قضايا فكرية

نقد العقلنة كتشيؤ أو نقد الحداثة الملتبسة: (2 من 3)

من العقلانية الأحادية إلى وحدة العقلانية المركبة والتعددية

د. هشام عمر النور

رغم أن هابرماس يؤسس للعقلانية المركبة والتعددية، إلاّ أنه يولي عناية خاصة لمسألة وحدة العقل. هذه الوحدة هامة بالنسبة له حتى وإن كانت إجرائية، فهي كما رأينا تشكل الأساس الذي يقوم عليه معنى حياة الإنسان، وهي كذلك، كما يرى هابرماس، تبرر الفلسفة كنشاط معرفي ونقدي؛ ولولاها لاندثرت الفلسفة، إذ بها تتعين وظيفة الفلسفة كحارسة للعقلانية. ويرى أن النظر للعقلانية يتجاذبه إتجاهان في الفلسفة: التاريخانية historicism والترانسندنتالية transcendentalism. الأولى تشرط العقلانية بسياقها التاريخي ومن ثم تجعل منها أمراً نسبياً مما يؤدي لفقدانها لأي معايير كلية تستند إليها في تقرير الحقيقة. بينما الثانية تجعل العقلانية تستند على خصائص ذات طابع عام وكلي وبالتالي غير مرتبطة بسياقها التاريخي وهذا أمر كان يجب أن ينتهي بالمعرفة إلى صحتها المطلقة وعدم قابليتها للخطأ، وهو ما يتناقض مع الواقع. ويقترح هابرماس طريقاً ثالثاً تكون فيه للفلسفة غاية توضيح أسس العمليات العقلانية للوصول للفهم وهي ذات طابع كلي لأنها ضرورية؛ وفي ذات الوقت تكون الفلسفة قابلة للخطأ لأن إفتراضاتها الكلية تتطلب تأكيداً في علاقتها بالنظريات التجريبية.

جورج لوكاش

إن قضية “عقل واحد أم متعدّد ومركب” يناقشها هابرماس ضمن ما يسميه بالتفكير ما بعد الميتافيزيقي. فهو يرى أن “الوحدة والتعددية” هي القضية التي حكمت الميتافيزيقيا منذ بدايتها. فمنذ أفلاطون تمثلت الميتافيزيقيا في النظرية التي تجعل من الواحد أصل وأساس أي شئ. هذا الواحد صار يُعرف فيما قبل أفلوطين بمثال الخير أو المحرك الأول أما بعده فقد صار يُعرف بغير المشروط أو الروح المطلق. وفي العقد الأخير من القرن العشرين تجدّدت هذه القضية ولكن في علاقات جديدة. فقد افتقد البعض التفكير التوحيدي للميتافيزيقيا ومن ثم عملوا على تأهيل بعض الرموز الفكرية فيما قبل كانط أو حاولوا العودة إلى ميتافيزيقيا تتجاوز كانط. بينما على النقيض من ذلك رأى البعض الآخر أن أزمات الحاضر تعود إلى بقايا التفكير التوحيدي الذي نجده في فلسفة الذات وفلسفة التاريخ. ومن ثم دعى هؤلاء إلى تواريخ وأشكال حياة متعددة في مقابل تاريخ العالم وعالم الحياة المفردين، وإلى آخرية ألعاب اللغة والخطابات في مقابل هوية اللغة والحوار، وإلى تعدد النصوص في مقابل المعنى المفرد الثابت. وهنالك تياران يعبران عن هذا الإتجاه الذي يتحدث باسم التعددية المقموعة. الأول، الذي يمثله ليوتار ورورتي، التي تعمل على إنقاذ غير المتطابق وغير المتكامل والمنحرف والمختلف والمتناقض والمتنازع والمؤقت والعارض. أما التيار الثاني، الذي يمثله دريدا، فدفاعه عن العارض وتخليه عن المؤسس يفقد خصائصه النقدية والهادمة وتصبح دلالته الوظيفية حماية قوى التقليد، التي لم يعد ممكناً الدفاع عنها عقلانياً؛ والغرض هو توفير الحماية الثقافية لجوانب العملية التحديثية للمجتمع والتي خرجت عن السيطرة، أي أن الإتجاه الأخير ينتهي إلى نقيضه، إلى الدفاع عن السائد والتخلي عن العارض والمؤقت. وحتى التيار الذي يمثله ليوتار ورورتي فإنه يقوم على ميتافيزيقيا سلبية تدور في فلك ما قصدته المثالية الميتافيزيقية بغير المشروط، فالتعددية غير المشروطة لا تختلف عن الواحد غير المشروط، فقط يكون الأول منهما سلبياً بينما الثاني إيجابياً. وهذا يعني أن قضية “الواحد والمتعدد” قضية لا يمكن تبسيطها وحصرها في [مع أو ضد]. ولذلك يقدّم هابرماس بديلاً ثالثاً يركبهما الأثنين معاً، ويجدان فيه خصمهما. هذا البديل الثالث يستخدم فلسفة اللغة لينقذ مفهوم العقل، ولكن العقل الذي ينقذه عقل شكّي وما بعد ميتافيزيقي. إن هابرماس يقدم مفهوماً إجرائياً لعقل تواصلي communicative reason يقصي كل ما يتعلق بالمضمون إلى مجال المؤقت والعارض ولذلك ترى فيه ميتافيزيقيا التفكير التوحيدي عقلاً ضعيفاً لأنه من الممكن التفكير في العقل نفسه باعتباره عارضاً ومؤقتاً. ويتعامل العقل التواصلي كذلك مع ثلاثة أشكال من العالم ولذلك ترى فيه السياقية الراديكالية عقلاً أقوى من اللازم لأنه قد ثبت أن الحدود بين هذه الأشكال الثلاثة المزعومة قابلة للإختراق في الوسط التجريبي للفهم المتبادل. ويحدّد هابرماس ما يريد أن يشير إليه وهو أن وحدة العقل لا يمكن إدراكها إلاّ في تعددية أصواته ـ أي في الإمكان المبدئي للإنتقال من لغة إلى أخرى. كما أن الفهم المتبادل الذي يتحقق إجرائياً فقط، ومؤقتاً أيضاً، يشكل خلفية تنوع أولئك الذين يتواجهون في أية محاورة حتى حينما يفشلون في فهم بعضهم البعض. وهكذا يجمع هابرماس بين الحاجة إلى الوحدة دون أن يقمع التعدّد.

أما موقف هابرماس من الاستنتاج الثاني والخاص بـ”فقدان الحرية” فيبدو لنا أنه يتلخص في رؤيته جانبين لهذا الاستنتاج، أحدهما صحيح بينما الجانب الآخر يعبّر عن الخطأ الأساسي في مشروع فيبر النظري. الجانب الصحيح نجده فيما توصل إليه فيبر من أن الإنسان في مجتمعات الحداثة الراهنة يعاني من غياب الحرية نتيجة لسيادة العقل الأداتي في مجالاتها وأنظمتها الثانوية المختلفة بإنفصال تام عن الخيارات الأخلاقية، أي عن إرادة الناس واختياراتهم. أما الخطأ الأساسي فهو أن فقدان الحرية يبدو عند فيبر وكأنه يعبّر عن جوهر ضروري في الحداثة ومصير لا يمكن تفاديه طالما أن عقلنة المجتمع يترتب عليها بالضرورة سيادة الفعل العقلاني الأداتي في كل الأنظمة الثانوية للمجتمع بحيث يصبح مؤكداً أن تجري الأمور فيها بعيداً عن إرادة الناس واختياراتهم. وبالنسبة إلى هابرماس فإن هذا الاستنتاج خطأ أساسي لأنه باختصار يهدم أهم ما يميز مشروع فيبر النظري، يهدم عقلانيته المركبة وتعدديتها. فلو ارتبط فيبر بخصائص مشروعه النظري لأدرك أن جوهر مشروع الحداثة ــــــــ كما عبّر هو نفسه ــــــــ يكمن في تمايزه وتعدده ولذلك فليس هنالك من سبب يجعل سيادة الفعل الأداتي في مختلف أنظمة مجتمع الحداثة أمر يعبّر عن خصائص ضرورية لهذا المجتمع، بل يعبّر في سيادته الراهنة عن أوضاع عارضة ذات صلة باستراتيجيات السيطرة الاجتماعية. لقد نظر فيبر إلى العقلنة الاجتماعية من منظور العقلانية الغائية. ولم يطبّق المفهوم الشامل للعقلانية الذي أسس عليه بحثه في التقاليد الثقافية على مستوى المؤسسات. فمركب العقلانية المعرفية الأداتية هو الوحيد الذي اكتسب أهمية بالنسبة لعقلانية أنظمة الفعل. وافترض فيبر أن الجانب العقلاني الغائي فقط هو الذي يكوّن الأنظمة الثانوية للإقتصاد والسياسة. هذه المعالجة للعقلنة الاجتماعية من منظور العقلانية الغائية تترك انطباعاً بأن عمليات عقلنة المجتمعات الحديثة ترتبط فقط بالمعرفة النظرية التجريبية وبالجوانب الأداتية والاستراتيجية للأفعال الاجتماعية، وأن العقلانية العملية لا يمكن أن يتم تحويلها إلى مؤسسات بطريقة مستقلة، أي بمنطق داخلي خاص بها إلى نظام ثانوي. بمعنى آخر أن فيبر يعطينا الانطباع بأنه لا يمكن أن يتكون نظاماً ثانوياً في المجتمع بفعل آخر غير الفعل العقلاني الأداتي. وهذا ما يتعارض مع الخصائص الأساسية للعقلنة الاجتماعية لديه.

تاريخية العقل الأداتي والأساس الأنثربولوجي للعقلانية التواصلية:

ماكس فيبر

ولوكاش هو الذي أخرجنا من ضرورة وحتمية سيادة الفعل الأداتي في مشروع الحداثة. لقد جعل فيبر من التشابه البنيوي بين الفعل العقلاني الغائي وأنظمة الفعل الاجتماعي، بالذات في الإقتصاد والدولة البيروقراطية، طابعاً كلياً لعقلنة المجتمع وبهذه الصفة أصبح الفعل العقلاني الغائي شرطاً كلياً لا تاريخي لمشروع الحداثة، بينما ذهب لوكاش إلى تعريف العقلانية تعريفاً أداتياً يستلهم فيه فيبر فحددها بأنها الرؤية المسبقة والحساب الدائم الأكثر صحة لكل النتائج المرجوة إلاّ أنه ربط بين هذه العقلانية الغائية وبين الرأسمالية، أي أن الفعل العقلاني الغائي لم يعد عند لوكاش شرطاً كلياً لا تاريخياً وإنما أصبح يعبّر عن التحقق التاريخي للحداثة وبذلك فتح لوكاش الباب أمام الاحتمالات بأن تكون هنالك تحققات تاريخية أخرى غير العقلانية الغائية أو أن تكون الحداثة الحقيقية ــــــــ لا الحداثة الملتبسة ــــــــــ مركب من العقلانيات وهو ما ينسجم مع أسس التفكير النظري عند فيبر نفسه، وهذا يعني أن إخفاقات الحداثة ونواقصها لم تعد جزءاً ضرورياً من الحداثة كما هي مع فيبر. إن المأثرة الحقيقية للوكاش هي جمعه ماركس وفيبر معاً بحيث استطاع أن يفك الارتباط بين مجال العمل الاجتماعي وسياقات عالم الحياة مما أتاح له أن يتعامل مع كل منهما من جانب مختلف، فتعامل مع مجال العمل الاجتماعي من جانب التشيؤ بينما تعامل مع سياقات عالم الحياة من جانب العقلنة. ويدرك فيبر أن تشيؤ سياقات عالم الحياة يحدث حين ينسق المنتجون تفاعلاتهم بواسطة قيم التبادل بدلاً من تنسيقها بواسطة القيم والمعايير، بإعتبارها الجانب الآخر من عقلنة أفعالهم. وهذا الاستنتاج هو الذي استخدمه هابرماس في بنائه لنظرية الفعل التواصلي ولنظرية الحداثة.

إن محاولة نقد النتائج التي توصلت إليها نظرية الحداثة عند كل من فيبر ولوكاش بنقد العقلانية الأداتية أو العقلانية الغائية ونقد هيمنة الفعل الأداتي على غيره من الأفعال ونقد إعتبار أنه أكثرها عقلانية وبالتالي نقد كونه نموذجاً لهذه الأفعال، يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب عليها. فهذا النقد وإن كان يحاول أن يعالج أزمات الحداثة بتوفير إمكان تحقق أشكال تاريخية أخرى من مشروع الحداثة بديلاً للشكل القائم المأزوم إلاّ أن هذا النقد لا يقدّم أيّ تفسير لسيادة العقلانية الأداتية وفعلها على مركبات العقلانية الأخرى وأفعالها، وهذا يعني أنه ليس هنالك مناص من التسليم بأحد الخيارين: خيار فيبر، بالإقرار فعلاً بنموذجية الفعل الأداتي مع تسليمه بمركبات العقلانية الأخرى وبالتالي التسليم أيضاً بأن تشوهات الحداثة نتائج ضرورية للمشروع نفسه، أو خيار لوكاش، بربط تشوهات الحداثة بتحققها التاريخي الرأسمالي. والخيار الأخير رغم كونه يفتح مشروع الحداثة على إمكانات تحقق تاريخية متعددة إلاّ أن ربطه تشوهات الحداثة بالرأسمالية يعني ربطها بنظرية القيمة في المجال الإقتصادي وهذا يترتب عليه تبسيط مفاده أن إلغاء الملكية الخاصة سيؤدي إلى العلاج الجذري لهذه التشوهات. وهذا أمر، فوق أن تطورات العقود الأخيرة من التاريخ الإنساني قد أثبتت خطأه، يفتح مشروع الحداثة على إمكانات غير حقيقية أو بمعنى أدق غير أصيلة، أي لا تنتمي للأساس الأنثربولوجي للمشروع. وهكذا ينغلق الأفق أمام مشروع الحداثة بعدم قدرته على تجاوز أزمته بل وبصيرورة الأزمة جزءاً ضروريّاً من المشروع نفسه، وينفتح فقط أمام ما بعد الحداثة لا بإعتبارها جزءاً من المشروع وإنما بوصفها تخطياً له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى