قضايا فكرية

الخطاب الفقهي الإسلامي : بين لاهوتية التجديد وضرورة التفكيك.. محمد أوالطّاهر

كان التجديد الفقهي مرحلة من مراحل إعادة قراءة التراث الإسلامي، إلا أننا نحتاج اليوم أكثر مما مضى إلى ولوج مرحلة التفكيك الفقهي بلغة دريدا، أي تفكيك الخطابات والنظم الفكرية، وإعادة النظر في تشكلها التاريخي، والوقوف على البؤر الأساسية المطمورة فيها والتي لا تزال تَحبل بإمكانات جديدة.

مـقـدمـــة:

إن الحديث عن الدّين الإسلامي في عصرنا الراهن حديث ذو شجون، يتقاطعه ما هو سياسي بما هو ثقافي وفكري؛ ولا يمكن بأي حال من الأحوال الوقوف على “حقيقة” هذا الدّين دون الرّجوع إلى النّصوص المؤسِّسة له تاريخيا، بدءا من النّص المؤسِّس “القرآن”.

بيد أن إشكالية ضبط دلالة النّص المؤسِّس قد لا تستقيم دون الوقوف على مجموع إفرازاته التّاريخية، والّتي كانت إرادة السّلطة محرّكها بامتياز. ويُعتبر الفقه إمكانا من إمكانات هذا النّص المؤسِّس، الذّي حاول تاريخيا الإنفراد بدلالته ومعزاه؛ إذ على الرغم من التعدّد والتنوّع الذي عرفه مجال الفقه الإسلامي، إلا أنه لا يزال مُنخرطا في المنظومة اللاّهوتية القائمة على ثنائية المقدّس والمدنّس.

ساهمت هذه الثنائية في بلورة خطاب إقصائي وأحادي داخل منظومة الفقه الإسلامي، من خلال خطاب السّلطة الذي كان مُهيمنا في فترة تشكّله التاريخي؛ ويُعتبر فقه المرأة كاشفا عن ميكانزمات هذا الخطاب السّلطوي في بُعده الذّكوري والبّطريركي الذي ما يزال حاضرا في أبجديات الخطاب الفقهي المعاصر رغم التّجديد الذي لحقه عبر التاريخ.

إنّ الحديث عن الأصل في المنظومة اللاهوتية حديث ميتافيزيقي؛ إذ إنّ الأصل بلغة اللاهوت لا يقبل التعدّد، فهو مرادف الوحدة والسكون والإطلاق، بينما الأصل كما علّمتناه الفلسفة المعاصرة، هو الوحدة في تشظّيها وتعدّدها وفي قابليتها للترجمة اللامحدودة، بل في إرجائها الدائم والمستمر، على غرار الجنيالوجيا النتشوية (نيتشه)[1]؛ الشيء الذي يُضفي على الفكر طابع النّسبية والتأويلية، ويساهم في تجاوز التّقابلات الميتافيزيقية التي تسكن الدّين والتّاريخ واللّغة.[2]

إن مقولة تجديد الفقه الإسلامي مقولة مُغرضة ومُصادرة على المطلوب، لأنّها لا تقف على بداهاتها اللاّهوتية؛ وهذا ما نجده مثلا في كلام القرضاوي عندما يؤكد إن “التّجديد الحق هو تنمية الفقه الإسلامي من داخله، وبأساليبه هو، مع الإحتفاظ بخصائصه الأصيلة وبطابعه المميز”[3]، حيث إن ” التّجديد (في نظره) لا يعني أبدا التّخلص من القديم أو محاولة هدمه، بل الإحتفاظ به، وترميم ما بلي منه، وإدخال التحسين عليه.”[4]

من هنا ضرورة التّفكيك بدل التّجديد بخصوص الفقه الإسلامي، وذلك من أجل الوقوف على البداهات التي ما يزال الفقه الإسلامي مرتبطا بها تاريخيا، إذ لا يمكن إحداث “جدّة” و”طفرة” في مجال الفقه الإسلامي دون الوقوف على أشكال تشكّله تاريخيا وليس تاريخانيا، حيث إن الإفرازات التاريخية للإسلام بما فيها الفقه الإسلامي ما هي إلا إمكان من إمكانات الإسلام من خلال نصِّه المؤسِّس المتعدد الدلالات، والذي لم يستنفذ إمكاناته عكس ما ذهب إليه أصحاب التصور الوضعاني.

إن الإمكانات المتعدّدة للنّص، أي نص، هي ما جاءت لتقف عليه الفلسفة المعاصرة من خلال مقولات: لا مفكر النّص، المسكوت عنه، موت المؤلّف، الزّمن كمترجم؛ ولابد في نظرنا استثمار ما وصلت إليه العلوم الإنسانية عموما والفلسفة على وجه الخصوص، من أجل إعادة قراءة تراثنا الإسلامي بما فيها التّراث الفقهي، من أجل الوقوف على تجليات تشكّله التّاريخي المُرتبط بإرادة السّلطة وإكراهات السياسة وتأثيرات الثقافة والمجتمع، وكذا من أجل القبض على إمكاناته المسكوت عنها.

قد يُسعفنا المنهج التّفكيكي إزاء الخطاب الفقهي، بعيدا عن التّأويلات التّاريخانية والإيديولوجية، من تحرير الدّين من الحمولة الثّقافية واللّغوية والجغرافية التي تم تحديد جوهره فيها؛ وذلك من خلال تجاوز مرحلة “تفقيه الحياة” التي انحصرت فيها وظيفة الدّين في التّشريع الجزئي والتفصيلي للحياة الفردية والجماعية، وصولا إلى مرحلة “ترويح الحياة” من خلال فتح آفاق الدّين الروحية والكونية والإنسانية التي تتعالى على الشّروط السّياسية والإيديولوجية والثّقافية.

ليس هدف التّفكيك – على حد تعبير دريدا- هو الكيد للنصوص وتبيان تهافتها، بل إن الهدف هو الوقوف على ما تَحبل به من إمكانات من خلال مساءلتها على ضوء روح العصر؛ من هنا تكون عملية التفكيك حباّ للنّص ووفاء لروحه وتقديرا لمؤلّفه.

إن الدّعوة إلى تفكيك الخطاب الفقهي لا تعني الحكم عليه بالإيجاب أو السّلب، بل اعتباره خطابا بالمعنى الفوكوي (ميشيل فوكو)، أي ممارسة لها أشكالها الخصوصيّة من الترابط والتتابع، فهو ليس موقعا تقتحمه الذّاتية الخالصة أو لغة بريئة يُمكن ضبطها، بل إنه فضاء لمواقع وأنشطة متباينة للذّوات؛ إنه فضاء للفعل والرّغبة والسّلطة والإنتشار والتوزّع، مسرح للإستثمار واستراتيجية تُحدد المكتوب والمرئي والمنطوق.[5] والهدف ليس هو البحث في صدق أو كذب الخطاب، بل الوقوف على شروط تكوّنه وقوانين بناءه وعلاقات توزّعه وكيفية اشتغاله.

يدفعنا البحث في كيفية تشكّل المعنى تاريخيّا إلى استجلاء علاقة المعرفة بالسّلطة، ليس في تقابلهما بل في تماهيهما، أي من خلال التبادل الداخلي والتوتر المُتبادل، ليس بين المعرفة والسلطة، بل داخل الموقع الذي لا يجدان منه انفصالا حيث يتماهيان كأنهما نفس الشيء، بل هما نفس الشّيء.[6]

إن القول بالخطاب الفقهي بدل الفكر الفقهي له ما يبرره، إذ إنّ تحليل الفكر “هو دوما تحليل يسعى إلى البحث عن المعنى الحقيقي وراء المعنى المجازي”، أما تحليل الحقل الخطابي فهَمُّه الأساسي “هو التعامل مع العبارة كشيء قائم الذات، لا يُحيل إلى مستوى آخر، والنظر إلى ما في خصوصيتها وتميزها كحدث لا أصول له، وتحديد شروط وجودها، وتعيين حدود تلك الشروط بكيفية دقيقة وواضحة أكثر”[7]؛ لا نسعى إذن من وراء تحليل “حقل الخطاب الفقهي” إلى البحث وراء ما هو ظاهر، بل إظهار لماذا هو صعب على هذا الخطاب أن يكون غير ما كان، ولماذا يتميز باحتلال مكانة لا يَقدر أي خطاب آخر على أن يَشغلَها، ونعني هنا الخطاب الصّوفي والفلسفي أساسا. (ما الأسباب وراء هيمنة الخطاب الفقهي على حساب الخطاب الفلسفي والخطاب الصوفي؟).

إن الإشكالية التي سنحاول مُقاربتها في هذا البحث، هي كالآتي: إلى أي حدّ ساهم التّجديد الفقهي تاريخيا في الخروج من مأزق الميتافيزيقا من خلال ثنائية المقدّس والمدنّس؟ وكيف ارتبط الخطاب الفقهي بإرادة السّلطة في بعدها السّياسي والثقافي من خلال فقه المرأة ككاشف عن ميكانيزمات الهيمنة الذّكورية؟ وكيف يمكن أنسنة الخطاب الفقهي، بلغة محمد أركون، من خلال استثمار نتائج العلوم الإنسانية (الأنثروبولوجيا، اللسانيات، التحليل النفسي، الفلسفة…) في إعادة قراءة التّاريخ الفقهي الإسلامي؟ وإلى أي حد تعتبر فلسفة التفكيك، كما قاربها جاك دريدا، ضرورة في مجال إعادة قراءة الخطاب الفقهي من خلال مجاوزة الميتافيزيقا في ثنائياتها اللاهوتية: المقدس/المدنس، الخير/الشر، الحلال/ الحرام…إلخ؟

من أجل مقاربة هذه الإشكالية، نقترح تصميما قد يُسعفنا في ضبط بعض أوجه الإجابة على إشكاليتنا التي لا تهدف إلى تأسيس حقيقة ما، بل بالعكس ترنو الخروج من تجليات الحقيقة التي هي في عمقها تنوّع وتعدّد.

في مرحلة أولى، سنحاول الوقوف على الأبعاد التّاريخية والسّياسية التي كانت وراء تأسيس الخطاب الفقهي، وتبيان أوجه العلاقة بين السّلطة والثّقافة والسّياسة، خاصة من خلال ما يسمى بـ”فقه المرأة”.

في مرحلة ثانية، سنَعْمَد إلى تسليط الضوء على الثنائيات الميتافيزيقية التي تَسكن الخطاب الفقهي من خلال رؤيته للحياة وتصوره للدّين وقراءته للنص المؤسِّس وفهمه لعلاقة الفكر بالواقع.

في مرحلة ثالثة وأخيرة، سنقف على آفاق الكونية التي يمكن أن يسمح بها الفقه الإسلامي من خلال ”لا مُفكره”، ويفتحها من خلال تفكيك لغته وإعادة ترجمته، واستنادا إلى سؤال الحاضر وقيم الكونية؛ في أفق تشكيل هوية متعددة وقابلة لاستيعاب كل أشكال الوجود الإنساني الراقي.

المبحث الأول:

في تاريخية الفقه الإسلامي: بين خطاب السّلطة وسلطة الخطاب

يُمكن القول إن الفقه في الفكر الإسلامي قد حظي بمكانة كبرى، لاسيما إذا أخذنا في الإعتبار غزارة الإنتاج الفقهي ضمن ما يسمى بالعلوم الإسلامية قديما وحديثا، بالإضافة إلى مختلف جوانب الحياة الفردية والجماعية التي تطالها سلطة الفقه.[8]

إن هذا المعطى هو ما دفع بمحمد عابد الجابري إلى اعتبار الحضارة الإسلامية حضارة فقه، فـ “سواء نظرنا إلى المنتجات الفكرية للحضارة الإسلامية من ناحية الكمّ أو نظرنا إليها من ناحية الكيف فإننا سنجد الفقه يحتل الدّرجة الأولى بدون منازع”.[9]

لابد بداية من الوقوف على دلالة الدّين الذي على أساسه تَكوّن الفقه، حيث يمكن تحديده في كونه قوة اجتماعية وعامل أساسي في حركة المجتمع، كما أنه أيضاً موضوع وجودي وميتافيزيقي بامتياز؛ إلا أن جوهر الدّين ينفلت من قبضتنا، كونه يتوارى خلف الخطابات اللاهوتية والأرثوذكسية التي تحتكر قراءته وفهمه؛ فالبحث عن “الإنسان الدّيني” – حد تعبير مرسيا إلياد- من خلال تجاربه المتعدّدة والمتنوّعة، لا يفتأ يصطدم بجدار المؤسّسات إن لم نقل النّصوص الدّينية الرّسمية التي تحول دون تحقيق إمكاناته المُضمرة في الوجود الإنساني.

إن الدّلالة الأولى لكلمة “الفقه”، أي الفهم والرّبط بين قيم الدين وواقع الناس، جعلت دور الفقيه دور الوسيط، ولأن الوسيط عادة ما يُحاط بهالة من التّقديس (الأنبياء كوسطاء)، أورث ذلك الفقهاءَ سلطة “كهنوتيّة” جعلتهم يتصرّفون في المقدّس وينصِّبون أنفسهم الناطقين الرسميين باسم السّماء.

إن سلطة النصّ الذّهنية حالت دون تمكّن الفقهاء من الخروج من حدّ الكتاب والسنة قصد تطوير فقه مدني ومنهج في الفكر الوضعي (بمعناه الإيجابي)، إضافة إلى سلطة السياسة التي كانت وراء اختزال الدّين في جانبه التّشريعي على حساب الرّؤية الكونية والإنسانية للوجود، مما أدى إلى التضخّم الفقهي والضّرب في كونيّة الدّين، وذلك لأنّ العقل الفقهي لا يزال يُعالج قضايا الإنسان والدولة والمجتمع من خلال النسق المنهجي الذي وضعه فقهاء القرن الثاني الهجري ومن تلاهم.

لقد أصبح الفقه مهيمنا على كل مناحي الحياة الفردية والجماعية؛ فهو حاضر في المأكل والمشرب والملبس والجنس والفن والموت والحياة، ولعل ما نشاهده اليوم في القنوات الفضائية من برامج تُفتي في كل صغيرة وكبيرة دليل على استمرار تلك الذّهنية الفقهيّة في ثقافتنا التي أصبحت قائمة على ثنائية الحلال والحرام.

ولأن أصول الفقه هي بمثابة المنهج والنظرية العلمية الوحيدة التي يُمكن للمسلم أن يفهم بها دينه وواقعه، بل تُمثّل – على حد تعبير الشيخ مصطفى عبد الرازق- النظام الذي انبثق من الرؤية الكونية الإلهية؛[10] يصعب مع ذلك إعادة النظر في أسسه لكونه أصبح جزءا من المُقدس، وأي قول جديد في أصول الفقه هو ضرب في قدسية الكلام الإلهي، الشيء الذي يمكن أن يُدخل قائله خانة الزّندقة والردّة والكفر.

أُولى مراحل تفكيك الخطاب الفقهي هي نزع هالة التقديس عن الفقه وأصوله، وذلك باعتبارها اجتهادات بشرية يجب فهمها في تشكلها التاريخي قصد تجاوزها وتوسيع آفاقها، فلكي تكون نظرية الفقه نظرية علمية – بلغة كبلر- يجب أن تكون قابلة للخطأ والتجاوز.

هذا ما سنحاول مقاربته في هذا المبحث، في محاولة منا للإجابة على بعض أوجه السؤال التالي: من أين استمد الفقه الإسلامي تلك السلطة التي طالت ولا تزال تطال جميع مناحي الحياة ؟ وكيف تم إدماج الفقه كمنهج لضبط عملية الإجتهاد في فهم نصوص القرآن واستنباط الأحكام منه، ضمن آليات السلطة السياسية الخبيثة بطبعها الأنطولوجي؟

1.1.       بدايات التّأسيس: نحو مأسسة الدّين الإسلامي

ينضوي الفقه الإسلاميّ وأصوله ضمن “التقاليد الخطابية” التي هي مجموع الخطابات المتطوّرة تاريخيا والمتجسّدة في ممارسات ومؤسّسات المجتمعات الإسلامية، والتي قد تسعفنا في فهم تاريخ إنتاج المفاهيم في سياقها الإسلامي.[11] لا يمكن إذن فهم التشكّل التاريخي للإسلام إلا من خلال دراسة مجموعة من التقاليد الخطابية التي يتم نهجها لتشكيل ذوات أخلاقية، فهي تتضمّن أنماطا من العقلنة الواجب وصفها والوقوف على مسارها التاريخي من منظور انثروبولوجي.[12]

من هذا المنطلق، كان علم أصول الفقه في جوهره إرادة ضبط ومراقبة، وذلك من خلال الإحساس بضرورة التقنين والخروج من المواقف الحرجة Apories التي يُمكن أن يتعرض لها الفقيه، وخاصة عندما عرفت الدّولة الإسلامية توسّعا جغرافيا جعل الآخر حاضرا بقوة أمام الذّات التي تحاول صيانة نفسها ضد كل دخيل عليها، استنادا في ذلك إلى الثنائية الميتافيزيقية الأنا – الآخر التي ستُترجَم لاهوتيا في وقت لاحق من خلال ثنائية المسلم – الكافر/ بلاد الإسلام- بلاد الكفر.

كانت إذن تلك الثنائيات المنهجية ذات الصبغة التّشريعية “حاضرة بصورة أو بأخرى منذ النّشأة الأولى لعلم أصول الفقه أيام الإمام الشّافعي رضي الله عنه، ومنذ بداية التّأصيل للفعل المقاصدي مع الإمام الجويني رحمه الله، (…) ولا يستقيم العمل الاجتهادي والتشريعي دون استحضارها “[13]، الشيء الذيأضفى عليها هالة من التقديس والشّرعية.

على الرغم من كون علم أصول الفقه “لم يتبلور تاريخيا إلا في نهاية القرن الثّاني للهجرة، أي بعد ظهور الأثر التّأسيسي الذي مثّلته رسالة الإمام محمد بن إدريس الشّافعي”[14]، إلا أن بذور العصبيّة والقبليّة والسّلطة كانت لا تزال مبثوثة في ثنايا الجسد العربي الذي لم يقطع بعد حبل السّرة مع ماضي الجاهلية القريب بكل أشكاله وتلاوينه، الشيء الذي جعل فيما بعد القول في السّياسة قولا في صميم الدّين، وجعل الحديث في الدّين خدمة للسّياسة.

لقد كانت وفاة نبيّ الإسلام كاشفا   Révélateurعن إرادات السّلطة والمراقبة التي كانت مُضمَرة في الثقافة العربية الإسلامية، إذ “لم يجد النّاس حاجة في البداية إلى التقعيد والتقنين، فالنصّ الذي جاءهم من الله أو السنّة التي صدرت عن الرسول مازالا ينطبقان انطباقا مباشرا على واقعهم (…) بل إنّ الوحي كان يغيّر أحكامه كلّما أصبحت غير متماشية مع الواقع (ظاهرة النسخ في القرآن). وبالتالي، لم يكن النّاس بحاجة إلى التفكير في هذا الأمر، فالوحي والرسول (الذي يستلهم روح الوحي) كانا يكفيانهم مؤونته.”[15]

لقد كانت عملية التّقعيد للدّين الجديد تتنازعها عدة إرادات ورغبات، وعلى رأسها إرادة السلطة السياسية التي سالت بمقتضاها دماء المسلمين واختلف حولها الصحابة فيما بينهم، لينتهي الأمر بما أٌطلق عليه تاريخيا اسم “الفتنة الكبرى”. ونشهد في عصرنا الحالي فتاوى فقهية تحرّم النبش في مظان وأسباب تلك الأحداث التاريخية، الشيء الذي يدل على الأبعاد السياسية والإيديولوجية والوصايات الدينية التي ما يزال التاريخ الإسلامي يرزح تحتها، والتي قد تحول دون فهم علاقة السلطة بالحقيقة والمقدس في المخيال العربي الإسلامي.

على هذا الأساس، صرّح المستشرق الألماني يوسف شاخت أن الفقه الإسلامي في مُعظمه لم ينطلق من النّص القرآني، بل إنّه عمل بشري ابتعد عن مقاصد القرآن ونصّه، ما أدى إلى بروز رجال كانوا مقرّبين للحكّام الأمويين، حاولوا التوفيق بين المبادئ القرآنية وما هو معمول به في الفترة الأموية؛[16] الشيء الذي أضفى هالة من القداسة على السلطة السياسية المُتنازع حولها، وذلك لسد الباب أمام المخالفين والمعارضين السّياسيّين.

في هذا الباب، أبان الصّادق النيهوم كيف كان الفقهاء سببا في الفتن التي شهدها العالم الإسلامي لما دخلوا في أحلاف سياسية مع الأسر المتصارعة على السّلطة، فكان من نتائج ذلك: “الفتوى بشرعية الحكم الوراثي. واعتماد نظرية الخلافة في قريش. وإهدار دم المعارضين السياسيين. وإطلاق حرية التسري بالجواري. وفرض الحجاب على المرأة. وإباحة قتل المسلم لأسباب عقائدية على غرار ما حدث لأبي منصور الحلّاج”[17]؛ وهذه كلها في نظر النيهوم جرائم في حق التّشريع الإسلامي، ما كان لها أن تقع لو كان الناس بدل الفقهاء هم المسؤولون عن صياغة القوانين.

أدى احتواء الفقهاء في اللعبة السّياسية إلى قراءة إيديولوجية بل ميتافيزيقية للخطاب القرآني، حيث “نجد أن خط الفصل والتقسيم الذي أدخله القرآن بين عالمين اثنين قد تمّ تجسيده سياسيا من قبل الدولة الرّسمية، وقانونيا من قبل الشّريعة، ولاهوتيا من قبل الشهادات الإيمانية أو العقيدة”.[18]

لقد كان علم أصول الفقه ذروة الضّبط والمراقبة والتّنظير بخصوص الدّين الإسلامي في مراحله الأولى، ودائما ما كانت السلطة السياسية مرتبطة بالأعمال الفقهية التي يتم إنجازها؛ إذ على سبيل المثال، كان “أول عمل وصل إلينا من بين هذه الأعمال هو كتاب “الموطّأ” للإمام مالك بن أنس، فإنّه جمع فيه بناء على طلب الخليفة المنصور ما صحّ عنده من السنّة، ومن فتاوى للصحابة التابعين وتابعيهم، فكان كتاب حديث وفقه في الآن نفسه.”[19]

كان هذا بخصوص الخطاب الفقهي السّني، وقد نجد نفس ميكانيزمات السلطة حاضرة إذا ما قمنا بدراسة التطوّر التّاريخي للخطاب الفقهي الشّيعي، بل لكل الخطابات الدينية عموما، بدءا بالخطاب التوراتي مرورا بالخطاب الإنجيلي وما عرفه من استثمار سياسي على مر العصور؛ ما يؤكد تماهي سؤال المعرفة بسؤال السلطة، خاصة إذا كان “المُقدس” حاضرا.

من هذا المنطلق، نحتاج فيما يتعلق بتراثنا الإسلامي إلى دراسات حول العلاقة بين عملية التنظير والتقعيد وعملية السّلطة والهيمنة، وكيف إنّ فعل الكتابة والضّبط والجمع هو في الحقيقة من مفعولات السلطة، وخير مثال على ذلك الأحداث التاريخية المرتبطة بعملية جمع القرآن في مصحف واحد وهو مصحف عثمان.

إن مساءلة أصول الفقه على هذا الأساس، يسمح بإعادة مساءلة الطّابع الطّهراني والقّدسي الذي طال أصول الفقه، وكيف أصبح القياس مثلا أصلا تشريعيا مُثبتا لدى جمهور الأصوليين، وصار إنكاره إنكارا للدين في حد ذاته، على الرغم من أنه “لا أثر لأيّ نصّ أو لأيّ دليل تفصيليّ في مثل هذا النتاج الأصولي الفقهي الذي يعبّر عن ارتقاء في درجة التعميم والتجريد الفقهي” [20]، الشيء الذي يدل على “حدث فكريّ نمائيّ دالّ في نشوئيّة Genèse العقل الفقهيّ السنيّ.”[21]

في هذا الإطار، يُمكن القول بأن الأحكام الفقهيّة “تشير في الحقيقة إلى نصيب التجربة والخبرة الإنسانيّة التّاريخيّة والاجتماعية في الفقهيّات القديمة، وإلى مرونة العقل الفقهيّ وانطوائه الضمنيّ على فكرة وضعانيّة الشريعة الإسلاميّة واعتبار السياق الذي تتنزّل فيه الأحكام، وما مفهوما تحقيق المناط وتنقيح المناط إلاّ تحقيق لفكرة أخذ السياقات المختلفة بعين الاعتبار” [22]؛ إلا أن الأمر يتعدى الصّفاء الفكري والطّهر المعرفي، لأن المعرفة والسّلطة – كما علمتناه حفريات فوكو وقبله جنيالوجيا نيتشه – في العمق نفس الشيء، ولا يستقيم أحدهما دون حضور الآخر؛ لذا أصبح جليّا أن الخطاب الفقهي الإسلامي، علاوة على مرونته وتنوّعه وتطوّره، لا يفتأ يَكشف عن إرادة السلطة التي تسكن السّياسة واللّغة والتّاريخ.

يمكن القول إذن، لقد ارتبط العقل في التاريخ الإسلامي بمعناه اللغوي، فأصبح منحصرا في عملية الضّبط والحدّ والمراقبة، فلم يكن الخطاب الفقهي، على الرغم من إنجازاته المنهجية والمنطقية واللغوية الدقيقة، سوى إفرازا من إفرازات إرادة السّلطة في بعدها السياسي- الميتافيزيقي.

فإلى أي حد تَنكشف هذه الإرادة بجلاء، من خلال الخطاب الفقهي الذي هَيمن على قضيّة المرأة، ووطّد التصور البطريركي للمجتمع العربي؟

2.1.       فقه المرأة: كاشف عن ميكانيزمات الهيمنة الذكورية

لنبدأ أوّلا في تحديد مفهوم مركزي قد يسعفنا في مُقاربة فقه المرأة في التّاريخ الإسلامي، إنّه مفهوم الجندر أو ما يُترجم بالنّوع الإجتماعي[23]. يدلّ هذا المفهوم على البناء والهندسة الثّقافية للعلاقات الإجتماعية التي تربط الرّجل بالمرأة داخل المجتمع، ويدلّ كذلك على إرادات السّلطة والقوّة التي تُحدّد أدوار كلّ منهما على المستوى الثّقافي والسّياسي والإقتصادي والرّمزي.

انطلاقا من هذا التّحديد يمكن القول، إن أيّ مجتمع كيفما كان، لا يخلو من علاقات سلطوية وبطريركية Patriarcales يكون فيها أحد الجنسين تحت رحمة الجنس الآخر، وغالبا ما يكون النّظام الأبيسي الذّكوري هو المُسيطِر على كل أشكال التّجليات الأنثوية من خلال الفصل بين المجال العام الذي احتكره الرّجال على مر التّاريخ، وبين المجال الخاص الذي أصبحت فيه المرأة حبيسة ومقيّدة في حريتها وإبداعها؛ من هنا نستخلص أنّ التّمييز الجنسي تمتدّ جذوره في تاريخ البشرية منذ ظهور المِلكيّة الخاصّة وتقسيم العمل بين الجنسين، مما يدلّ على البعد الكوني للعلاقات الجندرية.

من هذا المنطلق نقول، إنّ المقاربة الجندرية قد تُسعفنا في تنسيب الطّرح الذي يرى في ثقافة ما – أيا كانت هذه الأخيرة- الكمال والخلاص والطّهرانية، دون الأخذ بعين الإعتبار المشترك الكوني، سواء أكان هذا المشترك قيمًا عليا أو صورًا من صور الهيمنة والسّلطة؛ إذ إن الثّقافة إمكان من إمكانات الوجود البشري، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال، استعادة التّجليات الماديّة لثقافة ما لارتباطها بواقع سوسيو- تاريخي محدّد؛ لذا يقتضي الأمر استعادة روح هذه الثّقافة في مبادئها الإنسانيّة وأسسها الكونيّة.

يُعتبر فقه المرأة من هذا المنظور، بناءً سوسيو- ثقافيا ذو صبغة دينية، يُحيل على إرادة الهيمنة الذّكورية التي طَبعت المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام، ويكشف كيف شهدت الحضارة الإسلامية عودة هذا المكبوت الثّقافي من خلال إحياء التّقاليد البطريركية، إلا أنها أصبحت هذه المرة باسم الدّين والمقدّس والحقيقة.

يُشكّل فقه المرأة إذن، حقلا للإشتغال يسمح بكشف إرادات السّلطة التي تتوارى خلف القرآن والسنة لتبرر وجودها وتفرض هيمنتها؛ وقد نقف على بعض الأمثلة التي تحتاج إلى دراسات وقراءات جندرية قصد فهم تشكلها التاريخي وتفكيك بنيتها الدّاخلية.

لعل ما يعرف بالإسلام النّسوي، قد ساهم – ولو من منظور نسوي وليس على أساس المقاربة الجندرية- في إنجاز بعض القراءات التجديدية بخصوص الخطاب الفقهي- الذّكوري على ضوء المستجداّت المعاصرة في مجال حقوق الإنسان عموما وحقوق المرأة على وجه الخصوص، كما أنه حاول كشف إرادات السّلطة التي تسكن نصوص الفقه والتّفسير والحديث. لقد أعادت تلك الكتابات النّظر في علاقات القوّة والسّلطة المرتبطة بالجنسين في الخطاب الفقهي الإسلامي، وفي الحدود المتحرّكة بين السّياسي والدّيني من جهة، والإيديولوجي والثّقافي من جهة أخرى؟

إن الدّراسة الجندرية دراسة تفكيكية وليست ايديولوجية، لأن هدفها هو الفهم وليس التحيّز وإطلاق الأحكام؛ إن دراسة الحديث النّبوي “المرأة عورة كلها” دراسة تفكيكية – على سبيل المثال- لا يعني البحث في صحّة الحديث من عدمها، كما حاول طارق السويدان ومحمد عمارة مثلا أن يضعّفوه؛ بل إننا ننطلق مما هو معطى، أي في كون الحديث حديثا صحيحا قد صحّحه الألباني؛ من هنا يكون سؤالها هو سؤال حول إرادات السّلطة التي كانت وراء إدراج هذا الحديث ضمن لائحة الأحاديث الصحيحة تاريخيا؟ وهذا يسمح بدراسة البناء الجندري للمجتمع العربي قبل الإسلام وبعده، والذي كان يُنظر فيه للمرأة على أنها فتنة وجسد خُلقت من ضلع الرجل للمتعة والإستئناس.

يتجاوز البناء الثّقافي الجندري قدرات الأفراد ونباهة الأشخاص؛ نجد مثلا كيف إن فخر الدين الرازي المعروف بتفسير للقرآن خالف فيه جل التفاسير الأخرى، يرى أن المقصد من خلق النساء لم يكن الخلافة في الأرض، بل فقط خُلقن لمصلحة وراحة الرجال.[24] وفي نفس السياق، نجد وصفا للفقيه المالكي شهاب الديني القرافي في القرن الثالث عشر الميلادي يرى فيه أن النّساء لهنّ “قوى فكرية ليست أعلى بكثير من القوى عند الحيوانات”.[25]

أدّى هذا البعد اللاّشعوري بمعناه الفرويدي، إلى جندرة الدّين الإسلامي، كما حصل مع باقي الدّيانات الأخرى؛ كما لو أن ثمّة قوة تَحُول دون تحقيق المغزى من الدّين الذي هو تطهير الروح وتوحيد الله، بل حتى مسألة توحيد الله لم تَسلم من وصايات تفرض الطريقة الصحيحة لتحقيقها، على غرار الدور الذي لعبته الكنيسة في العصور الوسطى من خلال ما عُرف بصكوك الغفران.

ثمّة حديث آخر في نفس الإطار، إنّه حديث “ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”؛ إذ على الرغم من أن البعض شكّك في نسبته لنبي الإسلام مثل فاطمة المرنيسي وتحدى بعضهم في صحته مثل خالد أبو الفضل، إلا أن هذا الحديث تم الإجماع على صحته تاريخيا، وهو موجود في مصادر يجمع المسلمون على أنّها الأكثر صحة تاريخيا كصحيح البخاري ومسند أحمد بن حنبل وسنن النسائي والترمذي؛[26] ممّا يدعو إلى إعادة النظر في مقولة: أصح كتاب بعد كتاب الله صحيح البخاري ! وذلك من خلال الوقوف على التشكّل التاريخي وإرادات السّلطة التي ساهمت في شرعنته وتقديسه.

بغض النّظر عن صحّة هذا الحديث من عدمها، إلا أن إفرازاته الفقهية أكدت على بعده الثقافي والتاريخي؛ حيث لعب هذا الحديث دورا أساسيا في إنتاج التمييزات بين الجنسين وتبريرها دينيا؛ فعلى سبيل المثال، “تتطلب كتب الفروع الإسلامية عموما فيمن يتولى منصبا عاما أن يكون ذكرا. وبناء على ذلك، يسمح فقط للرجال أن يكونوا على رأس الدولة الإسلامية (الإمام أو الخليفة)”. [27]

لا يرتكز الفقهاء في هذا المنظور على مؤهّلات المرأة، بل على الصّورة النمطية التي تشكّلت حول هذه الأخيرة؛ لذا نجد مثلا أن الفقيه ابن العربي يرفض أن تكون المرأة قاضية أو خليفة، والمُبرر الوحيد هو كونها ليس مسموحا لها أن تختلط بالرّجال.[28]

تلعب الدوافع الذّاتية إذن دورا كبيرا في طريقة التّعامل الفقهي مع قضيّة المرأة بالتحديد، وكيف إن فعل التّأويل مرتبط بفعل السّلطة والهيمنة؛ بالأحرى، قد تختلف قراءة نفس الحديث من واقع اجتماعي وسياق تاريخي إلى آخر، من هنا يمكن أن نفهم كيف رفض محمد الغزالي المعاصر علاقة حديث “ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة” بموضوع شغل المرأة منصبا سياسيا، حيث إن الرسول قد عنى فقط أن الدّولة الفارسية كان مصيرها إلى الزّوال[29]. لم يكن هذا الرّأي ممكنا قبل القرن العشرين، إذ لو عاش محمد الغزالي فقط في القرن السابع العشر أو الثامن عشر ما أمكنه أن يقول ما قاله، إذ إنه استطاع استيعاب روح العصر والواقع السّوسيو اقتصادي، وعلى ضوءه أعاد قراءة الحديث واستخدم لذلك المصادر الفقهية نفسها.

في نفس السّياق، كان الإستدلال بقصّة بلقيس يدخل دائما في نطاق الاستثناء لا القاعدة، إلا الفقهاء المعاصرين كالقرضاوي مثلا يستدلون بها لتبرير ولوج المرأة للمجال العام وشغلها لمناصب سياسية، الشيء الذي يدل على أن الصّراع ليس صراعا حول من يمتلك الحقيقة، بل إنه حول من يستطيع أن يفرض فهمه للحقيقة؛ فليست الحقيقة هي الصدق والحق في مقابل الخطأ والشر، بل هي تجسيد لقوة انتصرت على قوة أخرى.

مسألة الحجاب هي الأخرى تدخل في هذا النطاق، إذ كيف كان الحجاب خاصّا بالنّساء الحرائر دون الإماء، حيث كان “إدناء الأمَة الجلابيب مصدر خلل في تنظيم الطبقات الإجتماعية، وهو خلل يرفضه عمر بن الخطاب ويتصدى له بقوة إذ يضرب كل أمة تتقنع بالدرة محافظة على زي الحرائر. ومن هذا المنظور يفقد إدناء الجلابيب البعد المُقدس الذي يُضفيه عليه بعض الأصوليين، فإن كان هذا الأمر مقدسا شاملا جميع النساء بلا استثناء بغرض اتقاء الفتنة، فكيف يُستثنى منه الإماء؟”.[30]

ثمّة مسائل أخرى تحتاج إلى دراسات جندرية في الثّقافة الإسلامية، لا يسمح المقام للوقوف عليها، ومن بينها: مسألة القوامة، مسألة تعدّد الزّوجات، مسألة الإرث، مسألة الشّهادة، مسألة المثلية، ثنائية الذّكر/الأنثى، الرّجل/المرأة، قصّة الخلق…وغيرها.

من هذا المنطلق، يُمكن أن نعمّم ما أكّده خليل عبد الكريم بخصوص مسألة تعدد الزوجات، على باقي المسائل الآنفة الذكر. يقول: إن “التقاليد العربية التي كانت سائدة في الفترة السابقة على البعثة المحمدية تركت آثارا واضحة لا على النصوص المقدسة فحسب بل على سلوكيات المسلمين من ذوي السابقة”[31]؛ وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الجذور الثقافية والتّاريخية لأبعاد الإسلام اللّغوية والماديّة.

فإلى أي حد كانت الحلول الفقهية ترجمات للواقع السياسي وإكراهاته التي كانت وراء إنتاج جزء منها واستثمار الجزء الآخر ؟

3.1.       الحلول الفقهيّة: إفرازات تاريخية لأوضاع سياسية

درس المستشرقون الفقه الإسلامي بهدف معرفة حياة المسلمين في أدقّ تفاصيلها، ذلك أن الفقه في نظرهم فرصة لفهمٍ أعمق للمجتمعات الإسلامية قديما وحديثا؛ وعلى الرغم من الشّطط الذي لحق بعض الكتابات الإستشراقية، يقتضي الأمر الخروج من التصور التقليدي للإستشراق، على حدّ قول محمد أركون، إذ لا يجب إدانة ورفض إنتاجات الإستشراق، بل يجب ترجمة أهم أعمالهم لمناقشتها على أسسٍ علميةٍ وموضوعيةٍ وليس على أسس ايديولوجيةٍ وعقائدية.[32]

من هذا المنطلق، يشي حديث المستشرق الألماني جوزيف شاخت حول الفقه الإسلامي بمعناه الإصطلاحي الذي لم يكن له وجود في عهد النبي بالكثير من الدلالات؛ حيث يرى أن القانون – أي الشريعة – كانت تقعُ خارجا عن نطاق الدين، إذ لم تكن مسألة القانون ذات شأن بالنسبة للمسلمين؛ ومن هنا تصريح شاخت على صعوبة اعتبار حديثٍ ما من الأحاديث الفقهية صحيحًا بالنسبة إلى النبيّ. [33]

هذا القول يجد ما يبرره إذا ما قمنا بدراسة تشكّل الفقه السّياسي وكشفنا عن السّياقات الثقافية لتشكل هذه الأنظمة الفكرية اللاهوتية وتكيفها مع المستجدات السياسية؛ حيث يتبين لنا كيف اكتفى الفقه بالخوض في موضوع الفقه السياسي بعد القرن الرابع الهجري/ العاشر ميلادي، فأصبح بذلك فقها يقوم على “تبرير الماضي وتكريس سلوك الحاضر المتّسم بالتعسف والتسلّط وتغليب المصالح الأنانيّة”[34]؛ ولعل أقسى ضربة تعرّض لها الفكر الإسلامي هي “نقل الخلافة من قضيّة فروع إلى قضيّة عقيدة؛ أي من علم أصول الفقه إلى علم أصول الدّين (علم الكلام)، فأصبحت الخلافة تعالَج كعقيدة لا كمنهج سياسي”.[35]

خير مثال نبدأ به سلسلة تسييس الدين من قبل الفقهاء هو مسألة الردّة، فما كان رأيا سياسيا لأبي بكر بخصوص ما عُرف بحروب الردة على مانعي الزكاة، سيُصبح في “كتب الفقه حدا من حدود الله المنصوص عليها”[36]، رغم الآيات القرآنية العديدة الدالة على حريّة المعتقد، إلا أن سلطة السّياسة تتقوى بسلطة النص، أو بالأحرى سلطة السياسة ما هي إلا إمكان من إمكانات سلطة النص المتجلية تاريخيا.

إن خضوع الفقيه للأمر الواقع في زمن ما، وخاصة انتقال الخلافة إلى ملك أساسه القهر والغلبة، أدى إلى انهيار مؤسّسة الفقه، بل إلى “اختفاء السياسي وراء الثقافي في الفكر الإسلامي، (مما) يعكس مقدار التحول في الفكر الفقهي من مرحلة الممانعة إلى مرحلة المواءمة”؛[37] لذا نحتاج إلى مساءلة حقيقة انهيار مؤسّسة الفقه، ذلك لأنها ضحّت “بالدّين للإبقاء على الملك ولدرء الفتنة وحقن الدماء”؛[38] الشيء الذي يؤكّد لنا مرة أخرى على تماهي سؤال السّلطة بسؤال المعرفة خاصة إذا توسطتهما مقولة المُقدس، مما يؤدّي إلى إغفال حقيقة “أن هناك فرقاً بين (التشريع) و (السلطة)، فالتشريع من خصائص الخالق وأما السلطة فهي للأمة.”[39]

من هنا بدأت سيرورة تدنيس المقدس وتقديس المدنس، حيث “إن كلّ العلوم الدينية التي انتشرت وتطورت في السياقات السّياسية منذ عهد السلالة الأموية، زادت من أهمية التلقي الديني للخطاب القرآني عن طريق التخفيض من أهمية الغائية الإجتماعية والسياسية، وتصغيرها وسحبها في اتجاه ما هو سلبي.”[40]

تستند النظرية السّياسية الفقهية في أصلها إلى الواقع لتبرير مقولاتها، حيث تُقر “مبدأ الإختيار الطوعي من الأمة للحاكم، ثم تقبل من أبي بكر مبدأ الإستخلاف الفردي، ومن عمر الإستخلاف الجماعي، وتقبل من تجربة عثمان مبدأ تأبيد الولاية، ثم تقبل من الأمويين مبدأ توريث السلطة أو الأسرة المالكة، وتقرر من خلال الواقع العباسي مبدأ ولاية المتغلب من السلاطين والوزراء.”[41]

موازاة مع ذلك، نرصد بخصوص شروط الإمامة اختلافا صارخا بين الفقهاء أنفسهم؛ ففي القرن الخامس الهجري، نجد أن الماوردي يصنّف الأخلاق والسلوك والنّسب من قريش من شروط الإمامة[42]؛ في المقابل، يأتي أبو يعلى الفراء الذي كان من معاصريه، ليقول بنظرية شبه ميكيافيلية في معناها الإيجابي، حيث ألغى هذه الشّروط وجعل الغلبة والسّلطة من مقومات الإمامة. [43]

إن هذا التّذبذب الفقهي راجع إلى التوتّر السياسي الذي عرفته الحضارة الإسلامية آنذاك، مما أدّى إلى استثمار سياسي للمعطى الديني. مع ذلك، يجب الوقوف على مسألة نظام الحكم في الإسلام، إذ على الرغم من كون الحكم في التاريخ الإسلامي حكما وراثيا استبداديا، إلا أنه لم يكن دينيا- ثيوقراطيا، فرغم ” استخدام الحكام لسلطة الفقهاء وفتاويهم لتكريس سلطتهم، لا يعني “إسلامية” نظام الحكم”[44]؛ هذا ما وقف عنده محمد أركون في معرض حديثه عن وجود نزعة إنسانية وحضور معالم العلمنة في السياق الإسلامي الكلاسيكي.[45]

مع ذلك، ثمة عدد كبير من الكتب السّلطانية التي غالت “في الأئمة حتى رفعوهم إلى درجة من لا يُسأل عما يفعل مما كان له أسوأ الأثر على الأئمة وعلى الأمة فاستعبَدت الأئمةُ الأمةَ وظلموا وفسقوا وتصرفوا في الإمامة دون رقيب أو حسيب كل ذلك باسم الشريعة ومن أنكر أو اعترض لقي أشد أنواع الأذى .” [46]

ولعل الأمثلة في هذا الباب كثيرة، “فعناوين من مثل ‘الأحكام السلطانية’ و’نصيحة الملوك’ و’تدبير الرياسة’ و’مرايا الملوك’ و’سياسة الملك’ و’تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق المَلك وسياسة المُلك’ و’الأدب الصغير’ و’الأدب الكبير’ و’رسالة الصحابة’ و’سراج الملوك’، هي كلها مؤلفات تمجد الذات السلطانية، وتنهج سلوك النصح والوعظ للحاكم دون أن تنقُد واقع الفساد الذي ينخر الساحة السياسية من استبداد وتخلف”.[47]

على الرّغم من إن “كتب الفقه السياسي المسماة “بالأحكام السلطانية” وما شابهها كُتبت لعصورها، وقد تغير الزمان وجَدّت في الحياة أمور أثّرت على هذا الفقه، ولهذا فإنها لم تعد كافية لتنظيم هذا الجانب في العصر الحاضر.”[48] إلا أن ما يهم الباحث خاصة في مجال السوسيولوجيا والأنثربولوجيا وغيرهما من العلوم الاجتماعية، هو ضبط الطابع الواقعي والاجتماعي والثقافي للدين لفهم سيرورة تشكله التاريخي وأشكال ترجمته السياسية التي ما تزال تسيطر داخل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وهذا في الحقيقة ما تغفل عن دراسته علوم الدين الساعية نحو العقيدة الصحيحة والباحثة عن الإيمان الحقيقي والعمل القويم، دون ضبط منهجيّ للحدود الفاصلة بين الدّيني والسّياسي.

نختم بمثال قد يُبين لنا إلى أي حد ارتبطت الفتاوي الفقهية بالمصالح الذاتية للفقهاء أنفسهم: لمّا شرعت الدولة في مصر خلال القرن التاسع عشر في تمديد الماء إلى بعض المناطق، أثار هذا الفعل ثائرة الشافعيين الذين كانوا هو المسؤولين والمستفيدين من قضية السقاية، حيث إن مسألة صنبور الماء ستُضيّع عليهم كل ما كانوا يستفيدون منه؛ إلا أن جوابهم لم يكن صريحا، إذ حرموا باسم الشرع استخدام صنابير الماء، إلى حد القول ببطلان وضوء مُستعمل صنبور الماء، غير أن الأحناف الذين لم يكن لهم أي مصلحة وراء ذلك أجازوه واعتبروه من علامات المدنية، إذ إنه يُيسر للناس أمور حياتهم، لهذا السبب يُطلِق المصريون على صنبور الماء اسم الحنفيّة.[49]

على هذا الأساس، ما هي الأسس اللاهوتية والميتافيزيقية التي ساهمت في إبقاء الوضع على حاله دون حصول إمكانية استقلال السياسي عن الديني، أو بالأحرى تحرير الديني من السياسي؟

المبحث الثاني:

إشكالية الديني والمدني في الخطاب الفقهي الإسلامي: في ثنائية المقدس والمدنس

تتوسّل المنظومة الدّينية بجملة من المقولات الميتافيزيقية التي تُؤسّس بناءها الدّاخلي وتضفي عليها هالة من القداسة والتّعالي؛ ومن بين تلك الثنائيات اللاّهوتية التي تشكّلت لتقويم وليس لفهم الظواهر الإنسانية والإجتماعية، نجد ثنائية “الحلال والحرام”، “المؤمن والكافر”، “أصحاب الجنّة وأصحاب النّار”، “الحسنات والسيّئات”، “الثواب والعقاب”، “بلاد الإسلام وبلاد الكفر”.

هكذا تُعتبر ثنائية المقدّس والمدنّس الأصل الأول الذي يقوم عليه الخطاب الديني عموما قصد تبرير أحكامه وفرض قوانينه، الشيء الذي يجعل الظّواهر الإجتماعية مواضيعَ للتقويم الدّيني وليس مجالات للبحث والفهم والتحليل، ما يؤدّي بالخطاب الديني للسقوط في مطبّ الإيديولوجيا.

على هذا الأساس، تُعلّمنا الأنثروبولوجيا المعاصرة أن مقولة المقدّس مرتبطة برؤية ثقافية واجتماعية متغيّرة، فما هو مقدّس لدى مجتمع ما قد نجده مدنسا لدى مجتمع آخر؛ وخير مثال هو الخمر الذي يعتبره المسيحيّون مقدّسا بينها هو محرّم لدى المسلمين.

في هذا الباب، نؤكّد ما قاله عالم الأديان ميرسيا إلياد في كون المقدّس عنصر أساسي في بنية الوعي، وليس مرحلة من تاريخ هذا الوعي، عكس ما ذهب إليه أبو الوضعانية السوسيولوجية أوگيست كونت؛ إلا أننا نضيف بالقول: إن هذا المقدّس قد طاله الشّطط من خلال تجلياته التاريخية، حيث كان وراءَ استثمارِه السّياسيِّ والإيديولوجي تضييقٌ على الوجود الإنسانيّ.

إن المقدّس الإسلامي بهذا المعنى، ليس معطى بقدر ما هو بناء ثقافي لا يفتأ السياسي في استثماره لتبرير قراراته، إذ إن مفهوم المقدّس في الإسلام مرتبط بالحرام، ويتدخل فيها النص من أجل “إخضاع الدّنيا والتصرّفات المتعلقة بها لتوجيهات الدّين وأوامره، وإرساء علاقة هرمية يخضع فيها الدنيوي، ومن ضمنه السياسي، إلى متطلّبات الدين”.[50]

لا يمكن أن نشهد عودة للمقدّس في تجرده وجوهره، فكل مقدّس هو كذلك في زمن ما ووفق ظروف معينة، بل إننا نشهد – خاصة في واقعنا المعاصر- عودة السياسي بلباس المقدس (الإسلام السياسي)، الشيء الذي يطرح عدة إشكالات بخصوص الحدود الفاصلة بين الدّيني والمدني، ولعل النقاش الحاد بخصوص مسألة تطبيق العلمانية في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، ما هو إلا إفراز من إفرازات التصور اللاهوتي لعلاقة المقدّس بالمدنّس.

إن الإسلام كدين لا يزال “خاضعا لأوامر السلطان القائم في جميع السياقات الإسلامية المعاصرة. وهنا نلمح ظاهرة التضامن الإيديولوجي بين الدولة، والدين “المستقيم” أو الأرثوذكسي، وطبقة علماء المحتكرين لإدارة ذهنية التحريم أو التقديس على حد تعبير ماكس فيبر. وبقدر ما يسود هذا التضامن الإيديولوجي ويقوى بقدر ما تضمحل النزعة الإنسانية، ويتهمش الموقف الفلسفي، وتغيب الثقافة النقدية أو تنعدم”.[51]

هذا التصوّر الذي يُؤسّس لثقافة الطهرانية يَحول دون توسيع مساحة المشترك الإنساني، بل إنه يعتمد ثقافة الطّرد والإستئصال والمنع والنّبذ والتّجريم والتّحريم والتّكفير. لهذا السبب لم يستطع الفقه الإسلامي أن يخرج بعد من بوثقة اللاّهوت في مبحث المصادر مثلا، إذ بقي حبيسا في مصادر الشّريعة ولم يُوسّع رقعته لتشمل مصادر الواقع والطبيعة والمشترك الإنساني.

لا يمكن للنّظرة المعيارية بخصوص المعرفة الدينية التي تختزل الدين في ثنائية الحلال والحرام، أن تُسعفنا في اختراق جغرافية الفعل الديني وفهم الظاهرة الدينية في تشكّلها وتطوّرها التّاريخي؛ لهذا السبب بالذات لم تعُد دراسة الظّواهر الدينية مقتصرة على الفقهاء وعلماء الدين، بل وجد فيها الفلاسفة والأنثروبولوجيون وعلماء الإجتماع المادة الخام لتطوير مناهجهم وتحليلاتهم بخصوص الظاهرة الدينية، وذلك بعيدا عن التصور الوضعاني والتاريخاني للدين.

إن السؤال الذي سنحاول مقاربته هو كالآتي: ما هي تجليات ثنائية المقدّس والمدنّس في الإنتاج الفقهي الإسلامي؟ وإلى أي حد يمكن تجاوز الميتافيزيقا بخصوص التصورات اللاهوتية التي ارتبطت بالنّص المؤسِّس “القرآن”، والتي ما تزال تسكن كتب الفقه وعلوم القرآن، وتَحُول دون الوقوف على التشكّل التاريخي والرمزي للمسألة ؟

1.2.       الثنائيات الميتافيزيقية ولعبة اللاّهوت

تُعلّمنا مقرّرات البحوث والدّراسات في تاريخ الأديان والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع الديني ملازمة الظّاهرة الدّينية للإنسان، وكونها ذات بعد أنطولوجي فيه؛ إلا أن النّقطة التي لا يجب إغفالها هي صعوبة القبض على حقيقة الظاهرة الدينية وفهمها دون الرّجوع إلى اللّغة التي هي في عمقها نتاج الميتافيزيقا، مما يؤكد استحالة تجاوز الميتافيزيقا لكونها تَسكننا وتُحدّد أفق فهمنا عن طريق اللّغة.

من هنا ضرورة فهم مقولة “العودة إلى الدين” على أنها عودة إلى شكل من أشكال تجليه التّاريخي، كيفما كانت هذه التجليات، وليس وقوفا على جوهره الأول. إن تبني هذا الموقف قد يحول دون السقوط في تصوّر لاهوتي من خلال القول بأن الدّين قد يتخذ أشكالا تُخرجه من حالة الفطرة والسواء والرشد، إذ وجود للدين على الحقيقة إلا انطلاقا من الأنساق الفكرية والثقافية والرّمزية والإيديولوجية التي نَخلقها عنه وحوله.

أوضح محمد أركون في هذا الصّدد، أن من اهتمّ من المفكّرين المسلمين بمسألة الأديان والتّراث لم يستطيعوا التحرّر من النظرة اللاهوتية القائلة بالدين الحق، فكل طائفة تدعي أن دينها هو الحق وأنها هي الفرقة الناجية،[52] إذ ما تزال هذه النظرة الدوغمائية تتحكم في الذهنية الفقهية. في هذا السياق، نرى أن اللقاءات الدولية التي تُقام سنويا حول حوار الأديان لن تعطي أُكلها إذا لم تتخلّص من مثل هذا الفهم اللاهوتي للدين، وإلا ستدخل تحت طائلة القول القرآني: كلّ حزب بما لديهم فرحون.

ما تزال الميتافيزيقا تسكن اللّغة ومن تم الكتابات الفقهية، وخير دليل على ذلك تعدد الثنائيات التي أخذت فيما بعد صبغة تشريعية من قبيل: ثنائية القّطع والظّن، ثنائية النّص والمآل، ثنائية الكّلي والجزئي، ثنائية الثّابت والمتغيّر، ثنائية الفهم والتّنزيل وغيرها.

لا غرابة إذن أن تنخرط نظرية مقاصد الشّريعة – رغم الطفرة النّوعية التي قامت بها في مجال تجديد الفقه عموما- في منظومة الميتافيزيقا، من خلال اعتبار حفظ الدين مقصدا من مقاصد الشّرع، ما يجعلنا نتساءل: أوليس حفظ باقي المقاصد (النفس، العقل، العرض، المال) حفظا للدين؟ فما ضرورة إدراج مقصد حفظ الدين من بين مقاصد الشريعة؟ إلا إذا أخذنا الدين بمعناه العام فكان ذلك حفظا لحرية المعتقد.

إن الوقوف عند هذه المسألة قد يسعفنا في تبيان الأبعاد اللاّهوتية التي لم يَسلم من شراكها أبو إسحاق الشاطبي في صياغته لمقاصد الشريعة.

يتّضح جليا أن بعض من يتبنون نظرية مقاصد الشريعة يتشبثون بثنائية الكلي والجزئي؛ إذ على الرغم من كونهم يؤمنون بأن التنوّع الحاصل داخل نظرية المقاصد راجع إلى صعوبة حصرها في بُعد واحد لاحتوائها على قابلية عجيبة للفهم والتعدد[53]، إلا أنهم مع ذلك يرفضون تقديم الكلي في مراتبه الثلاثة أي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، على الجزئي في أدلته الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، الشيء الذي يدل على أن عملية التّجديد في الفقه الإسلامي لا يمكن إلا تكون أن لاهوتية- ميتافيزيقية.

لم يستطع الشاطبي في نظرية المقاصد الخروج من ابستيمي عصره المُتسم بصراع الثنائيات، وكأنّ صراع الجزئي والكلي قد لا يختلف كثيرا عن النظرة الحرفية بين النص والواقع؛ لذا نجده يؤكد على هذا التصور اللاهوتي الذي لم يستطع الخروج منه لأنه جدّد انطلاقا من بداهات مسبقة لم يتم الوقوف عليها. يقول:

“(إن) الإعراض عن الجزئي جملة يؤدّي إلى الشّك في الكلي من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي مع أننا إنما نأخذه من الجزئي؛ دل على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءا من الكلي لم يأخذه المعتبر جزءا منه، وإذا أمكن هذا؛ لم يكن بد من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكلي، ودل ذلك على أن الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع؛ لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، الجزئي كذلك أيضا؛ فلا بد من اعتبارهما معا في كل مسألة. فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة؛ فلا بد من الجمع في النظر بينهما لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة؛ فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا؛ لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي.”[54]

يمكن أن نعتبر محاولة الشاطبي هذه محاولة توفيقية بين الجزئي والكلي، إذ لم يستطع الخروج من هذه الثنائية من أجل مساءلتها والوقوف على تشكلها التاريخي قصد مجاوزتها، إلا أنه مع ذلك أعطى تصوّرا يُترجم فيه صراع الثنائيات الذي كان سمة عصره وكتابات من قبله. يقول:

” فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات في هذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمحال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص في جزئي معرضا عن كلي فقد أخطأ، وكما أن من أخذ بالجزئي معرضا عن كلية فقد أخطأ، كذلك من أخذ بالكلي معرضا عن جزئية.”[55]

لم يستطع الشاطبي كذلك التخلص من التصور الأرسطي لثنائية الفكر والواقع، فاعتبر أن الكلي معنى نظري يقع مجردا في الذهن والجزئيات هي صورته في الواقع، ومن تمّ كان لزاما اعتبار خصوصيات الجزئيات مع اعتبار كلياتها[56] ؛ ففي نظره لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر، والإعراض عن أحدهما إعراض عن الآخر، ذلك لأن “الجزئي لم يوضع جزئيا إلا لكون الكلي فيه على التمام، وبه قوامه”.[57]

مع ذلك، وللخروج من التصوّر التاريخاني للإسلام، نجد مثلا كيف أن نجم الدين الطوفي الذي عاش في القرن الثامن الهجريّ أكثر حداثة من غالبية الفقهاء المعاصرين، وقد تدارك على الشاطبي – باستشراف قبل أوانه- صراعه النفسي بين الجزئي والكلي، ولو أنه عاش في فترة سابقة على هذا الأخير، وقال بأن الشّريعة إنما جاءت لرعاية مصالح الخلق، فأينما وُجدت المصلحة فثمّة شرع الله. يقول في رسالته: “وإذا تعذر الجمع بينهما قُدمت المصلحة على غيرها”[58].

إن جرأة هذا الرأي أدت بصاحبه إلى اتهامات من قبيل: الخروج عن جادة الطريق، التسفيه، ذبح للنصوص بحد المصلحة، توهين للقيم وتغيير للأحكام. هكذا يتأكد لنا مرة أخرى كيف أن للفقه كحقل معرفي، على حد تعبير بيير بورديو، ميكانيزماته الداخلية التي يجب استيعابها وعدم الخروج عليها ليتم الإنتساب إليه، وكل من حاول الخروج عن قواعد اللعبة يتم طرده من دائرة الحقل الفقهي السلطوي بامتياز.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن ثمة حُجبا تؤثر على الخطاب الفقهي وتَحُول دون خروجه من مأزقه، ومن بين هذه الحُجب – كما ذكرها عبد الله بن رفود السفياني في كتابه حجاب الرؤية-[59] نجد : حجاب النفس (أنماط الشخصية الوسلوك)، حجاب العادة (التقاليد والعرف)، حجاب البيئة ( الوسط والطبقة الإجتماعية)، حجاب الإستبداد؛ ومن تم كان الرهان هو كشف هذه الحجب المتخفية في الخطابات الفقهية، وذلك عن طريق عملية التفكيك.

لا تزال ثنائيات الديني والمدني، المقدّس والمدنّس، الذات والآخر عالقة في خطابات الفكر الإسلامي، عن طريق إعادة إنتاج الصراع القديم بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة حول ثنائية العقل والنقل. ومن بين إفرازات هذا التصور نجد الفتاوى الفقهية التي شهدها العالم العربي خلال القرن العشرين، عند دخول المخترعات الحديثة وخاصة التلغراف؛ فقد عرف هذا الأخير من قبل الفقهاء حربا شعواء، حيث تم تحريمه لاعتباره بدعة لم تكن في عصر النبي وأنها من صنع الكفار؛ وذلك راجع لواقع سياسي اتسم بالإستعمار وفصل الذات عن الآخر عن طريق محاربة المُستعمِر وخلط ما هو غث بما هو سمين دون أي تمييز منهجي ومنطقي قويم.[60]

من هنا ضرورة تفكيك الخطابات الدينية، لكي لا يتم الوقوع في تناقض وعبثية الخطاب؛ إذ كيف يمكن مثلا فهم خطاب مُمثلي اتجاه الإسلام السياسي الذين “ينكرون نظريا وجود مفهوم “الكهنوت”، لكنهم في الوقت نفسه يمارسونه عمليا وواقعيا”[61]، من خلال تنصيب أنفسهم المؤهلين لتحديد ثوابت الدين بشكل قطعي ونهائي مع تكفير كل من يخرج عنها ويُسائلها.

في هذا الباب، يؤكّد الصادق النيهوم على أن “القول بوصاية رجال الدين على التشريع، مبدأ اختلقه أحبار اليهود، ونقله عنهم رجال الكنيسة الكاثوليكية. أما الإسلام فإنه لا يعترف برجال الدين أصلا، ولا يعفي الناس عن مسؤوليتهم الشخصية”[62]؛ وهذا يدل على إمكان من إمكانات الإسلام، ألا وهو الإمكان الديمقراطي الذي تم إجهاضه في بداياته.

بهذا المعنى نقول، إن مقولة تجديد الفقه أو حتى أصول الفقه لن تُساهم في مُساءلة مؤسّسة الفقه في بنيتها وسلطتها وتفكيك بناءها التّاريخي-الإيديولوجي، بقدر ما تسمح بتحديث التقليد وإلباسه لبوس الحداثة والدّيمقراطية.

ما هي إذن البداهات التي يتأسس عليها الخطاب الفقهي، والتي يجد لها أساسا في النص المؤسِّس “القـرآن”، الذي تعرض هو كذلك لتحديدات الأصوليين وأفهام الفقهاء؟

2.2.       بداهات حول النص المؤسِّس

لعلّ البداهة التي طالت كتابات الأصوليين بخصوص النص المؤسِّس “القرآن”، هي كونهم لم يناقشوا “مسألة حجّية الكتاب باعتباره أصلا من أصول التشريع، بل إنّ ما سعوا إليه تمثل في محاولات تأكيد تلك الحجية، فهي بالنسبة إليهم أمر مفروغ منه ومسلّم به”. [63]

لنلاحظ هنا كيف “أن الأصوليين (قد) غيّبوا كل العوامل التاريخية المؤثرة بالضّرورة في تشكيل المصحف”[64]، بل إنهم لم يُميّزوا بين ثلاث مستويات: القرآن الذي يُمثل الرسالة الشّفهية، المصحف الذي يمثل النص المكتوب الذي جُمع بعد وفاة النبي، ثمّ الكتاب الذي تدل دلالته في النص القرآني على مجموع الأوامر والنّواهي.[65]

في نفس السّياق، حدّد أركون المبادئ اللاّهوتية المشتركة بين جميع المسلمين والغير القابلة للنقاش بخصوص مسألة الوحي: الوحي القرآني آخر وحي، الوحي المتجلي في القرآن كامل ويلبّي كل حاجيات المسلمين، جمْع القرآن في نسخة مكتوبة تسمى المصحف هي النسخة الكاملة والموثوقة والصحيحة للوحي، الوحي القرآني يُمثل الشّرع الذي أمر الله المؤمنين باتباعه بحذافره.[66]

انطلاقا من هذه البداهات، تمّ تأسيس ما سُمي بعلوم القرآن؛ وقد كان الشافعي أول من صنّف الآيات القرآنية إلى أقسام كبرى ووضع آليات للتّعامل مع النص القرآني، يُمكن إجمالها في: “العام والخاص، المجمل والمفصل، الناسخ والمنسوخ، المطلق والمقيد”[67]؛ هكذا تم حصر التأويلات وتسييج الأفهام للحد من الإختلافات وفرض فهم واحد ووحيد للنّص القرآني.

لعلّ هذا النوع من الضّبط والمراقبة راجع إلى الإختلاف والتنوع حول حقيقة النص القرآني الذي جُمع في مصحف واحد؛ فقد كثرت الكتابات حول هذا الموضوع منذ القرن الثالث الهجري، حيث نجد مثلا لدى الشيعة مسألة تحريف النص القرآني، ونجد نفس القول لدى بعض السّنة لكن بطريقة أكثر ضبطا عند حديثهم عن أحكام نسخ التلاوة ونسخ الحكم (علم الناسخ والمنسوخ). من هنا نُدرك ضرورة تأسيس هيرمينوطيقا النص القرآني، قصد البحث في الأسس التاريخية والرمزية التي شكّلت النص القرآني على ما هو عليه.[68]

يتّضح إذن – على حد قول محمد أركون- أن “مفهوم الوحي في السياق القرآني قبل انتشار “المصحف الرسمي المغلق” كان أكثر اتساعا من حيث الآفاق والرؤية الدينية مما آل إليه بعد انغلاق الفكر الإسلامي داخل التفسير التقليدي الموروث عن الطبري ومن نقل عنه حتى يومنا هذا. فقد أصبح الوحي بعدئذ منحصرا في ما ورد في القرآن الكريم وحده، لأن المفسرين والمتكلمين والفقهاء انفصلوا عن القراءة التاريخية للوحي واكتفوا بالقراءة اللاّهوتية الأرثوذكسية بالمعنى السّني والشّيعي والخارجي.”[69]

لا تزال إفرازات هذا الوضع سارية المفعول إلى حدود عصرنا؛ نجد مثلا كيف تم تكفير نصر حامد أبو زيد وتطليقه من زوجته، وذلك لمجرد أنه قدّم قراءة مخالفة لمفهوم النص؛ إذ يرى أن “النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد عن العشرين عاما”؛[70] هذا على الرغم من كونه يؤكّد أن “الإيمان بالمصدر الإلهي للنص أمر لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها.”[71]

لقد كان هدف نصر حامد أبو زيد هو الخروج من السّلطة الفقهية التي احتكرت قراءة النص القرآني، وذلك واضح من خلال قوله: “حين ننادي بالتحرّر من سلطة النّصوص تكون دعوة التحرر موجهة “للهيمنة” وللشمولية التي أضيفت على تلك النصوص في سياق ثقافي حضاري بعينه.”[72]

من بين هذه الأفكار المهيمنة والرّاسخة التي صارت جزءا من العقيدة، نجد » فكرة أن القرآن الكريم الذي نزل به الوحي الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله سبحانه وتعالى نص قديم أزلي، (…) وكل من يقول إنه “محدث” وليس “قديما” أو إنه “مخلوق” (…) فقد خالف العقيدة واستحق صفة “الكفر”. « [73]

لا غرابة إذن أن تكون مسألة النقاش حول ثنائية المحدث والقديم مسألة خلافية قديمة بين المفكرين المسلمين، حيث رأى المعتزلة أن القرآن مخلوق لأنه كلام الله، والكلام فعل وليس صفة، بينما ذهب فريق آخر إلى أن الكلام الإلهي صفة من صفات الذات الإلهية؛ وبالتالي فتحديد طبيعة القرآن مسألة خلافية بين الأولين أنفسهم.

غير أن السّؤال الذي نطرحه في هذا الصدد، هو كيف ساهمت السلطة السياسية (المأمون في فرض فكرة المعتزلة، وبعده الخليفة القادر في رفض وتحريم نظرية المعتزلة) في إخراج النقاش عن نطاقه الفكري ليتم تسييسه؟ أم أن الحديث عن ثنائية المُحدث والقديم حديث خَفيّ عن السياسة والمجتمع؟ أي إن القول في الله واللاهوت الذي غطى كتابات الأولين ما هو في العمق إلا قولا في الإنسان؟ والأجدر بنا اليوم أن نبحث عن هذا الإنسان المتواري خلف مقولة الله.

لعل من بين إفرازات التصور اللاهوتي للنص المؤسِّس، هو ما نشهده اليوم من تطور القراءات الحرفية التي تقوم “بتجميد النص خارج سياقه التاريخي وتَدَرُّجه الداخلي ومقاصد رسالته الكبرى، وذلك من خلال إغفال حقيقة كون الوحي قد نزل في سياق محدد، وأن نزوله – في فترة تقدر بثلاث وعشرين سنة – يُقر بالتوجه العام للتربية الإلهية”.[74]

إن النقاش مع أصحاب المذهب الحرفي- الظاهري دائر حول سلطة النصوص التي أضفاها عليها الفكر الديني وليس حول النصوص في حد ذاتها؛ ولعل الآلية الأكثر فعالية في مناقشة أصحاب هذا التوجه هي آلية التقليد ضد التقليد، حيث نقول مثلا مع نصر حامد أبو زيد: “هل كان عمر بن الخطاب غير مدرك لأهمية النصوص التي تضع “المؤلفة قلوبهم” ضمن من يستحقون الزكاة، أو لأهمية النصوص التي تحكم على السارق بقطع اليد؟ هل حين لم يحكم عمر بمنطوق تلك النصوص كان يخالف الإسلام ويطالب بالتحرر من النصوص؟! الإجابة قطعا بالنفي؛ لأن عمر بن الخطاب كان ببساطة يدرك سياق النصوص، وكان لا يتعامل مع أحكامها بوصفها تمثل سلطة مطلقة”.[75]

إن الإشكال كامن في هالة التقديس التي طالت، ليس فقط طبيعة النص القرآني، بل كذلك كتب اللغة والفقه والتفسير، الشيء الذي يشي مرة أخرى بأن “تعامل الفقهاء والأصوليين مع النص القرآني (…) له غاية أساسية تتمثل في تبرير الأحكام الفقهية وإضفاء المشروعية عليها وإن بدا عملهم يتمثل في استنباط الأحكام من النص.”[76]

يتعلق الأمر إذن بصراع للتأويلات ( عنوان كتاب لبول ريكور) حول معنى النص القرآني، مما يطرح إشكالا هيرمينوطيقيا كبيرا، وهو إمكانية تأويل نص هو في تاريخيته قد اُوِّل تقديسا، فكيف يمكن تقديسه تأويلا؟ بعبارة أخرى: فعل إزالة ما عَلق بالنص القرآني من دنس التأويلات المتطرفة، ألا يزيل هالة القداسة منه؛ علما بأن تأويل القرآن ارتبط بفعل التقديس، مما يقتضي القيام بخطوة جريئة، هي ما سماه أركونLa Démythification ، أي نزع الأسطرة التي علقت بالقرآن تأويلا رغم كونها أصل في القرآن تكوينا !

لا غرابة إذن أن يُدخِل محمد أركون النقاش حول ظاهرة الوحي في نطاق ما أسماه “المستحيل التفكير فيه” بالنسبة للتراث الإسلامي منذ القرن الحادي عشر الميلادي؛[77] مما يقتضي القيام بدراسة فينومينولوجية لظاهرة الوحي، أي وصف الأشياء كما هي، وذلك من خلال استعراض ما يقوله التراث الإسلامي عن الوحي والقرآن ثم محاولة تفكيك القول وأشكلته من خلال الكشف عن إهماله للبعد التاريخي والأنثروبولوجي، ومن تَمّ توسيع دلالات المفهوم.[78]

لهذا الغرض، استأنس أركون بمناهج اللسانيات والسيميائيات المعاصرة قصد تحليل الخطاب القرآني، بدل المناهج القديمة في اللغة والبلاغة والبيان، حيث رأى أن التحليل اللغوي والسيميائي سابق منهجيا على التحليل والتأويل اللاهوتيين[79]، ذلك لأن “تحليل الخطاب الديني يتبنى تساؤلات الأنثربولوجيا الدينية والثقافية والإجتماعية للوصول إلى التعرف على المفهومات والتصورات وطرق التأصيل للعائد والمعاني التي تنبني عليها جميع الأديان المعروفة في تاريخ المجتمعات الإنسانية”.[80]

استنادا لما سبق، يمكن تجاوز النظرة التاريخية للنص القرآني بل حتى النظرة التعارضية (بين آيات الجبر وآيات الإختيار مثلا)، وذلك من خلال اعتبار النص القرآني نصا تُحدَّد دلالاته تاريخيا، حسب إرادة القوة بتعبير نيتشه، أي فكرة التدافع والإستخلاف القرآني؛ أي إن القراءات التي تبدو متعارضة ما هي إلا إمكان من إمكانات التحقق الإنساني، ما يدل على أننا أمام ما سماه بول ريكور بـ”صراع التأويلات”، أي إن حقيقة النص القرآني مرتبطة بصراع ينتهي بفرض معنى من معانيه المتعددة، ولا يفتأ يتجدّد ليأخذ أشكالا أخرى.

لكي نخرج قليلا من نظرية السلطة كما صاغها ميشيل فوكو وندخل في نظرية الوجود كما قدمها مارتن هايدغر، نقول: إن النص القرآني وعاء لتجليات وجودية، ودور المؤول هو اكتشاف ما لم يقله النص من خلال ما يقوله فعلا، وإجلاء السّتار عن الخفي انطلاقا من المُعلن، وذلك من خلال تجاذب روحي بين النص والمتلقي؛[81] بداهتنا إذن هي أن النص القرآني هو مرجعة وجودية إجبارية بالنسبة للمسلمين؛[82] إلا أنه مع ذلك نص روحي له غاية تربوية وإنسانية، وليس نصا فقهيا يستند إلى سلطة فوقية.[83]

3.2.       سوء فهم إشكالية النص والواقع: الفقه وشطط العقل البشري

لعلّ الشّطط الرئيسي الذي طال الخطاب الفقهي عموما، ليس في اجتهاداته البشرية التي كان البعد الثقافي والسياسيّ حاضرا في صياغتها بقوة، بل في إضفاء طابع القدسية والطهرانية على هذه الأخيرة؛ هذا ما أسقط العقل المسلم في مطب النزعة الجوهرية الدّيكارتية التي حاولت الفلسفة المعاصرة الوقوف عليها من خلال الكشف عن التشكّل التاريخي لمقولة العقل.

إن هذا الشّطط في نظرنا ليس راجعا إلى مقولة المقدّس، بقدر ما هو راجع إلى مقولة العقل المرتبطة بالضّبط والرّبط والتقييد في الثقافة العربية الإسلامية، الشيء الذي جعل الفقه أحيانا يحظى بقيمة أعلى من قيمة النص ذاته. يُمكن بهذا المعنى الخروج من التصورين الإيديولوجيين اللذين يَرى أحدهما في العقل المَخرج من سلطة النص، بينما يرى الآخر في النص أولوية تتجاوز إمكانات العقل؛ ولن يتأتّى ذلك إلا من خلال الوقوف على التشكل التاريخي لكل من النص والعقل، والخروج بذلك من التصور الميتافيزيقي لِكلّ منهما.

لا غرابة أن نقرأ في التاريخ الإسلامي عن فقهاء ضَحّوا لا نقول بالعقل من أجل الإيمان، بل بالإيمان من أجل العقل، بالإنساني من أجل السياسي؛ فكيف لفقيه كبير كالأوزاعي مثلا أن يُجيز ويُبرر إعدام السلطةِ للمتكلم والإعتزالي غيلان الدمشقي بعد مناظرته في مسائل عقدية، الشيء الذي أسهم في قمع حرية الفكر في مسائل من المفروض حلها بالنقاش والمناظرة لا التصفية.[84]

لم يكن الإجتهاد بابا مفتوحا لإعمال العقل، لأن الأصل في الفقه هو العقل بمعناه اللغوي (الضبط، الحد، التقييد)، بل كان توسيعا لرحبة الوجود الإنساني والمشترك الكوني من خلال الخروج من تحديدات الثقافة وإكراهات السّياسة؛ هذا ما جعل من الإجتهاد فرضا من فروض الكفاية، قبل أن يتم التحديد الفقهي لحدود الإجتهاد ومن تَمّ إغلاق باب الإجتهاد في سبيل ثقافة القانون والضّبط والمراقبة.

أدى التقابل الحاصل بين النص والواقع في المنظومة الفقهية إلى اختزال اللامتناهي في فهم بشري متناهي، فأصبحت عملية توليد المعاني مقرونة بضبط آليات تسمح بالقبض على الدلالة الحقيقية للنص، والتي من خلالها يتم المصادرة على مطلوب الواقع ومتطلبات الإنسان الحاضر؛ لهذا السبب كثرت الخلافات الفقهية حول دور السياق في تحديد المعنى، ومن له الأولوية في الإعتبار، الشيء الذي أدى إلى إغفال أن المعنى منتجٌ سياقي وأن لكل سياقٍ معنى مُضمر.

لقد استطاع العقل الفقهي الخروج من إشكالية “النصوص محصورة والوقائع غير محصورة”، وذلك من خلال اعتماد القياس لرد اللانهائي للنهائي، فتم بذلك اختصار الإجتهاد في القياس بدل العكس الذي كان سيسمح للنصوص المؤسِّسة بالإنخراط في الكونية توسيعا لرحبة الوجود الإنساني؛ لذا نجد مثلا كيف إن “علم الأصول يمارس وضع النظريات العامة عن طريق تحديد العناصر المشتركة في عملية الإستنباط، وعلم أصول الفقه يمارس تطبيق تلك النظريات والعناصر المشتركة على العناصر المختلفة التي تختلف من مسألة إلى أخرى.”[85]

لعل هذا التصور هو الذي كان وراء إجهاض إمكانات البحث المقاصدي الذي بدأ في أوله كثورة علمية، إلا أنه اتُّهِم في كونه وسيلة لاستبدال الشريعة بالعقل والنص بالواقع، الشيء الذي أدى إلى تحديد أكثر وتقنين أدق لقواعده لكيلا يتم الخروج من التصور التوافقي بين النص الواقع؛ حيث لم يَعُد الهدف هو جلب المصلحة ودرء المفسدة، بل الاستقامة في التطبيق من خلال تعطيل عملية إعادة تأويل الأدلة الجزئية أو الأحكام الشرعية، وعدم مخالفة النص والخروج من المتعارف عليه في هذا الباب.

يتضح ههنا التصور القبلي لدلالات النص والشّرع، ولا غرابة أن نجد طه عبد الرحمن مثلا يسقط في مطب هذا التصور اللاهوتي، وذلك من خلال تحديده لأوصاف العقل المسدَّد الذي يدعو إلى استلهامه وتطبيقه بدل العقل المجرَّد، أي الفعل الذي ينبغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة قصد إقامة الأعمال التي فرضها الشرع، وقد حدد هذه الأوصاف في ثلاث: الموافقة للشرع، اجتلاب المصلحة، الدخول في الإشتغال؛[86] ويبقى السؤال مطروحا: أوليس جلب المصلحة ودرء المفسدة هو عين شرع الله ؟

حتى عملية تحديد المقاصد لم تسلم من ضبط ومراقبة، على الرغم من بُعدها الكوني والإنساني؛ فنجد مثلا كيف أن الطاهر بن عاشور الذي يُعتبر من أعلام علم المقاصد، لم يتحرر من منظومة اللاهوت في تقابلها بين النص والواقع. يقول:

“لأن قوة الجزم بِكون الشيء مقصدا شرعيا تتفاوت بمقدار ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها… وإن أعظم ما يهم المُتفقهين (هو) إيجادُ ثلة من المقاصد القطعية ليجعلوها أصلا يصار إليه في الفقه والجدل.”[87]

على الرغم من التجديد الذي لحق منظومة الفقه، إلا أنه لا يزال يسبح في التصور اللاهوتي للدين، فعلى الرغم مثلا من “فقه المآلات” الذي يجمع بين ثلاثة أنواع من الفقه التي لا غنى لأي فقيه عنها وهي: فقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه الموازنات، إلا أن هدفه المُحدّد قبليا هو الحرص على حصول التلازم الطردي بين أحكام الشريعة ومقاصدها دون الخروج عن “الشرع”: هذه العبارة التي ما تزال تحتاج في نظرنا إلى بحث جنيالوجي نيتشوي يبحث عن القوى الكامنة وراء المظهر ويقف عند المعاني المتشظية والأصول التاريخية المتعددة للمعنى. [88]

إن المسافة المتوهمة بين النص والواقع دليل عن فهم معين لدلالة النص، فالنصيون مثلا يعتبرون تطبيق النص هو تطبيق حرفية النص (مثال قطع يد السارق)، إلا أن من دلالات النص التي يتم إغفالها هي تطبيق مقصد النص، أي أن النص ليس هو الظاهر بل بالعكس هو المُؤوّل، وهذا ما فعله عمر ابن الخطاب في تعليقه لحكم السرقة، لأنه طبّق النص أي مقصود النص وليس ظاهر النص.[89]

إن إعادة قراءة سيرة نبي الإسلام، قد يسعفنا في تبرير هذا الطّرح، خاصة إذا قُمنا بدراسة للنّهي النبوي الذي بمقتضاه أوصى النبي صحابته أن يُنزلوا الناس على حكمهم، لأنهم لا يدرون ما حكم الله وهل يُصيبون فيهم حكم الله أم لا؛[90] لو افترضنا أن الأمة الإسلامية تَبنّت منذ بداية عهدها هذا التصور النبوي لعلاقة العقل بالنقل والنص بالواقع، لكان مسار تاريخها إمكانا آخر خير الإمكان الذي ما زلنا نعيش إفرازاته!.

لا نُنكِر أنه قد تم الآخذ بهذا التصور النبوي في لحظات تاريخية ومن لدن بعض الفقهاء أنفسهم، مما يدل على انعكاس الواقع في سياق النص للقبض على مقصده؛ وخير مثال نطرحه في هذا المقام، مثال قيمة الجسد في الثقافة الأمازيغية: فلأن الجسد يتمتع في الثقافة الأمازيغية بمكانة عالية، ولا يجب بأي حال من الأحوال المساس بكرامته، تمت ترجمة هذا الوضع الثقافي من خلال التأويلات الدينية، إذ نرى مثلا أن الفقهاء السوسيين – فيما يخص مسألة السرقة – “يوافقون في اجتهادهم (…) مذهب أبي حنيفة الذي يجيز تغريم السارق”[91] بدل قطع يده، مما يدل على التكوين الثقافي والتاريخي لهذه المسألة.

لعل ما بَقي حيا في تراثنا ويحتاج منا إلى إحياء واستلهام، هو ما يُسمى بـ “لا مفكر” و “المسكوت عنه” في تراثنا، والذي ما يزال يحبل بإمكانات جديدة تفتح آفاقا رحبة للإسلام، ويُساهم في تجاوز التصورات التاريخانية والوضعانية التي ترى أن الإسلام قد استنفذ إمكانياته خلال لحظته التاريخية الأولى، بيد إن التجليات التاريخية للإسلام ما هي إلا إمكان من إمكاناته التي ما تزال مفتوحة على التاريخ والزمن الوجود الإنساني.

فما هي الإمكانات الجديدة التي يمكن أن يَحبل بها الإسلام، والتي قد تُسعفه في الإنخراط في مشروع الكونية الواسع؟

المبحث الثالث:

نحو أنسنة الخطاب الفقهي الإسلامي: انخراطا في مشروع الكونية

لعلّ الثنائية التّي ما تزال تسكن كتابات المفكّرين العرب هي ثنائية الحداثة والتّقليد، مما أفرز خطابات ومواقف عدة يُمكن تقسيمها إلى أربع: تراث بلا حداثة، حداثة بلا تراث، أسلمة الحداثة، تحديث التراث.

تجاوزاً لهذا التصور، يجب أن تكون عودتنا إلى التّراث الإسلامي عودةً ناقدة وتفكيكية أكثر منها تبجيلية ودفاعية، إنها عودة إلى التراث لكن ضدّا على هذا الأخير وليس حُبا فيه، وذلك في محاولة لانتشال التراث من التراث، وإقامة التقليد ضد التقليد[92]؛ هذا الأمر قد يُسعفنا في الإنخراط في مشروع الحداثة المعاصر مُتجاوزين بذلك التصوّرات الوضعانية والتاريخانية للدّين والحداثة معاً.

تَميّز محمد أركون بهذه الروح النقدية بعيدا عن التوجهات ذات النظرة التّبجيلية للثّرات، أو التي تتنكّر لهذا التراث وتدعو – عن وعي أو عن غير وعي- إلى تبنّي تراث آخر؛ إنه يرى صعوبة في ” التخلص من ماضوية التراث أو رواسبه التي تشد إلى الأسفل أو إلى الوراء إلا إذا (تمّ الدخول) في معركة داخلية معه (…) يُضاف إلى ذلك أن التراث هو الحضن الدافئ والذاكرة الجماعية العميقة، ولا ينبغي الإستهتار به بأي شكل ولكن ينبغي إخضاعه للدراسة العلمية، وهذا أعظم احترام يُقدم إليه”.[93]

انخراطا في هذه الروح النقدية، ولأن الفقه الإسلامي يُشكل ركيزة أساسية من ركائز هذا التراث، لا يُمكن بأي حال من الأحوال استبعاده من دائرة الدراسة العلمية؛ ولعل نداء أركون للمسلمين في هذا الباب واضح. يقول:

“إني أود أن أقول للمسلمين ما يلي: لن تستطيعوا إلى الأبد تحاشي المُهمة العسيرة التالية، وأقصد بها تحليل النصوص التأسيسية على ضوء العلم المعاصر، بل وتفكيكها من الداخل بكل منهجية ودقة وأمانة علمية. وعندما أقول النصوص التأسيسية، فإني أقصد بها النصوص التي تؤسس القانون الديني: أي أصول الدين وأصول الفقه. فالقراءة التاريخية-النقدية لهذه النصوص أصبحت اليوم ملحة أكثر من أي وقت مضى. والتفكيك لا ينبغي أن يفهم بالمعنى السلبي هنا، بل هو ينطوي على عمل إيجابي كبير ومنقذ أو محرِّر. إن التفكيك يمثل المرحلة الأولى من أجل إعادة التقييم النقدي لجميع المسلمات المعرفية العميقة التي يتحصن بها العقل الإسلامي أو لا يزال يتحصن بها حتى الآن”[94].

قد تُساهم الدعوة إلى تغيير جذري في علم أصول الفقه والإنتقال من مرحلة الإصلاح الترقيعي- التكيفي إلى مرحلة الإصلاح الجذري- التشاركي،[95] في تحقيق عملية التجديد؛ إلا أنه – في نظرنا – لن يسمح بتحقيق دراسة تفكيكية نقدية، ذلك لأنه ما يزال قائما على البداهات اللاهوتية والثنائيات الميتافيزيقية الآنفة الذكر.

لذا نطرح في هذا الباب السؤال الآتي: لماذا قلما نجد من ينخرط من الفقهاء في مشروع تفكيك التراث الفقهي، بينما نجد أن جُلّ من يخوض غمار هذا التحدي هُم من الفلاسفة والسوسيولوجيين والأنثروبولوجيين؟ لعل الجواب عن هذا السؤال قد يسمح لنا بالوقوف على التصورات الفلسفية والبداهات الإبستمولوجية التي يعتمدها كل فريق.

إن مهمة أنسنة[96] التراث الإسلامي عموما والتراث الفقهي على وجه الخصوص، عملية محفوفة بالمخاطر، إذ تحتاج إلى تضافر جهود الباحثين في مسائل لا تزال تحتاج إلى مزيد من الحفر الجنيالوجي، كي يتبين أصلها الأول لربما المتعدد والمتشتت، وليس المتطابق والوحيد !

من أجل تحقيق ذلك، يقتضي الأمر اتخاذ موقف فلسفي-إنساني مُنفتح ومُتعدد؛ فبعيدا عن القراءات السياسية والإيديولوجية للدّين، نحتاج إلى قراءات في “البعد المعرفي الفلسفي للدين الباني للأنساق والمُشَكل للرؤى في الوعي والفكر والتربية والثقافة والعلوم المتعلقة بالنفس والمجتمع والكون المحيط؛ فهذه قراءة لم تنجز بعد أو أنجز فيها القليل، وما تزال بحاجة إلى المزيد.” [97]

1.3.       في لا مفكّر النص: محاولة لتجاوز ميتافيزيقا اللاّهوت

إنّ الحديث عن لا مفكّر النص هو حديث عن إمكانات تم إقبارها تاريخيا على حساب قراءات أخرى خَدمت سلطة ما، في زمن ما، ولغاية محدّدة؛ إنّه – على حد تعبير محمد عابد الجابري – ‘الإمكان التاريخي’، أي “الإمكان الذي يجعلنا نتعرّف على ما يمكن أن يقوله النص وما لا يمكن أن يقوله، وما كان يمكن أن يقوله ولكن سكت عنه”.[98]

انطلاقا من هذا التصور الفلسفي المعاصر، يُمكن تجاوز التصورات التاريخانية والوضعانية التي تحصر إمكانات النص في لحظته التاريخية، وتعتبر النصوص الدينية نصوصا قد استنفدت إمكانياتها ولم تعد قابلة للقراءة والتأويل؛ إلا أن عملية الإنخراط في روح الفلسفة المعاصرة قد يُسعفنا في التصالح مع تراثنا وإعادة النظر في إمكاناته وحدوده.

في هذا الإطار، نُساءل التصور الذي يرى في التاريخانية – أي إعطاء أهمية كبرى للسياق التاريخي لنصوص الوحي- ترياقا مُضادا ناجعا في التصدي للسلفية النصوصية ولإصلاح الفقه الإسلامي؛[99] هذا مع إمكانية تدارك هذا التصور من خلال ما أسماه محمد فاضل بـ”التاريخانية الهيرمينوطيقية”، التي يرى أنها كفيلة لخلخلة التفسيرات الأحادية لمعنى النص وتوليد تفسيرات جديدة وقراءات بديلة له.[100]

لعل إعادة النظر في الإمكانات المسكوت عنها بخصوص المناهج الفقهية القديمة قد يسمح بقراءات منفتحة ومتعددة؛ حيث إن ربط “التاريخانية الهيرمينوطيقية” – على سبيل المثال- بالمفهوم الفقهي التقليدي “تخصيص العموم”[101]، قد يسمح بتوسيع دلالات هذا الأخير، ومن تَمّ قبوله من داخل الخطاب الفقهي نفسه؛ من هنا ضرورة الأخذ بعين الإعتبار الأدوات التفسيرية الموجودة في التقليد الفقهي لكن من منظور فلسفي بعيدا عن التصورات اللاهوتية والميتافيزيقية.

من المُمكن إذن تحيين باقي المفاهيم الأصولية في علاقة النص بالواقع وتوسيع دلالتها، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان، قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قاعدة جلب المصلحة ودرء المفسدة…إلخ.

تحدثنا فيما سبق عن الخطابات الفقهية التي احتكرت قضية المرأة، إلا أن ثمة مع ذلك خطابات فقهية مخالفة تم إجهاضها منذ بداياتها. نجد مثلا فقهاء آخرين كالطراز والباقلاني مَن يرون أن للنساء نفس الصفات التي للرجال في القيام بأعباء المناصب العامة بما في ذلك منصب الخليفة[102]؛ إلا أن الإشكال كان قائما آنذاك على مستوى التطبيق الواقعي لتلك المسألة في بغداد خلال القرن العاشر الميلادي، على الرغم من كونها مُمكنةً نظريا لدى أولئك الفقهاء، ولا غرابة أن نجد في عصرنا الحالي خطابات تجعل هذه المسألة مستحيلة نظريا على الرغم من كون تطبيقها الواقعي أصبح ممكنا في عالم استطاعت فيه المرأة أن تُنافس الرجل في جميع المجالات إن لم تتفوق عليه في الكثير منها.

لعل النتيجة التي يمكن أن نَخرج بها في هذا الإطار، هي اعتبار الباقلاني مثلا كان أكثر حداثة من بعض الفقهاء المعاصرين، ذلك لأنه أعطى إمكانيةً لنظريةٍ كانت عمليا مستحيلة، بينما نجد العكس تماما لدى الفقهاء المعاصرين خاصة ذوي التوجه الحرفي- السلفي منهم (السلفية-النصوصية). ههنا وجه من أوجه المسكوت عنه في الفقه الإسلامي ذاته، الذي يُمكن من خلاله مناقشة الخطابات الفقهية التقليدية بخصوص قضية المرأة في بعض البلدان الإسلامية كالسعودية مثلا أو إيران: إنها استراتيجية التقليد ضد التقليد في أفق الحداثة التي ليست سوى توسيعا لرحبة الوجود الإنساني.[103]

إن الوقوف عند الإمكانات الفقهية التي لم يُسمح لها بالتحقق تاريخيا، يدل على مرونة العقل الفقهيّ الإسلامي بالرغم من الإستثمار السياسي والإيديولوجي الذي لحقه، ولعل مبدأ “رعاية المصلحة” دليل على البعد الإنساني للمسكوت عنه فقهيا، حيث نجد العالم الحنبلي نجم الدين الطوفي الذي عاش في القرن الثامن الهجري من أبرز القائلين به، ويقتضي هذا المبدأ بأنّه ” إذا تعارض النّص والمصلحة في غير الاعتقادات والعبادات قُدّمت المصلحة على النّص.” [104]

نذكر في هذا الباب مُجدّد أصول الفقه أبو إسحاق الشاطبي، من خلال فكرة “المقاصد الشرعية”، التي استطاع بواسطتها تجاوز التصور الفقهي السابق عليه في علاقة النص بالواقع، حيث جعل “الوحي منطقا قصديّا[105]”، واقترح بدلا من النظرية الصورية للغة نظرية تداولية تتجذر في الغايات العامة والمقاصد الكلية. [106]

نُشير كذلك إلى مسألة أخرى بخصوص ما سُميّ بعلوم القرآن، حيث نجد كيف أن فكرة الرازي حول “النسخ بالعقل” لم تشهد تطورا في هذا الحقل المعرفي، وذلك راجع إلى التحديد النهائي لمجال الناسخ والمنسوخ لدى الجمهور، حيث يرون أن النسخ لا يكون بالعقل، لأن موضوع النسخ قد تحددت معالمه من قبل الفقهاء ولا يمكن المس بها. كما نجد كيف أن نظرية “ذهاب المحل” – بخصوص الأحكام التي لم تعد قائمة: الرق، الخلافة، الإماء، العقوبات البدنية…إلخ.- لم تشهد تطورا داخل الخطاب الفقهي الذي ما يزال حبيس التصور اللاهوتي للمسألة، وذلك راجع في نظرنا إلى الأبعاد السياسية والإيديولوجية التي احتكرت الحقل المعرفي الفقهي.

إن اعتبار مثل هذه الآراء شذوذا واستثناءا من لدن جل الفقهاء، دليل على حضور السلطة ليس فقط في فرض تصور معين، بل كذلك في إقبار الآراء الأخرى التي يمكن أن تُزحزح التصور المُهيمن عن مكانه. من هنا نؤكد على أن ما يُسمّى بالإستثناء ليس هو الهامش في مقابل الأصل والقاعدة، بل إنه في حقيقة الأمر الأصل والقاعدة في تصدعهما وتشظيهما؛ بعبارة أخرى، هو إمكان آخر من إمكانات الأصل والنموذج المعياري المُهيمن.

هذا التمييز بين مستويين من الإستثناء هو الفارق بين عملية تجديد الخطاب الفقهي التي ترى في الإستثناء شذوذا وعملية تفكيك الخطاب الفقهي التي تراه إمكانا آخر؛ من هنا إلحاحنا الكبير على ضرورة تجاوز مقولة تجديد الخطاب الفقهي والإنخراط في عملية تفكيك هذا الخطاب على جميع المستويات.

يُمكن الوقوف على هذه المسائل، من خلال الفقه المقارن نفسه، والذي يسمح بالتدافع بين المنتمين إلى نفس الحقل المعرفي، وكذا التعرف على “مدى ما بين المذاهب والآراء من اتفاق واختلاف، (وعلى) منشأ اختلاف الأئمة والعلماء”.[107] هذا التنوع والإختلاف قد يُصيب الفقيه بنوع من الالتباس والغموض في الفهم والإدراك، إلا أنه قد يُسعفنا في تطوير فقه التنوع والتعدد داخل التراث الفقهي الإسلامي نفسه.

كثيرا ما يستشهد بعض الدعاة والوعاظ بأقوال الغربيين حول الإسلام، إلا أن الإشكال قائم في عدم فهمهم لمُراد القائل، إذ إن أغلب أقوال الغربيين عن مزايا الإسلام هي في نظرنا قراءة للمسكوت عنه في التراث الإسلامي، وليس تمجيدا للخطاب الأحادي والإقصائي الذي يظن أغلب من يستشهد بهذه الأقوال أنه المقصد والمُراد.

نُورد هنا شهادة الكونت “ليون استروروغ” التي ضمنها إحدى محاضراته التي كان يلقيها في جامعة لندن، وهو يتحدث عن الجهود الجبارة التي قام بها العلماء المسلمين، والتي نعتقد أنها شهادة ضد التصور الأحادي واللاهوتي للإسلام ودفاع عن التصور الإنساني والكوني لهذا الأخير. يقول:

“إنّ بعض هذه النظريّات لا تستدعي الإعجاب فحسب، ولكنّها تثير الدهشة. فقد توصّل هؤلاء العلماء الشرقيّون الذين عاشوا في القرن التّاسع بالاستناد إلى مبادئهم الكلاميّة إلى النّص على حقوق الإنسان، بما تشتمل عليه من الحقوق المتعلّقة بالحريّة الفرديّة، وحصانة الشخصيّة والملكيّة، ووصفوا السّلطة العليا أو الخلافة بأنّها مبنيّة على التعاقد… وضعوا قانونا للحرب يحوي من التعاليم الإنسانيّة النبيلة ما يمكن لمقاتلي الحرب العالمية الأولى أن يحمرّوا تجاهه خجلا، واعتمدوا مبادئ التسامح تجاه غير المسلمين لم يعتمد غربنا ما يماثلها إلاّ بعد ألف عام. ” [108]

على هذا الأساس، يَجدر بالفقهاء المعاصرين الخروج من دائرة البراديغم الفقهي القديم الذي تُوعَز فيه المقاصد إلى الشّارع، لتُسند صراحة إلى الإنسان،[109] الذي أصبح المقصد الأسمى لمقاصد الشريعة، ليتم بذلك ولوج رحاب البراديغم الإنساني المعاصر: براديغم الديمقراطية وحقوق الإنسان. [110]

كيف إذن يمكن الإنخراط في رحاب هذه الروح الجديدة من خلال مقاربة إشكالية الترجمة في علاقتها باللغة؟

2.3.       التّرجمة وسؤال اللغة: نقطة بدء في عملية تفكيك الخطاب الفقهي

يكتسي الحديث عن إشكالية التّرجمة في الفكر المعاصر مكانة كبرى لما له من إفرازات سواء على المستوى الفلسفي والديني والسياسي. هذه الإفرازات تسمح بكشف الأبعاد المتخفية واللاشعورية في الفكر واللغة والسياسة؛ بعبارة أخرى، سؤال الترجمة هو سؤال المسؤولية الفكرية والسياسية، » يتوقف مستقبل الأمة عليه. «[111]

إن انخراطنا في طرح هذا الإشكال هو انخراط فلسفي بالأساس، حيث سنحاول مقاربة التصوّر اللاّهوتي لفعل الترجمة، وكيف أن الفكر المعاصر بفلسفته التفكيكية والبنيوية والبنائية قد ساهم في تبيان جِدّة الترجمة في علاقتها بالفلسفة، حيث نُظر إليها – كما يقول عبد السلام بن عبد العالي- كاستراتيجية لتوليد الفوارق وإقحام الآخر في الذّات: إنها تأويل بالمعنى الهايدغري (مارتن هايدغر) وتحويل بالمعنى الدريدري (جاك دريدا). [112]

قد تُسعفنا مقاربة إشكالية ترجمة النص القرآني على سبيل المثال، في تبيان بعض أوجه التصور اللاهوتي والتيولوجي لمفردات: المقدس، اللغة، الوحي، الحقيقة، الأصل، وذلك عن طريق تحليل فلسفي قوامه: تجاوز التقابلات الميتافيزيقية، تفكيك الأصول، أنسنة المقدس، تقويض الحقيقة والوقوف على البداهات.

ليس موضوع الترجمة طرفا فكرا أو سؤالا تقنيا، بل إنه أصبح يَفرض راهنيته من خلال ارتباطه بالظهور الملحوظ للجالية المسلمة بالديار الأوربية والنقاشات الحاصلة بخصوص هذا الحضور في الثقافة الغربية والفرنسية على وجه الخصوص؛ إذ إن دخول غير المسلمين إلى الإسلام يطرح إشكالات عدة ذات بعد ثقافي ولغوي بالأساس، حتى إن البعد السياسي والإيديولوجي حاضر بحدة في النقاشات الراهنة.

لعل السؤال المطروح على مفكرينا بهذا الخصوص، هو تبيان إلى أي حد يمكن تفعيل المنظومة الفلسفية في مجال الترجمة (الترجمة كفعل مرجأ، الترجمة كتأويل، الترجمة ككاشف عن لا مفكر النص، الترجمة كمسؤولية سياسية، الترجمة كفعل مصيري، الترجمة كغنى للنص) في دراسة الأعمال الترجمية للنص القرآني والكشف عن الأبعاد الثقافية والإيديولوجية لهذه الترجمات، وكيف أن البعد الميتافيزيقي واللاهوتي ما يزال حاضرا في مقاربة هذا الإشكال بخصوص النص القرآني سواء على مستوى الدراسات الفقهية أو الترجمات اللاهوتية ؟

إن سؤال الترجمة مرتبط ماهويا بسؤال اللغة، هذا السؤال الذي ميّز الفلسفة المعاصرة التي على رأسها الفيلسوف الألماني هايدغر، والذي يعتبر اللغة مأوى للوجود وليس فقط وسيلة للتواصل والتحاور؛ الشيء الذي يؤكد على أهمية سؤال اللغة في مقاربة الظاهرة الدينية.

تُعتبر الهرمينوطيقا في هذا الإطار “نشاط(ا) يهدف إلى فهم وتفسير وترجمة، والبحث عن المعاني المتشظية في النصوص والكشف عن أبعادها الأنطولوجية، والمعرفية، والجمالية في النصوص الدينية.”[113] إن غايتها – على حد قول شلايرماخر – هي “تجنب سوء الفهم”، إذ إن قوامها هو الفهم الذي تنصهر فيه آفاق الماضي والحاضر على حد تعبير غادامير.[114]

لعل استنتاجات دوسوسير من خلال دراساته الألسنية التي وقفت عند الأبعاد السلطوية والإيديولوجية للغة، قد تسعفنا في إعادة النظر في المقولات الفقهية بخصوص اللغة العربية: مقولة اللغة المقدسة، لغة الجنة، لغة حيادية؛ وخير مثال يدعو إلى اتخاذ هذا الموقف النقدي هو التراتبية الهرمية بين التأنيث والتذكير في اللغة العربية وفي أغلب اللغات الأخرى من خلال أفضلية المُذكر على المُؤنث.

لقد كان القول ببشرية اللغة مُنعطفا قويا في فهم النصوص الدينية، فقد “اكتشف العلماء بالمناهج التجريبية أن اللغات المقدسة المزعومة لم تكن ذات عراقة أزلية ولا أصول ربانية، وهكذا فإن ما يسميه ‘فوكو’ ‘اكتشاف اللغة’ كان حدثا علمانيا أزاح التصور الديني عن قيام الرب بتسليم اللغة للإنسان في جنة عدن وحل محله”.[115]

في هذا الإطار، لا يزال الخطاب الفقهي ميتافيزيقيا من خلال حديثه عن بداهة كون اللغة العربية لغة مقدسة ولغة أهل الجنة وغيرها من البداهات التي يحتاج البحث النقدي إلى تفكيكها كما بَينّا آنفا، خاصة فيما يترتب عليها من أحكام وتشريعات. هكذا يمكن الحديث عن تاريخية اللغة، من حيث إن للمفاهيم بُعدها الإجتماعي وقوتها السيكولوجية بل وعمقها الوجودي، ولعل الترجمة هي محاولة لكشف الأبعاد المتخفية للنصوص أياًّ كان جنسها.

بهذا المعنى، تكون عملية تحويل “الحركة الدلاليّة للنص الديني من نصّ حامل للمعنى ومولّد له إلى نصّ شاهد على معنى جاهز ومقنن؛ أي من نص يُفصح للقارئ بمعناه ومقاصده المكنوزة إلى قارئ يملي على النص معناه المبرمج مسبقًا في فكره”.[116]، دالة على إرادة السلطة والهيمنة التي طالت النصوص الدينية عموما عبر التاريخ من خلال النظرة الأحادية للدين.

من الممكن – انطلاقا من التصور المعاصر- تجاوز الصراعات القائمة بين بعض المستشرقين الذين يُؤكدون تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني تأثر التبعية، وبعض الفقهاء المسلمين الذين ينفون ذلك ويؤكدون على أصالة الفقه الإسلامي وطهرانيته واستقلاليته. هذين التصورين الميتافيزيقيين في نظرنا، يَحُولان دون تحقيق غاية الفهم، إذ إن مسألة التأثر ما تزال حبيسة التصور الثنائي الذي يرسم حدودا بين الذّات والآخر، بينما الترجمة هي القول بأن الذات هي الآخر في اختلافه، وأن امتلاك لغة وحضارة الآخر هي امتلاك وتحقيق لإمكان من إمكانات الذات.

لا بد، في هذا الإطار، تجاوز التصور اللاهوتي للترجمة الذي سقط فيه طه عبد الرحمن من خلال تصورهِ استحالةَ ترجمةِ القول الديني في معرض حديثه عن ثنائية القول الثقيل والقول الخفيف[117]، إلا أن الإستحالة في هذا الباب ذات بعد قيمي من خلال اعتبار الترجمة خيانة للمعنى؛ بينما مسألة الإستحالة في عمقها الفلسفي لا تعني الخيانة وعدم الوفاء، بل تعني التعدد والإختلاف والإبداع، أي إن القول بكون ترجمة النص القرآني مُستحيلة Intraduisibleيعني أننا لا نفتئ نترجمه، أي نُترجمه إلى ما لا نهاية Infiniment traduisible، وأن ترجمته هي دائما فعلٌ مُرجأ.

إن ترجمة قضية المرأة مثلا تطرح عدة إشكالات فقهية بل وأحيانا سياسية، وخير مثال نطرحه في هذا الباب، هو مسألة “ضرب المرأة”، وكيف أن معظم الترجمات الفرنسية للآية 34 من سورة النساء “فاضربوهن” تحيّزت إلى معنى الضّرب المادي: Frappez-les, Corriger-les، بينما تبين لنا من خلال تقصّي دلالات فعل “ضرب” في اللغة العربية، مدى التعدد الدلالي إلى حد أن ابن منظور في لسان العرب خصّص ما يقارب العشر صفحات للوقوف على سياقات استعمال هذا الفعل، ومن بين الدلالات التي وقفنا عندها: ترك، تشاور، منع، حاور، أعطى.[118]

في هذا الإطار، نقترح إعادة قراءة الآيات والأحاديث الواردة بخصوص ضرب الزوجة، على ضوء سياقها الداخلي-اللغوي وليس على ضوء سياقها التاريخي. إن الآية “فاضربوهن” متعددة الدلالات في اللغة العربية، ليس فقط من خلال المعاجم العربية، بل داخل النسق القرآني نفسه؛ ومن بين دلالاتها المعجمية نجد الحوار والتشاور، مما يستوجب علينا استلهام هذه الإمكانية من إمكانيات اللغة في عصر سمته الكرامة والمساواة وحقوق الإنسان. أما بخصوص الأحاديث النبوية، فثمة إمكانية ربطها بنسقها الداخلي الذي أساسه التربية الروحية، حيث إن القول النبوي “خياركم لا يضربون”، دليل على أن أحاديث الضرب أحاديث مؤقتة لأن الغاية هي تربية الروح وتنقية النفس من الشهوات والهوى وحب السلطة.

إذا كان في إمكان الترجمة أن تجعل النص القرآني قابلا للحياة من جديد في سياقات ثقافية مغايرة، فكيف يتدخل البعد السياسي والايديولوجي ليُوقف هذه النشأة الجديدة باسم الهوية واللغة والأصل والثوابت؟ وذلك من خلال عملية التصنيف والمصادقة على الترجمات المدعاة “أمينة وصائبة”، أي ما يمكن تسميته بـ”الوصاية العلمية اللاهوتية”؛ والتي تقوم بها بعض الهيئات لإقصاء الترجمات الخائنة للمعنى واحتواء الترجمات التي تعتبرها حسب مقاييسها أمينة وقريبة للمعنى القرآني الحقيقي والأول !

من هنا يتضح لنا أن الترجمة ليست فقط نقلا من لغة إلى أخرى، بل إنها فعل التفلسف بامتياز، إذ ليس الأساس البحث عن مرادف كلمة ما في لغة أخرى، بل إن الهدف هو تفكيك نظام السلطة الذي يسكن اللغة ويحاول الحد من غناها وتعددها بل وإنسانيتها التي تتجاوز المحلي لتعانق الكوني. [119]

استنادا لما سبق، ما دور سؤال الحاضر إذن في بلورة هذا البعد الكوني من خلال إعادة التصالح مع ذواتنا وتوسيع أفق هويتنا ؟

3.3.       القيم الكونية وسؤال الحاضر: الهوية كمشروع مفتوح ومتعدد

ساد اعتقاد يرى في الهوية شيئا قابعا وراءنا يجب البحث عنه، إنها أسطورة البحث عن الهوية المفقودة، الشيء الذي يجعل الهوية بهذا المعنى نقيض الغيرية، مما يسقطنا مرة أخرى في مطب الميتافيزيقا من خلال ثنائياتها وتقابلاتها؛ في المقابل وتجاوزا لهذا التصور، تُشكل الهوية مشروعا لا يكتمل، إنها الشيء الذي لا نفتأ نُقيمه إلى مالا نهاية، من هنا تكون الهوية مشروعا للبناء، حيث إن الإلتقاء بين الهوية وبين إمكانها الآخر أي الغيرية دائما ممكن ومفتوح.

من هذا المنطلق، تُعتبر الكونية هي المجال الذي تستطيع فيه الذات بسط مقوماتها وهمومها وعمقها التاريخي والثقافي، ذلك لأن الكونية تختزل كل إمكانات التواصل والتلاقح والإعتراف المتبادل، حيث تجد الذّات مع الآخر مساحة المشترك الإنساني الذي يتجاوز خصوصية كل منهما ويُضفي المعنى على الوجود الإنساني.

لعل الدين من أهم روافد القيم الكونية، وذلك من جهة أبعاده الروحية ومقاصده المنفتحة وليس من جهة تأويلاته اللاهوتية واستثماراته السياسية والإيديولوجية. ولأن اللغة والشريعة والعقيدة والسياسية هي عناصر رئيسية تتكون منها المرجعية التراثية، كما أكد على ذلك محمد عابد الجابري، فالسبيل إلى تجديد “العقل العربي” ليس في التحرر من هذه المنظومة التراثية بل في تفكيكها والوقوف على إمكاناتها وحدودها.

لا غرابة إذن أن تكون مشكلتنا الأساسية هي مشكلة تاريخ، ومن تم “(فـ)مسألة التجديد تكمن في التصحيح التاريخي”[120]، من خلال حفر أركيولوجي غايته الكشف عن طبقات المعنى المتعددة للتاريخ، وفهم كيف استطاعت إرادات القوة فرض معنى واحد للدين والحقيقة والتاريخ.

ليس الإعتماد على التاريخ ودراسته طرفا فكريا، بل هو ضرورة سياسية، حيث إن “التفكيك الفكري والعلمي للخطاب الإسلامي بكل صيغه اللاهوتية والفقهية والتاريخية سوف يؤدي حتما إلى تفكيك الخطاب السياسي والممارسات السياسية التي تستمد منه أسس المشروعية الموصوفة تجاوزا أو تعسفا بالإلهية والمقدسة والروحية”.[121]

رغم أن البحث التاريخي ضرورة حضارية، إلا أن الحاضر الذي نعيشه هو الأساس الذي يجب أن يدور هذا الأخير في فَلكه، إذ ما فائدة تجديد الفقه الإسلامي مثلا انطلاقا من واقع ليس واقعنا، من خلال استقراء أحكام النص وتطبيقها على واقع افتراضي، بينما يقتضي الأمر أولا استقراء الواقع الذي نزل فيه النص ثم استقراء الواقع المُراد تطبيق النص عليه، ليتم فهم المقاصد الكلية وأبعاد الوجود الإنساني. هذه المهمة هي التي انحرف عنها الفقيه الذي كانت مهمته الأولى ميدانية أكثر منها تنظيرية.

قد تُسعفنا نظرية التلقي Théorie de Réception، التي طُبّقت في مجال النقد الأدبي، في تحقيق هذا الغرض؛ فبدلا من أن ننطلق من النص، ننطلق من القرّاء الذين تلقوا النص واستقبلوه، فندرس الجمهور القارئ في علاقته بالنص تاريخيا، ومن تم نُحاول أن نُبيّن إلى أي حدّ ما تزال القراءات اللاهوتية للتراث الإسلامي تؤثر في الجمهور المسلم وتلبي حاجاتهم وانتظاراتهم.

نؤكد في هذا الباب على الأبعاد النفسية والعوامل الخارجية التي تحول دون انخراط غالبية المسلمين في روح العصر، إذ تجعلهم يقومون بعملية الإسقاط السيكولوجي من خلال قراءتهم للدين، فيستنتجون مثلا أن الإسلام يُقابل العلمنة ويرفضها. بينما الإسلام – على حد قول أركون-   “ليس مُغلقا في وجه العلمنة؛ ولكي يتوصل المسلمون إلى أبواب العلمنة، فإن عليهم أن يتخلصوا من الإكراهات والقيود النفسية واللغوية والإيديولوجية التي تضغط عليهم وتثقل كاهلهم، ليس فقط بسبب رواسب تاريخهم الخاص بالذات، وإنما أيضا بسبب العوامل الخارجية والمحيط الدولي”.[122]

إن سؤال العلمنة مثلا ليس سؤالا نظريا يمكن الإجابة عليه من خلال استقراء أقوال الأولين واجتهادات السابقين، إنه سؤال الحاضر الذي يجب دراسته وضبط تشعباته وتلاوينه كي تتضح أوجهه المتعددة؛ ولعل الدراسة السوسيولوجية التي تم القيام بها حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب “الإسلام اليومي”، سلّطت الضّوء على بعض أوجه العلمنة والفردانية داخل المجتمع المغربي في علاقته بالدين أو بالأحرى “التدين”.[123]

لا مناص إذن من كون سؤال الحاضر هو نقطة أرخميدس التي يمكن أن تتفق عليها كل الأطراف، شريطة أن لا تكون مصحوبة بتصور قبلي للصورة التي يجب أن يكون عليها الواقع، بحيث تكون معطيات الواقع المدروسة سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا هي أساس بناء التصورات واقتراح البدائل.

لا ننسى أن الأفق المبتغى مفتوح لا ينتهي، وذلك من خلال التغير المستمر والتجدد الدائم لمياه الحياة التي لا يمكن أن نسبح فيها مرتين، ولا يمكن القول في هذا الصدد إلا كون “الفلسفة الإنسانية الديمقراطية، مثلها في ذلك مثل الحداثة التي ينبغي أن تصاحبها، هما مشروع مفتوح: أي لا ينتهي أبدا”[124].

خــاتمــــة

أود في خاتمة بحثي هذا أن أشير إلى مسألة تبدو لي من الأهمية بمكان بخصوص مسألة تفكيك الخطاب الفقهي التي حاولنا الوقوف على بعض معالمها. ذلك أن الإشكال الذي كان قوام مقدمتنا، قد يجد ما يبرره بعدما قمنا بفصل القول في تاريخية الخطاب الفقهي والإسلامي وعلاقته بإرادة السلطة؛ وتطرقنا إلى إفرازات هذه الأخيرة من خلال ثنائية الديني والمدني / المقدّس والمدنّس في الخطاب الفقهي؛ كما وقفنا عند بعض معالم تفكيك الخطاب الفقهي في أفق تحقيق أنسنة حيّة ومنفتحة داخل السّياق الإسلامي المعاصر.

في هذا الإطار، يتضح لنا جليا أن التجديد الفقهي كان مرحلة من مراحل إعادة قراءة التراث الإسلامي، إلا أننا نحتاج اليوم أكثر مما مضى إلى ولوج مرحلة التفكيك الفقهي بلغة دريدا، أي تفكيك الخطابات والنظم الفكرية، وإعادة النظر في تشكلها التاريخي، والوقوف على البؤر الأساسية المطمورة فيها والتي لا تزال تَحبل بإمكانات جديدة.

ثمة أربع خطوات[125] لتحقيق عملية التفكيك هذه: أولا، الأشكلة Problématisation: أي الوقوف على ما يبدو لنا بديهيا بينها هو ليس كذلك؛ الزحزحة Déplacement : أي تحريك الساكن بخصوص المسألة قيد الدرس وتقليبها من جميع مناحيها؛ التفكيكDéconstruction: أي تبيان التشكل التاريخي للمسألة والعناصر الداخلة فيها؛ التوسيع Elargissement: أي فتح آفاق أخرى وإمكانيات جديدة للمسألة، من خلال الوقوف على المسكوت عنه واللامفكر فيه.

لا مندوحة للمسلمين اليوم في أن يتصالحوا مع ماضيهم وأن يعيدوا النظر في تراثهم بعيون جديدة، عيون قوامها الإبستيمي الجديد الذي يسبح فيه العالم أجمع، إبستيمي الإختلاف والكونية؛ وكذا أن يأخذوا بعين الإعتبار كونهم ليسوا بدعا من الأمم، وأن ما يسري على غيرهم قد يسري عليهم هم كذلك.

إن بلورة النقاش الجدي والبناء حول مسألة تفكيك الخطاب الفقهي قد يكون لها وقع في المساهمة في إعادة النظر بخصوص بعض المفاهيم حول تراثنا، وإزالة الطبقات التي تَكوّنت حول هذا التراث الإنساني؛ وذلك عن طريق حفريات ليس غايتها كشف أصل أول أو بنية أولية قبلية، بل إن المُراد هو التصالح مع ما نعتقد أنه ليس مِلكا لنا وهو في الحقيقة متجذر في تراثنا، وتعلم ما نعتقد أنه ملك لنا ونحن أجهل به من غيرنا.

وما هذا وذاك، إلا رغبة منا في بلورة مثل هذه الإشكالات في أذهاننا، وإعادة إحياء فلسفة التساؤل والإستفهام لدينا، حيث نأخذ باللب ونتغافل عن القشور، نتعرف على موقعنا في خريطة التاريخ ومتاهة الحياة ككل؛ نستأنس بالمنهج الذي يُشكل أولا وأخيرا المَعْلَمَة الكبرى لأي فكر كان، ووسيلة لا مندوحة لنا عنها في عصر العولمة والتقنية؛ وذلك للسير قدما، نحو فكر أنقى، ومجتمع أرقى.

لائحة المراجع والمصادر

باللغة العربية:

1.     ابن منظور، أبو الفضل. (2003). لسان العرب. ج.9. دار صادر؛

2.     أبو زيد، نصر حامد. (1995). التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة (ط.2). القاهرة: مكتبة مدبولي؛

3.     أبو زيد نصر حامد. (1996). إشكاليات القراءة وآليات التأويل (ط.4). الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي؛

4.     أبو زيد، نصر حامد. (2000). مفهوم النص (ط.5). بيروت / الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛

5.     إدوارد، سعيد. (2006). الإستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. (محمد عناني، مترجم). (ط.1). القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع؛

6.     أركون، محمد. (1996). العلمنة والدين: الإسلام والمسيحية والغرب. (هاشم صالح، مترجم). (ط.3). سلسلة بحوث اجتماعية 04. بيروت- لبنان: دار الساقي؛

7.     أركون، محمد. (2001) . معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. (هاشم صالح، مترجم). (ط.1). بيروت- لبنان: دار الساقي؛

8.     أركون، محمد. (2005). القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. (هاشم صالح، مترجم). (ط.2). بيروت: دار الطليعة؛

9.     أركون، محمد. (د.ت.). الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، (هاشم صالح، مترجم). الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب؛

10. أركون، محمد. (د.ت.). قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم (هاشم صالح، مترجم)، بيروت: دار الطليعة؛

11. الأعظمي، محمد مصطفى. (1958). مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامي. ج.1. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؛

12. ألفة، يوسف. (2008). ناقصات عقل ودين: فصول في حديث الرسول (مقاربة تحليلية نقسية). (ط.3).دار سحر للنشر؛

13. بن عاشور، محمد الطاهر. (1999). مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس؛

14. بن عبد العالي، عبد السلام. (2000). أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا (ط.2). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر؛

15. بنعبد العالي، عبد السلام. (1998). في الترجمة. سلسلة شراع. العدد 40.

16. الجابري، محمد عابد . (1991). التراث والحداثة: دراسات ومناقشات (ط.1). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية؛

17. الجبران، عبد الرزاق. (د.ت.). جمهورية النبي: عودة وجودية، توحيل التراب؛

18. الجوزية، ابن القيم. (د.ت.). أعلام الموقعين عن رب العالمين. ج.1. د.ن؛

19. حمامي، نادر. (2006). إسلام الفقهاء (ط.1). بيروت: دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب؛

20. حنفي، حسن. (1982). دراسات إسلامية (ط.1). دار التنوير للطباعة والنشر؛

21. الخطيب، حسن أحمد. (1991). الفقه المقارن. الهيئة المصرية العامة للكتاب؛

22. خليل، عبد الكريم. (1990). الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية. (ط.1). القاهرة: سينا للنشر؛

23. الريسوني، قطب. (2010). النص القرآني: من تهافت القراءة إلى أفق التدبر (ط.1). الدار البيضاء: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛

24. السفياني، عبد الله بن رفود. (2013). حجاب الرؤية: قراءة في المؤثرات الخفية على الخطاب الفقهي (ط.1). سلسلة: قراءات في الخطاب الشرعي. مركز نماء للبحوث والدراسات؛

25. الشاطبي، أبو إسحاق. (د.ت.). الموافقات. (عبد الله دراز، محقق). ج.3. بيروت: دار المعرفة للنشر؛

26. الشرفي، عبد المجيد. (2001). الإسلام بين الرسالة والتاريخ ، دار الطليعة للطباعة والنشر؛

27. الصالح، نضال عبد القادر. (2006).المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع. دار الطليعة؛

28. الصدر، محمد باقر. (1989). دروس في علم الأصول. (ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته). ج1. بيروت: دار التعارف للمطبوعات؛

29. صعب، حسن. (1980). تحديث العقل العربي: دراسات حول الثورة الثقافية اللازمة للتقدم العربي في العصر الحديث. دار العلم للملايين؛

30. طه، عبد الرحمن. (1997). العمل الديني وتجديد العقل (ط.2). بيروت: المركز الثقافي العربي؛

31. العثماني، أمحمد. (2004). ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي (ط.1). منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛

32. العيادي، عبد العزيز. (1994). ميشيل فوكو: المعرفة والسلطة (ط.1). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع؛

33. الغامدي، أحمد بن سعد حمدان. (2013). تجديد الفقه السياسي في المجتمع الإسلامي: تأصيل وتقد (ط.2). المملكة العربية السعودية: دار ابن رجب؛

34. فوكو، ميشيل. (1987). حفريات المعرفة، (يفوت سالم، مترجم). (ط.2). بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛

35. القرضاوي، يوسف. (1999). الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد (ط.2). القاهرة: مكتبة وهبة؛

36. موهوب، محمد. (2011). ترجمان الفلسفة (ط.1). مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية؛

37. النيهوم، الصادق. (1995). إسلام ضد الإسلام (ط.2). سلسلة كتاب الناقد. رياض الريس للكتب والنشر؛

38. الهرماسي، عبد اللطيف. (2012).في الموروث الديني الإسلامي قراءة سوسيولوجية تاريخية (ط)1. لبنان: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع؛

39. الوزير، زيد بن علي. (2000). الفردية: بحث في أزمة الفكر الفردي السياسي عند المسلمين (ط.1). مركز التراث والبحوث اليمني؛

40. ياسين، عبد الجواد. (1998). السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ (ط.1). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

باللغة الفرنسية

  1. . AMIR-MOEZZI M, A. (2011). Le Coran silencieux et le Coran parlant. Paris : CNRS Editions ;
  2. . EL AYADI, M, RACHIK, H, TOZY, M. (2007). L’Islam au quotidien. Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Collection Religions et Société. Editions Prologues ;
  3. . OUTAHAR, M. (2013). La pensée du Genre chez Fatima Mernissi et Abdelkebir Khatibi dans Rêves de femmes, Amour bilingue, Le Harem et l’Occident, Maghreb pluriel. Mémoire du Master : Genre Société et Culture. Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Ain-Chock. Casablanca. Année universitaire 2012-2013. (Non publié) ;

4. . RAMADAN, T. (2008). Mon intime conviction, Paris : Editions Tawhid

  1. . WOTLING, P. ) 2001( . Le vocabulaire de Nietzsche. Collection dirigée par Jean-Pierre ZARADER. Paris : Ellipses.

المقالات

1.     إدناصر، العربي. (2013، 20 غشت). الخطاب الفقهي بين النهوض والسقوط، قسم دراسة الموروث الديني. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. ص. 2. اُسترجعت في تاريخ 20 دجنبر 2013؛

2.     بلعربي، يوسف. (2012). الدين والتجربة الهرمنيوطيقية عند غادامير(ط.1). ضمن “فلسفة الدين: مقول المقدس بين الإيديولوجيا واليوتوبيا وسؤال التعددية”، إشراف علي عبود المحمداوي. بيروت / الجزائر: منشورات ضفاف/ الإختلاف؛

3.     الجليدي، مصدق (2013، 29 شتنبر). نشوئيّة العقل الفقهي الإسلامي: نحو براديغم حقوقي جديد. قسم الموروث الديني. مؤسسة مؤمنون بلا حدود. اُسترجعت في تاريخ 25 دجنبر 2013؛

4.     حرب، علي. (1983). نحو فهم تكاملي للإنسان. دراسات عربية، العدد 11-12. (د.ن)

5.     الحلبوني، فؤاد. (د.ت). نحو مجال عام إسلامي. قسم الدراسات الحداثية للدين. مؤسسة مؤمنون بلا حدود. ص.2. اُسترجعت في تاريخ 10 يناير 2014؛

6.     حميتو، يوسف بن عبد الله،. (2012، 15 نونبر). إشكالات في طريق البحث المقاصدي المعاصر. استرجعت في 05 يناير 2014؛

7.     شبار، سعيد. (2012، 31 أكتوبر). المكون الديني والتغيير الثقافي آفاق جديدة في ترشيد الاسترجاع الديني. اُسترجعت في تاريخ 15 دجنبر 2013؛

8.     طه، عبد الرحمن. (2009). القول الثقيل والترجمة التأصيلية: آفاق وحدود (ط.1). ضمن “النص الديني والترجمة”. أعمال الندوة الدولية الأولى. مارس 2007. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – مراكش. سلسلة ندوات ومناظرات. عدد 4. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية

9.     فاضل، محمد. هل التاريخانية استراتيجية قابلة للتطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي؟ حالة حديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. (أبو بكر أحمد باقادر، مترجم). قسم الفلسفة العلوم الإنسانية. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. ص 22. اُسترجعت في تاريخ 01 يناير 2014.

المرئيات

1.     جمعة،علي. (2012، 7- 10 أبريل). أصول الفقه والنظريات الفقهية. مداخلة مرئية قُدمت في ندوة تطويرالعلوم الفقهية، النظرية الفقهية في النظام الفقهي. اُسترجعت في تاريخ 15 يناير 2014؛

2.     عدنان، ابراهيم. (2008، 15 فبراير). نصوص دينية أو أفهام بشرية. خطبة جمعة. اُسترجعت في تاريخ 09 يناير 2014.

3.     عدنان، ابراهيم. (2013، 19 أبريل). لا اجتهاد مع النص !. خطبة جمعة. اُسترجعت في تاريخ 09 يناير 2014.

الروابط الإلكترونية

1.     http://www.dradnanibrahim.com/voices.php?action=show&id=756

2.     http://www.dradnanibrahim.com/videos.php?action=show&id=180

3.     http://www.youtube.com/watch?v=1XRHQ3p6ScY

4.     http://www.mominoun.com

5.     http://www.maghress.com/attajdid/102127

6.     http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?ID=154

الهوامش

[1]WOTLING, P. ) 2001( . Le vocabulaire de Nietzsche. Collection dirigée par Jean-Pierre ZARADER. Paris : Ellipses. p.32

[2] – بن عبد العالي، عبد السلام. (2000). أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا (ط.2). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر. ص ص.25-59.

[3] – القرضاوي، يوسف. (1999). الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد (ط.2). القاهرة: مكتبة وهبة. ص.28

[4] – نفس المرجع. ص.29

[5] – العيادي، عبد العزيز. (1994). ميشيل فوكو: المعرفة والسلطة (ط.1). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ص.20

[6] – نفس المرجع. ص.95

[7] – فوكو، ميشيل. (1987). حفريات المعرفة، (يفوت سالم، مترجم). (ط.2). بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. ص.27

[8]- حمامي، نادر. (2006). إسلام الفقهاء (ط.1). بيروت: دار الطليعة ورابطة العقلانيين العرب. ص.6

[9] – الجابري، محمد عابد. (1991). تكوين العقل العربي (ط.4). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربي. ص.96

[10] – جمعة،علي. (2012، 7- 10 أبريل). أصول الفقه والنظريات الفقهية. مداخلة مرئية قُدمت في ندوة تطويرالعلوم الفقهية، النظرية الفقهية في النظام الفقهي. اُسترجعت في تاريخ 15 يناير 2014 من:

[11] – الحلبوني، فؤاد. (د.ت). نحو مجال عام إسلامي. قسم الدراسات الحداثية للدين. مؤسسة مؤمنون بلا حدود. ص.2. اُسترجعت في تاريخ 10 يناير 2014 من موقع:

http://www.mominoun.com

[12] – نفس المرجع. ص.2

[13] – حميتو، يوسف بن عبد الله. (2012، 15 نونبر). إشكالات في طريق البحث المقاصدي المعاصر. استرجعت في 05 يناير 2014 من:

http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?ID=154

[14]- حمامي، نادر. إسلام الفقهاء. مرجع سابق. ص.13

[15] – الجليدي، مصدق (2013، 29 شتنبر). نشوئيّة العقل الفقهي الإسلامي: نحو براديغم حقوقي جديد. قسم الموروث الديني. مؤسسة مؤمنون بلا حدود. اُسترجعت في تاريخ 25 دجنبر 2013 من موقع: http://www.mominoun.com

[16]- نادر حمامي، إسلام الفقهاء، مرجع سابق، ص.14

[17]- النيهوم، الصادق. (1995). إسلام ضد الإسلام (ط.2). سلسلة كتاب الناقد. رياض الريس للكتب والنشر. ص.102

[18] – أركون، محمد. (د.ت.). الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، (هاشم صالح، مترجم). الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب. ص.83

[19] – الجليدي، مصدق. نشوئيّة العقل الفقهي الإسلامي: نحو براديغم حقوقي جديد، مرجع سابق.

[20] – نفس المرجع.

[21] – نفس المرجع.

[22] – نفس المرجع.

[23] – إن الترجمة العربية لمفهوم Le Genre بالنوع الإجتماعي قد لا تسعفنا في تفكيك البناء الثقافي والسلطوي للعلاقات بين الرجل والمرأة، لأن كلمة النوع في اللغة العربية لا تحتمل إلا معنى لغويا- نحويا، بينما كلمة الجندر لها دلالة ثقافية واجتماعيا بالإضافة إلى الدلالة اللغوية- النحوية. لذا ارتأينا استعمال مفهوم الجندر دون ترجمته للحفاظ على حمولته الدلالية المتعددة.

[24] – فاضل، محمد. هل التاريخانية استراتيجية قابلة للتطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي؟ حالة حديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. (أبو بكر أحمد باقادر، مترجم). قسم الفلسفة العلوم الإنسانية. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. ص.22. اُسترجعت في تاريخ 01 يناير 2014 من موقع:

http://www.mominoun.com

[25] – نفس المرجع. ص.22

[26] – نفس المرجع. ص.5

[27] – نفس المرجع. ص. 16

[28] – نفس المرجع. ص.18

[29] – نفس المرجع. ص.21

[30] – ألفة ، يوسف. (2008). ناقصات عقل ودين: فصول في حديث الرسول (مقاربة تحليلية نقسية). (ط.3). دار سحر للنشر. ص ص.103- 104.

[31] – خليل، عبد الكريم. (1990). الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية. (ط.1). القاهرة: سينا للنشر. ص.42

[32]- أركون، محمد. (2005). القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. (هاشم صالح، مترجم). (ط.2). بيروت: دار الطليعة. ص.8

[33] – الأعظمي، محمد مصطفى. (1958). مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامي. ج.1. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. ص ص.61-110.

[34]- الشرفي، عبد المجيد. (2001). الإسلام بين الرسالة والتاريخ ، دار الطليعة للطباعة والنشر. ص.155

[35] – الوزير، زيد بن علي. (2000). الفردية: بحث في أزمة الفكر الفردي السياسي عند المسلمين (ط.1). مركز التراث والبحوث اليمني. ص.9

[36]- حمامي، نادر. إسلام الفقهاء. مرجع سابق. ص.26

[37]- إدناصر، العربي. (2013، 20 غشت). الخطاب الفقهي بين النهوض والسقوط، قسم دراسة الموروث الديني. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. ص. 2. اُسترجعت في تاريخ 20 دجنبر 2013 من موقع: http://www.mominoun.com

[38]- نفس المرجع. ص. 4

[39]- الغامدي، أحمد بن سعد حمدان. (2013). تجديد الفقه السياسي في المجتمع الإسلامي: تأصيل وتقد (ط.2). المملكة العربية السعودية: دار ابن رجب. ص. 189

[40]- أركون، محمد. القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. مرجع سابق. ص.64

[41]- ياسين، عبد الجواد. (1998). السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ (ط.1). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. ص.229

[42]- إدناصر، العربي. الخطاب الفقهي بين النهوض والسقوط. مرجع سابق. ص. 3

[43]- نفس المرجع. ص. 3

[44]- أبو زيد، نصر حامد. (1995). التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة (ط.2). القاهرة: مكتبة مدبولي. ص.26

[45] – أركون، محمد. (1996). العلمنة والدين: الإسلام والمسيحية والغرب. (هاشم صالح، مترجم). (ط.3). ترجمة هشام صالح. سلسلة بحوث اجتماعية 04. بيروت- لبنان: دار الساقي.ص 96

[46]- الغامدي، أحمد بن سعد حمدان. تجديد الفقه السياسي في المجتمع الإسلامي: تأصيل وتقد. مرجع سابق. ص ص. 192-193

[47]- إدناصر، العربي. الخطاب الفقهي بين النهوض والسقوط. مرجع سابق. ص. 8

[48]- الغامدي، أحمد بن سعد حمدان. تجديد الفقه السياسي في المجتمع الإسلامي: تأصيل وتقد. مرجع سابق. ص. 192

[49] – عدنان، ابراهيم. (2008، 15 فبراير). نصوص دينية أو أفهام بشرية. خطبة جمعة. اُسترجعت في تاريخ 09 يناير 2014 من موقع عدنان ابراهيم:

http://www.dradnanibrahim.com/videos.php?action=show&id=180

[50] – الهرماسي، عبد اللطيف. (2012). في الموروث الديني الإسلامي قراءة سوسيولوجية تاريخية(ط)1. لبنان: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع. ص.99

[51] – أركون، محمد. (2001) . معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. (هاشم صالح، مترجم). (ط.1). بيروت- لبنان: دار الساقي. ص ص.15-16.

[52]- أركون، محمد. القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. مرجع سابق. ص.6

[53] – حميتو، يوسف بن عبد الله. إشكالات في طريق البحث المقاصدي المعاصر. مرجع سابق.

[54] – الشاطبي، أبو إسحاق. (د.ت.). الموافقات. (عبد الله دراز، محقق). ج.3. بيروت: دار المعرفة للنشر. ص.176

[55] – نفس المرجع. ص.174

[56] – نفس المرجع. ص.180

[57] – نفس المرجع. ص.175

[58] – الريسوني، قطب. (2010). النص القرآني: من تهافت القراءة إلى أفق التدبر (ط.1). الدار البيضاء: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ص. 378

[59] – السفياني، عبد الله بن رفود. (2013). حجاب الرؤية: قراءة في المؤثرات الخفية على الخطاب الفقهي (ط.1). سلسلة: قراءات في الخطاب الشرعي. مركز نماء للبحوث والدراسات.

[60] – عدنان، ابراهيم. نصوص دينية أو أفهام بشرية. مرجع سابق.

[61]- أبو زيد، نصر حامد. التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة. مرجع سابق. ص.24

[62]- النيهوم، الصادق. إسلام ضد الإسلام. مرجع سابق. ص.102

[63]- حمامي، نادر. إسلام الفقهاء . مرجع سابق. ص.48

[64]- نفس المرجع. ص.52

[65]- نفس المرجع. ص ص.52- 53

[66]- أركون، محمد. القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. مرجع سابق. ص ص.19- 20

[67]- حمامي، نادر. إسلام الفقهاء . مرجع سابق. ص.50

[68]AMIR-MOEZZI M, A. (2011). Le Coran silencieux et le Coran parlant. Paris : CNRS Editions. p.101

[69]- أركون، محمد. (2005). القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. مرجع سابق. ص.9

[70] – أبو زيد، نصر حامد. (2000). مفهوم النص (ط.5). بيروت / الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. ص.27

[71] – نفس المرجع. ص.27

[72]- أبو زيد، نصر حامد. التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة. مرجع سابق. ص.152

[73]- نفس المرجع، ص ص.199-200

[74]RAMADAN, T (2008). Mon intime conviction, Paris : Editions Tawhid. p.110

[75]- أبو زيد، نصر حامد. التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة. مرجع سابق. ص.152

[76]- حمامي، نادر. إسلام الفقهاء. مرجع سابق. ص.54

[77]- أركون، محمد. القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. مرجع سابق. ص.12

[78]- نفس المرجع. ص ص.21- 22

[79]- نفس المرجع. ص.5

[80]- نفس المرجع. ص.6

[81] – أبو زيد نصر حامد. (1996). إشكاليات القراءة وآليات التأويل (ط.4). الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي. ص.36

[82]- أركون، محمد. القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. مرجع سابق. ص ص.21- 22

[83]- النيهوم، الصادق. إسلام ضد الإسلام. مرجع سابق. ص.112

[84]- إدناصر، العربي. الخطاب الفقهي بين النهوض والسقوط، مرجع سابق. ص. 6

[85] – الصدر، محمد باقر. (1989). دروس في علم الأصول. (ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته). ج1. بيروت: دار التعارف للمطبوعات. ص.25

[86]- طه، عبد الرحمن. (1997). العمل الديني وتجديد العقل (ط.2). بيروت: المركز الثقافي العربي. ص. 58

[87] – بن عاشور، محمد الطاهر. (1999). مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس. ص ص. 231ـ 232

[88]WOTLING, P. Le vocabulaire de Nietzsche, Ibid. p.32

[89] – عدنان، ابراهيم. (2013، 19 أبريل). لا اجتهاد مع النص !. خطبة جمعة. اُسترجعت في تاريخ 09 يناير 2014 من موقع عدنان ابراهيم:

http://www.dradnanibrahim.com/voices.php?action=show&id=756

[90] – جاء في صحيح مسلم في رواية عن النبي excaim أنه إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه ومن معه، ومن ذلك جاء في وصيته: ” وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا.” (الجوزية، ابن القيم. (د.ت.). أعلام الموقعين عن رب العالمين. ج.1. د.ن. ص. 39)

[91] – العثماني، أمحمد. (2004). ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي (ط.1). منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ص. 191

[92] – موهوب، محمد. (2011). ترجمان الفلسفة (ط.1). مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية. ص. 92

[93] – أركون، محمد. (د.ت.). قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم (هاشم صالح، مترجم)، بيروت: دار الطليعة. ص.319

[94] – أركون، محمد. معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. مرجع سابق. ص ص. 37-38.

[95]RAMADAN, T. Mon intime conviction. Ibid. p.p 87- 88

[96] – استعرنا هذه المفردة التي تَرجم بها محمد أركون مفردة L’humanisme، والتي يعني بها على حد قوله، يقول: ” لقد اقترحت مصطلح الأنسنة لكي ألفت الإنتباه إلى تلك الأبعاد الغائبة بعد ازدهارها في عهد الأدب والأدباء. ثم لكي أدعو بإلحاح إلى ضرورة إحياء الموقف الفلسفي في الفكر العربي خاصة، والفكر الإسلامي عامة. وكنت أعتقد ولا أزال بأنه لا سبيل إلى الإعتناء بمصير الإنسان شاملا، نقديا، محررا، بدون التساؤل الفلسفي عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها. وهي آفاق يدور حولها نقاش مستمر، وجدالات متجددة، واختلافات مثرية، أو مؤدية لحروب مدمرة” (أركون، محمد. معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. مرجع سابق. ص ص.12-13)

[97] – شبار، سعيد. (2012، 31 أكتوبر). المكون الديني والتغيير الثقافي آفاق جديدة في ترشيد الاسترجاع الديني. اُسترجعت في تاريخ 15 دجنبر 2013 من:

http://www.maghress.com/attajdid/102127

[98] – الجابري، محمد عابد . (1991). التراث والحداثة: دراسات ومناقشات (ط.1). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ص.32

[99] – فاضل، محمد. هل التاريخانية استراتيجية قابلة للتطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي؟ مرجع سابق. ص ص 1-2

[100] – نفس المرجع. ص ص 2-3

[101] – نفس المرجع. ص.25

[102] – نفس المرجع. ص.18

[103] – موهوب، محمد. ترجمان الفلسفة . مرجع سابق. ص. 92

[104] – صعب، حسن. (1980). تحديث العقل العربي: دراسات حول الثورة الثقافية اللازمة للتقدم العربي في العصر الحديث. دار العلم للملايين. ص.110

[105] – حنفي، حسن. (1982). دراسات إسلامية (ط.1). دار التنوير للطباعة والنشر. ص. 57

[106] – فاضل، محمد. هل التاريخانية استراتيجية قابلة للتطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي؟ مرجع سابق. ص. 32 (الإحالة رقم 50)

[107] – الخطيب، حسن أحمد. (1991). الفقه المقارن. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ص.51

[108] – صعب، حسن. تحديث العقل العربي. مرجع سابق. ص.103

[109] – حرب، علي. (1983). نحو فهم تكاملي للإنسان. دراسات عربية، العدد 11-12. (د.ن). ص ص.51-55

[110] – الجليدي، مصدق. نشوئيّة العقل الفقهي الإسلامي: نحو براديغم حقوقي جديد. مرجع سابق.

[111] – موهوب، محمد. ترجمان الفلسفة. مرجع سابق. ص. 24

[112] – بنعبد العالي، عبد السلام. (1998). في الترجمة. سلسلة شراع. العدد 40.

[113] – بلعربي، يوسف. (2012). الدين والتجربة الهرمنيوطيقية عند غادامير(ط.1). ضمن “فلسفة الدين: مقول المقدس بين الإيديولوجيا واليوتوبيا وسؤال التعددية”، إشراف علي عبود المحمداوي. بيروت / الجزائر: منشورات ضفاف/ الإختلاف. ص.303

[114] – نفس المرجع. ص.310

[115]- إدوارد، سعيد. (2006). الإستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. (محمد عناني، مترجم). (ط.1). القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع. ص.384

[116] – الصالح، نضال عبد القادر. (2006). المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع. دار الطليعة. ص.85

[117] – طه، عبد الرحمن. (2009). القول الثقيل والترجمة التأصيلية: آفاق وحدود (ط.1). ضمن “النص الديني والترجمة”. أعمال الندوة الدولية الأولى. مارس 2007. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – مراكش. سلسلة ندوات ومناظرات. عدد 4. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية. ص. 27

[118] – ابن منظور، أبو الفضل. (2003). لسان العرب. ج.9. دار صادر. ص.ص 543-551

[119]OUTAHAR, M. (2013). La pensée du Genre chez Fatima Mernissi et Abdelkebir Khatibi dans Rêves de femmes, Amour bilingue, Le Harem et l’Occident, Maghreb pluriel. Mémoire du Master : Genre Société et Culture. Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, Ain-Chock. Casablanca. Année universitaire 2012-2013. (Non publié). p. 87

[120] – الجبران، عبد الرزاق. (د.ت.). جمهورية النبي: عودة وجودية، توحيل التراب. ص. 115

[121] – أركون، محمد. معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. مرجع سابق. ص.29

[122] – أركون، محمد. العلمنة والدين: الإسلام والمسيحية والغرب. مرجع سابق. ص 59.

[123]EL AYADI, M, RACHIK, H, TOZY, M. (2007). L’Islam au quotidien. Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Collection Religions et Société. Editions Prologues. p.284

[124] – أركون،محمد. معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. مرجع سابق. ص ص.93-94

[125] – لقد اتبع محمد أركون هذه الخطوات في مشروعه “نقدالعقل الإسلامي”؛ وتعتبر الخطوة الأخيرة في نظرنا انفتاحا ووقوفا على إمكان جديد من إمكانات الخطاب الفقهي الإسلامي. (أركون، محمد. (2005). القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني. (هاشم صالح، مترجم). (ط.2). بيروت: دار الطليعة. ص ص.21-22)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى