تقارير

كيف غطت وسائل إعلام عربية إنقلاب الجيش في السودان؟

مشروع مراقبة تغطيات وسائل الإعلام العربية للأوضاع السياسية في السودان

التقرير الأول:
كيف غطت وسائل إعلام عربية انقلاب الجيش في السودان
تحليل تغطيات قنوات (الجزيرة، بي بي سي عربي، العربية، الحدث، وسكاي نيوز) لانقلاب 25 أكتوبر.
الفترة الزمنية:
25 أكتوبر 2021م إلى 5 نوفمبر 2021م.
خلفية:
في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، انقلب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، على الحكومة الانتقالية.
وأعلن في خطاب متلفز بثه التلفزيون الرسمي، حالة الطوارئ في البلاد، وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، بجانب تعطيل العمل بعدد من نصوص الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.
كما أعلن البرهان، إنهاء تكليف ولاة الولايات، وإعفاء وكلاء الوزارات، وتكليف المديرين العامين بالولايات والوزارات بتسيير العمل، بالإضافة إلى تجميد عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال.
واستبق البرهان انقلابه، باعتقال أعضاء مجلسي السيادة الوزراء المدنيين من تحالف الحرية والتغيير (الإئتلاف الحاكم بالشراكة مع المجلس العسكري- وقتها)، بجانب عدد من قيادات التحالف، ووضع رئيس الوزراء المستقيل، عبد الله حمدوك، قيد الإقامة الجبرية.
ترافق مع حملة الاعتقالات التي شنتها السلطات الانقلابية، قطع للاتصالات الهاتفية، وإغلاق الإنترنت، وتعليق بث الإذاعات العاملة على الموجات القصيرة، عدا إذاعة أمدرمان (الإذاعة الرسمية) التي بث منها قائد الجيش بيانه الانقلابي، وإذاعة القوات المسلحة التي يديرها الجيش عبر إدارة التوجيه المعنوي.
تعرضت الصحف للمضايقات، وكذا سيطرت القوات المسلحة على قنوات البث الفضائي الرسمية، واستبدلت الطاقم الإداري للتلفزيون الرسمي ووكالة السودان للأنباء (الرسمية) بطاقم إداري موالٍ لقادة الانقلاب.
في ظل هذا الوضع من التعتيم الإعلامي الداخلي، نشطت وسائل الإعلام العربية الإقليمية والعالمية، في تغطية الأوضاع والتطورات في السودان بصورة ملحوظة.

ولكن كيف كانت تغطيات هذه الوسائل الإعلامية للوضع في السودان عقب انقلاب الجيش؟

منهجية المراقبة:
استندت منهجية عملنا في مراقبة وسائل الإعلام، على رصد وجمع تغطياتها للوضع في السودان عقب انقلاب25 أكتوبر، ومن ثم تصنيف وتحليل حصيلة الرصد كمياً ونوعياً.
جمعنا كل المحتوى المتعلق بالسودان الذي أنتجته هذه الوسائل الإعلامية من خلال تغريدات الحسابات الرسمية للقنوات موضوع المراقبة على موقع تويتر، بالإضافة إلى ما تنشره القنوات على مواقعها الالكترونية، وقنواتها على موقع يوتيوب، علاوة على بعض البرامج التلفزيونية الحية، ونشرات الأخبار.
جمعنا كافة الموضوعات والتغطيات الإعلامية المتعلقة بالسودان، وأجرينا عملية تحليل لغوي استخرجنا من خلالها قائمة من الكلمات المفتاحية التي استخدمتها هذه الوسائل الإعلامية في تغطيتها، وعلى وجه الخصوص الكلمات والمفردات والعبارات المستخدمة في عناوين التغطيات، أو المستخدمة في مستهل المادة الإعلامية (lead)، أو العناوين الجانبية، أي الكلمات والمفردات والعبارات التي تعكس السياسة التحريرية للقناة أو توجهها، ومن ثم حللنا سياق استخدام هذه الكلمات في التغطيات الإعلامية وفسرنا الأسباب التي أدت إلى استخدام كلمات معينة دون غيرها، و استندنا في تفسيرنا على نظرية (التأطير الإعلامي). كما حاولنا تقديم تحليل مقارن لاستخدام الكلمات والعبارات بين القنوات موضوع المراقبة.
تحليل المشهد الإعلامي موضوع المراقبة:
أولاً: القنوات التي تمت مراقبتها :
استهدفنا بالمراقبة (5) قنوات فضائية ناطقة بالعربية، اخترنا هذه القنوات على وجه التحديد بناء على نتيجة استبيان طرحناه على جمهور منصتنا بمواقع التواصل الاجتماعي، حول أكثر القنوات متابعةً للجمهور السوداني عقب الانقلاب. وكانت النتيجة هي توالياً:-
قناة الجزيرة
قناة بي بي سي العربية
قناة الحدث
قناة العربية
قناة سكاي نيوز عربية
ثانياً: ملكية القنوات موضع المراقبة:
قناة الجزيرة الفضائية:
تأسست في نوفمبر 1996م، ومقرها في العاصمة القطرية الدوحة، ولديها مكتب في الخرطوم، وتبث باللغتين العربية والإنجليزية، تركزت مراقبتنا على القناة الناطقة بالعربية.
يرأس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الإعلامية حالياً الشيخ/ حمد بن ثامر آل ثاني، المسؤول السابق في وزارة الثقافة والإعلام بدولة قطر، وتمول الحكومة القطرية القناة ذائعة الصيت، وللحكومة تأثير كبير ونفوذ واضح على تغطيات قناة الجزيرة بصورة عامة، تناولت عديد من التقارير هذا التأثير، علاوة على اتهامات لدولة قطر باستخدام قناة الجزيرة كوسيلة للمساومة في علاقاتها الخارجية.
قناة بي بي سي عربية:
قناة فضائية دولية، تبث من العاصمة البريطانية لندن، والخدمة الدولية منها: the BBC World Service ممولة من وزارة الخارجية البريطانية.
قناة الحدث:
هي إحدى القنوات الفرعية لقناة العربية، تأسست في العام 2012م، وتبث من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتمتلكها المجموعة المالكة لقناة العربية وهي مجموعة MBC Group.
قناة العربية:
تأسست قناة العربية في مارس 2003م، وهي مملوكة لمجموعة (إم بي سي) ومستثمرون آخرون، ومقرها بمدينة دبي للإعلام، بدولة الإمارات العربية المتحدة. وافتتحت مؤخراً مكتباً في العاصمة السعودية الرياض.
ومجموعة (MBC Group) التي تأسست في العام 1991م، هي إحدى أكبر الشبكات الإعلامية في المنطقة العربية، يملكها ويديرها وليد بن إبراهيم آل إبراهيم، لديه علاقة مصاهرة مع العائلة المالكة في السعودية. وتمتلك المجموعة حتى اليوم نحو 21 قناة فضائية.
استحوذت الحكومة السعودية على حصة أغلبية في مجموعة “إم بي سي” تقدر بـ 60% في أعقاب مساومة بين مالك القناة والسلطات السعودية، التي اعتقلته واثنين من أشقائه، وصادرت أصوله في تحقيق لمكافحة الفساد عام 2018م. وتشير تقارير إلى أن القناة تسيطر عليها العائلة المالكة في السعودية وتخضع لتوجيهاتها.
قناة سكاي نيوز عربية:
تأسست في العام 2012م، مقرها بمدينة أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وهي مملوكة لـ(الشركة الدولية للاستثمارات الإعلامية (IMI) التي يمتلكها الشيخ منصور بن زايد – وزير شؤون الرئاسة، ونائب رئيس الوزراء بدولة الإمارات – و(مؤسسة Sky plc البريطانية).
خلاصة الاستعراض أعلاه، تبين أن غالبية القنوات الخاضعة للمراقبة هي وسائل إعلامية مملوكة للدولة، أي أنها مملوكة لدول، أو مؤسسات مرتبطة بقادة تلك الدول.

لكن ما تأثير هياكل الملكية على السياسات التحريرية التي تنتهجها تلك القنوات؟ وهل بالفعل تستخدم الدول والحكومات المالكة هذه القنوات كوسيلة للتأثير في علاقاتها وسياساتها الخارجية؟

لمحاولة فهم هذه التداخلات نستعرض بإيجاز العلاقات بين الدول المالكة للقنوات وبين السلطة العسكرية في السودان.
ثالثاً: علاقات الجهات والدول المالكة للقنوات الإعلامية بحكام السودان:
لاحظنا أن الدول المالكة للوسائل الإعلامية موضوع المراقبة، ترتبط أغلبها بعلاقات تجارية واستثمارية وعسكرية وثيقة مع السلطات السودانية، لا سيما الشق العسكري، وعلى سبيل المثال، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تستحوذ على أعلى صادرات السودان من الذهب، ووفقاً لبيانات بنك السودان المركزي، فقد جاء الذهب في صدارة قائمة الصادرات السودانية، في النصف الأول من العام 2021م، إذ صدّر السودان 16.7 طن قيمتها حوالي مليار دولار، ذهبت كلها تقريبا إلى دولة الإمارات العربية.
أما السعودية، فقد أسست علاقات وطيدة مع عسكر السودان الذين وضعوا تحت تصرف “التحالف العربي” بقيادة السعودية في حرب اليمن، عشرات الآلاف من الجنود السودانيين.
وفيما يتعلق بالعلاقات السودانية – القطرية، يلاحظ المراقب فتورها عقب إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في أبريل 2019، حيث شهدت العلاقات التجارية تراجعاً كبيراً، فبينما كان حجم التبادل التجاري المُعلن بين السودان وقطر 119 مليون دولار عام 2018م، تراجع إلى 32 مليون دولار عام 2020م.
وكانت قطر، إبان عهد البشير، تستثمر 1.5 مليار دولار في السودان، عبر 40 مشروعاً زراعياً وسياحياً وعقارياً، وفقاً للبيانات الرسمية في السودان.
أما سياسياً، رعت قطر اتفاقية الدوحة للسلام في العام 2011م، بين حكومة البشير وحركة التحرير والعدالة بقيادة التجاني السيسي، كما استضافت مؤتمراً للمانحين بالدوحة في 2013م، لإعادة إعمار دارفور، و دعمت البشير بنحو مليار دولار، في العام 2014م.
رابعاً: مواقف الدول المالكة للقنوات من انقلاب 25 اكتوبر
أثار انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر موجة متصاعدة من ردود الأفعال الدولية والإقليمية الرافضة للانقلاب، على مستوى الدول والمؤسسات.
وقد سارع الاتحاد الأفريقي إلى تعليق عضوية السودان وإدانة الانقلاب العسكري، كما أدانت الأمم المتحدة الانقلاب العسكري، وطالبت بالإفراج الفوري عن المعتقلين.
وفي الوقت الذي نددت فيه غالبية دول العالم بالانقلاب، اكتفت الإمارات والسعودية وقطر بإصدار بيانات متطابقة.
تقول فيها إنها “تتابع التطورات الأخيرة في السودان عن كثب”، وتدعو إلى “التهدئة وضبط النفس والحفاظ على المكتسبات”.
وعلى الرغم من أن هذه الدول الثلاث (الإمارات و السعودية و قطر) على وجه التحديد، كانت قد سارعت في إصدار بيانات تدين فيها المحاولة الانقلابية الفاشلة التي اُعلن عنها في السودان في سبتمبر 2021م.
لاحقاً، عقب محادثات قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا، فيما يتعلق بانقلاب 25 أكتوبر، صدر بيان وقعت عليه، بجانب الولايات المتحدة وبريطانيا، السعودية والإمارات يدعو إلى الالتزام بالوثيقة الدستورية واتفاق سلام جوبا واستعادة الشراكة العسكرية المدنية بصورة صحيحة.
وجاء البيان، في وقت تجاوزت فيه مطالب الشارع العودة للشراكة.
يتضح من العرض أعلاه طبيعة الروابط الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية التي تربط بين ملاك بعض القنوات وبين حكام السودان.
خامساً: التحليل الكمي للمحتوى المتعلق بالسودان
حسب التاريخ:
العدد الكلي للمحتوى المتعلق بالسودان في الفترة من 25 أكتوبر 2021م وحتى 5 نوفمبر 2021م في جميع القنوات موضع المراقبة:
406 تغطيات متعلقة بالسودان من كافة أشكال العمل الإعلامي، ويلاحظ أن أيام 4 نوفمبر، 26 أكتوبر ، 30 اكتوبر، توالياً هي الأيام التي حظيت بأعلى قدر من التغطيات الإعلامية.
406 تغطيات متعلقة بالسودان من كافة أشكال العمل الإعلامي، ويلاحظ أن أيام 4 نوفمبر، 26 أكتوبر ، 30 اكتوبر، توالياً هي الأيام التي حظيت بأعلى قدر من التغطيات الإعلامية.
نتائج عملية المراقبة الكمية:
الأيام التي حظيت بأعلى تغطيات:
يتضح من الشكل رقم (1) أنه خلال الفترة المشمولة بالمراقبة (25 أكتوبر – 5 نوفمبر) كانت أعلى نسبة للتغطيات الإعلامية عن السودان من جميع الوسائل الخاضعة للمراقبة في يوم 4 نوفمبر، بالتزامن مع التسريبات التي نشرتها (قناة الحدث) حول تشكيل مجلس سيادة أحادي من قبل قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح البرهان، بينما غطت القنوات المشمولة بالمراقبة 55 موضوعاً عن السودان يوم 26 أكتوبر، ثاني أيام الانقلاب.
وكان يوم 30 أكتوبر، ثالث أعلى عدد من التغطيات والذي خرجت فيه جماهير الشعب السوداني للشوارع رفضاً للانقلاب العسكري.
القنوات الأكثر تغطية للأوضاع في السودان:
يتضح من الشكل رقم (2) أن (قناة الحدث) هي الأكثر تغطية لأحداث السودان في الفترة المشمولة بالمراقبة حيث تناولت في تغطيتها (113) تغطية عن السودان، تليها (قناة الجزيرة) بمجموع 109 تغطيات، ثم (قناة العربية) بمجموع 102 تغطيات، ثم (قناة سكاي نيوز) بـ 51 تغطية، ثم (بي بي سي العربية ) بـ 31 تغطية.
سادساً: الكلمات المفتاحية:
استخلصنا من عناوين التغطيات الإعلامية، والعناوين الجانبية ومدخل الخبر/المقال، والخلفيات المصاحبة، قائمة كلمات مفتاحية، من أجل معرفة طبيعة تغطيات القنوات الإعلامية المشمولة بالمراقبة، والإجابة على سؤالنا المفتاحي لهذا التقرير: كيف غطت قنوات عربية رئيسية إنقلاب الجيش في السودان.
عملنا على تصنيف الكلمات المفتاحية الواردة في التغطيات الإعلامية للقنوات المستهدفة بالمراقبة، بناء على بُعدين:
الأول: البعد الموضوعي، والمقصود منه، توصيف الوسيلة الإعلامية للأحداث والوقائع كما هي على أرض الواقع.
الثاني: البعد الإعلامي، والمقصود منه، الصورة التي تعكسها الوسيلة الإعلامية للأحداث والوقائع، وهي في الغالب -حسب متابعتنا الأولية- صورة مُنتقاة، تكاد تعكس تحيزات الوسيلة الإعلامية، والممولين لها والعاملين فيها.
قرارات / إجراءات:
استخدمت غالبية القنوات موضع المراقبة مفردتي (قرارات/إجراءات) ملحقتين باسم عبد الفتاح البرهان أو صفته، أي أنها استخدمت مفردتي (قرارات البرهان أو قرارات قائد الجيش) و مفردتي ( إجراءات البرهان أو إجراءات قائد الجيش) كما استخدمت عبارات أخرى للدلالة على نفس المعنى مثل: (إجراءات الجيش الأخيرة/إجراءات قائد الجيش/ الإجراءات الأخيرة/حزمة إجراءات/حل مجلس السيادة/ حل مجلس الوزراء/ تعليق العمل ببعض مواد الوثيقة الدستورية/ تصحيح مسار الثورة)، لتوصيف ما حدث صبيحة الخامس والعشرين من أكتوبر.
تكرر استخدام كلمتي (قرارات) و(إجراءات) أكثر من 97 مرة في سياق توصيف الانقلاب الذي نفذه البرهان.
القنوات التي استخدمت مراراً هذه المفردات هي (الحدث) و(العربية) و(سكاي نيوز)، بينما استخدمت اثنتين من القنوات هما (بي بي سي) و(الجزيرة) عبارة (انقلاب السودان) لتوصيف ما حدث في يوم 25 أكتوبر.
انقلاب السودان:
وردت عبارة (انقلاب السودان) ومرادفاتها: (الانقلاب في السودان، الانقلاب العسكري في السودان) 31 مرة في التغطيات خلال الفترة المشمولة بالمراقبة، واستخدمتها (بي بي سي) 21 مرة، و (الجزيرة) 10 مرات، بينما لم تستخدمها مطلقاً قنوات (العربية) و (الحدث) و(اسكاي نيوز)، واستعاضت عنها بعبارات أخرى أغلبها الكلمات الموجودة في القائمة (أ) من الكلمات المفتاحية.
بالرجوع إلى قائمة الكلمات المفتاحية، نجد أن الكلمات المضمنة في القائمة (أ) أو -مرادفاتها- تعكس التحيزات التي ميزت بعض الوسائل الإعلامية موضع المراقبة، بينما تعكس الكلمات المفتاحية في القائمة (ب) البعد الموضوعي للتغطيات الإعلامية.

والتحيز الإعلامي، هو انحياز الوسيلة الإعلامية لوجهة نظر معينة وطرحها على الرأي العام بوصفها وجهة نظر موضوعية محايدة. وهنا نتساءل ما هي وجهة النظر الموضوعية؟ وما التحيزات؟ الإجابة على هذا السؤال تقتضي الإجابة على سؤال آخر، وهو :

ماذا حدث صبيحة الخامس والعشرين من أكتوبر في السودان؟

هل كل ما حدث بالسودان هو مجرد إجراءات أو قرارات بـ(حل مجلسي السيادة والوزراء، وتعليق العمل بالوثيقة الدستورية)؟ كما تحاول بعض التغطيات ترسيخ ذلك في أذهان المتلقين بتكرارها مفردات (إجراءات وقرارات)، أم هو (انقلاب عسكري)؟
في خطابه الذي أعلن فيه عن حل الحكومة وتعطيل المؤسسات الانتقالية، بالفعل أعلن البرهان عن تعليق العمل بعدد من مواد الوثيقة الدستورية لسنة 2019م، تعديل 2020م، وهي المواد (11-1/2/3، 12، 15-1/2/3 ، 16-1/2/3/4/5/6، 24/3 ، 71 ، 72)
ولكن بعد إلغاء أو تعليق العمل بهذه المواد المبينة، أصبحت البلاد فعلياً بلا دستور، وذلك لأن الوثيقة الدستورية قد تعطلت في جوهر بنائها وهو الشراكة بين المكون المدني (قوى الحرية والتغيير) والمكون العسكري.
وبتعطيل العمل بالمادة (72) من الوثيقة – والتي تلغي المجلس العسكري الانتقالي الذي كان يدير البلاد قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية – تكون البلاد تحت سيطرة المجلس العسكري الانتقالي بمفرده، وهذا الوضع في تعريفه الموضوعي وطبيعته الدستورية هو (انقلاب عسكري) من داخل السلطة الحاكمة، بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي.
إن انتقاء عبارات وكلمات معينة واستخدامها بتكرار مستمر في التغطيات الإعلامية، مثل عبارات (قرارات قائد الجيش) و (الإجراءات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة) هي عملية تهدف لترسيخ مفاهيم معينة في أذهان المتلقين بأن ما تم هو مجرد قرارات وإجراءات بغض النظر عن مشروعية تلك القرارات أو عواقبها، وبغض النظر عن الصورة الأكبر في المشهد: الانقلاب العسكري وتقويض مؤسسات الانتقال.
كذلك، فإن عرض الأحداث بطريقة معينة ستقود المتلقي -في نهاية الأمر- إلى استنتاجات غير صحيحة مبنية على السرد الانتقائي الذي قدمته وسائل الإعلام في تغطيتها للأحداث.
ومن أمثلة السرد الانتقائي في التغطيات التي راقبناها، نجد أن بعض الوسائل الإعلامية مثل (قناة الحدث) و(العربية) و(سكاي نيوز) تذكر بعض الوقائع الصحيحة (مثل حل مجلس السيادة/ حل مجلس الوزراء/تعليق العمل ببعض مواد الوثيقة الدستورية/ إعلان حالة الطوارئ).
لكنها تعرض هذه الوقائع الصحيحة بطريقة غير صحيحة (عندما تكتفي بذكر هذه الإجراءات فقط دون الإشارة إلى الانقلاب) ، فهذه الإجراءات أصلاً تمت في إطار الانقلاب، فالتركيز على ذكر الإجراءات دون الإشارة للانقلاب، يعتبر تغطية انتقائية، وهنالك أيضاً تحريف للوقائع عندما تقول القنوات (الحكومة المُقالة) أو (رئيس الوزراء المُقال/ رئيس الوزراء المخلوع/ رئيس الوزراء المعزول).
فالموضوعي والصحيح أن رئيس الوزراء كان قيد الاعتقال، وأن الحكومة الانتقالية قد انقلب عليها الجيش (ولم تُقال ولم تُعزل بطريقة دستورية) ووُضع وزرائها في الاعتقال.
إذن، التوصيف الموضوعي والمنصف، أن ما حدث هو انقلاب عسكري وليس “إجراءات” أو “قرارات” اتخذها قائد الجيش.
يعتبر السرد الانتقائي نوعاً من التضليل، إذ أن الوسيلة الإعلامية -كما بيّنا- تذكر بعض الوقائع الصحيحة ولكن تعرضها بطريقة غير صحيحة أو بتحريف، أو انتقاء مفردات معينة واستخدامها في سياق خاطئ.كما أنها تتجنب إيراد حقيقة ما حدث بكامل جوانبه.
في هذا النوع من السرد الانتقائي، لا يستطيع أحد أن يقول، إن الوسيلة الإعلامية كاذبة، لأنها أوردت بالفعل بعض الوقائع الصحيحة، ولكن نستطيع أن نقول بأنها نشرت محتوى مضللاً، لأنها بدلاً عن عرض كل ما حدث، فهي تحاول أن تخفي بعض الحقائق.
فقد تكون الوقائع التي تحاول أو تريد اخفائها غير مريحة أو تسبب لها حرجاً لأنها تشوش الصورة التي تريد ترسيخها في أذهان الجمهور المتلقي والتأثير على وعيه، لذلك تكتفي بانتقاء بعض الأحداث من أجل رسم صورة ذهنية معينة لدى المتلقي، أو تحاول أن تُسوّق صورة أخرى وتُجَمِّلها، والغرض النهائي من هذه العملية هو تضليل المتلقي.
الاستخدام المضلل للمعلومات لتصوير المشكلات أو الأفراد ضمن إطار مقصود عن طريق اختيار اقتباسات أو أحداث أو احصائيات بشكل انتقائي، يسمى في الحقل الإعلامي بـ(نظرية التأطير).

ويُعرّف تأطير الأحداث بأنه “سعى وسائل الإعلام إلى إعادة صبغ الأحداث التي تقدمها في مهمتها الخبرية، بصبغة مختلفة تتلاءم مع أهداف تلك الوسائل، على نحو يخدم دولاً أو افكاراً أو جماعات معينة”.

إذا عقدنا مقارنة سريعة لعرض الأحداث بين القنوات الإعلامية موضوع المراقبة لموضوع واحد، فسنجد كيف تسعى بعض الوسائل إلى تضليل الجمهور المتلقي من خلال تأطير الأحداث.
سابعاً: دراسة حالة:
نستعرض في دراسة الحالة هذه كيف غطت القنوات الإعلامية موضوع المراقبة بياناً صادراً عن تجمع المهنيين السودانيين يدعو فيه لمقاومة الانقلاب العسكري في السودان.
المادة الأساسية/المصدر: تغريدة لتجمع المهنيين السودانيين نُشرت على حساباته بموقعي (فيسبوك) و(تويتر)، صبيحة 25 أكتوبر، وتنص التغريدة على الآتي:-

نداء للجان المقاومة بالأحياء والقوى الثورية وكل جماهير شعبنا العظيم ندعو لجان المقاومة بالأحياء والقوى الثورية المهنية والنقابية والمطلبية والشعبية للوحدة والمقاومة الشرسة للانقلاب العسكري الغاشم، واستخدام الأدوات المجربة والكفيلة بتركيع كل متسلط لإرادة شعبنا الغلابة. نناشد الجماهير للخروج للشوارع واحتلالها وإغلاق كل الطرق بالمتاريس، والإضراب العام عن العمل وعدم التعاون مع الانقلابيين والعصيان المدني في مواجهتهم. لن يحكمنا العسكر والميليشيات الثورة ثورة شعب .. السلطة والثروة كلها للشعب
إعلام التجمع 25 أكتوبر 2021″

العناصر الأساسية لهذه التغريدة هي:
نداء إلى لجان الأحياء والقوى الثورية…
الهدف من النداء: الوحدة والمقاومة الشرسة للإنقلاب العسكري ….
مناشدة: الخروج للشوارع واحتلالها وإغلاق كل الطرق بالمتاريس، والإضراب العام عن العمل وعدم التعاون مع الانقلابيين والعصيان المدني في مواجهتهم
بناء على هذه العناصر الأساسية كان من المتوقع أن تكون التغطية الموضوعية كالتالي:- تجمع المهنيين يدعو لمقاومة الانقلاب العسكري في السودان.
من الواضح في التغطيات أعلاه أن (بي بي سي) قد تناولت التغريدة بموضوعية، وأوردت صورة شاشة للتغريدة نفسها في تغطيتها، بينما تحاشت قنوات (العربية) و(الحدث) و(سكاي نيوز) تناول الجانب المتعلق بمقاومة الانقلاب، أو حتى ذكر كلمة (انقلاب) الورادة في تغريدة التجمع، وهذا تماماً ما يفسر بوضوح مفهوم الانتقائية في تغطية الأحداث.
المقارنة السريعة أعلاه، بينت مدى التحيزات وصبغ الأحداث الذي تناولناه بالتفسير أعلاه.
ثامناً: تصنيف محتوى إفادات وتعليقات الضيوف:
من خلال تغطيتها للأوضاع في السودان، كانت القنوات موضوع المراقبة تستضيف عدداً من الضيوف للتعليق على مجريات الأحداث والإدلاء بافادات حولها. لا توجد وثيقة أو مدونة علنية من قبل الوسائل الإعلامية حول الآلية أو الكيفية أو المعايير المنطبقة التي يتم بها اختيار المحللين والخبراء الذين تستضيفهم تلك الوسائل للتعليق على الأوضاع في السودان. ولكن من خلال مراقبة محتوى الإفادات والتعليقات التي يدلي بها الضيوف، لاحظنا الآتي:
الجزيرة:
خلال الفترة المشمولة بالمراقبة استضافت قناة الجزيرة (76) معلقاً، بينهم (9) من الداعمين صراحة للإنقلاب، و(19) من المعلقين المحايدين، و(39) من المنتقدين للإنقلاب.
العربية:
استضافت قناة العربية (34) معلقاً، بينهم (19) من الداعمين للإنقلاب، و (13) محايدين، و(3) من المنتقدين للإنقلاب.
الحدث:
استضافت قناة الحدث (44) معلقاً خلال فترة المراقبة، منهم (16) من المؤيدين للانقلاب، و(19) من المحايدين، و(9) من المنتقدين للإنقلاب.
سكاي نيوز:
استضافت قناة سكاي نيوز (19) ضيفاً في الفترة المشمولة بالمراقبة، منهم (3) من الداعمين للإنقلاب، و(9) من المحايدين، و(6) من الرافضين للإنقلاب.
بي بي سي:
استضافت بي بي سي في فترة المراقبة (13) ضيفاً، منهم (7) انتقدوا الانقلاب، و(6) كانوا على الحياد.
من خلال التحليل الكمي أعلاه، يتبين أن قناتي (العربية) و (الحدث) هما أكثر القنوات استضافةً لمؤيدي الانقلاب، بينما كانت قناة (الجزيرة) الأعلى استضافة للرافضين للانقلاب، و(قناة سكاي نيوز) الأعلى استضافة للمحايدين.
في حين أن (بي بي سي) لم تستضف أحداً من المؤيدين للانقلاب، وتوزعت مداخلات ضيوفها بين رافضي الانقلاب والمحايدين.
يستنج من ذلك، إن طريقة اختيار الضيوف لا تتم وفق معايير مهنية مرتبطة بالضيف ومجال تخصصه، إنما تخضع للسياسة التحريرية والتوجه العام للوسيلة الإعلامية، ويبين ذلك عدد الضيوف المؤيدين للانقلاب الذين استضافتهم القنوات التي كانت تغطيتها منحازة للإنقلاب والعكس.
نشطت القنوات الإعلامية العربية في تغطية الأوضاع في السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر بصورة ملحوظة، ولكن كانت لكل وسيلة إعلامية تحيزها وأجندتها التي ابرزتها من خلال تغطيتها للأحداث، فتحولت التغطيات الإعلامية، التي يفترض أن تكون مهنية ومتسمة بالحياد، إلى ساحة لعكس التحيزات وحسابات المصالح.
بينت حصيلة رصد المحتوى، أن القنوات التي يرتبط ملاكها بعلاقات ومصالح مع السلطات العسكرية في السودان قد تجنبت الإشارة إلى الانقلاب العسكري، وحاولت تسويق مفردات بديلة لذلك، ويتبين ذلك جلياً في دراسة الحالة أعلاه، التي أوضحت مدى التحيزات والتغطية الانتقائية للأحداث.

*نقلاً عن بيم ريبورتس

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى