قضايا فكرية

الديموقراطية..تطور المفهوم وإشكاليات الحرية والحقوق..بقلم : ضياء الجصاني

ضياء الجصاني..

من البرلمان الأثيني إلى برلمانات العولمة.

تعد النزعة إلى التجمع واحدة من النزعات الفطرية، لدى كل من الإنسان وسائر أفراد الفصائل الحيوانية الأخرى ؛ فأسراب الطيور المحلقة وقطعان الذئاب الباحثة عن طرائدها، والمجتمعات البشرية بتنوعاتها ما هي إلاّ الجانب المنظور من هذه النزعة، غير أن نزعة التجمع على أهميتها بالنسبة لبقاء (النوع)، ليست الوحيدة، بل إن نزعة التفرد (المضادة لها) هي الأخرى واحدة من بين العديد من النزعات التي تحكم السلوك، سواءاً على مستوى الشكل أو المضمون.

وقد لعبت نزعتا التجمع والتفرد كلتاهما، دوراً محورياً في تحديد مسارات الحياة البشرية، عبر مراحلها التأريخية المتعاقبة بين نزعة العيش في كنف الجماعة، ونزعة التفرد والعيش خارجها ولو لبعض الوقت، سارت الحياة بالانسان وكتب الناس تأريخهم وقد شهد هذا التأريخ الطويل مراحل شتى، متعاقبة ومتناقضة في كثير من الأحيان، حيث بذل الناس خلالها جهوداً صارمة وحقيقية، للتوفيق بين النزعتين، والتكيف لما تلزمان به كل من الفرد والجماعة من حاجات يتعذر التغاضي عنها أو القفز عليها أو قمعها بعدّها نوعاً من الحاجات المعقدة، تترتب عليها نزعات ثانوية، وميول واتجاهات متنوعة، سواء ما كان منها فطريا” (بايولوجياً)، أو مكتسبا” (مجتمعياً).

ونزعم أن تأريخ البشرية، في جانب كبير منه، لا يتعدى أن يكون سجلاً لهذا الكفاح المرير مع الذات مرةً، ومع الجماعات مرات عديدة، ولعل من بين ثمار هذا الكفاح، وما يمثل نتاجاته الايجابية، ما تحقق من منجزات مدنية هائلة(1) ابتدأت بشرائع الرقم الطينية في أرض الرافدين، لتنتهي بآخر معجزات نظم المعلومات وتقنياتها، ومنجزات الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي أنتجها العقل البشري في أصقاع شتى من كوكبه المعمور، وعبر مئات القرون. وكانت الديمقراطية بكل معانيها وعلى اختلاف تطبيقاتـها واحدة من أبرز هذه المنجزات وأكثرها تنوعاً. وهي قد رافقت الجنس البشري عبر مراحل تطوره كافة. بل إنها غالبا ما اعتمدت بكلياتها، كما جزئياتها ” كالحق والعدل والحـرية ” كبعض أهم معايير تقويم المنجز الحضاري الإنساني لهذا المجتمع أو ذاك، وهي نفسها قد أُخضعت ككل ثقافات أهل الأرض، إلى التعديل والتطوير لتنتقل من مراحلها الأولى، كواحدة من أطاريح الفنتازيا واليوتوبيا، إلى حلقة من بين أكثر حلقات العولمة تطوراً، وهي تعيش مراحل صراعها الأخيرة مع نظام الحضارة التقليدية المحتضر، ويبدو أن أقدم أشكال ” الديمقراطية في العالم وهي الديموقراطية ” المباشرة “، تعود إلى أثينا القديمة، وتعد التجربة الأثينية أول تجربة ديمقراطية من التجارب المكتشفة على مدى التأريخ المدون. وهي قد تجسدت بجمعية عامة ضمت خمسة أو ستة آلاف شخص، كانوا يمارسون الديمقراطية المباشرة، رغم أن هذا العدد هو في الواقع أكبر من أن يُجمع في مكان واحد، للتداول في شؤونهم واتخاذ قراراتهم بعملية تصويت(2).

وقد شكل التراث الديموقراطي لأثينا قاعدة” لكل المفكرين، في مختلف عصورهم، انطلقوا منها لتنظير حاجات مجتمعاتهم، وصياغة نماذج من أنظمة الحكم والسلطة، تنال المقدار اللازم من القبول، لدى أبناء جلدتهم. ومع كل النوايا الطيبة والجهود الخيرّة التي حرصت على أن تضع نتاجاتها في حجور ذويهم من أبناء آدم، فقد كانت هناك أيضا” نوايا أخرى غلبتها (فردانيتها)، لتجرها إلى طريق آخر، تجعل فيه من الديموقراطية، لعبة فئوية تصب في مصلحة مجموعة أو شريحة اجتماعية ضيقة، همها السيطرة على موارد الثروة ومصادر القوة في مجتمعها. وبين هذين الفريقين، كان هناك أكثر من أنموذج واحد أو تطبيق أوحد للديمقراطية، اعتمدت العديد من التأويلات والمفاهيم. حتى أصبحنا اليوم نشهد تراثا” هائلا”، يملأ خزانات الفكر السياسي والاجتماعي الإنساني. كما شهد تأريخنا الحديث منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم، أضخم عملية تحول نـحو أنموذج من الديموقراطية، يلتزم بالحرية الفردية واقتصاد السوق، لتحقيق مصلحة المجموع عن طريق الحوار والتوافق، والإقرار بحقوق الأقليات كجزء بنيوي لحقوق الأكثرية. وهناك اليوم من يقترح أنموذجين اثنين من الديموقراطية، تمثلان آخر حلقات التطور المعرفي والتطبيقي لها، وهما على حدِّ تصنيف واحد من أبرز كتاب الفكر الديمقراطي، الانموذج القائم على فهم كلاسيكي لأسس الديمقراطية. إذ ينبع هذا الفهم من الفكر السياسي للقرن الثامن عشر، ويعمد هذا الانموذج إلى النظر للديمقراطية، بعدّها عقيدة حياة فردية تحكمها النزعة العقلانية، التي تصور الفرد (ذاتاً شبه متعالية) من جهة، وتستبعد كونه (نتاج حال مجتمعه وسياقات لا تختزل الفرد في إرادته المعلنة، وإنما في ظروف إنتاجه وإرادته). ويقدم الانموذج الثانــي الديمقراطية بوصفها، آليات حكم ومؤسسات تنظيم اجتماعي، حيـث (المنهج الديمقراطي هو ذلك التنظيـم المؤسساتي، للوصول إلى القرارات السياسية التي تتيح للإفراد، إمكانية ممارسة السلطة عـن طريق تنافسي علـى أصوات (الناس). ويرى هذا البعض إن هذا الانموذج، الذي يسمونه (نظرية القيادة التنافسية)، لا يتعارض والعقائد الاجتماعية والدينية والعادات، وبالتالي فهو لا يسعى إلى تأهيلها وترويضها، بل انه يكتسب من خلالها لونه المحلي أو الوطني. ويجيز هذا النموذج الكلام، لا عن ديموقراطية شمولية واحدة، وإنما عن ديمقراطيات متعددة، وعلى وفق الحالة المجتمعية، التي تمارس المنهج الديمقراطي، والآليات المناسبة لتداول السلطة تداولا” تنافسيا”(3).

ولعل الفرق الجوهري بين الأنموذجين، يكمن في وجود مفهومين مختلفين للديمقراطية، يضعها الأول فـي مصاف الآيديولوجيا أو العقيـدة، ويدمغها بالجمود والتحجـر العقائدي، وهو يسعى إلى أن يحتوي الواقـع الاجتماعي والاقتصادي، ليكيفه علـى وفق هذا المفهوم بمقاييسه النظرية وآلياته العملية. بينما يقتضي المفهـوم الثاني، التحول بالعمليـة الديمقراطية إلى إجرائية منهجية واقعية وعملية،وهو يدفع للبحث عن الآليات المناسبة لتداول السلطة، والتكيـف للحالـة الاجتماعية / الاقتصادية القائمة، بدلاً عن احتوائها أو القفز عليها.

الديمقراطية ومفهوم الحرية والحقوق
تقترن الديمقراطية تلقائياً بمفهوم الحرية، إذ إن الحرية من الناحية العملية، هي واحدة من العناصر الجوهرية للديمقراطية. فحرية اختيار الناس لمن يمثلهم تحت قبة البرلمان، تعدّ واحدة من أهم الشروط الموضوعية، التي تجيز لنا الحديث عن نظام برلماني نزيه. وحرية المواطن في التمسك بما يراه صالحاً وصواباً، وما فيه مصلحته هو، شرط لا غنى عنه لممارسة إرادته الواعية، في العملية الديمقراطية. وحرية المواطن في اعتناق عقيدة أو فكر سياسي من دون غيره، هو العامل الأكثر تأثيراً في تحديد موقفه من المشروع السياسي، الذي هو جزء لا يتجزأ منه. وبهذا المعنى فإن الديمقراطية، هي في نهاية الأمر تتجه، إلى إدخال ” الحرية ” في شبكة العلاقات السياسية في المجتمع، وتحديد طبيعة المواقع المتبادلة بين الحكام و”المحكومين” في هذا المجتمع أو ذاك، وهي علاقة لا غنى عنها، وتشكل “صميم” المجتمع المنظم سياسياً. فتقبل الناس للسلطة التي تحكمهم، يعتمد لدرجة كبيرة، على حريتهم في اختيار هؤلاء الحكام، ونقدهم فيما بعد، أو ربما نزع الولاية عنهم، وهكذا فالحرية السياسية هي الحجر الأساس، لما أطلق عليه ” هوبز ” و “جون لوك” مفهوم “العقد الاجتماعي”. ولعل من المفيد أن ننوه بأن العلاقة بين “الديمقراطية والحرية” تسير سيراً تبادلياً، وأن ماتقدم من القول، إنما يمثل جانباً واحداً فقط من المشهد الديمقراطي، إذ إن الديمقراطيـة ببعـض مكوناتها “تمنـح” الحرية ضمانات النمو والديمومة. فالفصل بين السلطات الثلاثة ” التشريعية، والتنفيذية، والقضاء “،على سبيل المثال، شرط لامناص منه، لحماية حرية الفرد والجماعة في وقت واحد، ونفس الشيئ يقال في “سيادة القانون”، والإقرار بالتنوعات المجتمعية، واحترامها ومن ثم ضمانها، بنصوص دستورية. وهكـذا فإن كل من ” الحرية ” و” الديمقراطية “، هما وجهان لعملة واحدة، تعكس مكوناً ثقافياً وسلوكياً، يعطي المجتمع هويته الحضارية، متجاوزاً الحلقات التقليدية الضيقة للثقافات الفرعية، مع عدم التفريط بها أو تهميشها، ولعل في هذا السمو على الذات الثقافية، الضيقة والمحدودة، قوة دفع ديناميكية للحراك الاجتماعي، للمجتمع بكل أطيافه وتنوعاته. وفي جميع الأحوال، فإن العلاقة بين الديمقراطية والحرية ليست مكوناً نظرياً مجرداً، بل هي واقع ووجود اجتماعي، اقتصادي، سياسي معاش ببعد ثقافي، يمتد إلى وعي الفرد وسلوكه، إذ لا يمكن أن نفكر بنظام ديمقراطي من دون أناس ديمقراطيين. ولعل ” حقوق الإنسان ” هي الضمانة ” السلوكية ” الأولى، وهي بمثابة الرأس في ثلاثية المجتمع الإنساني الديمقراطي الحـر ” واجبـات، حرية، حقوق “. ويحتم هذا على الدولة أن تراعي هذه المبادئ الجوهرية من تشريعاتها وسياساتها والا فإن ادعائها بالديمقراطية لا يعدو أن يكون أكثر من رياء ونفاق سياسي. ويدعونا هذا إلى أن نفهم العلاقة العميقة بين الديمقراطية والحرية في إطار “القوانين” التي تقر حقوق الإنسان، إذ إن الدولة التي تقرها لا يسعها ـ منطقياً ـ أن تخلق “امتيازات” وأفضليات بسبب العرق أو الدين أو المذهب الفلسفي أو الاتجاه السياسي، أو أن تفرق بين الرجل والمرأة في ممارسة الحقوق السياسية والإنسانية، كما لا يمكن لتلك الدولة أن تصدر “قوانين” تحد من حرية الرأي والمعتقد. وأن أهم ما حققته الثورات والانتفاضات التقدمية في تاريخ الإنسانية إنما هو إعلان “حقوق الإنسان” والاعتراف بها وتقديسها وبذل الأرواح والجهود في سبيل الدفاع عنها ونشرها(4).

فحقوق الإنسان الأساسية هي ليست هبة من السلطة أو بعض من ( كرمها ورعايتها)، وإنما هي – أي الحقوق – وجود الإنسان ذاته، وليس لأي دولة أو مجتمع، أو أي قوة من القوى، أن تدعي أنها صاحبة ” الفضل “، لكونها تسمح للفرد أن يمارس حريته ووجوده، ولهذا دعيت الوثيقة التي أصدرتها الثورة الفرنسية في آب 1789 ” اعلاناً ” لحقوق الإنسان، وقد تجسدت عظمة وإنسانية وديمقراطية الثورة بكونها لم تعلن حقوق “مواطن” دولة معينة، أو حقوق الإنسان في بلد معين، بل أعلنت حقوق الناس كافة على اختلاف الجنسيات، والأصول والمجتمعات والبلدان، معتبرة أن الجميع سواسية في تلك الحقوق الفردية الأصلية، والتي تتجسد من خلالها حرية الإنسان وديمقراطيته. ودعيت الوثيقة التي أصدرتها هيئة الأمـم المتحـدة فـي العاشر من كانـون الأول سنة 1948م ” اعلاناً” ” للحقوق “. وقد جاء في “ديباجته” ؛ إن شعوب الأمم المتحدة تؤكد إيمانها بحقوق الإنسان، وبكرامته وقدره، وبتساوي الرجال والنساء في الحقوق، والتعهد بالعمل، بالتعاون مع الأمم المتحدة، على ضمان تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. كما تضمنت المادة (1) منه النص التالي: ” يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء”(5). إن التداخل بين مفهومي ” الديمقراطية ” و” الحرية “، قد جعلهما يبدوان بنظر البعض، وكأنهما تعنيان شيئاً واحدا،ً غير أنهما في الواقع غير هذا. فالديمقراطية ليست أكثر من مجموعة أفكار ومبادئ عن الحرية، وهي أيضاً في الوقت نفسه تتضمن مجموعة من الممارسات والإجراءات وأنواع من السلوكيات، تبدو وكأنها أنواع من الشعائر والطقوس الخاصة بالعملية السياسية في مجتمع ما، وهي قد تكونت بطريقة تراكمية، وتبلورت صياغاتها وخططت قوالبها، عبر تاريخ طويل حافل بالمعاناة في أغلب مفاصله. وبهذا المعنى فإن الديمقراطية، هي القالب المؤسساتي ” للحرية “، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها – أي الديمقراطية -، تعني ” دستورية السلطة ” و” حقوق الإنسان ” والمساواة أمام القانون. ومن الناحية العملية يبدو من المفيد، أن نشير إلى فئتين أساسيتين من الديمقراطية، هما:- “الديمقراطية المباشرة” والديمقراطية التمثيلية. إذ يستطيع المواطنون جميعاً في الديمقراطية المباشرة المشاركة في اتخاذ القرارات بأنفسهم من دون أن ينوب عنهم مسؤولون منتخبون أو معينون. ومن الواضح أن نظاماً كهذا لا يكون عملياً إلا في إطار مجموعة صغيرة من الناس، ففي جمعية محلية، أو مجلس قبلي أو وحدة محلية لاتحاد عمالي مثلاً، يكون باستطاعة الأعضاء الاجتماع في غرفة واحدة لبحث قضاياهم، واتخاذ قراراتهم بالإجماع أو بأكثرية الأصوات. وإذا كانت الديمقراطيـة المباشرة ممكنـة في “المجموعات الصغيرة “، فإن ” المجتمعات الحديثة ” بحجمها وتعقيداتها وتشابك المصالح فيها، لا توفر فرصاً كبيرة لممارسة هذا النوع من الديمقراطية. وهي إن وجدت، تكون نوعاً مـن الممارسات، التي يتعاطـاها الناس فـي المجتمعـات الديمقراطية الحديثة فـي مناسبات معينة، ومن خلال مجموعات محدودة العدد. وهذا ما جعل الفئة الثانية التي هي”الديمقراطية التمثيلية”، الأكثر شيوعاً في عالم اليوم، وهي أنموذج يصلح (لمدينة) قد لا يتجاوز عدد سكانها خمسين ألفاً، أو (دولة) يفوق عدد سكانها الخمسمائة مليون، أو أكثر، إذ يقوم الناس بانتخاب مسؤولين ” ينوبون ” عنهم في اتخاذ القرارات السياسية وسنّ القوانين، وإدارة البرامج والمشاريع، التي تخدم مصالحهم، وهم يتخذون هذه القرارات باسم “الشعب”. ويقوم هؤلاء المسؤولون المنتخبون بمناقشة القضايا العامة المعقدة ودراستها بطريقة منظمة وبرؤية معمقة وباهتمام شديد، وهي تتطلب وقتاً وجهداً وخبرة وكفاءة، قد لا تتوفر عادة للغالبية العظمى من الشعب، صاحب المصلحة بهذه القضايا وحلولها. وعلى الرغم من أن ” التصويت ” أو ” الاقتراع “، هو واحد من الآليات المتفق عليها في اختيار المواطنين ” لممثليهم “، ألا أن طرائق انتخابهم تختلف اختلافاً كبيراً، من حيث أساليبها وشكلياتها. فعلى صعيد البلاد الواحدة مثلاً، فقد يتم انتخاب أعضاء المجلس التشريعي، في مناطق معينة، أو “دوائر” انتخابية محددة، تختار كل واحدةٍ منها “ممثلاً” واحداً. وقد يصار في حالات أخرى، إلى اعتماد نظام “التمثيل النسبي”، الذي يكون فيه لكل واحد من الأحزاب السياسية، تمثيل يتناسب وعدد الأصوات التي يحصل عليها في انتخابات عامة، تشمل البلاد كافة بعدها “دائرة انتخابية” واحدة(6)، وبهذا الأنموذج دشّن العراقيون عرسهم الديمقراطي في الانتخابات العامة التي أجريت بتأريخ 30/ كانون الثاني/ 2005. وفضلاً عمّا تقدم، فقد تجرى “الانتخابات” على أساس “المناطق” وفي هذه الحالة، تكون الانتخابات المحلية مماثلة للانتخابات العامة من حيث شكلها، أو قد يصار إلى اختيار “ممثلي” المناطق بطريقةٍ أخرى مختلفة، عندما يتم “التوافق” بين كافة الأطراف المعنية “بالعملية السياسية”، على اختيار شخص ما بدلاً من إجراء الانتخابات. وفي جميع الأحوال وأيّاً كانت الطريقة المتبعة، فإن المسؤولين العاملين في النظام الديمقراطي “التمثيلي”، يشغلون مناصبهم باسم الشعب، وهم مسؤولون عن جميع أعمالهم وتصرفاتهم أمامه.

حقوق الأقلية في النظام الديمقراطي
من الشائع عن النظام الديمقراطي أن المواطنين يتخذون قراراتهم وبخاصة منها قراراتهم السياسية بحرية تامة على أساس قاعدة “الأغلبية”. ولكن هذه القاعدة وهي الآلية الأهم من بين آليات النظام الديمقراطي، على الرغم من أهميتها هي في الوقت نفسه واحدة من إشكاليات “الممارسة الديمقراطية” حيث أنها تثير سؤالاً على قدر كبير من الأهمية ذلك هو ؛ هل أن حكم “الأغلبية” أو قراراتها هي بالضرورة “حكم” و”قرارات” تمثل في نتائجها النهائية ما يرجى من الممارسة الديمقراطية؟ ويأتي الجواب في حالات كثيرة بالنفي، إذ لا يمكن لأي نظام أن يكون “ديمقراطياً” إذا لم يوفر أولاً وقبل كل شيء مقداراً مناسباً من “العدالة” بين جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية والتي تنتظر من الديمقراطية أن تكون إطاراً مؤسسياً ضامناً “لحقوقها” و”حرياتها” ومصالحها الحيوية. إذ لا يستطيع أيّاً كان أن يصف نظاماً ما بالديمقراطية عندما “يولي” هذا النظام شريحة من السكان لا تتجاوز نسبتها “51%” من المجموع العام على الـ”49%” الباقية منهم، إن ما يلحق بالشريحة الثانية من ظلمٍ محتمل يثير الكثير من الشكوك حول “النظام الديمقراطي” ومدى أهليته عندما يكون مبدأ العدالة غائباً أو مؤجلاً أي كانت الأسباب. إن حكم ” الأغلبية ” في المجتمع الديمقراطي ينبغي أن يقترن بضمانات مؤكدة ” للحقوق ” ابتدءاً من حقوق الإنسان “الفردية” وانتهاءً بحقوق “المجموعات” الأقلية، ولا فرق أن تكون تلك المجموعات هي أقليات “أثنية” أو “دينية” أو “سياسية” خسرت مواقعها في العملية الانتخابية لمجرد كونها محدودة العدد… ولابد من التأكيد أن حقوق الأقليات لا تعتمد على “حسن النوايا” التي تظهرها الأغلبية، وان تلك الحقوق لا يجوز إلغاؤها بتصويت تفوز به الأغلبية، فالديمقراطية ليست مبرراً لمصادرة الآخرين وإقصاءهم، بل على العكس فإن حقوق هؤلاء ينبغي أن تحفظ وأن قوانين النظام الديمقراطي ومؤسساته ينبغي أن تعنى قبل كل شيء بضمان حقوق المواطنين كافة وحمايتها! وهذا ما يؤكد عليه المعنيون بالديمقراطية من المفكرين المعاصرين، بقولهم “عندما تعمل الديمقراطية “التمثيلية” وفقاً لأحكام دستور يحدد سلطات الحكومة ويضمن الحقوق الأساسية لجميع المواطنين يكون هذا الحكم حكماً ديمقراطياً دستورياً(7).

الهوامش
1. ينظر، أ. ضياء الجصاني، منظمات المجتمع المدني وثقافة الاقتراع، كتاب المؤتمر الأول لمؤسسات المجتمع المدني، من إصدارات وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني، مطبعة إيلاف، بغداد،، 2005.
2. ينظر: مجموعة اقرأ فقط لحقوق الإنسان، ما هي الديمقراطية، مطبعة النور، ط1، لم يذكر مكان وتاريخ الطبع، ص5.
3. ينظر : يوسف اسكندر، الديموقراطية بين مفهومين، مجلة الإسلام والديمقراطية، منظمة الإسلام والديمقراطية، العدد (8)، 2004، بغداد.
*. جون لوك (1632-1704م): فيلسوف إنكليزي من المبشرين الأوائل بنظرية العقد الاجتماعي، وهو يرى أن الناس هم الذين يفوضون الحاكم ليحمي حرياتهم ولهم الحق بعزله.
4. ينظر: عبد الله لحود وجوزف مغيزل، حقوق الإنسان الشخصية والسياسية، منشورات عويدات، بيروت، 1985، ص6.
5. ينظر: التدريب في مجال حقوق الإنسان، العدد رقم 6 سلسلة التدريب المهني، الأمم المتحدة، جنيف، 2000، ص37.
6. ينظر: م. ن، ص 6.
7. ينظر: م. ن، ص 7.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى