الرأي

معضلة الواقع المعقد والعقل السياسي الكسول

مهدي رابح
يعرِّف العلامة بن سينا العقل البسيط كالتالي:
“هو ان یعقل المعقولات علی ما هی علیه من تراتیبها و عللها و اسبابها دفعة واحدة بلا انتقال فی المعقولات من بعضها الی بعض.”
يشكل الواقع المعقد الحالي في بلادنا معضلة حقيقية امام كل من يعاني محنة الكسل الذهني، فبدلا من محاولة قرائته بكل تفصيلاته المتشابكة يعمد بدلا عن ذلك الي تبني تصورات تبسيطية تجمع معطيات الأزمة السودانية في حزمة واحدة او في حزم كبيرة غير متجانسة ودون رابط منطقي عقلاني بينها ثم يبحث عن علة واحدة تمثل “ام العلل” يكون في معالجتها حلا تلقائيا لكل الاشكالات المتراكمة، بمنهج اشبه بتأثير قطع الدومينو المتسلسل Domino Effect، وهي في الغالب مقاربة مرتبطة اما بضعف المعرفة السياسية والبعد عن تفاعلاتها اليومية المربكة او اللامبالاة او بتصورات رغائبية لسيرورة التاريخ كامنة بالضرورة في العقل القدري لمجموع أصحاب العقائد السياسية الدوغمائية السحرية والذي يشكل أصحاب معتقد الحتمية التاريخية فصيلا أساسيا فيه، فعلي عكس الرؤية الواقعية لسيرورة التاريخ كمسار تحدده عناصر خارج مجال تحكم الإنسان المتناهي القدرات بالضرورة ، أو ما يسميه الفيلسوف الكبير ايمانويل كانط ب “السبب الكافي Sufficient Reason” يعتقد أصحاب العقل السياسي السحري بناء على مرجعياتهم المقدسة (أقصى اليمين) وشبه المقدسة (أقصى اليسار) ان شجرة التاريخ تحمل في قمة افرعها المتشابكة ثمرة سيادة فكرتهم الحاملة للحقيقة المطلقة ,وبالتالي سيادتهم على العالم، ولبلوغ هذه الغاية (الثمرة) هنالك طليعة متقدمة يقودها زعماء انقياء ملهمون, يمتلكون القدرة الفذة على استشراف المستقبل ويستطيعون تطويع مسار التاريخ عبر عمل ثوري/جهادي يستخدم العنف والقوة، ويزيح بذلك كل العقبات بما فيها كل معارض لهذا المسار اما لأنه لا يعرف مصلحته الذاتية او لا يتمني الخير للعالم/الكوكب.
من اقصدهم بهذا المقال ليسوا الانقلابيين وأصحاب المشروعات الشمولية الكليبتوقراطية من فلول النظام السابق وابواقهم الإعلامية واذرعهم المخابراتية او كارتيلات الاوليغاركية العسكرية وشبه العسكرية واتباعهم من الانتهازيين بل أقصد بعض اولئك المحسوبين علي مشروع التحول المدني الديموقراطي اليوم والحاملين افتراضا عين الحلم بنقل السودان من مربع الفشل المزمن وحافة هاوية الانهيار الحالية الي مرافئ دولة الحرية والسلام والعدالة وسيادة حكم القانون والمواطنة المتساوية والرفاه والديموقراطية التعددية التي تستمد فيها الدولة سيادتها وسلطتها من الشعب عبر التفويض الانتخابي الحر والشفاف, ورغم ذلك فان وتصوراتهم وبالتالي ما يترتب عليه من خطاب محتشد بالتخوين ونظريات المؤامرة يؤدي إلى تسميم البيئة السياسية وتشظي الصف المدني اما بمهاجمة العملية السياسية الجارية وشيطنتها دون تقديم بدائل منطقية او رفع سقف التوقعات والترويج لواقع افضل غدا صباحا, فالخطابين في تقديري يمتلكان نفس القوة التدمرية والتي تكمن في حال الاخير في تناقضه مع الطبيعة المعقدة والمتدرجة لعمليات التحول السياسي, الاقتصادي والاجتماعي التي سأحاول إيضاح بعض جوانبها بصورة مخترلة جدا ادناه.
فاذا تناولنا كمثال ذو أولوية، تلي وترتبط بالطبع بعملية ترسيخ السلام وانفاذ العدالة الانتقالية، ما يعتبر اليوم ام القضايا والمتمثلة في عمليات الإصلاح الأمني والعسكري بكل تعقيداتها من توحيد للجيش ودمج قوات الدعم السريع ذات الملكية الخاصة والتي تمثل بجندها الذي يفوق عددهم المئة الف وعتادها الحديث جيشا موازيا , وقوات الحركات المسلحة التي يدين عديد منها بالولاء لعشائر قبلية صغيرة أيضا او قوات مجتمعية مسلحة اقل تنظيما تتبع لتراتبية قبلية صريحة وقبل ذلك إصلاح المؤسسة العسكرية عينها والموبوءة بتغلغل عناصر النظام السابق وإعادة قولبتها تشريعيا وثقافيا مؤسسيا لاتحول الي حام لنظام الحكم الديموقراطي بدلا من مهدد له وةثم تحديثها والزامها بحدود مهامها المنصوص عليها في كل دساتير الدول المعاصرة أي خارج العملية السياسية والاقتصادية وإخضاعها للسلطة السياسية المدنية كاحدي مؤسسات الدولة غير المستقلة, يليه نزع سيطرة المؤسسة العسكرية علي الشرطة وتحديثها والزامها بدورها الأساسي في توفير سلعة الأمن في الفضاء المدني وحماية المواطنين واحترام حقوق الانسان ثم السيطرة المدنية الكاملة علي جهاز المخابرات وتحويله من أداة للقمع السياسي والاجتماعي ومركز للنشاط التجاري المشبوه الي جهاز يوفر المعلومات ويحمي بذلك الدولة من المخاطر الداخلية والخارجية التي تحيط بها. وهي عمليات كما دلت عليها تجارب التحول الامنو-عسكري في العالم تتطلب بجانب الإرادة السياسية من المدنيين والعسكريين عقودا لتحقيقها, وهو ما يعني انها عمليات تتخطي فتراتها الزمنية الفترة الانتقالية القصيرة جدا وربما عدد من الفترات الانتخابية كذلك.
وهذا ينطبق علي التحول الدستوري, فالوصول الي دستور دائم متوافق عليه حسب تجارب عديد الدول التي سبقتنا في المجال (انظر للتجربة الكينية كمثال قريب) يتطلب عقودا من المفاوضات والمشاورات وهو ما يعني ضرورة المرور بثلاث مراحل قادمة الاولي صياغة دستور انتقالي يغطي الأربعة وعشرين شهرا من تاريخ تكوين الحكومة الانتقالية المنتهية بإقامة اول انتخابات حرة منذ 38 عاما تليها المرحلة الثانية المتمثلة في تطوير دستور مؤقت عبر مشورة متوازنة وان كانت محدودة تنتهي باجتزة دستور مؤقت عبر البرلمان التأسيسي المنتخب وتوفر بيئة سياسية مستقرة وملائمة لادارة المرحلة الثالثة من بناء الدستور الدائم عبر عمليات تفاوضية طويلة وشاملة لا تستثني أحدا وتنتهي باستفتاء شعبي, بينما الإصلاح التشريعي وإصلاح المنظومة العدلية سيكون عملية مستمرة موازية تبدأ من نقطة تقارب الصفر تقريبا.
يأتي تاليا في الاولوية اصلاح نظام الحكم المأزوم منذ ما قبل الاستقلال بمركزيته القابضة وانعدام الصلاحيات والقدرات علي المستوي المحلي وغياب الاليات الديموقراطية على المستوى القاعدي , ثم اصلاح النظام الانتخابي ومؤسساته, والذي وبالرغم من تراكم التجارب الانتخابية الماضية الا انه لم ينتج طوال 39 عاما اليات اختيار فعالة تعبر عن إرادة شرائح واسعة من الشعب السوداني واقتصرت عن تحقيق مصالح مجموعات صغيرة من المتحكمين في الحياة السياسية والاقتصادية منذ بدايات القرن الماضي.
التحول الاقتصادي أيضا هو في حاجة الي عقود ليصل الي مرافئ الاقتصاد الكلي المستقر وقاعدة المصالح المادية الواسعة والمستقلة عن جهاز الدولة والتنمية العادلة وقاعدة الإنتاج المتنوعة والقدرة على الاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية وتوفير الخدمات والمرافق العامة الأساسية وشبكات الأمان الاجتماعي , يكمله بالطبع اصلاح مؤسسات الدولة المدنية وتحقيق فاعليتها الكاملة في التخطيط ورسم السياسات وتنفيذها.
وهذا لن يكون ممكنا دون ضبط نشاط المؤسسات الديموقراطية المستقلة وإعادة بناءها بدءا بالأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات والجمعيات التعاونية والطوعية وتفعيل كل منظومات المجتمع المدني وتشبيكها, وهو ما يتطلب تحولا ثقافيا عميقا يزيل الامية السياسية ويستبدل نمط التفكير والسلوك الاستبدادي بقيم الديموقراطية واحترام حرية وحقوق الانسان.
هذا غيض من فيض ما ينتظر الشعب السوداني من عمل علي جبهات البناء الوطني العديدة واللانهائية للوصول الي تحقيق أحلام أجيال متعاقبة ممن قدموا التضحيات الكبيرة من دمائهم َاستقرارهم ورفاههم من اجل غد افضل يليق بهم وببلادهم, وهو ما يتطلب أيضا تخطي الخطاب السلبي المسموم وفتح المنصات العديدة للحوار الواقعي البناء والهادف، واعادة ترتيب الاولويات بعيدا عن الاستغراق في القضايا الذاتية الصغرى ومن التمترس خلف تصورات مغلقة وجاهزة وشعارات سهلة, واهداف غير واقعية متعجلة, فالتحديات المعقدة في حاجة الي حلول معقدة وقبل كل شئ الي وحدة للصف المدني الديموقراطي.
#مدنية
#نبقي_حزمة_كفانا_مهازل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى