ثقافة ومنوعات

عطر على صهوة الموج

قصة قصيرة

خمائل ياسين                

 

 

جنون اﻷفكار يغزو عقلي، الرائحة تحوم حول أنفي كغراب جائع، تنغرس قدماي في الرمل، تضربها أمواج البحر المتلاحقة، تتخلل همساتها عبر جسدي تطن في أذني بصوتها المبحوح:

”تناديني: تعال إليَّ

البحر مهجع مهجور .. تعال نسكنه أنا وأنت”

تعود الأمواج الهاربة إلى البحر، يختفي الصوت، هو بريدها، ترسله إلي كلما دلفت إلى الشاطئ، عادت الرائحة مثيرة، دفقات الموج تنتعش، تدغدغ جبين الصخر، تغيب معه في عناق، سرت نشوة داخلي وصحت الأشواق كالمد يرتفع الحنين.

في اﻷفق يحلق طائر، يغوص في تموجات، يتبعه السرب، كأنها طيور من رحم الموج، هي مولوده البكر لم تقص عنها الحبل السري مازال موصول بها، لم أستطع أن أجزم، أم أنها مثلي تجذبها هذه الرائحة؟!

قابلتها في أحد اﻷيام تركض على الشاطئ جيئةً وذهاباً، تجمع الأصداف، ترتقب الموج حتى يلفظها، تحملها بين يديها كمولود صغير، تهدهده وتقبله بمرح، ثم تركض في الاتجاه الآخر، تتلون حبات الرمل تحت قدميها كمهرجان لقوس قزح في سماء أرض عانت سبع سنوات عجاف، ركضت من أمامي، لم تعرني انتباهاً، أحسست كأنني صدفة مدفونة في الرمل تنتظر أن تُكتشف، غزت داخلي، أبحرت إلى مياهي العميقة، نهضتُ من مكاني، لحقتها بخطواتي المثقلة المهرولة:

– عذراً سيدتي.

التفتت إلي، عيناها كانت تشرق كعيني بحّار نجا من العاصفة، ملامح وجهها تشبه البحر، هادئة، عنيدة، ثائرة الجمال، أنفها شمٌ إلى السماء، تحسبها مغرورة لولا ابتسامتها التي عبرت عن تواضعها وكشفت لآلئ فمها، أجابتني بصوتها المبحوح:

-مرحباً يا سيدي.

=هل لي بمحادثتكِ قليلاً؟

تغيرت رائحة الجو، استنشقتها بعمق، هذه المرة يحمل عطراً مختلفا، امتزجت أنقى الروائح مع عطرها، البحر وهي، تسري نشوة داخلي، هدأ الموج واصفرت الشمس نعسة تقاوم لذة النوم.

-عذراً لقد تأخرتُ يا سيدي، علي الذهاب.

=ولكني أريد …

قاطعته..

-أعتذر حقاً علي الذهاب..

=علام تعتذرين آنستي؟! هل عما فعلته عيناك بقلبي؟! أم صوتك بأذني؟! أم عطرك بأنفي؟! عن أيهما تعتذرين؟!

استأذنت أسئلتي التي ظلت بلا جواب في عقلي وعدت لمحادثتها، وبحزم طلبت منها أن نلتقي غداً، أومأت برأسها موافقة وركضت إلى البعيد، وتركتني وحدي تتلفحني اﻷشواق.

دلفت إلى الشاطئ حيث التقينا، انتظرتني طويلاً، الانتظار صفحة سوداء تتراقص فوقها مئات الصور واﻷشباح، جمعت بعض اﻷصداف ورسمت طائراً جميلاً على الرمل، مسحت المياه بعضه، تأملت البحر، رقصات الموج، تحاول مؤانسة الوقت، تفتل حبالاً من الصبر، الصبر ساعات لها من العمر أجيال.

البحر واسع الحيلة..

يحب المناورة..

نادتها صدفة لامعة تمطي صهوة الموج إلى البعيد، همّتْ إليها تنشدها ولكن

البحر واسع الحيلة..

يحب المناورة..

ورث صفاته من الله إذا شاء أعطى وإذا شاء أخذ.

أحب البحر رائحة عطرها، عزف سمفونيته، يبعثه إليَّ، يحوم حول أنفي، يعبث بدواخلي، يستفزني للإبحار في مياهي العميقة، وأنا بحار يخشى الموج، تخيفه عواصف الذكريات.

تنغرس قدماي أكثر في الرمل، وكأنه يحاول ابتلاعي، يتخلل صوتها عبر جسدي فتطن في أذني بصوتها المبحوح:

تناديني: تعال إليَّ

البحر مهجع مهجور.. تعال نسكنه أنا وأنت..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى