الرأي

قصة المراة الخائنة.. لماذا؟!

ميسون عبد الحميد

تتناول معظم النصوص المتداولة في مجال الأدب- التي اطلعت عليها أنا على الأقل- صورة نمطية وسالبة عن المرأة العربية تنحصر في صفتي الغواية والسحر. ما الذي يجعل هذه الصورة قادرة ومستحوذة على قرون من تاريخ العرب والمسلمين؟! وما دورها؟!

في الفترة الممتدة من القرن الثامن عشر وحتى العشرينيات من القرن العشرين تمت ترجمة ألف ليلة وليلة إلى أكثر من ثلاث ترجمات، ركزت على القصص النابضة بالحيوية التي ترويها شهرزاد، وهو الكتاب المعروف على نطاق واسع في أوروبا باسم (الليالي العربية)، وحظيَ بنجاح ملحوظ ومستمر في الغرب.

وعلى الرغم من تمتع القصص بمغزى روحاني قوي وخطاب سياسي متسلط، إلا أن مواضيع الغواية والحب العنف، المكر والخداع والخيانة، التي تضمنتها، هي التي تركت الانطباع الذي لا يمكن إزالته بسهولة عن عالم الشرق بأنه خيالي، شهواني وعنيف. هذا التصور عن المرأة له جذور ممتدة في مجالات معرفية أخرى وثيقة الصلة بالأدب، مثل مجال التاريخ الذي يستند إلى تقنيات السرد.

على سبيل المثال، وردت في النصوص التاريخية العربية التي روت قصة فتح الأندلس، نذر شؤم أخبرت بقرب وصول الغزاة وسقوط مملكة الأندلس، وبالنسبة للغزاة المسلمين وردتهم بشارات الفتح عند نزولهم ساحل الأندلس؛ فالتقى طارق بن زياد بامرأة من أهل الأندلس، كبيرة في السن، نقلت له خبر نبوءة قديمة تناقلها قدماء أهل الأندلس، تقول: “إن غزاة يأتون من وراء البحر يقودهم أمير سيغزون الأندلس ويحكمونها”.

وعلى نحو مماثل، ورد في النصوص العربية ذاتها أن امرأة أندلسية تعلقت بأحد المسلمين، فانحاز إليهم والدها بجيشه أيضاً، وتحقق للمسلمين الفتح بفضل هؤلاء الحلفاء، ولأن المرأة خانت وطنها أطلق عليها شعبها المهزوم لقب (القحبة).

تتكرر قصة المرأة الخائنة نفسها في فتح الإسبان للمكسيك، الذي حدث في سنة 1521م؛ ثم تستمر الصورة السالبة عن المرأة في روايات الفتوح لتظهر في القرن التاسع عشر؛ في غزو محمد علي باشا للسودان في سنة 1820م تظهر امرأة سودانية تنحاز إلى الغزاة ضد مواطنيها.

وتعود نفس الصورة في المسرح بمسرحية (خراب سوبا) باستلهام من مصدرها التاريخي، وهي القصة التي ارتبطت بـ (عجوبة)، تلك المراة التي حكمت البلاد بدهائها ومكرها (عجوبة الخربت سوبا).

ظلت ثيمة المرأة الخائنة في قصة غزو السودان تلفت إلى خاصية مميِّزة لقصص الفتوح، وهي أن المرأة يتم تصويرها بوابة للخيانة بأشكالها المتعددة في معظم الأحوال، مهما تنوعت مواقفها أثناء الفتح.

لذا نجد وبعد أكثر من مائة عام من المهدية؛ أنه يُرحب بجهد المرأة أثناء الحرب، ثم تنقلب أوجه الحركات المحاربة عليها بعد النصر. حدث هذا في الجزائر، وفي فيتنام وفي إريتريا، وسرعان ما طولبت المجاهدات بالعودة إلى الأسرة والمنزل بعد الانتصار في الحرب.

الملاحظ أن هذه الصورة لم تتغيير حتى عصرنا الحالي، وفي ثورة ديسمبر – أبريل في السودان 2019، إذ إن المرأة يرحب بمشاركتها وقيادتها أثناء المواكب، ويتم إبعادها في المشاركة السياسية العادلة (كنداكة أمشي البيت الحاح بشغلها ليك).

هذه الصورة السالبة عن المرأة، التي تحتل مكانة مركزية في قصص التاريخ القديم والحديث المرتبط بالاستعمار، تبرز في مجال الأدب بطريقة واضحة تتطلب بحث دورها في توطيد الصورة السالبة المتبناة عن المرأة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى