تقارير

المفقودون.. ما خفي أعظم

قرار دفن الجثث أعادهم إلى الواجهة

      قرار مجلس السيادة الانقلابي بدفن الجثث المحجوزة بالمشارح، نحو ٢٠٠٠ جثة، أثار الريبة للصلة الوثيقة لبعض تلك الجثث، وأشخاص مختفين منذ مجزرة فض الاعتصام أمام القيادة العامة شرقي الخرطوم، في الثالث من يونيو 2019، وآخرون اختفوا بعد انقلاب البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي. وجاء في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية، المتعلق بحقوق الإنسان في العالم للعام 2021م، أن انتهاكات خطيرة وقعت عقب انقلاب البرهان في السودان من بينها القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.

الديمقراطي: أم زين آدم

طريق مسدود

إلياس محمد احمد

بعد شهر من الانقلاب، وبضاحية الحتانة، شمالي أم درمان، غادر إلياس محمد أحمد (٢٤) عاماً، منزلهم في ساعات الفجر الأولى، قاصداً المخبز. وفي المسافة الفاصلة ما بين المنزل والمخبز اختفى، ولم ير له أثراً. رواية شهود العيان الوحيدة المثبتة تقول شوهد يعبر الطريق باتجاه المخبز.
وروى والده للصحيفة إنه توجس خيفة من تأخيره، فأرسل شقيق إلياس للبحث عنه، وطاف شقيقه على كل المخابز بالمنطقة دون أن يظفر بخبر.

خرج أقرباء وأصدقاء وجيران إلياس للبحث عنه في أقسام الشرطة والمستشفيات، وحتى السجون دون جدوى. وتوجه والد إلياس إلى جهاز المخابرات العامة، وأودع كل المعلومات عن ابنه، حيث وجهه الجهاز بالرجوع للمنزل والاتصال بعد ثلاثة أيام لمعرفة مصير ابنه.
وكان البرهان في أعقاب الانقلاب منح الجهاز حصانة كاملة من المساءلة وأعاد كافة الصلاحيات المتعلقة بالاعتقال والحجز والتفتيش، وكانت الحكومة الانتقالية حصرت مهمة الجهاز في جمع المعلومات وتحليلها، وحلت هيئة العمليات التي كانت تشارك في العمليات القتالية، وفض الاحتجاجات السلمية المطالبة بالحكم المدني.
بعد انقضاء الأيام الثلاثة، أجرى الوالد الاتصال، وأبلغ من قبل الجهاز أنه لم يتم التوصل إلى مكان ابنه، كما أنه ليس محجوزاً بطرف أي من السلطات الأمنية والشرطية، وتعذر الوصول إلى مكان هاتفه الجوال.
انتهت الرواية الرسمية، بيد أن أمل العثور على إلياس لم يتبدد بالرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر على اختفائه.
سجلات الشرطة، بعد الانقلاب، سجلت أربعة بلاغات فقدان لمختفين، وهم إلياس محمد أحمد بالحتانة، وفواز عبد اللطيف، ووليد عثمان بمنطقة الخرطوم بحري، ومحمد عبد الله صالح مفقود بضاحية الحاج يوسف.
الشاهد أن هناك تضارباً في المعلومات حول المختفين، بعد الانقلاب أفادت أخبار بأن عددهم (٢١) مفقوداً، بيد أن عثمان البصري، عضو لجنة التحقيق عن المفقودين والمستشار القانوني لمبادرة مفقود وأسر المفقودين أوضح في إفادته أن عدداً من المختفين كان محتجزاً بطرف الاستخبارات العسكرية، وبعضهم كان محتجزاً بمراكز المباحث المركزية، واستمر احتجازهم لفترات تراوحت ما بين ثلاثة وأربعة أيام، وتم الإفراج عنهم بعد التحقيق.
وقال البصري إن عدد المختفين المسجل لدى اللجنة والجهات القانونية بعد الانقلاب هؤلاء الأربعة، الذين تم تدوين بلاغات بفقدانهم بأقسام الشرطة، ولم تقر أية جهة بوجودهم بطرفها، أي نكران اعتقالهم وحجزهم.

مبادرة مفقود

قضية المختفين قسرياً، والتي اشتهرت بالمفقودين، ظهرت على سطح الأحداث في الأسبوع الأول من مجزرة فض الاعتصام، بعد أن كثر حديث أسر بعض المعتصمين عن عدم رجوع أبنائهم إلى منازلهم وعدم معرفة أماكن وجودهم، وكان المفقود قصي حمتو، عُثر على جثمانه بمشرحة أم درمان بعد أربعة أشهر من فض الاعتصام وكشف التقرير الطبي عن إصابته برصاصتين من مسافة قريبة تسببتا في وفاته، وتم تقييد يديه ورجليه وربطه بكتلة خرسانية ورميه في النيل، وكشف تقرير لجنة الأطباء المركزية عن رمي (٤٠) جثة بهذه الطريقة.

بادر ناشطون بطرح “مبادرة مفقود”، وعملت على نشر صور ومعلومات عن المفقودين، ونشرها ومشاركتها في الفضاء الإسفيري، بجانب نشر ملصقات لهم على أعمدة الإنارة في الشوارع الرئيسية، وتشجيع الأسر على التبليغ عن أبنائهم المفقودين خاصة الفتيات.
وفي أعقاب فض الاعتصام، كان الرقم المتداول للمفقودين نحو مئة مفقود، بيد أن فادية خلف الله عضوة المبادرة في حديث سابق للصحيفة أفادت بأن عدد المبلغ عن اختفائهم لم يتجاوز العشرين. ولا يزال البحث جار عنهم.
وحسب تقرير الخارجية الأمريكية أنه بعد الانقلاب عملت السلطات الأمنية على احتجاز الأفراد بناء على تحقيقاتها الخاصة.

حال قررت النيابة دفن الجثث، لا بد من معايرة ضوابط دفن الجثث المحجوزة بالمشارح، وتشمل عشرة بروتوكولات متفق عليها عالميا

مقابر جماعية

بضغط من الشارع والمبادرة، تحركت الحكومة الانتقالية، بعد ثلاثة أشهر من مجزرة فض الاعتصام، وكوّن النائب العام وقتها لجنة تحقيق مشتركة من جهاز المخابرات والشرطة ووزارة الصحة للتحقيق في قضية المفقودين، وطالبت أسرهم بضرورة مشاركتهم في اللجنة، وأيام شغل تاج السر الحبر لمنصب النائب العام ضم ممثلين لأسر المفقودين ومبادرة مفقود للجنة وسمى المحامي الطيب العباسي رئيساً لها.
وقال عضو اللجنة عثمان البصري إنه بعد شهرين من تشكيل اللجنة تم الوصول إلى مقابر جماعية بمنطقة أم درمان، واستعانت اللجنة بفريق تحقيقات أرجنتيني مختص في قضايا النبش والتعرف على الجثث، ومكث الفريق بالخرطوم مدة خمسة أيام، زار خلالها المقابر الجماعية، برفقة بعض من أعضاء اللجنة، بيد أن النائب العام المكلف حينها مبارك محمود رفض للفريق زيارة مشرحة التميز التي وجدت بها جثث بعض المفقودين، مما عجل بمغادرة الفريق الخرطوم، والعودة إلى الأرجنتين خوفاً من عسف السلطات السودانية، وكان الفريق حضر إلى الخرطوم بطلب من اللجنة، وبدعم من المعونة الأمريكية.
ويقول البصري إنه لا يزال هناك مفقودين لم يعرف مصيرهم، لذا، حال قررت النيابة دفن الجثث، لا بد من معايرة ضوابط دفن الجثث المحجوزة بالمشارح، وتشمل عشرة بروتوكولات متفق عليها عالميا، في مقدمتها أخذ عينة من الحمض النووي (DNA) لمطابقته لاحقاً مع الأشخاص الذين يبحثون عن أبنائهم أو ذويهم. الأمر الآخر يتعلق بترميم الجثث وتصويرها وترقيمها لتسهل عملية التعرف عليها، ويتم دفن الجثث في مقابر خاصة بالمفقودين ومجهولي الهوية. وقال إن اللجنة طول فترة عملها خلال العامين امتلكت معلومات ومعرفة بالمفقودين، والإجراءات التي تتم في المشارح، وإن اللجنة في سعيها للوصول إلى الحقيقة تحتفظ بعدد كبير من التحقيقات التي لم تكتمل، وبالتالي يصبح قرار دفن الجثث دون إشراك اللجنة يفسح المجال لطمس كثير من الحقائق، وختم قوله بأن كل شيء توقف منذ انقلاب البرهان.

الصادق علي حسن، المحامي

مخاوف مشروعة
مدير معهد الديمقراطية بالسودان وعضو هيئة محامي دارفور، الصادق علي حسن، ذهب في إفادته للصحيفة إلى أنه ليس من اختصاص مجلس السيادة الانقلابي إصدار أوامر بدفن الجثث المحجوزة بالمشارح، سواء كانت جثامين لوفيات في ظروف غامضة، أو لأسباب القتل الجنائي! وينظر إلى تدخل الحكومة في هذه الحالة من باب التغطية على شيء، أو التخلص من المسؤولية التي تترتب على نتائج التحقيق، وزاد إن التدخل بهذه الكيفية غير مبرر ويستدعى من مجلس السيادة الانقلابي توضيحاً.
ويقول الصادق إن هناك إفادات متواترة بأن بعضاً من الجثث المحجوزة بالمشارح تعود لضحايا فض الاعتصام، وحوادث أخرى مشابهة، وقد تكون بها جثث لشهداء انقلاب البرهان وبعض المختفين قسريا، وبالتالي لابد من وجود بلاغات جنائية مقيدة عن هذه الجثث تحت المادة (٥١ ف اج) الوفاة في ظروف غامضه، ويزول الغموض بعد تشريح الجثث وكتابة التقرير الطبي الذي يحدد أسباب الوفاة، فإذا كان سبب الوفاة نتيجة الإصابة بواحدة من أدوات القتل، يدل ذلك على جريمة ارتكبت وفي هذه الحالة تقوم النيابة العامة بتحويل البلاغ إلى القتل الجنائي تحت المادة (١٣٠) من القانون الجنائي لسنة ١٩٩١، ويقيد البلاغ ضد مجهول لحين الوصول لمرتكب الجريمة.

عقبات

عثمان البصري، المحامي

واجهت لجنة التحقيق طوال فترة التحقيق مشاكل في مقدمتها أنه في القانون الجنائي السوداني لا يوجد نص يتعلق بالمفقودين ويتم التعامل معهم بوصفهم مختفين قسريا، وبعد إكمال الإجراءات القانونية عن اختفائهم يتم إصدار نشرة بذلك تعرف بنشرة مفقود.
وفي إفادة سابقة للصحيفة قال البصري إنه يمكن إدراج المفقودين تحت المادة (١٨٦) من القانون الجنائي الفقرة (٥) المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية والتي تنص على القبض على الشخص أو الأشخاص بواسطة الحكومة أو بمعاونتها أو بواسطة طرف ثالث بموافقة الحكومة وإخوانه في جهة غير معلومة ومن بعد ذلك إنكار الجريمة.

       قضية المفقودين ظلت تطفو على السطح بقوة دفعت الناشطين والقانونيين والديمقراطيين، الذين يكافحون للوصول إلى الحقيقة وعدم الإفلات من العقاب، ولا تزال مبادرة مفقود تجدّ في أثر المختفين بالنشر والتوعية لإنهاء الاختفاء القسري، وعدم تكرار ما حدث في مجزرة فض الاعتصام وما تلاها رافعة شعار:

ما راجع أنا باقي صمود
كيف أرجع وأنا لي مفقود

***

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى