قضايا فكرية

أزمة الغرب ميشيل هنري .. ترجمة: د. جلال بدلة

889

إن أزمة الغرب في رأيي مزدوجة: فهي من جهة ترتبط بالثقافة، ومن جهة أخرى بالاقتصاد. سأتحدث باستفاضة عن أزمة الثقافة؛ للمفارقة، يبدو أن أزمة الاقتصاد جزء منها. إن ظاهرة أزمة الثقافة هي من الوضوح لدرجة أن العديد من المحاولات تناولتها. لن أعرضها هنا كلها لكي لا أشتت انتباهكم، لكنني سأبقي على أطروحة واحدة فقط قدمها هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا، التيار الفكري الذي أنتمي إليه.

إن الشرح الذي يقدمه هوسرل لأزمة الثقافة في مؤلفه Krisis[1] مهم جدًا، لأنه ينطوي على مفارقة. ففي حين يقدم شبينغلر[2]، على سبيل المثال، الثقافات ككيانات مشابهة للمتعضيات الحيَّة، مكرَّسة لانطلاقة، ومن ثم لذروة، وأخيرًا لسقوطٍ تتفكك في أثنائه الأنشطة الاجتماعية والفردية كافة، فإن طرح هوسرل يقوم على أن الأزمة التي نعيشها وسنعيشها لا تعود إلى انحطاط وظائف معينة في المجتمع أو الروح الانسانية، وإنما إلى تطورها. إن أزمة الثقافة لا تصدر عن تفكك أو ضعف المعرفة، وإنما على العكس، من تطورها المفرط. إن الاتساع المدوِّخ للمعرفة في الأزمنة الحديثة الذي لا سابق له في تاريخ الانسانية سيُغرق هذه الحداثة في أزمة لا تدرك بعد سببها الحقيقي ولا حتى مآلها.

إن خصيصة المعرفة الحديثة هي أنها لم تعد تتكون من معرفة واحدة، وإنما من تعددية من المعارف المتمايزة. في خضم تطورها، تبلغ المعرفة – أي الذكاء الإنساني الذي يجهد لمعرفة كل ما يمكنه معرفته – مجموعة من المعارف المتخصصة أكثر فأكثر، مرغمةً إذ ذلك على ابتكار مصطلحات ومناهج جديدة، وأخيرًا، آفاق جديدة. هكذا، تزداد النظم المفاهيمية وأنساق مصطلحاتها المقابلة تعقيدًا، إلى الحد الذي يجعلها غير مألوفة إلا بالنسبة إلى المختصين فيها. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الاختصاصيين المهرة  ما عادوا قادرين على التواصل مع بعضهم بعضًا…

كان هناك حتى القرن السابع عشر معرفة مشتركة للإنسانية تعمل عمل الركيزة الأساس. كان المجتمع يأتلف حول عدد محدد من الأفكار والمعتقدات المشتركة بين جميع أعضائه. لكن الآن، انزاح أساس هذه “الوحدة الأخلاقية للإنسانية”، وفق تعبير هوسرل، أمام انطلاقة المعارف. هذا الـ sapientia universalis الذي حلم به ديكارت، أي، العلم الكلي القادر على تجميع الأفراد وتشكيل كينونتهم المشتركة، ما عاد موجودًا. وبتفرقهم على مستوى المعرفة، تفرق الأفراد على المستويات كافة. وانطلاقًا من ذلك، إن أزمة المعرفة هذه هي، كما يقول هوسرل، أزمة الوجود على اعتبار أن الجذر المشترك، أي، وحدة المعارف والسلوكات، لا يمكنها أن تكون الضامن لتناسق المجموعات الاجتماعية. إن هذا التحليل لـ هوسرل لافت ويمكن لأي باحث أي يختبره عندما يشارك في مؤتمر يتحدث فيه كل مشارك لغته الخاصة. أجازف على الرغم من ذلك بتركه جانبًا لأنه يقبل افتراضًا أراه موضع شك، وهو افتراض أن المعرفة هي، حصريًا، المعرفة العلمية.

للاعتراض على هذا التماهي بين المعرفة والعلم، ولتأكيد وجود معرفة أساس تختلف تمامًا عن معرفة العلوم، سأحاول أن أنسب للمعرفة العلمية أصلًا محددًا. هذا الأصل يتموضع في بعض جمل قالها غاليليه عام 1602. أتمَّ غاليله ما أدعوه – بوصفي فينومينولوجيًا – الفعل المؤسس الأصلي للمعرفة الحديثة، وفي الوقت نفسه، العالم الحديث – العالم الذي ننتمي إليه ونسلم به بسذاجة، العالم الذي نحن أطفاله وقاطنيه من دون تحفظ. إن الروح الناقدة لا يمكن أن تصدر إلا انطلاقًا من تأملٍ في هذا الفعل المؤسس والأصلي الذي قرر مصيرنا بداية القرن السابع عشر.

وُلِد هذا الفعل من قرار فكري. قدَّر غاليليه أنه يجب معرفة الكون الذي نعيش فيه؛ فمن هذه المعرفة تتأتى الأخلاق éthique، أي، ما يجب أن نكون وما يجب أن نفعل. لكن شرط معرفة الكون هذا هو رفض الأشكال المعرفية الأخرى كافة، لا سيما تلك الصادرة عن الكيفيات المحسوسة. فالأمر يتعلق منذ الآن بإحلال المعرفة الصحيحة (الهندسة) مكان المعرفة الحسية. الهندسة هي معرفة أشكال الأجسام الممتدة (المتموضعة في المكان). فينومينولوجيًا، يوجد بين هذين النوعين من المعرفة، من زاوية علميتهما وعقلانيتهما، تعارض تام. فالمعرفة الحسية تختلف من فرد إلى آخر، إلى درجة لا يمكنها إحداث إلا قضايا فردية واتفاقية، ذاتية وعرضية. فالقضية “السماء زرقاء” قضية فردية؛ غدًا، سيكون هنالك غيوم والسماء رمادية، أو من لون مختلف كليًا بالنسبة إلى شخص مصاب بالعمى اللوني. ومع ذلك، أقامت الإنسانية معرفة انطلاقًا من قضايا من هذا النوع. تؤسس المعرفة الهندسية من جهتها لقضايا عقلانية وصحيحة، من نوع: “في دائرة تكون الأقطار كلها متساوية”. الأقطار متساوية اليوم وغدًا وفي كل يوم. الهندسة بالتالي هي النموذج الحصري لمعرفة العالم المادي المؤلف من أجسام ممتدة في المكان.

ستنتشر أفكار غاليله في أرجاء أوربا كافة، وسيتناولها ديكارت ليعلن عن أسس الهندسة التحليلية. وستؤسس هذه الصيغة الرياضية للمعارف الهندسية العلم الحديث الذي لن يكون شيئًا آخر سوى المقاربة الهندسية الرياضية للجزيئيات الفيزيائية المجهرية. ومن الآن فصاعدًا، ستحدث الأزمات كافة من داخل هذا الأفق غير القابل للتعديل.

تتموضع أزمة الثقافة – المؤوَّلة كأزمة للمعرفة العلمية – داخل الأفق ذاته. وأجازف بالقول إن أفق المعرفة هذا يندرج في المقاربة الفيزيائية الرياضية للشيء المادي الممتد – res extensa كما يقول ديكارت. غير أن هذه المقدمات تطرح مشكلة من وجهة نظرٍ فلسفية وعلمية. فعلى الرغم من نجاحها المبهر وتطورها البديع، يتحدث هوسرل عن أزمة العلوم الأوروبية. إن سبب هذه الأزمة يعود إلى حقيقة أن المعرفة تتطور داخل افتراضين اثنين لم يضعهما موضع تساؤل لا غاليليه ولا العلم الحديث.

فالتعريف الذي يعطيه غاليليه للمعرفة الصحيحة يرتكز على قابلية قراءة الكون المؤلف، على شاكلة كتاب، من أشكال هندسية (مربعات ومثلثات ودوائر، الخ). ولفهم هذا الكون، يجب اتقان هذه اللغة المصنوعة من أشكال، أي، يجب اتقان الهندسة. يرتبط هذا الافتراض الأول بمعرفة الطبيعة الواقعية، حيث لا وجود لا لمربعات ولا لدوائر ولا لأشكال هندسية. الشكل الهندسي شكل مثالي، ولا شي مثالي في الكون المادي. هكذا، يلاحظ هوسرل في krisis أن وجود الأشكال المثالية يتطلب “إقراض ترانسدنتالي من الوعي”، أي، فعل من الروح يخلق شيئًا لم يكن موجودًا من قبل[3]. لا وجود لأي من الأشكال الهندسية التي يمكن أن تساعدنا على قراءة الواقع في الطبيعة. فمثلثات ومربعات العلم الحديث ليست ممكنة إلا انطلاقًا من وعي ترانسدنتالي يقوم هو بخلقها. ما هو مدهش مع ذلك هو أن هذه الأشكال المثالية المبتكرة من الروح تُجعل متطابقة مع الأشياء الواقعية والبنى المادية، حتى وإن لم تكن محسوسة.

الافتراض الثاني يتعلق ببنية إمكان رؤية هذه الأشكال المثالية. فالروح لا يمكنها التعرف على المثلث إلا لأنها ترى خواصه المثالية. نعلم أنه يمكننا رؤية المُثل عند أفلاطون، ليس رؤية ألوان الأوراق أو سماع الأصوات فحسب، بل إن الروح ترى الأشكال والماهيات. هذا الافتراض الثاني حاسم لأن العمل اليومي للعلم يرتكز عليه. تقوم قاعدته على فعل الرؤية – التي تشير في هذا السياق إلى مجمل الحواس. السمع هو الدخول عبر وسيط مسافة معينة إلى شيء ما ينعطي إلينا. في هذه المسافة يوجد السمع والشيء المسموع، الرؤية والشيء المرئي، اللمس والشيء الملموس. هنا، يصبح ما ندخل إليه، بفضل أفق قابلية الرؤية هذا، والذي هو العالم، ظاهرة بالنسبة إلينا. العلم يعمل داخل هذا الأفق الفينومينولوجي فحسب. فهو يتفكر عالمًا خارجيًا، والخارجانية هنا محضة، لأن المادة هي res extensa، ولا تعرف الأشكال المثالية إلا بطرحها أمام حقل رؤيتها.

هكذا، تُحال أزمة الثقافة عند هوسرل إلى أزمة هذه المعرفة العلمية. فالعلم يعرف فعليًا الأشكال المثالية الهندسية والرياضية التي تسمح لنا بدورها بمعرفة الكون المادي بطريقة ملائمة. لكن هذه الأشكال المثالية تؤخذ بالحسبان بشكل ثانوي: فالرياضي يعلم تمام العلم أنه لا يعمل على دوائر واقعية، لكن هذا ليس مهمًا بالنسبة إليه. لهذا النظام مع ذلك عيب سيلحظه مفكر عبقري في القرن السابع عشر، وهو نفسه الذي أعطى للفيزياء الغاليليه صوغها الرياضي: ديكارت.

يبقى كوجيتو ديكارت، المنتقد من العلوم كافة، مفهومًا بشكل سيء حتى اليوم. ففي تأملاته في الفلسفة الأولى[4]، ومن خلال عرضه لمثاله الشهير عن قطعة الشمع، سينجز ديكارت في الحقيقة تحليلًا فينومينولوجيًا متبدلًا par variation، وسيستخدم فيه كلمات مطابقة لكلمات غاليليه، وسيكتشف جسمًا مشابهًا للجسم المعرَّف من هذا الأخير، جسمًا ممتدًا res extensa يمكن معرفته عبر الهندسة وعبر ذهن خالص – وليس عبر أعين الجسد. ستعطي هذه المبادرة الديكارتية دفعًا هائلا للثورة الغاليليه بتزويده بالرياضيات كوسيلة تعبيرية. من هنا أتى الافتتان بالرياضيات من الفروع المعرفية كافة. فهم ديكارت في الحقيقة أن المستقبل يكمن في فيزياء غاليليه، ورأى بحدس عبقري ما تقصيه هذه المعرفة الغاليلية. فمن أجل معرفة الكون الفيزيائي الرياضي، قام غاليليه بإبعاد الكيفيات المحسوسة كافة، أي إنه لدراسة جسم ممتد من خلال خواصه الهندسية، لا يجب أبدًا اختزال هذا الجسم إلى كيفياته المحسوسة المتبدلة. هكذا يعتبر غاليليه أن جهازنا الفيزيولوجي الخاص يُوجب رؤيتنا للألوان، ولو لم نكن حيوانات من نوع خاص، لربما ما كان هنالك ألوانًا على الاطلاق.

هنا سينجز ديكارت اختزالًا-مضادًا مدهشًا. سيعود ويتناول الكيفيات المحسوسة التي أقصاها غاليليه ليؤكد أنها الأشياء الوحيدة الأكيدة والأساس على الاطلاق. الألوان والبرودة والحرارة، الخ، هي موجِّهات النفس modalités de l’âme. في هذه اللحظة، يعرِّف ديكارت الإنسان عبر جهاز يسميه الفكر (الكوجيتاتيو،cogitatio ). مما يعني بالنسبة إليه: كائن يحس، وهذا الحس هو حس ذاتي. الكوجيتاتيو هو موجه ذاتي، مثله مثل المعاناة والجوع والبرد والحر، يختبر ذاته بشكل فوري ومن دون اللجوء إلى العالم وبطريقة لا كونية. حتى وإن لم يكن العالم موجودًا، لما اختفى الكوجيتاتيو. بكلمات أخرى، يمكن للمعاناة أن توجد خارج العالم طالما أنها توجد باختبارها لذاتها من دون وسيط.

يدعو ديكارت كوجيتاتيو ما يختبر ذاته من دون وسيط ومسافة. أنا أفضل مصطلح “الحياة” عليه، مأخوذًا بمعنى ترانسدنتالي، أي، الاختبار الذاتي épreuve de soi، وهو خصيصة المعاناة والحر والبرد والجوع والخوف والقلق، لكن أيضًا، الرؤية. الرؤية ترى كل ما تراه خارج ذاتها، لكنها، هي، غير مرئية. أي، ما يسمح لنا بالرؤية ليس أبدًا ما يَرى، وإنما هو اختبار ذاتي ضمن مجرد انفعال pathos. هو رؤية حية. السمع يسمع الذي يسمعه، لكنه، هو، غير مسموع. كل ما نجعله أصلًا للعالم، محسوسًا كان أم معقولًا، هي أشياء منعطية لذاتها. ومع ذلك، الذهن ليس منعطيًا، وإن أحدًا لم ير الفن، لم ير الحياة ولن يراها على الأطلاق! كل ذلك يُختبر ضمن كثافة انفعالية، داخل طبقة داخلية هي الانفعال.

شكك ديكارت في الحقائق المحسوسة كما في الحقائق المعقولة. حتى الرؤية ذاتها يمكن أن تكون خادعة، على شاكلة الصورة المشوهة التي يعكسها الماء. تقوم أطروحة الإله الخادع على هذه الفكرة: كل ما أراه بوضوح وبشكل ضروري يمكن أن يكون خاطئًا. فكرة الحلم في هذا السياق تلخص تجربة أن كل ما أدركه، بما في ذلك الحقائق العقلانية، يمكن أن يكون ذا طابع توهمي. لنتخيل مع ذلك أنني أختبر القلق في الحلم. حتى وإن كان كل شيء في الحلم خاطئًا، القلق ليس كذلك. فهو موجود كما أختبره كيفيًا، لا أكثر ولا أقل. وبالنتيجة يكمن الأساس غير القابل للإزاحة الذي كان يبحث عنه ديكارت في الانفعالية affectivite. أسميها الحياة، لأن كل ما هو حي يندرج داخل هذا النسق. حتى الرؤية، كونها رؤية حية، هي دائما انفعال. على سبيل المثال، أتلقى بسرور كافة الحجج التي تكون لمصلحتي، لكنني أستاء عندما يعاكسني أمر ما. بالنسبة لـ ياسبرز، يوجد انفعال خاص باليقين الرياضي، وهو نوع من الإرغام المنطقي. عندما يساوي مجموع اثنان واثنان أربعة، فيقيني مضمون أبدًا. لكن تختلف الحالة في العلاقات الغرامية مثلًا! هذا سبينوزا الذي يؤكد أننا لا يمكننا فعل شيء أمام دائرة، ومالبرانش يؤكد أنه من المستحيل ألا تكون جميع أقطار الدائرة متساوية. لكن الانفعالية تشكل جزءًا أيضًا من الأشياء غير القابلة للاختزال: القلق والخوف والفرح والحزن. كل هذه الممهدات تقودنا إلى أزمة الثقافة، هذا إن لم نكن قد عالجنا المسألة مسبقًا وبشكل غير مباشر.

لنفترض أنه ومنذ بدايات الإنسانية، كل ثقافة تحددت عبر الحياة، إنها مجمل النتاجات المنجزة عبر الحياة – وليس عبر العقل – ومجمل الأجوبة التي اقترحتها الحياة على أسئلتها الوجدانية الخاصة وعلى قلقها. لنفترض أن الثقافة هي أيضًا مجمل الأجوبة التي قدمتها الحياة إلى حساسيتها، وأنه لا يوجد أعمال فنية قابلة للإدراك بمنأى عن حساسية، بحيث تكون هذه الحساسية بالنسبة للفن حسًّا مضافًا. لنفترض أيضا أنه لا وجود لأخلاق éthique معقولة إلا لكونها إلزامات مقترحة عبر الحياة ذاتها. لنفترض أخيرًا أنه لا وجود لدين إلا لكونه ترجمة لتجربة أساس للحي. ستكون النظرية حينها أنه لا وجود لحياة من دون حي، ولا لحي من دون حياة، ولا وجود لحياة بالنسبة للحي إن لم تكن معيشة منه. كما أن الحياة ليست تمثُّلًا خارجيًا، والحي لم يأتي بذاته إليها. من خلال طريقتها في الحياة – ولا أقول في التفكير – هذه السلبية الأساس هي سمة فينومينولوجية ملموسة لهذه الحياة الملموسة.

ما هي نتائج الفعل المؤسس البدئي لـ غاليليه الذي أسس العلم الحديث كمعرفة هندسية رياضية للكون المادي عبر إقصاء الحياة الفينومينولوجية؟ من وجهة نظر غاليليه، من الممكن طبعًا تصور العالم كشكل مثالي من التطور النشط للمعرفة العلمية. لكن هذا العالم مقدرٌ له أن يصبح لاثقافيًا أكثر فأكثر. أعتقد أن هذه هي الحالة التي نعيش. فإخراج الحياة من دائرة الاهتمام، أي، إخراج الذاتية، يسبب أيضًا إخراجًا للثقافة كلها. إنها فرضية جذرية لا يستسيغها أولئك الذين لا يحبون الأسئلة: هل يوجد ثقافة علمية؟

سأختار لتعزيز حجتي بعض الأمثلة العيانية من عالمنا الراهن. منذ عشرون أو ثلاثون عامًا، كانت الحياة أكثر سهولة وجمالًا، لم تكن البطالة الهائلة موجودة. كنا نملك ثقافة غنية ومنوعة. ذهبت إلى اليونان لزيارة قلعة Eleuthère. كنت شغوفًا بالثقافة، كما الكثيرين من أبناء جيلنا. المشهد كان مذهلًا: وادٍ رائع شديد الجفاف، مسور بحائط من الأحجار الكبيرة البيضاء المحدبة، الواحدة منها كبيرة كبر نصف هذه القاعة. كل هذا المنظر كان يسبح في نور الصيف اليوناني. لكنني عندما نظرت إلى السماء، رأيت كبلًا كهربائيًا عالي التوتر يمر من فوق السور… هذا المثال يصور بشكل جيد ما قلته للتو عن الحساسية. لكنه يحمل أيضًا دلالة مخيفة، لأنه يتكرر آلاف المرات عبر العالم. إن إنشاء كبل كهربائي عالي التوتر ينتمي إلى العالم الحديث، أي، إلى مجموعة من الإجراءات المستنبطة من التصور الغاليلي، وبالأخص، من النظريات الفيزيائية التي تحدد اختيار المعدات الخاصة بإنشاء برج الأسلاك والتمديدات، الخ. ولما كان هذا العلم قام على إقصاء الحساسية، فلا يمكن لأي “دليل تنفيذي” أخذها في الحسبان. لا أحد بالتالي يتساءل عن الأثر الناتج عن هذا الكبل الكهربائي على الفرد الذي يشاهده. حتى تعليمنا ينصاع إلى هذه المفترضات الجذرية. نتعلم أن العلم وحده الصحيح، وما تبقى ليس سوى اختلاق أسطوري. لا مكان في هذا العلم للحساسية، فلا نتساءل أبدًا عن نتائج النقل الكهربائي على الحساسية: هذه المشكلة، لا سبب لوجودها. إنَّ نهب العالم عبر التقنية الحديثة – البنت البكر للعلم الحديث – مؤسَّس له نظريًا. ولا يمكن الاعتراض عليه، لأن نظام فكرنا ومبادئنا التربوية تشكل ضامنًا له.

مثال آخر هو ترميم الأعمال الفنية. زرنا في اليونان دير دافني Daphni، كان هنالك عمال على السلالم يقومون بدحرجة موزاييك الجدران وقبة الدير. الموزاييك، كما نعلم، مصنوع من مكعبات صغيرة زجاجية أو حجرية ملونة نسميها “الفسيفساء”. لصناعتها، نقوم أولًا بتجسيم أولي جداري هو عبارة عن مخطط مبدئي، ومن ثم نضع هذه المكعبات الصغيرة. الأثر الناتج بديع، فالضوء المنعكس في وسطها الشفاف يتداخل مع الألوان، ويظهر لون الموزاييك، المتبدل والفاتن، كما لو كان مُضاءً من الداخل. كانت لوحات الموزاييك تغطي كامل الدير (الرواق والجوانب والقبة). لكن في ذلك اليوم، أوقع العمال كميات كبيرة من الفسيفساء… عُدت إلى المكان بعد بضعة أعوام وأعلم ما سأجده، لم يكن يوجد مكان هذه اللوحات الرائعة إلا الإسمنت.

ما الدرس الذي يمكن استنتاجه من هذه الوقائع؟ إذا كان الفن يشكل عملًا أساس للمجتمعات، فلا حق لنا بتحطيم أعماله. تُصنع الموزاييك من مواد قيِّمة وغالية الثمن ولا يصيبها أي تغيير مع مرور الزمن. إن تدني قيمة المواد الفنية منذ ذلك الحين ذو دلالة: انتقلنا من الموزاييك إلى الجداريات، ومن الجداريات إلى الرسم على الخشب، ومن الرسم على الخشب إلى الرسم الصناعي. هكذا، في تاريخ الغرب، بمقدار ما تغتني الإنسانية تصبح المواد المستخدمة لإنجاز الأعمال الفنية ذات نوعية أقل جودة وعرضة للتلف بسرعة أكثر فأكثر. لا نعلم كم من الوقت ستبقى لوحات فان غوغ على حالتها. طالما أن هذه الأعمال تتفسخ، كيف نقوم بترميمها، أو، بالأحرى، كيف لا نقوم بذلك؟

فيما مضى، تمَّ ترميم موزاييك الدير بشكل صحيح. الإصلاحات المتتالية أعادت تشكيل الطبقة المادية لتسمح للوحة بالبقاء سليمة. تدخلت الحساسية الجمالية عندما كان معيار التدخل ترميم لون معين أو إعادة قطعة كانت قد وقعت إلى مكانها. لكن، لم يعد للعلم شأن بهذه الحساسية اليوم. توقف عن تقديم مقاربة جمالية (أي: حسية) للعمل الفني. عمله ينحصر اليوم بتأريخ عمليات الترميم بالكربون 14 وعمليات أخرى بإمكانها هي – كما نعلم – أن تعطي الجواب الفصل عن الحقائق الميتافيزيقية الكبرى! هكذا يُختزل موقف العلم أمام العمل الفني إلى تأريخ عمليات الترميم، ويقيم نظرية للترميم الشيء الوحيد المهم وفقها هو معرفة المادة الأصلية التي استخدمتها يدُّ الفنان، لينحصر دوره بتحديد ما هو غريب عن هذه المادة الأصلية. هكذا، سيحاول أناس في أوروبا الاستيلاء علميًا على الأعمال الموجودة، ويقومون بحذف كافة الترميمات المتعاقبة، إلى أن لا يبقى في النهاية شيء من العمل الماضي. يوجد في روما مَصْلى، رسمه غيوتو، لم يبق منه اليوم إلا عين! كان يوجد في الأديرة اليوغسلافية أجمل الأعمال الفنية في العالم، لوحات مسيحية مؤثرة جدًا. غطَّى الاسمنت هذا الفن الصوفي اليوم. انتهت الثقافة، كما وانتهت الأخلاق أيضًا.

نستطيع الآن أن نطرح السؤالين التاليين: ما الأخلاق éthique؟ وما الكائن الإنساني؟ إنها أسئلة أساس. أن نتصور الحياة كحياة أفراد أحياء، أو، على العكس، أن نعتبرها كمنظومة خامدة، النتائج ليست نفسها من وجهة نظر أخلاقية. إن أغلب الباحثين الدارسين في علوم المادة أو في ما نسميه العلوم الإنسانية يريدون تطبيق مناهج ومعايير وفرضيات المعرفة الغاليلية. غير أنني أعتبر أن أي أساس للأخلاق غير ممكن في هذا الحقل من المعرفة الفيزيائية الرياضية للكون المادي. لا شك أن دراسة هذا الحقل مشروعة تمامًا شريطة أن تنحصر ضمن هذا الحقل. لكن يرجح أن الجزيئات الفيزيائية المجهرية لا يسكنها أية رغبة، ولا أية إرادة مهنةٍ، ولا اعتراف اجتماعي، ولا عطش للسلطة، إلخ. إن غاليليه وديكارت كانا بالتالي على حق عندما نبها إلى أنه، في المادة، لا وجود لأي شيء شبيه بالحساسية.

في الحقل الغاليلي، لا يوجد فعليًا أي حامل ممكن للأخلاق. لنعود إلى تحطيم موزاييك دافني واستخدام الكاربون 14 لتأريخ الأعمال الفنية. متى حدث وقال العلم إنه لا يجب الإبقاء في عمل فني إلا على ما هو نتاج من يد الصانع الأصلية؟ عند مراجعتنا لجميع المعاهدات العلمية، لا وجود لمثل هذا التأكيد. نشهد اليوم خدعة تقوِّل العلم ما لم يقله على الإطلاق. فنخلط بين العلم والنزعة العلمية scientisme التي يمكن اعتبارها كارثة حقيقية لأنها تؤكد أن أية معرفة يجب أن تكون من نمط غاليلي. لكن العلم لم يقل أنه يجب حذف كل ما هو ليس من يد الفنان الأصلي في العمل الفني، وإلا وجب إلغاء كل شيء تقريبًا! القسم الأكبر من المعابد اليابانية من خشب، وكأنها تمت إعادة انشاؤها من جديد. لكن هذا الترميم سمح وسيسمح لغيري بزيارتها والتعرف عليها.

لا يوجد أخلاق éthique اليوم لأنه لا مكان لها في العالم الغاليلي. الأديان والأشكال الفنية الرائعة والأخلاق كلها وُجدت حتى قبل نشوء المعرفة الفيزيائية الرياضية. لنأخذ مثال الأخلاق الجذرية لـ موسى، ووصيته “لا تقتل”. تكتسي وصايا الأخلاق غالبًا شكلًا سلبيًا، وذلك على عكس الكلام المسند إلى الله. من يتحدث في وصية موسى؟ وحدها الحياة هي القادرة على إملاء هذه الوصية. لا يمكن للمنظومات الخامدة التي لا ترى شيئًا، ولا تعرف شيئًا، ولا تشعر بشيء، أن تستطيع التعبير عن شيء كهذا. وكذلك الأمر بالنسبة للوصايا الأخرى، وحدها الحياة، بالمعنى الترنسدنتالي، هي التي يمكنها إعلانها.

نصل الآن إلى السؤال الثاني: ما الكائن الحي؟ يرجع هذا السؤال لتساؤل فلسفي كلاسيكي يُحيل إلى نموذجين أساسيين من الأجوبة. الأول ينطلق من العالم، ويشكل ركيزة لما ندعوه بمصطلحات سكولائية “مبدأ الفردنة”. ما الذي يفردن الشيء؟ إنها مقولات العالم، وفق هذا التراث الفكري، أي، المكان والزمان والسببية. ما الذي يجعل من هذا القلم كيانًا منفردًا، في حين أنه يوجد كمية غير محدودة منه على سطح الأرض؟ من ناحية، هو هنا، هنا والآن، ويمكن أن يختفي. ويطابق، من ناحية أخرى، النموذج الأصلي للقلم، أي، شيء يسمح بالكتابة في شروط معينة.

نحن الأفراد أيضًا نعتقد أن فرديتنا تطابق هذه الشروط، لأننا ولدنا في مكان معين ولحظة معينة، من هذا الأب وهذه الأم، رجالًا أو نساءً، كما تذكر ذلك هويتنا بوضوح. لكن الفرد لا يتحدد في الحقيقة لا بموقعه في المكان ولا بموضعه في الزمان، ولا بتطابقه مع نموذج أصلي أو مع فكرة نشكلها عنه. كيف يمكن فكرة عن الكينونة الإنسانية أن تفردن الكائن فعليًا في حين أنه يوجد المليارات منه؟ إن الفردانية مختلفة كل الاختلاف، هذا ما طرحته في كتابي عن المسيحية. أرى أنه لا وجود لفرد إلا في الحياة[5]، وهذا هو الجواب الممكن على السؤال الثاني. الحياة هي ما يختبر ذاته بذاته، كما القلق في الحلم. نحن أمام اختبار ذاتي فذٍّ: الفرد فيه هو هذه الذات soi التي تختبر ذاتها. هكذا نجد أنفسنا أمام هوويَّة ipséité متعالية، مولودة داخل حياة ترانسدنتالية، ولا أصل لها سوى ذلك. ينبغي الانتباه إلى أن هذه الفرضيات حاسمة بالنسبة لعلم الاجتماع وعلم النفس.

إن نظرنا من زاوية العلم، أي، في مستوى العمليات الخامدة، لا يمكن إظهار الفرد حيث لا يوجد إحساس. لا يتشكل الفرد إلا داخل هذا الانفعال الذاتي auto-affecion لذات. إن مبدأ الفردنة الذي ساد في تاريخ الفلسفة، والذي استولت عليه العلوم، لا سيما البيولوجيا، يجد اليوم صوغه عبر الاستنساخ الذي يَعتقد أنه يُنتج نسخ مطابقة للأفراد عبر المضاعفة. ربما سنتمكن من إنتاج كائن آلي، لكنه سيخلو من الذات، لأن الذات لا توجد إلا باختبارها لذاتها. يفترض التحليل الماهوي في الحقيقة أن تكون هذه الذات التي تختبر ذاتها وحيدة. لا شك أنه يوجد ذاتية بينية، لكن الذات لا يمكنها أن “تختبر ذاتها-الآخر” s’épreuver l’autre، لا يمكنها أن تختبر سوى ذاتها.

بررت هذه الاعتبارات الجهود القائمة لتشجيع التبادل بين الفروع المعرفية ولتقويم شامل للمناهج، لكن من الضروري وجود تأمل تمهيدي. لأننا نحتاج لممهدات من أجل التفكير. لا يمكن البحث تناول موضوع معطى تجريبيًا من دون الرجوع إلى الممهدات التي جعلته ممكنًا وعهدت إليه معناه الخاص. من خلال هذا التساؤل الرجوعي فحسب، أو من خلال هذا الانسحاب الذي يجب إعطاؤه معنىً نسقيًا وجذريًا، تكون الأبحاث ممكنة.

الهوامش

* محاضرة أُلقيت في جامعة بول فاليري-مونبلييه III في 28 أيار 1997، نُشرت في الإنعطاء الذاتي (Auto-donation, édition Beauchesne, 2004)

** ميشيل هنري (1922-2002) فيلسوف فرنسي، ينتمي للتيار الفلسفي الفينومينولوجي، أنشأ نظرية للذاتية تستند إلى فينومينولوجيا الحياة. من أهم مؤلفاته: ماركس (Marx, 1976)، البربرية (La Barbarie, 1987)، رؤية اللامرئي: حول كاندنسكي (Voir l’invisible. Sur Kindinsky, 1988)، من الشيوعية إلى الرأسمالية: نظرية حول كارثة (Du comminisme au capitalisme. Théorie d’une catastrophe, 1990)، فينومينولوجيا الحياة (phénoménologie de la vie, 2003-2004).

[1]  Edmund Husserl, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, Paris, Gallimard, 1989.

[2] Oswald Spengler, Le déclin de l’Occident, Paris, Gallimard, 1948.

[3] Edmund Husserl, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op. cit. pp. 25 et suivantes.

[4] René Descartes, Méditations métaphysiques, Paris, PUF, 1996.

[5] Michel Henry, C’est moi la vérité. Pour une philosophie du christianisme, Paris, Seuil, 1996.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى