تقارير

فورين بوليسي: كيف خذلت الأمم المتحدة والغرب السودان؟

أشار تقرير حديث بمجلة (فورين بوليسي) الامريكية، الشهر الماضي، الى أن الأمم المتحدة فشلت في مساعدة السودان الذي شهد قبل ثلاثة أعوام، ثورة أطاحت بنظام عمر البشير بعد 30 عاما في الحكم.

تقرير- وكالات

وقال الصحفي المهتم بالاوضاع في افريقيا جاستين لينتش، إن الولايات المتحدة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي رأوا في الثورة فرصة لتحقيق عملية انتقال ديمقراطي. وتعهدت الولايات المتحدة بـ 700 مليون دولار لدعم العملية الانتقالية، إضافة إلى 600 مليون كمساعدات سنوية. وأنشأت الأمم المتحدة ممثلية لها لدعم الانتخابات. وعقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤتمرا دوليا دعما للحكومة المدنية.

إن قصة دور المجتمع الدولي في السودان تسرد تفاصيل القيود المفروضة على المساعدات الأجنبية، لكنها تنقل أيضاً جانباً من خداع النفس والإهمال. ومع ذلك فلا خلاف على أن جيش السودان وساسته هم المسؤولون عن مصير بلادهم؛ حيث ظل إرث العنف والفساد قائماً بعد سقوط البشير؛ ما يعني أن انتقال السودان الديمقراطي كان مقدراً له أن يواجه العقبات دائماً، هذا إذا كُتِبَ له النجاح من الأساس، بحسب تحليل المجلة الأمريكية.

واليوم فالحركة المدنية مجردة تماما من قوتها، وأوقف انقلاب عسكري في أكتوبر 2021 ضد الحكومة المدنية كل عمليات التحول نحو الديمقراطية.

وقال الكاتب إنه تابع الثورة عن قرب ولكنه أراد أن يعيش مرحلة التحول في السودان، ولهذا عمل كمسؤول في الأمم المتحدة ومع منظمات غير حكومية في السودان، حيث قابل الناشطين ورئيس الوزراء المعزول ومسؤولين عسكريين لغرض تأليف كتاب مشترك عن الثورة. ويقول إن فرصة ضائعة للإصلاح ضيعها التكنوقراط والدول الأجنبية والمؤسسات التي أرادت المساعدة.

ويعتقد أن دور المجتمع الدولي في السودان يعطي صورة عن محدودية الدعم الأجنبي ولكنها قصة أيضا عن خداع النفس والإهمال. وعلينا ألا ننسى أن الجيش السوداني وساسته هم المسؤولون عن مصير بلدهم. فميراث الفساد والعنف لم يختف بعد سقوط البشير، مما عنى أن عملية التحول في السودان ستظل دائما متعثرة، هذا إن كانت ستعمل أصلا. وكان رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك واضحا وتوقع تراجعا في الثورة السودانية. ولم يكن لدى حمدوك وبقية التكنوقراط معه في الحكومة المدنية المهارات الكافية كي يستخدموا النفوذ الذي كان لديهم، وقيدهم دستورٌ منحَ السلطة شبه الكاملة للجيش.

ومع ذلك كانت هناك نافذة تغيير أضاعها هؤلاء التكنوقراط وكذا الدول الأجنبية التي كانت تريد المساعدة في الديمقراطية وقبل أن تضرب الثورة المضادة ضربتها.

الدروس المستفادة

وتُعد الدروس المستفادة من مساعدة المجتمع الدولي للسودان شديدة الأهمية؛ لأن البشير لن يكون آخر ديكتاتور تسقطه ثورة شعبية، كما تقول فورين بوليسي. وتجلّت ديناميات السلطة في انتقال السودان الديمقراطي بوضوح حين أصبح عبد الله حمدوك أول رئيس وزراءٍ بلا مأوى في العالم على الأرجح. فحين وصل حمدوك إلى الخرطوم عام 2019، رفض قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسليم “رئيس الوزراء الجديد” أياً من قصور البشير القديمة حتى يُقيم فيه.

وأقام حمدوك، بعد تنصيبه رئيساً للوزراء، في بيت حصل عليه مؤقتاً من عائلةٍ سودانية بارزة. وأظهر نزاع الإقامة عيباً أساسياً في الثورة السودانية؛ حيث أبقى الدستور الانتقالي على الجيش في السلطة لمدة 18 شهراً، ولم يمنح حمدوك وحكومته المدنية سوى قدرٍ ضئيل من السلطات الحقيقية. وقد مثّل عدم توازن السلطة هذا معضلةً للمجتمع الدولي، الذي كان يتساءل: هل كان الانتقال الديمقراطي السوداني حقيقياً؟

شرح حمدوك، في مقابلةٍ لوكالة “أسوشيتدبرس” الأمريكية عام 2019، كيف ظل السودان مدرجاً لقرابة العقود الثلاثة على قائمة الولايات المتحدة للدول التي ترعى الإرهاب، وفُصِلَ عن النظام المالي العالمي بالتبعية. واعتمدت استراتيجية حمدوك الأساسية، بوصفه رئيساً للوزراء، على تحسين حياة السودانيين بتقوية الاقتصاد، وتعزيز شعبية الحكومة المدنية، لردع الجيش عن القيام بانقلاب. لكن حمدوك كان يريد المال، فالديون التي خلفها النظام عنت أنه لم يكن قادرا على توفير المواد الرئيسية. فقد زادت أسعار الخبز والكهرباء والمواد الرئيسية بشكل مستمر، ووصلت نسبة التضخم إلى 329% عام 2021. وكان اقتصاد السودان في حالة انهيار مستمرة. وقال حمدوك إن شطب اسم السودان عن قائمة الدول الراعية للإرهاب “مفتاح لكل شيء نستطيع عمله لهذا البلد”. إلا أن المساعدة من الولايات المتحدة تأخرت، فالمعركة داخل إدارة دونالد ترامب لشطب السودان من القائمة لم تحسم إلا بعد عام. ونتيجة لهذا التأخير فقد نقصت حظوظ الحكومة الانتقالية للنجاح. وتفاقم وضع الحكومة المجهول مع ظهور كوفيد-19 والذي عطل الاقتصاد السوداني الذي انكمش بنسبة 3.6%.

تردد وقلق

ويشير الكاتب إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين شرحوا له أنهم لم يكونوا واثقين من أن عملية التحول في السودان حقيقية. وكانوا مترددين في تقديم دعم مهم لكيلا ينتهي في يد العسكر لو عادوا وسيطروا على الحكم.

فولكر

وقال مسؤولون آخرون إن المسؤولين في واشنطن ممن كان لديهم النفوذ لاتخاذ قرارات شعروا بالخوف لاتخاذها. وعندما أعلنت إدارة ترامب أخيرا عن شطب السودان في أكتوبر وتقديم العون، لم يكن القرار خيريا، فقد كان شطب السودان واستئناف المساعدات مرتبطا باعتراف الخرطوم بإسرائيل. وشعر القادة في السودان أن الولايات المتحدة وضعت عملية التحول رهينة من أجل تقوية حظوظ إعادة انتخاب ترامب. ورغم تعهد واشنطن بدعم السودان إلا أنها كانت تؤخره. وعندما وصل الدعم أخيرا لم يكن بطريقة صحيحة. فقد استلمت وكالة التنمية الدولية الأمريكية معظم الدعم 700 مليون دولار، إضافة إلى 600 مليون دولار لدعم عملية الانتقال ومعالجة القضايا الإنسانية في السودان. وكان لدى كل سفارة غربية في الخرطوم، حزمتها الخاصة من المساعدات التي وصلت في مجموعها إلى مليار دولار، من أجل معالجة الفقر والرد على العنف ودعم الديمقراطية. ولم يتم كتابة الشيكات باسم حمدوك أو السودان. فالولايات المتحدة ستنفق أموالها عبر الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمتعهدين. وضمت البرامج أنظمة لمراقبة العنف في السودان وشراء القمح للسودان ودفع رواتب الموظفين في مكتب حمدوك. وبعض هذه البرامج حققت نجاحاً قليلا، لكنها لم تعالج جذور الفساد والعنف. كما أن الكثير من البرامج دعمت المصالح الفردية على حساب ما أراده حمدوك. وكانت مكلفة، لكن المجموعة الصغيرة من الجماعات المساعدة ظلت تنزف المال دون ثمار. وفي المقابل اعترف مسؤولو الخدمات الإنسانية في السفارات الأجنبية أنهم لم يكونوا يعرفون كيفية إنفاق المال الذي خصص لهم. وبنهاية عام 2021 لم يتم إنفاق معظم الدعم البالغ 700 مليون دولار من الحكومة الأمريكية إلى السودان. وقال الدبلوماسيون إنهم حولوا المال إلى وكالات الأمم المتحدة التي لم تكن تعرف كيفية إنفاقها. وفي الوقت الذي أُنفقت فيه بعض المساعدات على مشاريع فعالة إلا أن كثرة المانحين عنى أنه تم إنفاق الأموال على برامج متشابهة. وقال دبلوماسيون إنه تم تمويل جهود اتصالات في مكتب حمدوك، لكن من عدة مانحين وفي نفس الوقت. وكان حمدوك بحاجة للمال كيف يوفر كهرباء رخيصة والخبز والإنفاق على مشاريع مهمة، وكان تحويل المال له أفعل، وبدلاً من ذلك حصل على جيش من المستشارين الذين لم يكونوا يعرفون السياق المحلي ونفذوا برامج مكلفة وبنجاحات قليلة. ولعل أكبر فرصة ضائعة هي الفشل في الدفع باتجاه الإصلاح الذي كان سيسهل الدعم. ففي ظل البشير كانت مفوضية الدعم الإنساني تابعة للمخابرات السودانية. وكانت المخابرات ماهرة في سرقة واختلاس ومنع الدعم الأجنبي، وتم استخدامه كأداة للضغط السياسي في ظل النظام القديم. وظل نظام الإكراه حاضرا في الفترة الانتقالية، وكثيرا ما ألمح حمدوك للكاتب أنه لا يملك القوة لمواجهة الجيش والمخابرات التي انتفعت من الفساد. والأمثلة عن منع الدعم أو اختلاسه متعددة، ففي بداية كوفيد-19 عام 2020 منعت الاستخبارات العسكرية عمليات الفحص لا لسبب إلا الخوف من الدعم الأجنبي عليها. وتم تهديد موظفي الأمم المتحدة بالطرد لو تحدثوا علناً عن الموضوع.

دعم شكلي

ولا شك أن منظومة الأمم المتحدة منحت الأولوية للانتقال الديمقراطي السوداني، لكنها لم تحقق أية نتائج ملحوظة، ولهذا أرسلت الأمم المتحدة بعثةً جديدة في عام 2020 لدعم الانتقال، هي بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس). وتشير محادثات إنشاء يونيتامس إلى الكيفية التي قوّض بها مسؤولون بارزون في الأمم المتحدة أهداف مساعدة الانتقال السوداني؛ لأنهم رأوا فيها فرصةً للحصول على أموالٍ أكثر لوكالاتهم، بحسب تحليل المجلة الأمريكية.

ونقلت مجلة فورين بوليسي عن مديرة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوشا) في السودان، باولا إيمرسون، قولها: إن البعثة الجديدة لا يجب أن تضم قوات حفظ السلام؛ لأن وكالات الأمم المتحدة الأخرى المشابهة لوكالتها ستحصل على أموالٍ أكثر بهذه الطريقة.

ولم تكن معارضة مكتب أوشا لوجود قوات حفظ السلام معارضةً حاسمة، لكنها تروي الكثير عن منظومةٍ يبدو أنها تُقدّر حلب الأموال بأي ثمن، وتسييس الحياة المهنية أكثر من مساعدة السودانيين فعلياً، بحسب وصف المجلة الأمريكية.

وبعد بضعة أسابيع، حظر مكتب أوشا وبعثة حفظ السلام جهود جمع تفاصيل الجرائم المرتكبة بمساعدة الحكومة في دارفور، رغم امتلاكهما لمعلومات داخلية واضحة تؤكد ذلك.

وفي مخيمات اللاجئين بطول الحدود الإثيوبية، بعد وقتٍ قصير من اندلاع الحرب الأهلية هناك، في نوفمبر عام 2020، كان هناك نقص في المياه، والغذاء، والملابس للاجئين الناجين من الفظائع الوحشية، ولكن بمجرد تخطيط دبلوماسيٍ كبير لزيارة المخيم من أجل التقاط الصور؛ يقضي مسؤولو الأمم المتحدة أياماً في لصق أكبر عددٍ ممكن من شعارات الوكالة على خزانات المياه، والشاحنات، وغيرها من الأغراض.

ويغادر الدبلوماسيون بعد التقاط الصور مع فرقهم وهم يهنئون بعضهم على نجاح الزيارة، بينما تظل الاستجابة الإنسانية مفتقرةً إلى التنسيق، وفاشلةً في مهامها الأساسية مثل منع العنف القائم على النوع. وليست هناك أعذارٌ تبرر سوء إدارة الأمم المتحدة لأزمة اللاجئين الإثيوبيين رغم تمويل وكالاتها بالكامل.

من ناحيته كان حمدوك أكثر تفاؤلاً في يونيو عام 2021؛ إذ كانت اتفاقية السلام تعد بإنهاء الحرب الأهلية في أحد أجزاء السودان، وبدأ الاقتصاد في التحسُّن أخيراً، كما بدا بصيصٌ من الأمل باتحاد الساسة المتصارعين في ائتلافه الحاكم.

وخلص تحليل المجلة الأمريكية إلى أن الجيش تدخل للإطاحة بحمدوك في انقلابٍ عسكري يوم 25 أكتوبر2021، بعد أن بدا بصيص الأمل يظهر أمام رئيس الوزراء السابق في آخر النفق. ومن الصعب التكهن بما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على تغيير النتيجة النهائية في السودان؛ حيث سيطر الجيش السوداني على العملية الانتقالية، بينما لم يستخدم الساسة التكنوقراط، مثل حمدوك، السلطات البسيطة المتاحة لهم بفاعلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى