الرأي

هروب الطبقة الوسطى وفرص التغيير في السودان

د. بكري الجاك
كون أن هنالك طبقة وسطى تقوم بعرض بيوتها وممتلكاتها للبيع وتسعى الى الهجرة هذا أمر يجب ان يكون مصدر قلق عظيم لكل طلاب التغيير الاجتماعي والثوري في السودان. لم يعد هذا الأمر خافياً على أحد فحاشية البشير من الاسلاميين وغيرهم من المنتفعين اتجهوا نحو تركيا، أما بقية الطبقة الوسطى السودانية فقد اتجهت نحو الخليج ومصر بالأخص. هذه الظاهرة يجب أن تقلق مضاجع كل ساعي للتغيير الاجتماعي غض النظر عن الوسائل. هروب الطبقة الوسطى هو بداية عملية الاحلال الطبقي والثقافي وبداية هزيمة مشروع التغيير الاجتماعي واختزاله في ما هو مظهري على ما هو جوهري وحقوقي. الآلاف الآن يعرضون بيوتهم للبيع ويسعون للهجرة وهذا أمر مقلق يستدعي التوقف والتدبر من القوى الثورية، لا شك لدي أن القوى الانقلابية تفضل هذه البلاد خالية من السكان، لذا لا هاجس لها في هجرة كل السكان حتى ولو الى حتفهم الأخير.
فكرة اهمية الطبقة الوسطى لتماسك اي بنية اجتماعية ليست جديدة ويمكن تلمس جذورها في عصور نهايات عصر الاقطاع وبدايات الرأسمالية كنظام اجتماعي بعلاقات انتاج ونمط انتاج مغاير حيث أن الرأسمالية بنمط انتاجها القائم على تقسيم العمل على شاكلة تتجاوز الاقطاع، الذي يقسم الناس لطبقة الـserfs اي الشغيلة و الـland lords ملاك الاراضي، خلقت بالضرورة والصيرورة طبقة وسطى ما بين الشغيلة وملاك رأس المال. الطبقة الوسطى اضحت محل اهتمام جل مدارس الاقتصاد السياسي، فالماركسية بنت تحليلها الاجتماعي للصراع الطبقي في نهاياته المنطقية على فرضية الـ Avant guard أو الطليعة كما جرت العادة على ترجمتها بالعربية، الفرضية الماركسية تقول إن هنالك شرائح من الطبقة البرجوازية ستمر بمرحلة التجاوز الضميري أو الانتحار الطبقي الأمر الذي سيجعلها تنحاز الى قضايا انهاء الاستغلال الطبقي وبناء نظام العدالة الاجتماعية مما سيغير في معادلة علاقات السلطة والقوة بتغيير نمط الانتاج بشكل يسمح للمجموعات المستضعفة لتنظيم نفسها بمساعدة الطبقة الوسطى (البرجوازية) لإحداث التغيير الاجتماعي الذي سيخلق منظومات وبنيات اكثر عدلا، وليس بالضرورة ستصب كل نتائج هذا التغييرات في صالح الطبقة الوسطى كما تدعي بعض مدارس التحليل الليبرالية.
مدارس الاقتصاد السياسي الحديثة التي تجاوزت المدخل الاحاديsingle approach وتأخذ في الاعتبار التصورات والفرضيات النظرية للمدارس الاساسية في الاقتصاد السياسي او ما يعرف بالـ main stream وهو خليط ما بين المدرسة الكلاسيكية والماركسية والنيوكلاسيكية والمؤسساتية والمدرسة الكينزية وبرغم تنوع واختلاف هذه المدارس في فرضايتها ومقدماتها النظرية إلا أن القاسم المشترك بين كل هذه المدارس، بعيدا عن فكرة العرض والطلب والسعر والمنفعة كآلية لتحديد كيفية توظيف الموارد في اي مجتمع، أن هنالك أهمية وظيفية لوجود طبقة وسطى في اي بنية اجتماعية لإحداث اي تغيير او نقلة نوعية وكمية في اي واقع اجتماعي.
بول باقلي Paul Bagguley نشر مقالا في عام 1992 تحت عنوان “التغيير الاجتماعي، الطبقة الوسطى والحركات الاجتماعية الصاعدة: تحليل نقدي” وجوهر ورقته البحثية تلخص في نقد مساهمات الحركات الاجتماعية التي تسهم في التحولات لما يعرف بما بعد الفورديزم Post Fordism اي فكرة الانتاج الوفير والاستهلاك غير المحدود اضافة الى فكرة الرأسمالية غير المنظمة التي تسعى الى التنظيم على المستوى المحلي وما تبع ذلك من محاولة التركيز على المصالح والقيم للطبقة الوسطى. في هذه الورقة قدم بول مقترحاً نظرياً موازياً قائماً على ان يرتكز التحليل على العلاقات الاجتماعية وهو الأمر الذي تسعى له الحركات الاجتماعية الجديدة الى تغييره.
المتوافق عليه بين كل مدارس الاقتصاد السياسي ونظريات التغيير الاجتماعي أنه لا يمكن احداث نقلة نوعية في اي مجتمع سواء كانت هذه النقلة سياسية أو اجتماعية دون مشاركة فعالة للطبقة الوسطى. هنالك سبب موضوعي لمثل هذه الفرضية فالطبقة الوسطى، بالرغم من صعوبة تحديد كنتورها الاجتماعي وحدودها السياسية، فهي اللحمة التي تربط بين مكونات المجتمع التي نظريا تنقسم ما بين طبقة دنيا كادحة وطبقة عليا مالكة لموارد الانتاج مع العلم أن شروط التقسيم الطبقي لا تقوم بالضرورة على مدى السيطرة على ادوات الانتاج وحدها بل على الموقع الاجتماعي الذي ليس بالضرورة يتحدد وفق الشرط المادي وحده، فربما شيخ شريف وفقير وفق المنظومة الثقافية قد يجد فرصاً للترفع الاجتماعي على شخص آخر غني لكنه من مجموعة دنيا وفق سلم التراتب الاجتماعي (المادي أو غير المادي)، جوهر الفكرة أن الارث المادي وحده غير كافي لتحديد الموقع الاجتماعي حيث ان تعريف الارث المادي في ذاته قد يستدعي الاتساع لشمول الموقع الاجتماعي الذي لا يعتمد بالضرورة على الكسب الاقتصادي وحسب. اضف الى ذلك التعقيد الذي سينتج من علاقات السلطة والثروة والموقع الاجتماعي وتأثيرها على بعضها البعض.
ما يهمنا من هذه المقدمة النظرية ان عملية التغيير الاجتماعي والحراك السياسي كانت ومازالت تجد عمقها في وجود طبقة وسطى غير متماهيمة مع القوى المعادية للتغيير او ما يمكن نظرياً توصيفه بالقوى المحافظة التي تسعى الى تدعيم والحفاظ على مصالحها المادية تحت اي ظرف. لا جدال حول انخراط كل الشرائح الاجتماعية في مشروع الثورة السودانية، إلا أنه ليس هنالك أدنى شك في ان هذا الحراك الثوري هو في جوهره حراك طبقة وسطى الى حد كبير رغم صعوبة تحديد كنتورها: فهي طبقة تشمل المتعلمين والمثقفين والمؤثرين اجتماعيا وان كانوا فقراء في اطراف المدن. وفي مقال سابق جادلت أن جوهر نظرية النخبة يقول إن هنالك أقلية في اي مجتمع تتخذ القرارات العامة نيابة عن الناس وتحكم الاغلبية، وهذه الأقلية تسمى النخبة الحاكمة Ruling Elite أو الطبقة السياسية Political Class التي لها القدرة في الـتأثير على قرارات الحكومات وسياساتها العامة. وللنخبوية ثلاث صفات رئيسية: وحدة وتماسك المجموعة، الضمير، والمؤامرة، وهذا يؤكد أن الأقلية النخبوية لا يمكن أن توجد الا اذا كانت موحدة. المعلوم من الواقع بالضرورة أن القوة تمنح مالكيها فرصاً لكسب مزيد من القوة مما يمكن النخب من الحصول على السلع الاجتماعية من رأسمال رمزي وترفيع طبقي وامتيازات في مجالات التعليم وغيرها. هذه الخصائص تساعد النخب وبناتهم وابناءهم في مواصلة السيطرة على الاجيال المتعاقبة. الطبقة الوسطى هي الماكينة التي تحرك عصب النخبة، ووفق هذا التحليل لا يمكن الجدال أن هنالك نخبة سياسية بالشروط الثلاثة المشار اليها ولكن هنالك طبقة سياسية تعمل على “التوزيع غير المتساوي للموارد ومهارات القيادة ومصادر القوة”.
خلاصة القول، أنه وفق هذا التحليل، إن الشهيد عبدالسلام كشة نخبة وطبقة وسطى صانعة لمسيرة التغيير برغم من أنه قال إنه “نخاف على ثورتتنا من النخب” واعتقد انه قصد أنه يخاف الطبقة السياسية، فـ(كشة) ولجان المقاومة وكل الفاعلين السياسيين في المشهد الثوري الآن هم نخب وهم طبقة وسطى بلا جدال. واذا ما استمر خروج الطبقة الوسطى السودانية بالمعدلات المشاهدة (غير المرصودة بشكل علمي) فإننا ازاء مرحلة جديدة ومعقدة في مسيرة الثورة والتغيير في السودان، فلا يمكن بناء نظام ديمقراطي دون طبقة وسطى فاعلة وفعالة، فالانقلابيون يفضلونها ارضا فارغة من السكان وهذا ما يعقد من مشهد معادلة التغيير، فهلا استيقظنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى