اعلامية واقتصادية وثقافية ضد الاسلام وعليه فالغرب والغربيين على حد سواء اهدافا مشروعة في حربهم ضدهم. ولان كثير من الحكومات الحالية  ،بنظرهم،  فاقدة  للشرعية فيتوجب الجهاد  ضدها باستخدام  وسائل لادستورية. وفي مسلكهم هذا فهم يرون انفسهم ورثة الخوارج الذين كفروا معظم الحكام. ولذلك فهم  لايؤمنون بالتعددية السياسية ابدا.  ومن الطريف ملاحظته هنا هو انتقال الافراد احيانا من طرف لاخر فمثلا محمد رشيد رضا بدء مسيرته من  اتباع محمد عبده ثم انتهى الى ان اصبح سلفيا متعصبا.

المعاصرون واهل الحداثة

يؤمن اهل الحداثة ان مبادئ الاسلام التي جاء بها القران انما هي  ازلية وثابتة  على خلاف واقع التطبيق التاريخي المتغير من حيث اتجاهاته السياسية ومؤسساته المختلفة التي تولدت من رحم  ذلك التطبيق. لذلك يرى المعاصرون انه لاجدوى من محاولة اعادة نسخ وتطبيق معايير تفسير الماضي وفرضها على زماننا هذا، لانه ليس من الصعوبة بمكان ايجاد وبناء ممارسات ومؤسسات معاصرة اكثر ملائمة وافضل حالة  من سابقاتها. وهكذا تتسم نظرتهم لماضي الاسلام باعتباره نقطة استلهام من اجل استعادة المبادئ الاخلاقية والروحية والباطنية للاسلام ؛ مما يعني اختلافهم عن السلفيين الذين يسعون جاهدين لاعادة بناء واقامة الماضي بكل مؤسساته السياسية واطره القانونية. ولذا يمكن القول ان توجههم هو توجه مستقبلي  لانهم لايطبقون النصوص بصورة حرفية جامدة بل بما يتفق والعصر الذي يعيشون فيه مخالفين بذلك المنهج السلفي . ومثال على ذلك  هو مسالة الحدود، إذ  تستبدل العقوبة الواردة في النص القراني  باخرى اقل شدة – مثلا السجن بدل قطع الاطراف . وفي الهند اتبع سيد احمد خان سياسة اختلفت جذريا عن سياسة الجماعة السلفية (الديوباند) . وراى في الثقافة الغربية ايجايبات كثيرة  ولذلك اثمر تعاونه مع البريطانيين في اقامة كلية اسلامية انجليزية – شرقية  وجاءت هذه المحاولة  بعد زيارته لجامعتي اكسفورد وكامبرج. كما انه تعاون كثيرا معهم اثناء حرب الاستقلال الهندية عام 1857، مع ان البرطانيين كانوا مقتنعين حسب مايقول السير وليام ولسون هنتر في تقريره عام 1871 الذي قدمه للادارة البريطانية في الهند،  ان النصوص القرانية بقدر ماتقدم الولاء للملكة فهي في الوقت نفسه تقوم بخلاف ذلك وتحض على عدمه.

وعمل ( سيد احمد خان)  على الترويج لنظام علماني  يحتل فيه  الاسلام  دور الهداية الاخلاقية والهداية السياسية ، ولذلك فهو  يعتبر من اوائل المسلمين المعاصرين المؤمنين بالتحديث؛ لكنه تعرض للطعن والنقد ووصف اسلامه بانه اسلام غربي ورفضه بعض المسلمين بكونه غير شرعي وبدعة في الدين.  ويرى المعاصرون ان التقليد لم يكن سوى اداة اعاقت  ظهور  الافكار والاراء الجديدة  بل انها قتلت التفكير النقدي . ويعتبر محمد اقبال ان  اغلاق باب الاجتهاد قد  تاتى من وهم  اكتمال  الفكر القانوني في الاسلام فضلا عن الخمول الفكري الذي اصاب المسلمين؛ ويضيف قائلا  ان اغلاق باب الاجتهاد  قد حول ائمة المذاهب الاربعة الى اصنام. بينما يرى باحث اخر هو ضياء الدين سردار انه من غير الواضح سبب اغلاق باب الاجتهاد ويعتقد انه حين خاف الفقهاء المسيطرون من مغبة سوء استغلال الاجتهاد على نطاق واسع ، اعلنوا تحريمه  لكي يمنعوا سواهم  من سوء استخدام هذه الالة.

وكان راي  (سيد احمد خان)  من نفس راي  المعتزلة  الذين قالوا بقدرة البشرية على معرفة الخير بلا حاجة للوحي الالهي.  يروج بعض المعاصرين والتقدميين من المسلمين لاتخاذ  موقف وسطي بخصوص هذه المسالة؛ بينما يروج اليساريون الى فصل الدين عن الدولة لان نطاق اشتغال  الاسلام في نظرهم هو مسالة الايمان  اكثر من  اشتغاله في شؤون النظام السياسي  مثلما هو رأي  علي عبد الرازق وبسام طيبي. في الوقت نفسه نجد عند محمد عبده  تشديدا وتاكيدا على مقام العقل الذي لايقف امامه اي شي مستحيل فضلا عن اعتقاده  بامكان تبني  المسلمين للعلم الاوربي- الذي يدين في جزء كبير منه  للاسلام – من دون ان  يلحق ذلك اي ضرر او اساءة للاسلام. الا انه – اي   محمد عبده-  لم يكن  واضحا بخصوص ماهية الاحكام والفروض الاسلامية التي يلتزم بها المسلم وماهية المثل الاوربية المقبولة لديه. من ناحية اخرى نجد   المفكر (اكبر احمد) ينظر للحداثة الاسلامية  باعتبارها  وكيل يعمل في خدمة  الغرب لكونها  راس حربة العلمنة الغربية في الارض الاسلامية في  سعيها لفرض قيم الليبرالية الغربية على المجتمع المسلم؛ بل ان اخرين يرون  انها حلول مستوردة .

وبينما انشا السلفيون الجدد حركات اسلامية مثل الجماعة الاسلامية واخوان المسلمين التي اقتربت من جموع  الشعب وعامة الناس؛ نجد ان المعاصرين  ركزوا على التعليم على وجه الخصوص مثلما  نجد ذلك في  محاولة محمد عبده اصلاح جامعة الازهر في القاهرة  وكذلك محاولة احمد خان في الهند  بتاسيس جامعة ، وهم بذلك عملوا على  مخاطبة النخبة. وصاغ محمد اقبال اكثر اهم التاويلات المعاصرة  للاسلام لانه كان مقتنعا بضرورة  الاصلاح والتجديد  في الاسلام والا فلن  يستيقظ الاسلام  من سباته، وقد ناصر التقدم والسعي من اجله  مؤكدا ان تعاليم القران التي تنظر للحياة  بكونها  عملية خلق مستمر  للامام تتطلب من كل جيل، متخذا من اسلافه هاديا مرشدا لا مثبطا، ان يحل مشاكله الخاصة. ومن الجدير ذكره هنا  ان محمد اقبال هو اول من اقترح انشاء  دولة مستقلة  للمسلمين الهنود في لقاء جامعة عموم الهند عام 1930 ؛ وانه  درس في اوروبا ومنحته بريطانيا  لقب فارس و قد اتهمه البعض  انه استعار  من الفلسفة الغربية كثيرا. ولكننا نجده قد رفض الحركات القومية الغربية المتهالكة وراى عدم فاعلية  نظرتها المادية عن الكون ، اذ يقول في هذا الصدد : ‘صدقني  ان  اوربا اليوم هي اكبر عائق في طريق التقدم الاخلاقي للبشرية‘ ولكنه على خلاف السير سيد احمد خان لم يكن علمانيا بل كانت  شريعته الاصلاحية في قلب دولته المثالية. ونظر فيما وراء تكوين واقامة   دوله اسلامية واحدة  نحو اتحاد الدول الاسلامية المختلفة. وشاركه بهذا السلفيون الجدد من امثال المودودي وسيد قطب وحزب التحرير الاسلامي التي كلها تنتقل بخطابها  من المحلي الى الكوني .

وعادة مايطلق على  الرواد من امثال الافغاني وعبده واقبال بالمعاصرين والحداثيين بينما  يطلق على  الاخرين من امثال ضياء الدين سردار وطه عبد الرحمن ومحمد اركون انهم  تقدميون او ليبراليون خاصة انهم هم من وصفوا انفسهم بذلك. ويعتقد ان مصطلح التقدمي شاع بعد ان نشر سروش دراسته الاسلام الثوري في ايران: تحرير شعبي ام  تسلط  ديني عام 1983 . وعليه فالاسلام التقدمي هو اسلام يسعى لاصلاح المجتمعات التي يسودها الظلم والاظطهاد  واقامة بدلا منها مجتمعات تسودها مبادئ  العدالة والمساواة  وبالتالي تحويل الشعوب من ادوات للاستغلال الى مادة للتاريخ، كما يقول احد هؤلاء المسلمين التقدميين.

ويعلق بسام طيبي  على ماطرحناه من تقسيم ‘بان هذه الاتجاهات الدينية – الفكرية لاتشغل اساسا ، في الاسلام الحديث، سوى  بال الطبقات المتعلمة فقط والتي هي اقلية من المسلمين، وان مثلت  قادة الراي بينهم‘ ؛ والذي يرى ايضا ان  ان مفهوم  صراع اليمين واليسار غير موجود في المصادر الاسلامية  القديمة لانه غير معروف او متعارف عليه.

وبالمثل يقول محمد اركون ان اسلام الجماهير وهو الاسلام الصامت، والذي تجاهله علماء الاجتماع،  يركز في تفكيره على اهمية العلاقة الدينية بالخالق اكثر من تاكيده على الاهتمام  بالاشكال السياسية لنظم الحكم.

2- ماهي الحداثة؟

يصعب تحديد بداية الحداثة خاصة اذا علمنا ان كل عصر يعتبر نفسه حديثا ، بما فيها تلك العصور التي سمتها الاجيال المتاخرة عصور الظلام او العصور  المظلمة. ويرجع البعض تاريخ  الحداثة الى باروخ سبينوزا (1632-1677) وهو يهودي هولندي طرح نوعا من وحدة الوجود التي يتحد  فيها الرب والطبيعة بحيث لايبقى هناك مجالا  لوجود  اله شخصي او لروح ازلية خالدة. وتميز  نظام سبينوزا الاخلاقي بكونه نظاما عقلانيا مطلقا. ومن الجدير ذكره هنا شيوع  فكرة الاله الواحد  والرب الخالق في الفكر الغربي بكونها  حقيقة لانقاش فيها – من حيث  هو  مالك الملك  واليه مصير الانسان في اخر الزمان  وعنه تصدر شرائع الاخلاق . لكن اكتشاف قوانين الفيزياء  قد ادى لزعزعة الثقة بالرب القدير المقتدر ، لانتفاء الحاجة  الى عنصر الهي مراقب ومشرف. وبعد عمل سبينوزا، جاء  عمل دارون ليلغي الحاجة لوجود الرب؛ لان العلم، بدلا من الرب، هو الذي سيفتح مغاليق الكون واسراره.

وتولى المنهج التجريبي بعد ذلك مهمة برهنة واثبات الحقائق على خلاف ماتطرحه  الكتب المقدسة. وكان من نتائج ذلك ان تغيرت النظرة للاخلاق التي  اتخذت من القيم الاجتماعية، والتي هي في حالة تغير دائم،  معيارا لها. ومن ضمن فلاسفة الحداثة، نجد ان مفكرا مثل (جون ستورت مل) رفض فكرة ان الايمان بالله امر ضروري  لدعم الاخلاق. فالمسيحية بنظرتها الثابتة الجامدة عن الاخلاق وعن الله قد اعاقت المشروع التحديثي الليبرالي الذي هدف الى ‘تثقيف الانسان المستقل والتقدمي‘. لان الناس يجب ان يكونوا احرارا لمحاولة ‘تجريب مختلف الافكار  نظريا وعمليا‘ وان اية افكار لاتؤدي للاضرار بالاخرين تقع في دائرة السلوك المقبول. أعتقد (جون ستورت مل)   ان العالم الذي لايؤمن بجزاء خالد ازلي، كما يعد بذلك الدين،  انما هو عالم يتميز بسمو ورفعة  نظامه الاخلاقي بسبب ‘ان السلوك وفق بواعث الخير  لايتاتى من الايمان بوعد الجزاء الالهي   بل  من  قبول الناس الذين نحبهم  ونقدرهم‘.

اعتقد  جون ديوي (1859-1952) ان الايمان  بعقل بدلا من الايمان باله مشرف مسيطر انما هو ايمان اكثر فائدة ونفعا للبشرية. وراى ان العقل ، بصورته الجماعية، سيساعد كل جيل “على مواجهة وحل مشاكل الحاضر عبر التجريب”. وسيصبح  الانسان هو مركز الدين  وليس الله. ودعى ديوي “لايمان بامكانيات التجربة البشرية والعلاقات البشرية” التي “ستخلق احساسا قويا بتضامن المصالح البشرية وتشجع العمل لجعله احساسا بالواقع”. ونجد ان هذا التصور والتفكير مختلف جدا  بالطبع عن الفكرة السائدة قبل الحداثة ،  بان القواعد والاخلاق المستوحاة من نصوص الكتب السماوية ، والتي لاتحتاج اصلا الى تجريب، قادرة على حل المشاكل . لم يؤمن ديوي بان اليقين امر ممكن في عالم ديناميكي ومتغير، وربما كان ذلك امرا متقدما وسابقا على نزعة ما بعد الحداثة . وعموما ، امنت الحداثة بامكانية اكتشاف  الحقيقة او المعرفة ، مؤقتا في الاقل ، مالم   يتغير اجماع اهل الخبرة. وبالامكان وصف الواقع؛ فهو موجود وراء صوره او توصيفاته وبصورة مستقلة عنهما.

ووجهة نظر الاغلبية هي التي تشكل اساس وقاعدة  منظومة الاخلاق التي يصوغها  العقلانيون. وحتى مع  تغير اجماع هذه الاغلبية، اعتقدت النظرة الحديثة عن العالم ان بامكان النظريات الكبيرة او النصوص الشارحة، تفسير العالم-  فكل من نظرية التطور والماركسية والراسمالية كلها قد عرضت وجهات نظر عالمية حلت وكشفت جفرة التاريخ والاقتصاد والبنى الاجتماعية. واطلق على  مثل هذه  النصوص الشارحة بانها  تفسيرات شمولية كلية- للتاريخ وللعلم وللثقافة وبالطبع للدين والتي تميل  لاعتباره  بانه بقية او اثر من اثار الطفولة البشرية وليس علامة على نضج البشرية. واعتقد النص الشارح او النص الكبير  السائد ان العلم والتقدم التكنولوجي هما اللذان  يضمنان مسالة التقدم والتطور. وعليه فالمستقبل لايزال يمدنا ويزودنا بامكانيات غير متحققة وغير معروفة. وهذا بالطبع  يتناقض مع النظرة الدينية القائلة بكون الانجيل وعاء يحتوي اصلا مجموع كل المعرفة الممكنة. ويرى كثيرون، ان الحضارة والثقافة الغربيتين هما المعبران عن  الحقيقة المطلقة والقيمة المطلقة،  وانهما  تبعا لذلك يمثلان  النموذج الكوني للتقدم والنمو. وبتحصيل حاصل ، فمصير ماسواها من النماذج الاخرى  هو الاهمال والازدراء.

ويرتقي مثل هذا الفهم عن المعرفة ليصل لمرحلة استيعاب موسوعي يضم كل الحكمة في منطقة معينة. ادركت الحداثة اهمية امر الخبرة فمنحت المرجعيات في الطب والعلم والتعليم والفنون والادب ، حق تقرير وتقدير  المعايير والاسس. ومن بين خصائص  الحداثة هي اعتبار الفن عملا فريدا يعطي الفنان اصالته اما المعايير المتفق عليها فتعطيه  شرعيته فضلا عن الرأي المفروض بان الثقافة الراقية او الرسمية انما هي ثقافة معيارية وسلطوية. وتؤكد  الحداثة ايضا على امور الثقافة الجماهيرية والاستهلاك الواسع والتسويق الواسع والايمان والاستثمار الشخصي في السياسة الكبيرة- الامة والدولة والحزب، علاوة على احساس النفس الموحدة المركزة، الفردانية، والهوية الموحدة. وترى الحداثة باهمية تحمل الايمان الديني والتسامح حياله واعتباره  مسالة اختيار شخصي طالما انه لايسعى للتدخل في الشؤون.

ويرى توفيق  السيف ان العلمنة على الطراز الغربي كانت  شرطا  محتوما للتحديث لان  ظروف وحالات الحداثة  لم تكن  موجودة  قبل ان تستبدل  اوروبا الدولة العلمانية بالدولة الدينية. سعت  العلمانية لاقامة  منهجا وبرنامجا  للنمو والتقدم  البشريين، كما يقول  محمد بن يونوسة،  اساسه الاستقلال الاخلاقي عن عقائد  الدين والتدين.  وبديهيا ان نجد  ان القول  باستبعاد الله من الشؤون العامة  فضلا عن الافتراض بان  العقل البشري بلا مساعدة الهية قادر على بناء الحقيقة وكون الوحي امرا فائضا، تتعارض كلها تعارضا جوهريا مع الاسلام. لذلك:

من وجهة النظر الاسلامية….. فان فصل ماهو علماني عن بقية الاسلام امر مهم  والذي يعني  فعلا رفض مسالة الحداثة كليا. لايمكن تصور الوجود المستقل  للعلمانية  في الحضارة الاسلامية. لذلك، فالعلمانية في تضميناتها الغربية واستعمالها الفني الحالي قد تعني  في سياق اسلامي  انها  مرادفة  لمفهوم اللااسلمة .

وفي ضوء هذه الحالة، فالمسلمون  الذين يتبنون  ايديولوجية علمانية  هم مجرد دمى يحركها الغرب وان اسلامهم مطعون فيه ويفتقد للشرعية بل انما هو  اسلام غربي. في العلمانية، يقول خورشيد احمد،  تفقد الهداية الالهية معناها ولايعد هناك وجود للانسان في نظام الخلق الالهي كما انها  في حقيقتها انكار لمصيره في الحياة خارج الوجود المادي الصرف. لكننا نجد ان قليلين جدا من الحداثيين المسلمين يعتنقون العلمانية والتي كما يشير سروش لايشترط ان يصاحبها  علمانية المجتمع او جعل المجتمع غير متدين:

فهمت العلمانية انها سعي مقصود لاقصاء  الدين من المجتمع. لكن الحقيقة هي ان الحكومة العلمانية ليست ضد الدين  ؛ فهي تقبله  ولكن ليس باعتباره اساس لشرعيتها او اساس لافعالها.

3- مابعد الحداثة و الاسلام

سبينوزا هو الذي قطع اوتارنا وهو الذي جعل الله يتقاعد وينسحب من منصب محرك الدمى الالهية والذي امن ان الوحي حادثة ليست فوق تاريخ البشرية بل داخله.

فمن الطين خلق الله غير الموجود الانسان الموجود. وهذه هي  مفارقة الحياة البشرية: خالقها خيال ولكن الحياة نفسها امر واقع وحقيقة. سليمان رشدي 2001 .

في هذا النص، الحداثية/ الحداثة ومابعد الحداثية/ مابعد الحداثة ، يعتبران  امران ممتزجان يشكلان كلا واحدا حسبما يقول ضياء الدين سردار.  لكننا نجد استخدام  مصطلح مابعد الحداثة يصف  عموما وجهة نظر عالمية تهد  وتقاوم افتراضات الحداثة وحتى انها تعارضها. ومع ذلك توصف مابعد الحداثة انها امتداد للحداثة، يعني انها  حداثة ولكن بشكل مركز. وفيما يلي جدولا يعرض للفروقات بين الحداثة وبين مابعد الحداثة ويصف التعارض والانقطاع بينهما.

الحداثة

النص الرئيسي والنص الشارح للتاريخ وللهوية الوطنية؛اساطير الاصل الثقافي والعرقي.

الايمان بالنظرية الكبيرة(التفسيرات الشاملة في التاريخ والثقافة)لتمثيل المعرفة وتفسير كل شي.

الايمان في ‘الحقيقي‘ خارج وسائل الاعلام والتصويرات؛شرعية  النسخ الاصلية –الاصول.

الكتاب حامل كافي للكلمة؛ المكتبة نظام للكلمة المطبوعة.

مابعد الحداثة

التشكيك بالنصوص الرئيسية ورفضها، تواريخ محلية، تفكيك سخري بالنص الرئيسي؛ اساطير مضادة للاصل.

رفض النظرية الشاملة؛تعقب النظريات المحلية والعرضية الطارئة.

ماوراء الواقع، التشبع بالصور،المحاكاة التافهة  اكثر قوة من الواقع؛ الصورة والنصوص بلا اصول لها.

الاعلام الماورائي بكونه تسامي للحدود المادية للاعلام المطبوع، المكتبة نظام المعلومات

ويؤكد كثير من الكتاب المهتمين بما بعد الحداثة بان الحداثة تركز  على  الهوية الوطنية والاصول الثقافية والتشابه والوحدة المهمة بينما تسعى  مابعد الحداثة على الترويج  لمفاهيم الخليط والمزيج والانتقائية والتعددية . بمعنى اخر، ترى  الحداثة ان  لكل امة من الامم – الانجليز مثلا او الالمان- نص واحد وحيد يعرفه الجميع   يتحدث ويروي  جذورهم الثقافية. بينما لانجد ذلك في ما بعد الحداثة،لانه ليس هناك نص وحيد  مشترك. يتساءل سلمان رشدي التي تصنف رواياته عادة بانها روايات مابعد حداثية،كيف تدخل الجدة للعالم؟ ويجيب هو قائلا : قليل من هنا وقليل من هناك يفسر كيفية دخول الجدة للعالم. إذ يشيد كتابه الايات الشيطانية  بالامور التالية:

الهجين، اللانقاء، التداخل، التحول الذي ينتج من الاتحادات الجديدة وغير المتوقعة للبشر والثقافات والافكار والسياسات والافلام والاغاني.

يتساءل رشدي:

كيف تدخل الجدة للعالم؟ وكيف تولد؟

ومن  اية اتحادات وترجمات وارتباطات، قد  صنعت؟

كيف تعيش وتبقى  بما هي متطرفة وخطرة؟ اية تسويات، اية مقايضات، اي خيانات لطبيعته السرية تجعله    يتحاشى  ويحتوي  زمرة الخراب  ، الملاك المدمر، المقصلة؟

يرى اخرون   ان مابعد الحداثة هي التعبير اساسا عن  المزيج الانتقائي لاي ثقافة  مع ماضيها القريب؛ انها استمرار الحداثة وتسامياتها‘. ويبدو ان رفض الاسس والمقاييس المعيارية والمعرفة المرجعية السلطوية سيفتح الباب لامكانيات  واساليب حياة وخيارات حياة لانهاية لها ، لان الناس احرار لتسمية الواقع كما يرونه. ومن هنا نجد رفض التصور القديم المقبول حول كيفيات الاشياء او الحوادث لانها تعبر عن سرديات خلقتها النخبة وفق تصوراتها هي. بمعنى اخر، ان المصالح الثقافية او الايديولوجية قد صاغت كتابة التاريخ او تقرير السلوك المقبول. وتؤكد فاطمة مرنيسي بان الاورثودكسية الاسلامية قد صاغتها رجال النخبة لمصلحة هذه النخبة وعلى حساب النساء. ويقول ضياء الدين سردار  ان نزعة مابعد الحداثة هي ماوراء الحداثة: انها تتجاوز الحداثة التي بدورها تتخطى التقليد او التراث. لذلك فالمبدأ الاول لنزعة مابعد الحداثة هو ان كل ماهو مشروع وحقيقي وصالح  في الحداثة اصبح مهجورا  كلية  بل وفقد صلاحيته .

نعرف ان علم المعرفة المابعد الحداثي مدين كثيرا لاعمال ميشيل فوكو مثل الجنون والحضارة، حفريات المعرفة ، والمراقبة والعقاب. يقول فوكو ان اهل السلطة هم من يخلق المعرفة ويصنعها في كل مجال من مجالاتها. وكل معرفة انما هي فعلا خطاب؛ إذ ليس هناك واقع موضوعي وراء هذا الخطاب، باستثاء مايؤوله الناس لاغراض سلطتهم وتحكمهم. يقول فوكو ان وظيفة الخطاب هو فرض الرقابة على عموم  الناس الذين عرفوا هويتهم واصولهم ونوع السلوك المقبول حسب ما روي لهم .

لذلك:

كل السلطات التي تفرض تحكما فرديا تعمل وفقا لنمط مزدوج (مجنون/ سليم، خطر/ غير ضار،طبيعي/ شاذ) وكذلك  وظيفة الواجب القهري من التوزيع التفاضلي: كيفية ادراكه ؛ وكيفية فرض الرقابة عليهم(1979).

واي نص يدعي السلطة نريد ان نساله،  “من كتب هذا، ومن اية وجهة نظر، ولمن كتب النص، واية اصوات اسكتت؟” وسنجد ان  اصوات الاقلية والنساء والشباب  مثلا  هي التي تكون قد  اسكتت.

4- مابعد الحداثة والتحليل الماركسي

عقب سقوط الكتلة الشرقية، اعتبر التحليل الماركسي عادة انه تحليل تجاوزه الزمن وعفى عليه. وفي رواية حنيف قريشي الالبوم الاسود (Hanif Kureishi, The Black Album )الصادرة عام 1995 ، وصف لحالة  المحاضر الماركسي دكتور براونلو، ولزوجته ديدي اوسكود  وهي باحثة  متخصصة في دراسات ما بعد الحداثة. وقد تاثر براونلو كثيرا بانهيار الشيوعية ، إذ نجد ان  حالته النفسية تزداد  سوءا  وقنوطا بعد سقوط اي دولة من دول الكتلة الشيوعية. ومع ذلك يمكن القول  وجود ابعاد من الفلسفة الماركسية تعيش على فكر مابعد الحداثة: فكل من الماركسية ومابعد الحداثة يؤكدان ان التاريخ تكتبه النخبة وان الثقافة يصنعها الاقوياء وان القلة المرفهة ذات الامتيازات تقوم باسكات اصوات اغلبية الناس العاديين.

والمفهوم الاخر من مفاهيم مابعد الحداثة هو ان المعنى لايوجد مسبقا ضمن النص  ينتظر استخلاصه، لكن القارئ يقوم بمهمة خلقه وتكوينه. وبهذا يكون المعنى ناتج عقل القارئ بقدر ماهو ناتج مؤلف النص ؛ بمعنى انه  يشتق ويستوحى  مما يجلبه القارئ للنص وقد تكون صلته بسيطة  او ليس له علاقه بالمرة بما اراد المؤلف قوله او ماكان الناس ياملون طرحه وتركه من النص.

5- ردود اثنين من المفكرين الاسلاميين : اكبر احمد وضياء الدين سردار

لاينظر كثير من المسلمين بعين الرضى لثقة الحداثة بقدرة الانسان لتحقيق الحياة الفاضلة الصالحة دون الحاجة للتدخل الالهي. يبدو ان رفض مابعد الحداثة للنص الشارح، من جهتها، يسحب البساط من تحت الادعاء بصلاحية  الاسلام  بكونه قانون  عالمي شامل كامل  ، يتكلف باصلاح نظام حياة البشر ، وليس بحاجة الى مراجعة وتصحيح نقديين  . ومن المفيد، ان نجد من بين المسلمين الذين كتبوا في هذا الموضوع خروج رؤيتين متعاكستين يمثل احداهما  اكبر احمد  التي تتميز بايجابيتها والثانية يمثلها ضياء الدين سردار وهي مخالفة  للرؤية الاولى.

5-1 اكبر احمد: مابعد الحداثة والاسلام، الازمة والوعود  1992

يعتبر اكبر احمد وهو خريج جامعات البنجاب ولندن وكامبردج وبرمنكهام وحاصل على شهادة الدكتوراه في الانثروبولجيا 1978 من جامعة لندن، اول باكستاني يعمل في مجلس المعهد الملكي الانثروبولوجي. وكان ايضا استاذ زائر في عدة جامعات اميركية مميزة ودرس في جامعة قاضي الاعظم الباكستانية. وبين عام 1966 و2000 وهو عام  تقاعده، شغل وظائف عدة في الخدمة المدنية الباكستانية، وخدم في اقصى زاوية في باكستان وكذلك مندوبا في ثلاث مقاطعات في بلوجستان. وهو المدير المؤسس للمركز الوطني للتنمية الريفية في اسلام اباد. واصبح في عام 1988 زميل كرسي العلامة اقبال  في كلية سلوين في كامبرج ، وفي العام 1993  عين باعتباره اول زميل مسلم.  واصبح عام 1999-2000  المندوب السامي الباكستاني في المملكة المتحدة ولكنه استدعي لباكستان بعد ثمانية شهور. وسبب استدعاءه  حسب قوله هو انه  تكلم كثيرا عن ايديولوجية الاسلام المتسامح عند مؤسس باكستان الدمقراطي التقدمي محمد علي جناح. وكان قد اكمل مشروعه عن محمد علي  جناح – والذي تمثل بانتاج فلم وتوثيق ورواية. ويعمل الان  استاذ  الدراسات الاسلامية في مدرسة العلاقات الدولية  في الجامعة الاميركية في واشنطن دي سي، إذ حاول عبر الكتابة والاحاديث الاذاعية ان يقيم   اتصالا بين الغرب وبين الاسلام؛ ولم يجد حرجا  في  التاقلم  للعيش في كل من العالمين . واكد ان الترجمات الانجليزية لنتاج المسلمين الفكري    ساعدته على اكتشاف ثروة ارثه الاسلامي الفكري وان عرضه وتقديمه للغرب ساعده على التقويم النقدي للتاثير الغربي المفيد. وهو متهم بانه يتملق للغرب وبكونه متامر مع الصهيونية ، ويرد قائلا ان الحوار والوفاق والتواصل والنقاش هي القضايا الاساسية  في مرحلة الاشتباك بين الغرب وبين الاسلام.

وهو يطلب من الغربيين ان يتصدوا لتصوراتهم النمطية المقولبة عن المسلمين حتى يمكن اجراء وخلق خطاب حقيقي بين افكار الغرب وبين الاسلام على مسائل مهمة مثل تنظيم السكان وصحة البيئة والمجاعة والاسكان واللاجئين. ويؤكد انه حين يكتب عن الاسلام فلا يبقى مراقبا محايدا بسبب كونه  ايضا  فاعل وممثل في هذه الدراما المسرحية. وحين يرى عبارة اقتل مسلما ، اثناء الاحتفالات  باعياد الميلاد،  الموجودة في انفاق المترو في لندن يستنتج ان المسؤولية بقدر ماتبين   فشل الغربيين  في فهم المسلمين فانها تبين  ايضا  فشل المسلمين في  توضيح  انفسهم.

يتساءل اكبر احمد ماهي الاسس لفهم المجتمعات الاسلامية- تلك الاسس التي تساعدنا على تكوين صورة عن  سلوك المسلمين، وما الذي يحفزهم ، وماهي مفاهيمهم عن الحق والباطل؟ ويستمر قائلا: كيف يتسنى لنا فهم وتفسير اللااستقرار  في المجتمع المسلم المعاصر الذي ساعد على خلق الصور السلبية السائدة عن الاسلام في الغرب؟يقول اكبر  احمد ان الاسلام سوف لن يتصالح مع نفسه مالم  يتصالح مع القرن العشرين . فلا العالم الحداثي ولا ما بعد الحداثي سيغادران ويتروكننا في حالنا  ؛ كما ان اولادنا، رغما عنا،  سيعيشون في عالم مابعد الحداثة الذي بدء يشكل ويصوغ حياتنا. يتساءل أكبر احمد هل يمكن للمسلم ان يجد داخل الاسلام مايلزمه لكي يعيش باعتباره كائن صالح  ودود ومتسامح في عالم مابعد الحداثة؟

يبدأ احمد في كتبه المنشورة عام 1988 وفي سلسلة احاديثه التلفازية لعام 1992 (وكتابه : اكتشاف الاسلام 1993) بتاسيس واقامة وتقعيد المثل او النماذج (متبعا ماكس فيبر) ثم يوضح كيف حاول المسلمون في ظروف مختلفة وازمان مختلفة  ان يتمسكوا بمبادئهم ويبقوا مخلصين لها. فقد نجح المسلمون احيانا  واحيانا اخرى فشلوا : بسبب انهم لم يتمكنوا من  الوقوف  بوجه القوى المسيطرة او بسبب ابتعاد القيادات الاسلامية الضعيفة عن المبادئ . وأكبر احمد واعي  من خلال كتاباته بمسألة تنوع حياة المسلمين؛ فمن ناحية، نجد ان المسلمين في كل مكان هم مسلمون مع  وجود اختلاف وتنوع بين مجتمعاتهم في كل مكان، ولذلك فهو يرفض فكرة وجود اكثر من نوع واحد من الاسلام على خلاف مايرى اخرون ومنهم مثلا  عزيز العظمة  بوجود اكثر من اسلام. وتعالج  كتبه المنشورة  خلال الاعوام 1988 و1993 مسالة العلاقات بين الاسلام وبين الغرب ورد الاسلام على الحداثة، لكن كتابه(مابعد الحداثة والاسلام: الازمة والوعود) المنشور 1992 يعرض محاولة لفهم زماننا المعاصر. وهو يتعرض لنزعة ما بعد الحداثة وكيفية استجابة الاسلام لهذا التحدي الجديد مؤكدا منذ البداية بان اي محاولة لاستعارة مفاهيم من ثقافة ما لتطبيقها في ثقافة اخرى انما يمثل اشكالية بحد ذاته.

اكبر احمد وقضية تعريف مصطلح مابعد الحداثة

يتساءل اكبر احمد عن المصطلح فيقول :  أهو  يعبر عن فترة تاريخية ام عن  اسلوب عصري؟هل مابعد الحداثة  صورة ادبية، ام مفهوم فلسفي او فكرة معمارية؟ ويجد ان مسالة مهمة التعريف مسالة مراوغة ويرى ان الغموض يقع في قلب ظاهرة مابعد الحداثة.

ويورد احمد اكبر ثمان خواص او صفات من صفات ما بعد الحداثة سعيا وراء مخاطبة ومحاورة الفكر الاسلامي. وفيما يلي ملخصا لهذه الخواص:

1 – تفترض مابعد الحداثة مساءلة مشروع الحداثة او عدم الايمان فيه. فهي تعتنق التعددية وترفض  العقائد المقبولة سابقا، القائلة ان العالم عبارة عن نظام شامل كوني وامكانية الحلول النهائية والاجوبة الكاملة الشاملة. في هذا الاطار فالاسلام  في نظر مابعد الحداثة  مثله  مثل اي عقيدة اخرى وبالتالي  فهو ليس الا خيار بين عدة خيارات اخرى.

2- وجود ارتباط دقيق بين مابعد الحداثة وبين دور وسائل الاعلام بكونها المحرك المركزي للعصر الحديث. لان الاعلام يصوغ نظرتنا عن العالم،وكيفية تصور الاحداث وادراكها ، فالصور المرئية في التلفزيون يمكن ان تدمر بلدا مثلما يدمره اسطول من السفن الحربية التي تحاصره او وابل من الصواريخ الساقطة عليه.

3- تستفيد حركات الاحياء العرقية الدينية والاصولية من مابعد الحداثة لانه  لم يعد هناك  اي شي مقدس فكل اعتقاد وكل ايمان ممكن تصحيحه واعادته ولهذا فالاصولية هي محاولة لحل كيفية الحياة في عالم الشك الجذري.

4- لم تقطع مابعد الحداثة  حبلها السري بالماضي مهما كانت ادعاءاتها تنبؤية ومستقبلية.

5- لاتزال الحاضرة مهمة لمابعد الحداثة؛ إذ تشهد  معظم المدن  الفوضى والاضطراب: الازدحام، نقص الخدمات المدنية للترفيه، انعدام النظام والقانون ، الفساد المزمن والعنف العرقي والطائفي وكلها تخلق احساس عميقا بالاحباط.

6- المتحكمون والمسيطرون على وسائل الاعلام والاتصال، هم من يوجه ويدير مشروع مابعد الحداثة، فضلا عن المهنيين بصورة عامة -اي النخبة المثقفة. ولكن اذا كانت الطبقة الوسطى هي التي تقود، فالجماهير هي التي تساعد على  تعريف مشروع مابعد الحداثة عبر عملية الدمقرطة.

7- مابعد الحداثة تحي وتشجع الاختلاط وامتزاج الاساليب والافكار.

8- بينما ترى مابعد الحداثة انها سهلة التناول ، الا ان لغتها غالبا ماتكون متناقضة  ظاهريا وغريبة.

من جهة اخرى يرى أكبر احمد ان احتمالية التصادم بين الاسلام وبين مابعد الحداثة انما هي احتمالية عالية؛ فالمسلمون كما يرى ، يدركون الخطر الذي تمثله لهم بسخريتها واستهزاءها. من جهة اخرى،ان فكرة أكبر احمد بانفتاح مابعد الحداثة على الاستكشاف وتسامحها مع التنوع ودعوتها لنا لتفهم بعضنا الاخر، لربما ترتبط ايجابيا بالاسلام. وهو يحاول في كتابه تحليل مواطن التصادم  بينما يقترح استراتيجيات للقاء بين الاسلام وبين مابعد الحداثة . وسنتناول هنا اثنين من مجالات الاصطدام اولاهما دور وسائل الاعلام وثانيهما صراع المسلمين من اجل تقرير المصير الذي يراه الغرب انه مصدر تهديد لاستقراره وقيمه وثوابته.

الاعلام سلطان الشر

يرى أكبر  احمد ان الاعلام اليوم هو الذي يصوغ رؤيتنا عن العالم بطريقة لاحيادية ولاموضوعية بل عن طريق تخريب الواقع والحقيقة احيانا بتبسيط القضايا او بخلق صورة ضحلة كاريكاتيرية عن الانطباع الموصوف. ويقوم الاعلام  احيانا بصنع  الاخبار التي يوردها فيحل التناول السطحي محل التحليل العميق  ويجري  تسويق الاخبار حسب هوى هذه الوسائل فتشيع وتنتشر صور وافكار الابطال  المشهورين  على نطاق عالمي، علما ان قلة، ان وجد منهم اصلا من هؤلاء الابطال، يتحلون بمزايا خلقية او روحية في سلوكهم. بينما لايظهر اي مسلم على هذه القائمة؛ ومن جهة اخرى يروج الاعلام  للفردانية والمادية المنفلتة، المتمثلة بانني اريد كل شي واريده الان، على حساب الاسرة والمجتمع.

كما نرى ان الاعلام منشغل بالجنس ولذلك  رفعه الى مصاف اهم نشاط في حياة الانسان- فنرى صحف الاثارة تنشر وتعرض قصص الاثارة والشهوة الجنسية. اما تناول الاسلام  فيكون عبر  تقديم صورة نمطية قديمة عن المجتمعات الاسيوية بكونها مجتمعات لاعقلانية ومزاجية. من جهة اخرى ، وحين يقدم الاعلام الوانا من طرز الحياة والصور والموديلات والفن فانه يقدمها بطريقة تعلن انحيازها الغربي. لذلك  نجد ان حياة شخص ابيض – سواء كان قاتلا او مدمن مخدرات- محتجز بصورة قانونية  في سجن اسيوي  تستحق من وسائل الاعلام الكثير في نشر الخبر اما موت الف اسيوي في بنغلاديش او الصين فلا تستحق الاهمية ذاتها. و يميل رد فعل المسلمين  الى  الانكفاء في عمق صحاريهم وجبالهم. يحاول المسلمون حين تواجههم الحداثة الارتداد للماضي وكأن الحاضر غير موجود؛ ولكن لم يعد هذا خيارهم لان التقنية والاقمار الاصطناعية والصواريخ الموجهه ليزريا بامكانها النفاذ لابعد صومعة وملجأ. وعلى المسلمين  بدل من الهروب من الشيطان ان يواجهوه بالمشاركة في وسائل الاعلام بالاخص تلك التي تؤكد الالتزام الاسلامي بالعدل والاحسان والعلم والصبر. يريد أكبر احمد من المسلمين ان يساهموا بالحضارة الكونية لا الاختفاء منها.

المواجهة والصدام

يرى أكبر احمد ان ارث تاريخ  العداء بين الاسلام وبين الغرب  لايزال يمد ويشجع موقف الريبة والعداء بين الطرفين. فالغرب ينظر للعالم الاسلامي بكونه مزاجي،شمولي النزعة والتسلط،وبانه نظام بالي انتهى وتجاوز زمنه؛ بينما يرى الاسلام الغرب بانه مادي لايؤمن بالله ومتحلل  ومتهتك  يجرفه الانغماس بالشهوة الجنسية والمتعة الذاتية. ويرى أكبر احمد ان عند الغرب الكثير ليقدمه للمسلمين(الدمقراطية،حقوق الانسان، والتعليم ) لكنه ينقصه ”قلب“ في مركزه: ”لان مشكلة هذه الحضارة هو هذا الفراغ الذي حل محل القلب، اي الفراغ في داخلها“  فضلا عن انها لم تقدم حلولا لكل مشاكل الكون:

لان ترسانتها النووية وتدميرها للبيئة وجشعها في استغلال موارد الكون وفلسفتها في الاستهلاك باي ثمن ، كلها تؤدي لانهاء الحياة على الارض في المستقبل القريب مالم تغير اساليبها تغييرا جوهريا .

كما ان أكبر احمد لايجزم ان الفكر الاسلامي  لايمتلك الحلول  ايضا ، غير انه يدعو لحوار حقيقي بين غير المسلمين وبين المسلمين لحل المشاكل التي تصيب الجميع. يقول أكبر احمد ان رفض مابعد الحداثة لسرديات الكون-عقائد العالم- تدعونا لاجراء مثل هذا الحوار لانه لااحد يدعي ان  عقيدته هي الوحيدة التي تمتلك  حقيقة وواقع العالم  او رؤيته. فربما يكون منهج  الاسلام  هو احد المناهج  المطروحة على جدول الحوار حاله حال اي منهج اخر. ويستدعي ادراك وجود عدة مناهج مختلفة لرؤية العالم  ان نستكشف هذه المناهج؛ وتتطلب ايضا التسامح وتحمل التنوع والاختلاف.

ويؤكد أكبر احمد على الجوانب الايجابية لنزعة مابعد الحداثة وتسامحها والتنوع والاختلاف الذي يعطينا امكانية  تقريب والتقاء  الشعوب والثقافات المختلفة من بعضها البعض اكثر من اي وقت اخر. ان سخف مابعد الحداثة وماديتها   ورفضها للايمان ستزيد عزلة  المسلمين ، لكنها في الوقت نفسه تتطلب من المسلمين ان يجدوا طرقا للتعامل مع الغرب بدلا من مواجهته. ومن جهة اخرى،  على الغرب ان يتخلى عن نظرته الامبريالية القديمة بكون منهجه هو خير منهج للحياة ، كما يتوجب عليه ان يوسع افكار العدالة والمساواة والحرية لتشمل كل البشرية. كما يستوجب ذلك من الغرب التوقف عن استخدام المعايير المزدوجة فهو من جهة يروج لحقوق  الانسان والدمقراطية ، لكنه من جهة ثانية يساند ويدعم الطغاة في العالم الاسلامي بسبب جشعه الاقتصادي:

فهناك حاجة لدفع وحث الحكام الرافضين المترددين ، الذين يعتمدون  في بقاءهم في السلطة  على اسلحة الغرب ومساعداته ، نحو الخضوع للدمقراطية والتوزيع العادل للثروة وضمان حقوق وكرامة المراة والاطفال ، والمحرومين والاقليات. وهذه المشاكل متداخلة  وتجمع المسلمين وغير المسلمين. ولن نرى نظاما عالميا عادلا وفعالا- ناهيك عن نظام عالي جديد- مالم يجري معالجة هذه الاخطاء.

5-2 ضياء الدين سردار(1998 ) مابعد الحداثة والاخر: الامبريالية الجديدة للثقافة الغربية

يرى ضياء الدين سردار ان تحدي التعامل مع مابعد الحداثة وفي الوقت نفسه المحافظة على القيم الاسلامية، انما هو بمثابة المهمة الاكبر  التي يواجهها المسلم. على المسلم ان يفهم العالم المعاصر والسعي لاستخدام التكنولوجيا المعاصرة واقامة مراكز العلم والمعرفة ونقد الحداثة ورؤية كيفية تحديث المجتمعات الاسلامية ومع ذلك تحويل الحداثة من الداخل .

مثله مثل أكبر  احمد،   ولد في باكستان ولكنه جعل من الغرب وطنه. واستفاد من الصحافة والاذاعة واضافها الى سجله الاكاديمي الرائع. فقد كان مراسلا لقناة نهاية الاسبوع اللندنية  وقدم في عام 1994 محاورات اسلامية لاذاعة BBC2  وهي سلسلة تلفزيونية من ستة اجزاء عرضت اراء المفكرين المسلمين الفعالين عن العنف والحرب المقدسة والدمقراطية وحقوق المراة والتعدد الثقافي والمسيحية والدولة الاسلامية والسلطة الدينية. واتى لندن مع اسرته وهو طفل وحصل على شهادة في الفيزياء والمعلومات. درس في جامعات في امريكا حيث اسس مركز الدراسات المستقبلية في جامعة الشرق- الغرب في شيكاغو وعمل في مركز بحوث الحج في جامعة الملك عبد العزيز في جدة المتخصص بدراسة نماذج كفاءة  اداء فريضة الحج والتاثيرات البيئية  لهذه الفريضة  . وهو الان استاذ زائر لدراسات مابعد الكوليانية في جامعة مدينة لندن. ومن الطريف ذكره هو ان مظهره ولباسه  لايشابه  مظهر ولباس شيوخ الدين التقليدين ، فهو حليق الوجه وطويل الشعر. هناك تداخل بين موقف احمد وبين موقف سردار عن مسالة مابعد الحداثة، لكن سردار لايشاطر احمد في تقويمه الايجابي عن مشروع مابعد الحداثة باعتباره امل واعد. فراي سردار عن مابعد الحداثة  هو الاتي ‘ان الحضارة الغربية في صورتها وحالتها الاكثر ظلما وشمولية بصورة مابعد الحداثة، تريد ان تغرق العالم كله في قعر فراغ رؤيتها  المطلقة. لان مابعد الحداثة تساهم وتساعد على ادامة التوسع الاسي  لظاهرة الاستعمار والحداثة. انها رؤية اساسها الحالة المرضية للغرب الذي راى ونظر  دائما للواقع وللحقيقة بانهما حقيقته وواقعه، ولانها لاتستطيع ادامة هذا الحالة  فنراها  تسعى لادامة الواقع الراهن  والاستمرار بطريقة تخفي مسارها في استغلال الاخر عن طريق تجاهل كل معايير الواقع والحقيقة “ وهو مثل أكبر أحمد يرى ان الهجين- الاختلاط-، التعددية، الانتقائية، دور الاعلام ورفض السرد الشارح(meta narrative) هي المميزات الاساسية لمابعد الحداثة. ويؤكد ضياء الدين سردار اكثر مما يفعل اكبر  احمد على التواصل بين الحداثة ومابعد الحداثة إذ يعتقد ان الاخيرة هي امتداد للاولى:

مابعد الحداثية تواصل التوسع الاسي للاستيطانية –كولنيالية- وللحداثة. لانها رؤية عالمية تعتمد على تلك الحالة المرضية للغرب والذي حدد وعرف دائما الحقيقة والواقع بكونهما معبرين عن حقيقته وواقعه ولكونه الان لايمكنه الاستمرار بهذا الموقف  فانه يسعى لادامة الحالة الراهنة والاستمرار بلا انضباط في مساره لاستهلاك والتهام الاخر عن طريق اضعاف وتقويض كل معايير الحقيقة والواقع( انظر النقطة  الرابعة في  وصف أكبر أحمد لمابعد الحداثة) .

يرى ضياء الدين سردار إعلاء نزعة مابعد الحداثة لمقام الفرد بانه استغراق  غربي خاص، ‘لان فكرة ومفهوم الفرد المستقل المنعزل  غير موجودة في الثقافات غير الغربية‘. لايتفق ضياء الدين سردار بان الاخرين بما فيهم المسلمون سيجدون من يستمع لهم عند مائدة مابعد الحداثة.  تعتنق مابعد الحداثة سطحيا وبلاغيا، التعددية وحتى ماسمي بالنسبية الثقافية؛ يعني، بما ان القيم يصوغها الذين يؤمنون بها فلا تستطيع  مجموعة  واحدة ان تدعي  الشرعية العالمية  لذلك فالسلوكيات التي يعتقد انها اخلاقية في ثقافة ما قد لاتكون كذلك في ثقافة اخرى.  وتستعير مابعد الحداثة  الافكار والصور من كل العالم، ثم تصادرها وتستولي  عليها   لاغراضها الانتقائية الخاصة بها وتجردها من سياقها وتاريخها ونظم ايمانها لغرض  خلق وايجاد نوع من الخبطة التي يتحدث عنها سليمان رشدي. بينما تجد في الثقافات الاخرى ان التاريخ والتراث هما المصدر الاساسي والاولي للمضمون  والهوية، فان مابعد الحداثة تنكر ان هذا التاريخ ليس سوى فكرة خيالية:

تنشغل مابعد الحداثة وينصب اهتمامها اساسا  على الحاضر فقط، اي الراهن،  وفي رفضها للسرد الشارح لحركة التنوير، فانما  تهجر  وتتخلى عن كل معنى  للتواصل التاريخي وللذاكرة.

وبما ان كل تاريخ – من تواريخ الشعوب والامم-  هو عبارة عن “بنى” وان “كل تاويل هو سوء تمثيل ، فليس هناك امل في انقاذ حقيقة الثقافة غير الغربية من الصور والخيالات التي يصوغها ويكونها الغرب عن تلك الثقافة” .  ويبرهن ويدلل ضياء الدين  سردار  ان مشروع مابعد الحداثة يعمل على جعل كل النصوص المؤسسة نصوصا  علمانية ، اذ تعمل على تحييد هوية الاخر  بادخال كل الهويات والتواريخ غير الغربية في النص المؤسس الغربي الكبير للعلمنة. ويضيف قائلا   بينما يندهش الاخر وياسره مشروع مابعد الحداثة ، نجد ان هذا المشروع ينظر لوجود الاخر باعتباره مادة  وسلعة للاستخدام ليس الا ؛   فالمراة الشرقية مثلا  موجودة لاشباع الرغبات الجنسية للغرب. وحقا، ففي كل هذا  ادانة للامبريالية الغربية التي لاتزال تصف وتشخص الاخر بما يناسب اغراضها  الخاصة للاستغلال  والسيطرة. ويحاجج ضياء الدين  سردار  ان استحواذ الغرب على النتاج الفكري للاخرين يعبر عن  تملك سطحي  واناني لانه – اي الغرب- يستخدمها باعتبارها غنائم  لتزيين مسرحه الخاص. وخير مثال يوضح هذا الامر  هو استخدام مادونا للكلمات الهندية(شانتي، شانتي) في البومها  شعاع الضوء(1998) الذي وصف بانه عبارة عن  صوفية تكنولوجية عرقية. المراة المادية  تنقب في الباطنية اليهودية(القبالة). فهل هذا اتحاد حقيقي وتجميع لتراثات فنية وثقافية مختلفة  ام مجرد اندماج سطحي واناني ؟ يقول ضياء الدين  سردار ان اديولوجية مابعد الحداثة في ارض بوتقة الانصهار- امريكا-  من خلال تمثيل الاخر،  يساعد امريكا على ادعاء نفسها بانها التجسيد حرفيا  لكل مكان في الكون، لكي تصبح المكان الوحيد  الذي تم تمثيله خير تمثيل.

الليبرالية حية في القلب

يقول ضياء الدين  سردار ان مابعد الحداثية قد ترفض النص المؤسس – السرد الشارح- لكن الليبرالية لاتزال حية  في مركزها. وهذا  سبب تجاهلها وتغاضيها عن مبداها المعوج  حين يتعلق الامر بحقوق الانسان والدمقراطية. فبدلا من ان تقبل النماذج غير الغربية للحكومة او للحقوق بجدية فانها تشغل وبغرور الارض الاخلاقية الراقية وتملي على الكون كله كيفية ان يكون انسانا. لكن الهدف الاساسي هو ترويج التوسع المرضي لليبرالية الحداثية ومابعد الحداثية  ومايصاحبهما: التجارة الحرة وراسمالية السوق. وطالما يقبل الاخرون معاملتها لهم بكونهم اشياء سالبة  تنتظر تزويق الغرب لهم  لكي يصبحوا بشرا ، سيستمر الغرب للتحكم بالعالم غير الغربي وعلى حساب تقاليد وتراث الاخرين وقيمهم وهوياتهم.

ويضيف ضياء الدين سردار قائلا ان الكثيرين، ومن ضمنهم المسلمين، سيزيدون مقاومة الاتجاهات العولمية والعلمانية لما بعد الحداثة  التي تسلب من  كل الثقافات  جذورها التاريخية   محولة ايها الى مجرد نظم لبرالية واسواق حرة. لكن من ناحية اخرى ان التمسك بالتقاليد والتراث  ووضعهما فوق كل اعتبار اخر انما يعني تجاهل حقيقة حتمية التغير والتطور. وهنا نلحظ ان ضياء الدين سردار واعي تماما  ان ما تم اعلاء شانه ورفع مقامه ، وربما كان ذلك  سلفية متحجرة، قد يقوي البعض على حساب الاخرين. ومايريده ضياء الدين سردار هو ان  يفعل الاخرون بدائلهم الفعالة  من خلال ايجاد موارد،احيانا للتغير، ضمن ثقافتهم وتراثهم. وفي الاسلام، يتضمن هذا استخدام  المبدا الحركي للاجتهاد الذي جرى تجاهله لقرون. ولذلك:

ستبين أستراتيجية المستقبل المرغوب للثقافات الاسلامية، وبالتفصيل، طرق اعادة اكتشاف هذا المبدا- وهي اعادة اكتشاف ستقود الى اعادة صياغة التراث الاسلامي بصورة معاصرة.

وقد عالج واستكشف ضياء الدين سردار هذه النظرة التقدمية للاسلام بالتفصيل في كتابه مستقبل حضارة الاسلام (1979) وفيه يرى  ان الاسلام بالضرورة هو نظرة عالمية  ذات توجه  مستقبلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى