ثقافة ومنوعات

قراءة جمالية في رواية (الأحجية – سقوط شجرة الجميز) لسارة الجاك (2-2)

٤/ تقنيات السرد.. أدوات الإغواء الروائي

 

 

صلاح محمد الحسن القويضي  

كتابة الرواية، كأي إبداع آخر، هي محاولة لـ (إغواء) المتلقي لمتابعة القراءة. ولكي يكتمل الإغواء، لا بد أن يكون السرد قادرًا على (الإدهاش)، ولكي يكون السرد قادرًا على الإدهاش، فعليه أن يكون، كالشعر تمامًا، خروجًا على المألوف. وحتى يكون السرد “خارجًا على المألوف” فعليه أن يتوسل بالعديد من الحيل التي يسميها النقاد “تقنيات السرد”.

يمكنني القول بأن سردية (الأحجية – سقوط الجميزة) استطاعت أن “تغويني” لمتابعة قراءتها حتى الكلمة الأخيرة في نسختها الإلكترونية. فما هي (تقنيات السرد / أدوات الإغواء) التي استخدمتها سارة الجاك لتحقق تلك الدرجة “المعقولة” من الإغواء؟

١-٤/ الجملة الافتتاحية .. عود على بدء

يلعب استهلال العمل السردي دورًا حاسمًا في اتخاذ المتلقي قراره بمواصلة القراءة أو إعادة الرواية للرف. في (الأحجية … سقوط شجرة الجميز)، شكل نص “ما قبل النص” واحدًا من أهم “محفزات” مواصلة القراءة. ففي هذا النص تضع سارة “المتلقي” أمام “تحدي / احتمال” أن يجد “ذاته” في النص فتجعله يندفع للقراءة بحثًا عنها:

(تنبيه … المكتوب داخل النص على مسؤولية قارئه … فتمهل؛ قد تنزلق قدمك فتغادر محلك).

وما أن يخرج القارئ من “نص ما قبل النص” ليلج في عوالم “النص” حتى يجد نفسه “في خضم” جملة استهلالية بالغة التكثيف مستغرقة بالكامل في السرد “المحض” من خلال “قناع” اللقطة السينمائية وما تلاها.

(أصوات لاصطكاك مكونات ضخمة تصدر جلبة كبيرة، قبل أن تتركب وتستقيم واقفة، تنتظم خطواتها المرعبة، هياكل عظمية عظيمة، لأجساد متفحمة بلهب متقد، تمشي تتهشم، يتناثر سخامها، يذر الرماد في العيون، تطفو على الذاكرة رائحة الشواء الآدمي، طعم الدماء المتخثرة، يخرجون من قلب الروح المظلم، يخوضون ماءه، يضربونه بأقدام غاضبة، فتتطاير قطرات الدم الحمراء، خرير الماء غاضب كما كان في ذلك اليوم.

تخرج الهياكل لتلاحق قاتليها، تأتي بهم من تخوم الأفق فتخنقهم بأيد معروقة، تجحظ عيونهم، تخرج ألسنتهم، يزبدون دماً يغطي الأصابع المعروقة، يلعقونها بألسنة لهبية، يتمطقون طعم الدم، ينطلقون هادرين.

غلاف رواية (الأحجية – سقوط شجرة الجميز)

تصرخ رفقة وتنكمش سارية، يضمهما طاهر إلى صدره، يفلتهما هارعاً إلى الحمام القريب، يفرغ ما بمعدته ويعود باكياً، ويبكون.

بكى الجميع وبكت صالة العرض، ووسط موجة عاتية من النحيب، وقف أستاذ أحمد مشرف رفقة على فيلم تخرجها، مستنداً على وعد قديم، وقف بينهم ماسحاً دموعه المالحة ودموعهم، صفق للمشهد الأول باهر النجاح، وقفوا جميعاً مصفقين).

هذه الجملة الاستهلالية، رغم كثافتها ووضوحها الساطع، تنطوي على الكثير من (الروح الملغزة) التي تدفع المتلقي دفعًا لمواصلة القراءة لاكتشاف “ما وراء اللقطة”.

٢-٤/ تعدد الأزمنة والفضاءات المكانية

في سرديتها الماثلة أمامنا تلجأ سارة الجاك لتقديم شخوص روايتها في فضاءات زمنية تمتد بين الماضي والحاضر والمستقبل. وتنوع الفضاءات الزمانية واحداً من أهم مزيلات “الملل”، أعدى أعداء الإغواء الروائي. الانتقال بين “الأزمنة” في السردية يتم بصورة غير تسلسلية مما يشي ببعض “الفلاش باك” الضمني. وهو أمر يتطلب من القارئ يقظة ذهنية عالية وهو يتجول في هذه الفضاءات الزمنية الرحيبة المتنوعة.

وفي موازاة تنوع الفضاء الزمني للسردية يتمدد تنوع آخر للفضاءات المكانية. فنجد أنفسنا أما مشهد سردي “لأمكنة متعددة” في أزمنة متعددة. على أنه يمكن القول أيضًا بأن “ساحة جمهورية الاعتصام، بلاد السعد، المزدهرة” هي صور متنوعة لفضاء مكاني واحد في أزمنة وحالات مختلفة.

٣-٤/ من التخيل للتخييل .. صعودًا نحو الفانتازيا

رغم الجذور الواقعية “لأحداث” السردية، إلا أن سارة الجاك استطاعت أن تعمل مبضع “التخييل” في الحدث لتحوله من “حكاية” إلى “سرد”.

(كان يا ما كان في قديم الزمان وسابق العصر والأوان، كان هناك بلاد سماها أهلها بلاد السودان، تمتد من بحر الجان، لي عند فاس الما وراها ناس. حرك حجر النرد في كفه الأيمن اهتزت الأحاجي، ارتجت الكرة الأرضية في أزمنة غابرة وقديمة، تداخلت الأمكنة أغرقت الماء اليابسة، يحركه تعود المياه إلى مجاريها، يحركه تغوص إلى أعماق الأرض لتحيلها جدباء، يرميه رمية أولى، يظهر الرقم 6، يعيد الكرة الرقم 3، يعيد الكرة الرقم 2 تكون الأحجية الرابعة هي الثانية في اللوح المحفوظ، يدخل النرد في جيب الساعة في الجلباب ويحكي).

من خلال تقنية التخييل استطاعت سارة أن تحول أحداثًا واقعية وأخرى “متخيلة” إلى “فانتازيا” و”فانتازيا داخل الفانتازيا” تجعل منها أمرًا مؤاتياً “لانزلاق قدم” المتلقي ليجد نفسه في أعماق الفعل السردي.

٤-٤/ الشخصيات الموازية

بجانب شخصياتها المحورية، تحتشد السردية بالعديد من الشخوص التي قد يبدو ظهورها غريبًا للبعض. غير أن هذه الشخوص ما هي إلا “شخوص موازية” أسهمت في “إضاءة” الشخوص المحورية للسردية.

اعتقد أن (الأحجية … سقوط شجرة الجميز) قد قالت لي الكثير، مما قلت هنا، ومما لم أقل. وأظن أنها ستقول الكثير غيره لكل من “تنزلق قدمه” فيقرأها لِيجد نفسه داخل “عوالمها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى