الرأي

والي الخرطوم وعقلية البصيرة أم حمد

أسماء جمعة

منذ أن وقع انقلاب العسكر بقيادة البرهان، والخرطوم تعاني من انفلات أمني لم تشهده في تاريخها، ويبدو أن الأمر جزء من العملية الانقلابية التي تهدف لقتل الثورة وتصفيتها، إذ يقول الخبراء إن إهمال الجانب الأمني وترك الدولة فريسة للانحراف والانحطاط هو وسيلة لقتل الثورات ضمن وسائل متعددة يستخدمها الطغاة. وفي الحقيقة البرهان لم يقصر، استخدم كل الطرق والوسائل وليس هذه فقط، هذا موضوع مهم سنعود إليه لاحقاً، فنحن الآن بصدد قرار البصيرة أم حمد الذي اتخذه والي الخرطوم لمحاربة جرائم الخطف بالمواتر التي انتشرت بشكل يؤكد أنه (قاعد ساكت).

والي الخرطوم المكلف ظل غائباً عن المشهد كله، وبعيداً عن كل مشاكل العاصمة، لم يثبت أنه أفضل من الوالي الذي سبقه، ولم يصحح أي خطأ تركه، بل لم يدل ولا حتى بتصريح، والخرطوم تعيش أزمة انهيار أمني رغم اكتظاظها بعدد من الجيوش، إلى أن وصل الإجرام مرحلة متقدمة، وأعلن المواطنون أنهم سيتصدون للعصابات وحدهم، وسيحاكمون أفرداها ميدانياً بما يرونه مناسباً، أي استرداد الحقوق بالقوة، وبالفعل بدأوا التنفيذ. ثم خرج علينا هو بمرسوم يقضي بتنظيم استخدام (المواتر)، وترك المركبات الأخرى التي تستخدم في جرائم أكبر من الخطف بالموتر بكثير.

طبعاً من الناحية القانونية، المرسوم لا يساوى الحبر الذي كتب به، ويفضح جهل الوالي وحكومته، لكن لن أتحدث في هذا الجانب، سأتركه لأهل القانون، وأكتفي بالجانب الاجتماعي.

المرسوم نص على منع ركوب الموتر لأكثر من شخص واحد، ومعاقبة كل من يخالفه بالغرامة (100) ألف، ويتعاظم العقاب إذا تكرر الأمر مع مصادرة الدراجة لصالح ولاية الخرطوم. في الحقيقة، هذا هو الهدف الأساسي من المرسوم، ويبدو أن الوالي لم يدرس الأمر جيداً، ولم يفكر فيه حتى، فهو لو فكر قليلاً سيجد أن مرسومه لا يخدم غرضاً لا من الناحية القانونية ولا الأمنية.

فالمجرمون يستطيعون الإفلات بألف حيلة، فهم لا يتواجدون في الشوارع الرئيسية، يختارون الضحية بعناية، بعيداً عن الناس، ويتجنبون أماكن تواجد القوات النظامية، ولو اشتد الضغط عليهم يختفون ثم يعودون بعد فترة، خاصة أنهم يعلمون أن الشرطة نفسها قصير جداً في حماية المواطن (تهوش) يومين تلاتة ثم تعود للنوم شهور.

الأخطر من كل ذلك أن المرسوم سيؤثر على الأبرياء والشرفاء الذين يستخدمون المواتر في أعمال شريفة وضرورية، فهناك من يعتمد على الموتر كوسيلة مواصلات تنقله إلى مكان عمله أو دراسته ومعه آخرين. وهناك من يستخدمه كوسيلة لكسب العيش مثل التاكسي يحمل راكب أو اثنين، بل البعض يستخدمه كإسعاف في ظل غياب الخدمات الصحية. باختصار قرار الوالي فيه خراب بيوت وتعطيل لأعمال الناس، فهو تصرف بعقلية البصيرة أم حمد، حل المشكلة بمشكلة أكبر، لذلك عليه أن يجد حلاً يعاقب المذنبين فقط ولا يأخذ الأبرياء بجريرتهم، عليه أن يفكر ويجتهد، فهو جيء به ليصحح مسار الثورة وليس ارتكاب أخطاء إضافية.

عموماً السؤال الذي يفرض نفسه: ما هو الحل الناجع لهذه الظاهرة؟ الإجابة تكمن في القيام بعمل حقيقي واستراتيجي يشمل حلولاً قصيرة المدى وبعيدة المدى. هي حلول تتهرب منها الحكومة الانقلابية التي لا يمكنها أن تحكم في مناخ معافى، وتنحصر تلك الحلول في الآتي: أولاً، إعادة الأمور إلى وضعها السليم الذي يسمح للدولة بالعمل وللاقتصاد بالتعافي والانفتاح، ويمنح الشباب الفرصة للدخول في مشاريع تبعد عنهم شبح العطالة والفراغ. ثانياً، التزام المؤسسات الأمنية بواجبها بكل شرف ونزاهة، والعمل بصدق وأمانة، وهذا يتطلب استرداد هيبتها وضبط منسوبيها، فالملاحظ أنها هي نفسها أصبحت غير مسؤولة، وفقد المواطنون ثقتهم فيها وفي العدالة، لذلك أعلنوا التصدي للعصابات ومحاكمة المجرمين ميدانياً، وهذا يفتح أبواب فوضى جديدة تؤدي إلى نتائج مدمرة. ثالثاً، وهو الأهم، وهذا يخص المواطنين، عليهم بالتصعيد الثوري الذي يجتث عصابات (9 طويلة) التي قامت بالسطو على الفترة الانتقالية، وهي الآن تسطو على المواطنين وتذلهم بالقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى