قضايا فكرية

مقابلة مع يورغن هابرماس عن الديمقراطية التداولية ( 2 من 3)

The Oxford Handbook of Deliberative Democracy, Edited by Andre Bächtiger, John S. Dryzek, Jane Mansbridge, and Mark Warren, 2018.

 

ترجمة: هشام عمر النور

تغطي هذه المقابلة مع يورغن هابرماس عددًا من الموضوعات الحاسمة والمثيرة للجدل في الديمقراطية التداولية – مثل دور موقف الكلام المثالي، ودور الإجماع (العقلاني)، وإمكانية التداول في المجال الاستراتيجي للسياسة في المجتمعات المنقسمة على نحو عميق. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يحدد تقييمه للتطورات الحالية في النظرية التداولية – مثل مساهمة الروايات والعواطف والخطابات في عملية التداول ودور المصلحة الذاتية والمساومة في التداول. يقدم يورغن هابرماس رؤية تكاملية ومتفائلة للبرنامج التداولي، مؤكداً على أهمية اتباع نهج منظم وطويل الأجل حيث يتم تنقية العملية الديمقراطية “ككل من خلال التداول”.

(3أ) تفترض نظرية الفعل التواصلي أن المقاصد الإستراتيجية تقوض التوجه التداولي للوصول إلى الفهم. بعبارة أخرى، يجب على الفاعلين التداوليين حقًا أن يتبنوا في الخطاب توجهاً للوصول إلى التفاهم. لكن في السياسة، تلعب التوجهات الاستراتيجية للفاعلين دورًا مركزيًا، مما يثير التساؤل عما إذا كان النموذج التداولي يمكن أن يكون له أي صلة بالمواقف السياسية.

حسنًا، معظم القرارات السياسية هي بالطبع نتيجة لمساومات. لكن هذا لا يفصل المساومات عن الخطاب. أولاً، يمكننا أن نتوقع أن تكون النتائج عادلة (أ) فقط إذا تم التوصل إلى حلول وسط وفقًا للقواعد التي تضمن الإنصاف؛ و (ب) لا يمكن تبرير عدالة هذه القواعد إلا وفقًا لشروط خطابية. ثانيًا، تربط الديمقراطيات الحديثة السيادة الشعبية بسيادة القانون، مما يعني أن تشكيل المساومات يتم في إطار القواعد الدستورية. يميل مثل هذا الإطار الدستوري إلى ربط البحث عن المساومات بمسائل العدالة السياسية وإدراك القيم التي تحظى بالأولوية السياسية. ولأن المداولات السياسية تكتسب معنى معرفيًا في هذه القضايا، فلا يمكن حصر المداولات منذ البداية في المساومات حول توزيع السلع بين شركاء التفاوض وفقًا لمصالحهم الذاتية. توجد أشكال هجينة مثيرة للاهتمام وقد تم تحليلها بواسطة مارك وارين وجين مانسبريدج، مع مؤلفين مشاركين آخرين. يناقش هؤلاء المؤلفون، من بين أمور أخرى، مثال تشريعات سياسة المناخ التي تستخدم الانبعاثات المنسوبة إلى بضائع تجارية. على الرغم من التوصل في هذا المثال إلى حل وسط بين أهداف سياسة المناخ للتحكم في الانبعاثات ومصالح الشركات المتضررة، فإن هذا الحل الوسط يمس أيضًا مسائل العدالة لأنه يأخذ في الاعتبار هدف السياسة الذي تم اعتماده بالفعل – أي وضع حد لتغير المناخ العالمي على المدى الطويل من أجل المصلحة العامة للمواطنين والأجيال القادمة.

(3 ب) في النظرية السياسية، فتح التعارض بين الفعل الاستراتيجي والتواصلي الباب أمام النظريات المناهضة لتدعي أنها “سياسية أكثر” من نظرية التداول (مثل نظرية شانتال موف).

إن النظريات التي تنطلق من مفهوم معين لـتعريف ما هو سياسي تفشل، بغض النظر عما إذا كانت تدافع عن مفهوم صراعي للنضال السياسي، أو مفهوم نسقي للسلطة الموجهة إدارياً، أو مفهوم تواصلي للسلطة المتولدة تفاعليًا. إذا نظرنا إلى الأصول التطورية لتشكيل الدولة، فمن الواضح أن السلطة السياسية نشأت متزامنة مع القوانين التي تقرها الدولة. نتيجة لذلك، اكتسبت تلك المجتمعات المبكرة القدرة الذاتية على ممارسة التأثيرات المتعمدة على ظروف حياتهم الخاصة من خلال قرارات جماعية ملزمة. لذلك، كان إيمان الرعايا بمشروعية السلطة السياسية القائمة على المركب المقدس بالأساس شرطًا لاستقرار الأنظمة السياسية القائمة، على الرغم من أنه منذ العصر “المحوري” (الفترة من حوالي القرن الثامن إلى القرن الثالث قبل الميلاد)، أصبح المزيد من معايير المشروعية الصارمة مصدرًا لانتقاد السلطة السياسية أيضًا. بعد علمنة سلطة الدولة في العصر الحديث، أخيرًا، أخذت الدساتير التي تم إنشاؤها ديمقراطيًا من الدين هذا الدور المتمثل في توفير المشروعية. منذ ذلك الحين، تختلف الخلفية الواسعة للإجماع حول المبادئ الدستورية عن الأشكال الدينية المتعارف عليها للمشروعية من حيث كونها “مخترعة” بطريقة ديمقراطية – ومن ثم أيضًا من حيث تأسيسها على التبادل التداولي للحجج – خلال فترة التأسيس. وتشهد الأوراق الفيدرالية على طريقة تداولية لوضع الدستور. هذه الخلفية الواسعة للإجماع يجب أن تجدد نفسها ضمنيًا في كل جيل، وإلا فإن الديمقراطيات لن تستمر. يجب أن تكون الأجيال اللاحقة قادرة على فهم الأسباب والحجج التي يقوم عليها نظامهم السياسي. يبدو هذا أقل مثالية بمجرد أن يفهم المرء أن الدساتير الديمقراطية تضع حدسًا بسيطًا موضع التنفيذ: يجب أن يكون المخاطبون بالقوانين، التي من المفترض أن تضمن حقوقًا متساوية القيمة لجميع المواطنين على حد سواء، قادرين على فهم أنفسهم في نفس الوقت بوصفهم مؤلفي هذه القوانين. لأنهم فقط كمشرعين مشاركين، وبالتالي فقط من خلال المشاركة في الانتخابات الديمقراطية وتكوين الإرادة والرأي السابقين، يمكن للمواطنين أن يوضحوا، في العملية التشريعية، الجوانب التي تكون فيها المساواة القانونية مرغوبة في كل حالة. يقوم تماسك النظام الديمقراطي على هذه الفكرة الأساسية. وفي الوقت نفسه، تُعد أيضًا مصدرًا للنقد المستمر والاضطراب، لأن الدستور الديمقراطي يمكن فهمه على أنه استنفاد تدريجي للمحتوى المعياري للحقوق الأساسية الراسخة.

ومع ذلك، فإن الجوهر غير العدائي لهذه الخلفية الواسعة للإجماع لا يعني أن الدستور ينظم العملية الديمقراطية كإجراء موجه باستمرار نحو الإجماع – بعيدًا عن ذلك. لا يمكن لهذا المفهوم المضلل تمامًا للسياسة التداولية أن يتبادر إلى الذهن إلا من خلال عزل العنصر التداولي للرأي والإرادة من مجمل العملية الديمقراطية أثناء تطورها خلال المراحل المختلفة للنظام الديمقراطي. تم دحض هذا الرأي الخاطئ مؤخرًا بوضوح كبير من قبل روبرت إي غودين. شخصيًا، تعرفت أولاً على الدور السياسي للتداول في سياق دراساتي حول التحول الهيكلي للمجال العام (1962). ولكن فقط لاحقاً بعد نظرية الفعل التواصلي (1982) تمكنت، في محاضرات تانر (1986)، من استخدام مفهومي عن “الخطاب العقلاني” لحل مفارقة ماكس فيبر حول ظهور المشروعية من القانون. من هذا المنطلق، تم تطوير نظرية الخطاب للدولة الدستورية (1992)، والتي تتعقب دور السياسة التداولية في إطار تنظيم الدولة المركب – وتفهم السياسة التداولية باعتبارها المفهوم الأساسي لدمج السيادة الشعبية مع حكم القانون. أخيرًا، قادتني الدراسات التجريبية واسعة النطاق حول الديمقراطية التداولية التي أجريت منذ التسعينيات إلى دراسة تفاعل الخطابات المؤسسية والاتصال الجماهيري مرة أخرى ضمن الإطار الدستوري (2006). في تلك المساهمة الأخيرة في مجال بحثنا، أوجز المجالات المختلفة للتواصل السياسي داخل الدولة الدستورية حيث يتخذ العنصر التداولي في كل حالة شكلاً مختلفًا ويؤدي وظيفة مختلفة للنظام ككل.

يجب أن يبدأ المرء بالوظائف المختلفة التي من المفترض أن يؤديها الاتصال السياسي بطرق مختلفة في مجالات مختلفة. إنه يساهم على كل مستوى في عملية ديمقراطية يتم تنقيتها ككل من خلال التداول. وتتضح جلياً الاختلافات المثيرة للاهتمام في المتطلبات العقلانية، الضرورية وظيفيًا في المجالات المختلفة. تصبح هذه المتطلبات أقل صرامة مع المستويات المختلفة للتواصل السياسي. لنبدأ بالمتطلبات العقلانية الأكثر صرامة نسبيًا للخطابات المؤسسية القانونية داخل المحاكم والهيئات البرلمانية، ومن ثم نتابع التدفقات الأقل فأقل صرامة للتواصل، الخطابات غير الرسمية داخل الهيئات الحكومية والإدارية، والمناقشات الداخلية داخل الأحزاب السياسية، وصولاً إلى النقاشات بين الفاعلين السياسيين في المجال العام الموجهة إلى جمهور منتشر – الحملات الانتخابية، والصراعات داخل المجتمع المدني، وبشكل عام، الاتصال الجماهيري السياسي الذي تنقله وسائل الإعلام. على سبيل المثال، يجب أن يتم وضع الطابع العدائي للحملات الانتخابية، والصراعات بين الأحزاب السياسية المتعارضة، والمواجهات بين الحركات الاحتجاجية والمؤسسة في موضعها الصحيح ضمن مصفوفة المجالات والمستويات المختلفة من الاتصال السياسي. لكن هذا يكون ممكنًا فقط إذا أدرك المرء، على سبيل المثال، أن المساهمة الوظيفية للاتصال الجماهيري السياسي، بشكل عام، في العملية التداولية لتكوين الرأي والإرادة توجد فقط في توليد آراء عامة متنافسة حول الموضوعات ذات الصلة بصنع القرار، وفي توفير معلومات كافية لتقييم المنصات المنافسة. فقط على هذا الأساس، تكون القرارات المبنية على المعلومات والفحص ممكنة حين يجلس الناخب للتصويت.

من وجه النظر الوظيفية، فإن التوجه نحو الإجماع مطلوب فقط في مداولات تلك المؤسسات التي يتم فيها اتخاذ قرارات ملزمة قانونًا (وبالطبع، أيضاً، فيما يتعلق بالوقائع وتفسيراتها وفي القرارات التي تمس تضارب القيم وأسئلة العدالة، وبالتالي تظهر سمات معرفية). يمكن للتواصل غير الرسمي داخل المجال العام الأوسع أيضًا أن يصمد أمام الاحتجاجات العنيفة أو الأشكال الوحشية من الصراع، لأن مساهمتها تقتصر على تعبئة الموضوعات والمعلومات والحجج ذات الصلة، بينما يتم اتخاذ القرارات في مكان آخر. ربما لا تكون هناك حاجة لإثارة دينامية نزاعية داخل المجال العام لأكثر من التوجه إلى الحقيقة المولِّد للصراع والذي يربطه المواطنون بتعبيراتهم عن آرائهم السياسية. لكن هذا يميل أيضًا إلى أن يكون وظيفيًا لتوليد الآراء العامة المتنافسة.

(4) في هذا السياق، كيف تقيم الأطروحة التي غالبًا ما يتم الدفاع عنها بأن التداول الجيد والمرغوب يجب ألا يتضمن فقط الأسباب العقلانية (أو التبريرات) ولكن أيضًا الروايات والعواطف والبلاغة؟ ما رأيك في هذا التطور؟

هنا مرة أخرى يجب على المرء أن يرى الصورة ككل. إن شكل الاتصال الجماهيري الذي يُفترض أن تنبثق منه الآراء العامة ذات الصلة سياسياً يتم تغذيته بالفعل في معظمه من خلال مدخلات من جانب الحكومة والأحزاب السياسية وجماعات المصالح، والتي تتم معالجتها بعد ذلك من قبل وسائل الإعلام. كقاعدة عامة، يواجه الفاعلون في المجتمع المدني أوقاتًا عصيبة عندما يواجهون الأحزاب السياسية والخبراء ووكالات العلاقات العامة ومجموعات الضغط في مختلف الأنظمة الوظيفية. من ناحية أخرى، فإن المجتمع المدني هو المنصة الصوتية الوحيدة على مستوى المجتمع للمشكلات والأعباء التي تسببها النظم الفرعية المعطلة التي تزعج عملاء هذه المنظمات أو “المستهلكين”، وفقًا لكل حالة. لذلك، بالنسبة للسياسة، تلعب الشبكة التواصلية للمجتمع المدني دور نظام الإنذار المبكر الذي يسجل التجارب الحرجة من مجالات الحياة الخاصة، ويصوغها كأصوات احتجاج، ويغذيها في المجال السياسي العام. بما أن الحركات الاجتماعية التي قد يتكثف فيها الاحتجاج ليست هي القاعدة، فإن الأصوات التي لم يتم تحرير صياغتها من المجتمع المدني، عندما تواجه بتصريحات جيدة الصياغة والتحرير من قبل الفاعلين السياسيين الآخرين، يمكن أن تصبح مسموعة بسهولة أكبر كلما تم التعبير عنها بشكل عفوي. للروايات محتوى يتكون من قضايا واضحة، مثلها مثل المشاعر والرغبات التي تعبر عنها؛ ولا تزال الخطابة القوية من بين الوسائل الأكثر تقليدية التي تحتاجها أي قضية على الطريق الطويل الذي يتعين عليها قطعه من أجل جذب انتباه وسائل الإعلام الكافية وإيجاد طريقها إلى جدول أعمال بعض الوكالات المؤثرة. يمكن للأفعال المدهشة، وحتى العدوانية، أن تسهل أيضًا تلك الرسائل المراد “توصيلها” إلى النظام السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى