الرأي

متى سيسقط الانقلاب؟

(4)

مهدي رابح

“كيف يمكن معالجة قضية مخاوف وتطلعات النخبة العسكرية في سياق عملية تحول مدني ديموقراطي، لا يمكن أن تكتمل دون انحيازها لها اليوم وحمايتها غداً ومستقبلاً؟”.

يظل السؤال المطروح أعلاه، والذي اختتمت به المقال السابق، هو مربط فرس الإجابة على أحد أهم متطلبات استعادة أي بريق أمل، ليس فقط في إسقاط الانقلابيين، بل في إعادة صياغة علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة والثروة والمجتمع، على أسس الغايات الوطنية العليا المؤطرة بدستور يعبر عن منظومة قيم الدولة الحديثة في القرن الواحد والعشرين، دولة المواطنة والديموقراطية وسيادة حكم القانون الملتزمة بحماية حقوق الإنسان.

تكمن معضلة الوضع الراهن في أنّ المؤسسة العسكرية تجمع بين متناقضين مطلقين كونها هي العمود الفقري للنظام الانقلابي من جهة، ومن الجهة الأخرى تبقى أحد أهم العناصر الضرورية في إنجاح أي تغيير نحو تحول مدني ديموقراطي محتمل ومستدام، وهو ما يحيلنا إلى إحدى المهام الأساسية المنوطة بها والمرتبطة بالكيان الثاني من حيث التأثير و الأهمية داخل المعسكر الانقلابي، أي القوات شبه العسكرية المعروفة باسم (الدعم السريع)، وهي من العوامل المتغيرة الأساسية في المعادلة المطروحة للإجابة على سؤال “متى سيسقط الانقلاب؟”.

القوات شبه العسكرية para military في تعريفها العام هي قوات شبه رسمية منظمة على غرار الجيوش، وفي سياقنا التاريخي المعاصر يمكن اعتبار استفحال هذه الظاهرة ممثلة في قوات الدعم السريع محصلة طبيعية لتعمّق أزمة الهشاشة البنيوية لمؤسسات الدولة وفشل الحكومات المتعاقبة، في إيجاد مخرج لمتلازمة محدودية قاعدة المصالح المادية مع ارتباطها العضوي بجهاز الدولة المصاب بالمركزية البالغة وضيق قاعدة الحكم غير المعبِّرة عن عديد المكونات الاجتماعية المغيَّبة عن التمثيل بصورة فعالة داخل هياكلها، وهو ما دفع بعض الفصائل لحمل السلاح لمناهضة الدولة المركزية في سياق جدلية صراع مركز وهامش، تحول منذ بداياته في حقيقة الأمر إلى صراع بالوكالة بين بعض النخب على السلطة، استخدمت فيه الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الثمانينيات، وبالأخص في إقليم دارفور، منهج استغلال التباينات الإثنية (زرقة وعرب) وتقاطع المصالح (رعاة ومزارعين)، والتوترات الاجتماعية الذي سببها التقلص المريع في مساحات الإنتاج والرعي بفعل الجفاف والتصحّر لتسليح المكونات القبلية المحلية وسد العجز الكبير في مواجهة القوى الثائرة، وهو ما أدى، بجانب تحول الصراع جزئياً بين مكونات الهامش نفسه إلى بزوغ قوي جيدة التسليح غير قادرة على السيطرة على الأرض بصورة مستقرة، وفي حاجة دائمة إلى الموارد لتمويل نشاطاتها.

برزت المليشيا القبلية التي تقودها عائلة دقلو إلى السطح منذ نهاية العقد الأول من هذه الألفية، كإحدى الفصائل المشاركة في أحداث المأساة الإنسانية في دارفور، والتي زهقت أرواح مئات الآلاف من المدنيين العزل، وتم دعمها في المبتدأ لخلق توازن في مواجهة التحدي المتصاعد الذي تمثله قوى قبلية موازية، وتوسعت لاحقاً عندما قام جهاز الأمن الوطني بالإشراف عليها مباشرة ووضعها تحت مظلته عام ٢٠١٣م، لتصبح بين عشية وضحاها أحد أهم العناصر في المعادلة العسكروسياسية بين المكونات المتنافسة للنظام المتهالك والحفاط على توازن الضعف داخله، ومصدراً متاحاً لإثراء قياداته عبر التصدي لمهمة السيطرة على ظاهرة الهجرة غير المشروعة عبر الحدود، والتي مُوِّلت بسخاء من قبل الاتحاد الأوروبي، ثم لاحقاً وبعد وضعها تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة عام ٢٠١٧م كمصدر للجنود المشاة الذي دُفع بهم في أتون حرب اليمن، والذي يظل عدد الضحايا منهم سرّاً، قد يطرح في حال انكشافه أسئلة تستجوب المساءلة عن خطيئة مهنية وأخلاقية غير قابلة للتبرير.

ورغم أن قانون قوات الدعم السريع لعام ٢٠١٧م ينص

على أنها «تتبع للقوات المسلحة وتأتمر بأمر القائد الأعلى»، لكن ضبابية النص التشريعي وضعف إرادة وقدرة قيادات النظام وإجادة قائدها المناورة وسط الفوضى المؤسسية، سمح لهذه القوات بتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي، ولقائدها فرض عضويته في النادي الحصري للطغمة Junta التي شكلت المجلس العسكري عقب إطاحة ثورة ديسمبر المجيدة بالديكتاتور البشير، وبعض من مقربيه.

لعب قائد هذه القوات، وطوال الفترة الانتقالية، دوراً رئيسياً مع الطغمة المذكورة في التآمر لإضعاف المكون المدني في الحكومة وشق صف الحراك الثوري إعداداً لتنفيذ الانقلاب، وهي خطوة يمكن تفسيرها بقراءة مزيج المخاوف المعلنة والطموحات غير المحدودة لجل عناصر الطغمة بصفة عامة، لكن وفي ظل ضعف نظام البرهان/حميدتي الشائه الحالي الذي تمخض عنه الانقلاب، بدأت تبرز إلى السطح تحفظات النخبة العسكرية (المهنية المحترفة)، حتى من داخل نادي الطغمة ذاته، على تمدد نفوذ هذه القوة التي تأتمر فعلياً بأمر رجل واحد، ووضعها غير السوي الذي يتناقض مع مبادئ الدولة الحديثة التي يجب أن تحتكر حصرياً العنف تحت مظلة جيش مهني موحّد ومنظومة أمنية تاتمر بأمر السلطة التنفيذية المدنية فقط لا غير.

ورغم أن للمدنيين دوراً اساسياً الآن في المساهمة في حل هذه المعضلة بنزع الغطاء السياسي عن هذه القوة، إلا أن عملية إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها دمج هذه القوات تحت مظلة الجيش الموحد، تبقى هي من مهام المؤسسة العسكرية ونخبتها، بل من أكثر واجباتها إلحاحاً في اللحظة التاريخية الحاضرة، وهو ما يؤكد أهمية الإجابة على السؤال المذكور في مفتتح المقال، و تكراره هنا، وإن كان بصيغة مختلفة قليلاً:

“كيف يمكن إيجاد معالجة لمعضلة الدعم السريع في إطار رؤية تحول مدني ديموقراطي طويلة الأمد، تحقق العدالة والسلام، وتمنع تدخل كل حاملي السلاح في العملية السياسية والاقتصادية مباشرة أو عن طريق استخدام المال السياسي في المستقبل؟”.

يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى