الرأي

في مثل هذا اليوم رحل الاستاذ المفكر الخاتم عدلان

يوافق اليوم ال ٢٣ من ابريل الذكرى ال ١٧ لرحيل الاستاذ الخاتم عدلان، اعيد نشر مقتطفات كتبتها قبل ١١ عام بموقع سودانيز اونلاين:

شذى بله
قلبت اخر صفحة فى المرجع القديم وانا تحت قبة السير لي أستاك ، وانكفات على الكرسي الخشبي امام فنجان من القهوة السوداء، التى فسرت لي بعتمة لونها اشتباك المصائر والمقادير وأيلولتها واندياح التجارب الانسانية التى تبدأ لتقضي معاركها الكبيرة والصغيرة
وتعود لتنتهي فى سطر قصي فى مرجع طبي ضخم وملل.
ارهقتنى القراءة، وزادت من توتري، فطفقت اجري عملياتي الحسابية على ورقة بجانبي بقلم الرصاص،
كنت فى الحقيقة جزعة وانا احيل الحياة والموت الى أرقام ضئيلة لأعرف مدة الحياة المتوقعة لدى مريض بسرطان البنكرياس حسب توصيفة المؤلف ديفيدسون،
وجزعت أكثر..أذ كيف تخضع خمسون ونيف من السنين المتوهجة لمثل هذه المعادلة .. التى لا تمنح فى اكثر حالاتها تفاؤلا اكثر من رقم بخانة وحيدة ومميزا بالشهور؟
ست وخمسون من السنين الضوئية والنضالات المعقدة والتحديات وصراع الشرانق التى تمتد من الذات الى الحزب الى الوطن ثم الله والحقيقة…
كيف امكن لرجل التحرر من كل هذه الشرانق فى نصف قرن من المجالدة ليسقط في معركة لن تستغرقه سوى بضعة اشهر..؟
وكيف انا التلميذة في السنة الخامسة و التى وخطت راسها السياسة والأسئلة الخارجة عن سياقها ساغامر باخضاع كل هذا لحسابات سطر واحد فى كتاب ديفيدسون يقول ان توقع العمر يتراوح ما بين اربعة الى ثمانية أشهر..
وان المعركة التي ابتدات قبل عدة أشهر لا ريب انها في نهاياتها، ورغم معرفتي بالمعلومة من قبل الا اننى اعدت قراءتها واستعنت بنسخ اكثر حداثة متناثرة على الشبكة العنكبوتية، علّي اجد قراءة اكثر تفاؤلا لحال أستاذي العزيز الخاتم عدلان..
كنت احيك السايبر جيئة وذهابا، وكلما تعثرت بالعنوان القائل (اوعك تموت يالخاتم) والذي كتبه كوستاوي فى هذا المكان..أقلب السايبر على وجهه وانتفض
وكاني لست انا القادمة لتوي من حسابات ديفيدسون..
وكاني لست انا التي شهدت تسرب السهرودي الطالب بكلية الهندسة من بين يدي أصحابه بعد ان التاث بنكرياسه أيضا..
وما الطب فى وجهه الكالح غير معرفة الاطباء بميقات رحيل مرضاهم..وما الطب فى وجهه الكالح غير ان ننيم المريض في سريره ونحن ندرك اننا ننيم موته في الجهة المقابلة على ذات السرير وان ثمة صباح قادم سيقتاد الموت فيه صاحبه ألى اخر الرواق، ليتم نفض الملاءة خلفه دون ان تنتفض الاقدار العالقة بالملاءات لمرضي أخرين، تتلخص حياتهم فى سطر فى كتاب ديفيدسون
حتى وان لم تكفي آلاف الكتب لكتابة الحياة التى عاشوها..
يا لتصرف المقادير!!
أذن فهي بضعة ايام على احسن الفروض..لملمت اشيائي وقطعت المسافة من قبة السير لي أستاك وحتى السوق العربي بذهن منتفخ بخواء عجيب ..وذاكرة متكورة بصورة الرجل ورسالة فى بريدي بتاريخ العاشر من أبريل من العام 2005 تقول:
• Quote: Dear Shaza
Khatim sends his regards and appreciation of your concerns and support. Your text message was particularly touching.
• Khatim developed some vague abdominal symptoms of which he took no much notice of -as he would- shortly before his journey to the States towards the end of Febreuary.He was losing weight and off his food. He saw his doctor who prescribed some antacids and other simple medications. Whilst he was in the States after miraculously finishing two exhausting public functions he was taken into hospital with severe abdominal pains. Initial investigations pointed to the diagnosis and he flew back to the UK. He underwent further investigations that confirmed cancer of the pancreas. He has been receiving chemotherapy.
• He has been admitted to hospital last Tuesday and expected to remain there till the middle of next week.(Tuesday/Wednesday} Khatim has got the strongest will as you can imagine and surrounded by his family colleagues and hundreds of well wishers day and night. Adlan his younger brother is on his way to here and so is Mohamed Suliman from Qatar.
• Khatim thanks you sincerely for your message and has asked me to ring you to convey this Please pass Khatim’s appreciation to all the friends and colleagues and I will keep you informed.
Kind regards
Omer el-Nagieb
بلى.. ليست من إرادة كارادة هذا الرجل الذي ظل يقدح صوّانا صلداً في عتامير من الواقع السياسي والفكري حتى انفلقت شرارة الاستنارة عظيمة من طي كتاباته واتساق فكره وسياسته والإنسان العالي جليّ البصر والبصيرة فيه، بلى.. ان الرجل لو شاء وصارع المرض بالإرادة لاصطرعه فصرعه، نحن البشر الذين نتلاعب بمعادلة الكيمياء والرسائل العصبية الموغلة في عضويتها حين نشعر ونرغب ونستفز فكيف برجل متشبث بالحياة مثله، ولا زال يحسب ان ثمة فكرة تستحق، بيقين عظيم بالحياة نفسها والعدالة والجمال؟
لكن كيف لا يذكر ديفيدسون امر الارادة؟
ام انه يمنحها مساحة الحركة بين الاربعة والثمانية أشهر كما يمنح الحكم زمنا اضافيا لفريق مهزوم منذ البداية!!
كانت الوجوه التى تمرق امامي في شارع القصر متشابهة والسيارات متشابهة، والمحال المتراصة تبتلع الناس بنهم وتلفظهم بيأس ألى الشارع المغبر الملتهب،
والبلاد تتمطي فى نفقها المظلم وسماء من الهلام الأسود ضختها ماكينة الانقاذ فى نفوس الناس وصارت تتحلق حولهم انّي ذهبوا!
واحدة من اللافتات قادتنى نحو محل اتصالات حيث قابلتنى كابينات من الخشب متراصة لتفصل كل متحدث عن الآخر بسقف مفتوح، جعل سيل المكالمات الجارية ينثال نحو فضاء المحل كخيوط من الثرثرات المتآكلة..
دلفت الى احدى الكابينات وتحسست الرقم فى ظهر الدفتر بيد متعرقة رن الهاتف عدة مراتفى الجانب الآخر قبل ان يجيبنى صوت واهن مخترقا الاف الاميال..
ومكثفا من الغلالة السوداء..
ومقربا من فهم معادلة ديفيدسون العصية..
سلام وترحاب حتى بدا لي كمن يخيط رتقا في الفراغ..
هو يعرف انه راحل بلا ريب..
وانا اتشبث بالدقائق التي يمنحنيها ما معي من نقود لاتم حديثي، واى حديث هو وأي تمامة تلك؟
أستاذي الخاتم فى الطرف الآخر..
وانا أدرك ان الطرف الآخر سينأى اكثر..سيصبح العالم الآخر بعد شهر ربما، كم كنت متفاءلة!!
اتشبث بسماعة الهاتف اكثر ليقينى بانها مرحلة..أى حديث بها قد يكون الاخير..كان استاذي الضالع لسنين عددا فى ترتيب ما ارتص بركاكة في ذهني..
أنفض جزعي وانا اعرف كم شُقّ عليّ وعلى آخرين تشذيب افكاري .. انا العشبة البرية التى قضت كل مراحلها الدراسية تحت سقف مؤسسات الانقاذ التعليمية، وكان مطلوبا مني فى مراحل عديدة تفكيك معادلات الكون والفيزياء والكيمياء داخل كتاب الدين وبين أقواس النصوص، شأني شان رفيقاتي على الادراج..بل شأني وشأن عامة الناس فى الشوارع والبيوت وامام التلفاز.
الصوت الواهن يسأل عني وعن احوالي..وانا ارد السؤال بسؤال..كيف حالك انت؟
متجاهلة الاجابة الواضحة فى وهن صوته..
أسأل:كيف ماشي العلاج!! وهو يسأل كيف ماشة القراية!!!

أييييييه…….!!!!!

انقطع الخط وخرجت من المحل باتجاه داخلية كرار..
تذكرت غداءا جمعنا فى منزل اخيه قبل عامين..
صورته كانت واضحة وهو يضع الرغيف امامي بقميصه المخطط ونظارته..
كان واضح الابتسامة كما كان دائما واضح الرؤى
وما وضعه امامي فى الحقيقة كان اكبر من مجرد رغيف!
غمرني البكاء..وانا استعيد صوته..سيذهب هذا الرجل عما قريب..يا له من أسف ويا لها من فاجعة..
هذا مختصر ما قلته لصديقتى خنساء التى اقتسم معها الغرفة والسياسة والخبز ودرج الكلية، رميت اثقالي علي سرير الدبل بيد. ليمضي يومان آخران..ويشق النعي الاسافير
واليوم..بعد ست سنوات..
وأنا في اخر القطار الخالي المتوجه نحو مكفيرسون اسكوير..كقطرة من الحبر عالقة بانبوب قلم جاف..أستنفدته الكتابة..يبدو لي الحزن الذي ذرفته قبل ست سنوات طازجا وعميقا و بملوحة أشد..وعصيا على الكتابة!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى