الرأي

هل سينتهي يوم الثاني من فبراير بانتهاء الكابوس ام بتكراره : في قدرة السودانيين علي تعظيم الاختلافات

د. بكري الجاك

في عام 1993 تم عرض فيلم ال Groundhog Day او ما يمكن ترجمته “بيوم جرذ الارض” مجازا، و قصة الفيلم تدور حول زيارة رجل الارصاد الجوي Bill Muray بيل موري الي مدينة صغيرة تسمي بنكستوني في ولايا بنسفليانيا لتغطية يوم جرذ الارض وهو تقليد قديم يقوم به المزارعون الامريكيون منذ زمن سحيق قبل تطور اجهزة الرصد الجوي للتنبوء بمواعيد انتهاء مؤسم الشتاء حتي يتمكن الزراع من التوقيت الانسب للزارعة لتعظيم فرص نجاح محصولاتهم خلال مؤسم زراعي قصير. الفيلم هو كوميدي مع نكهة وتتبيلة فسلفية حول مفهوم الزمن و التغير و الثبات، و جوهر قصة الفيلم أن بطل الفيلم بيل موراي يستيقظ كل يوم ليجد نفسه في نفس احداث يوم الثاني من فبراير و هو اليوم الذي يتم فيه اخراج جرذ الارض ليخبر الناس عن مواعيد انتهاء مؤسم الشتاء. الفيلم حقق نجاح غير مسبوق في وقته و اصبح من الكلاسيكيات في السينما الامريكية و انا عن نفسي ظللت استخدمه في تدريس بعض المواد المتعلقة بالذكاء العاطفي و الاقتصاد السياسي و سلوكيات ادارة المنظمات.
الشاهد أن من يعتقد أن السباب و القذف و التخوين و الابتذال و الابتسار و المطاعنة و التسفيه و التتفيه وغيرها من السموم التي ترسم الملامح العامة للخطاب السياسي السوداني المصحاب لثورتنا المجيدة في هذه المرحلة أمر جديد في الشأن السوداني فما عليه الا أن يعود الي طبيعة الخطاب السياسي ومحدداته في أعقاب ثورة 1964 و في اعقاب ابريل 1985. ومثل هذا الجيل الذي قال عن نفسه انه “كتب عليه انهاء الانقلابات العسكرية في السودان” فقد ظن كذلك جيل المتاريس في اكتوبر و جيل انتفارضة مارس ابريل و كلا الجيلين كان موقن انهما ليس براكبي الرأس وحسب بل انهما عصارة وعي و تطور التجربة السياسية في السودان و كلاهما كان محقا في تصوراته في حينها و كذلك الجيل الحالي الذي يمثل جزء اصيل في حراكنا الثوري المجيد. فنحن بشكل أو بأخر ما زلنا نعيش يوم الثاني من فبراير و لا ندري كيف سيتأتي لنا الخروج منه.
المتأمل للحالة السياسية في بلادنا اليوم سيجد بعض من يعتقدون في أنفسهم بأنهم حماة الثورة و المعبّرين عن اصالتها و ضميرها يرون في القوي السياسية التقليدية، التي نازلت الانقاذ لسنين عددا بادوات مدنية و عمل مسلح، انها محض قوي انتهازية أو قوي هبوط ناعم تسعي الي الوصول الي السلطة باي شكل كان، و بالتأكيد كيفية ادارة العملية السياسية منذ ابريل 2019 الي 25 اكتوبر 2021 و لا تبريء ساحة هذه القوي بالكامل ان لم تدنها. الا أن الحقيقة الماثلة تشير الي أن تبسيط مواقف هذه القوي و تقديراتها السياسية في محض انها انتهازية و خونة و تحركها محاور اقليمية خلاف انه غير موضوعي و غير مفيد للحوار الا أنه ايضا يعبر عن حالة الكسل الذهني و ضعف المنطلق لمردديه. نظريات المؤامرة كوسيلة لتفسير حركة التاريخ بخلاف مكوناته الموضوعية الماثلة و المرئية للجميع تعطي اصحابها حالة يقين لا يمكن أن تتأتي لعقل نقدي باحث عن المعرفة و اقامة الحجة و البرهان، هذه القوي اخطأت في كثير من الأمور بما فيها القبول بنتيجة التفاوض و طريقة تعيين الحكومة و كيفية ادراة تحالفها و غيرها من الأمور التي اشرنا لها من قبل، الا أن جزء كبير من فشلها اسبابه بنيوية و هيكلية بلا أدني شك. هذه الثورة هي ملك لجميع السودانيين و لكل من اراد أن يساهم فيها بما استطاع و من يقف ضدها أو يتآمر عليها سيدفع ثمن ذلك مهما استطالت دورة التاريخ الا أن هنالك حقائق يجب التعاطي معها بشيء من الموضوعية.

القوي الثورية الصاعدة ممثلة في لجان المقاومة هي تطور موضوعي لعصارة التجربة السودانية و ما يطالها الآن من تناوش و اتهامات بالتخوين ليس ببعيد عن حالة الخطاب السياسي العام الذي طال الجميع، منذ وقت ظللت احاجج أن هذه الاجسام هي قاعدية و ليس لها اي تركيبة هرمية او وحدة فكرية تجمعها سوي التوافق علي مقاومة النظام الشمولي و التطلع الي بناء حكم مدني، و عليه اي افتراض بتطوير هايكل هرمية و ميثاق موحد كما يحاول البعض لا يمكن له الحدوث الا بتبني شكل من اشكال التنظيم القائم علي نظام اساسي و عضوية و مشروع فكري يتجاوز الطبيعة الجغرافية التي هي اصلا دعامة فكرة اللجان. و برغم تحصنها من النقد لفترة و عمل جل الفاعلين السياسيين علي حمايتها باعتبارها أحد آخر الأدوات النضالية الفعالة هاهي الآن تتعرض للهجوم فقط لأن بعض ممثلي التنسيقيات قاموا بمقابلة وفد من الكونغرس الأمريكي ممثلا للجنة العلاقيات الخارجية بمجلس الشيوخ كما تتعرض للنقد في الكيفية التي اتبعتها في تطوير المواثيق و كيفية التصعيد للقيادة و صناعة القرارات. و ما يحدث ليس فيه جديد انه دورة أخري من الثاني من فبراير في سياق ديسمبري.

الأهم موضوعيا الآن هو التعاطي مع الواقع أكثر من الاكتفاء بتحليله و شتم كل الفاعلين السياسيين و لعنهم و تخوينهم، و عليه ستظل هنالك تحديات جسام أمام القوي الثورية المشتتة في عدة واجهات من قوي سياسية و لجان مقاومة و نقابات و مجتمع مدني و ليس في ذلك ما يثير الاستغراب، الا أن وحدة الخطاب الثوري و المشروع السياسي للقوي الديمقراطية سيساهم في تعزيز ادوات المقاومة بتوظيف بعض العوامل الخارجية و ربما حتي تحييد بعض اللاعبين الاقليميين. التحدي الأكبر في تقديري ناجم من سوء قراءة و توصيف و فهم الحالة التي وصلت اليها الدولة السودانية في تشظيها وهو ما يجعل بعض الفاعلين يعتقدون أن القيام بنفس الأفعال من مواكب وعصيان مدني و اضراب سياسي ستأتي بنفس النتائج السابقة دون الأخذ في الاعتبار أن طبيعة الدولة التي تتخلق الآن و نظامها السياسي لا يحتكم الي الشروط السياسية التي كانت فيها هذه الادوات فعالة. هذا ليس لقول أننا يجب أن نتوقف عن هذا العمل المقاوم، بل العكس ليس أمامنا سوي مواصلته فبامكاننا أن نقاوم و نفكر في آليات أخري في آن واحد.

في مقال سابق تحدثت عن غياب العقلانية في خطابنا السياسي وهو ما يفسر أن بعض التصورات عند البعض تصبح يقين يتبعه اعتقاد كامل بالصوابية المطلقة و من ثم الاحساس بالتفوق الاخلاقي و سلامة الموقف الثوري و هو ما يعطي البعض رخصة بالابتذال و السباب و الاستخفاف و التخوين و غيرها ( ربما باعتبارها فعل ثوري) من عوائق الحوار الموضوعي الجاد، المؤكد ايضا أن هنالك عمل منظم في الوسائط من قبل الشركات التي تعين الانقلابيين في خلق هذه الحالة من السخط و التشظي و اذكاء نيران الخلاف و الفرقة حتي في البديهيات. في نفس المقال قلت أن هنالك ثلاثة تجليات لغياب العقلانية في الخطاب السياسي السوداني: أولها سوء ترتيب الاولويات لدي الدولة والمجتمع والفرد، ثانيها ضعف فرص استدامة العمل الجماعي و ثالثها التبسيط والاستخفاف بسبل كسب المعرفة، و في متنه قدمت براهين و شواهد علي هذه التجليات.

خلاصة القول أننا الآن أكثر حاجة الي توطين العقلانية في خطابنا السياسي للتعاطي مع أكبر حراك ثوري في تاريخنا المعاصر حتي نخرج من هذه الضحالة و نجترح حوارات جادة حول من نحن؟ ماذا نريد؟ ماهي الادوات و الآليات التي يمكن ان توصلنا الي ما نريد، خلاف ذلك سنتيقظ غدا و بعد غدا في الثاني من فبراير و في نفس الكابوس و “الصور نفس المشاهد” الا أن الفارق ما بين الفيلم و الحقيقة أننا فعليا في كل يوم و نحن في هذا الحال يتآكل عقدنا الاجتماعي و تتلاشي دولتنا تحت سمعنا و بصرنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى