حوارات

عالم آثار سوداني: حتَّامَ يُنظّم غيرنا أحداثَنا

عبدالمنعم احمد عبدالله

على خلفية المعرض الذي ينظمه (اللوفر)، المتحف الأشهر عالمياً، عن “فرعون الأرضين: القصة الأفريقية لملوك نبتة”، توجهت (الديمقراطي) للدكتور عبد المنعم أحمد عبد الله، رئيس قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة أفريقيا العالمية، مدير معهد الدراسات المروية سابقاً، والمدير السوداني للبعثة المشتركة لحفريات موقع الحصا، إحدى أهم المواقع الأثرية التي استندت عليها الحصيلة اللوفرية.. فإلى مضابط اللقاء..

حوار – رباح الصادق

*جاء في موقع متحف (اللوفر)، الأكثر زواراً في العالم، أن رئيس اللجنة التي نظمت معرض الملك السوداني تهارقا كان يعمل بالحفريات في السودان، فهل كانت له علاقة بمجتمع الآثاريين هنا؟

نعم، منظم المعرض هو بروفيسور فانسنت غوندو، قد عملت معه في السودان لسنوات عديدة. بروفيسور غوندو هو الآن مدير قسم المصريات في (اللوفر)، كان في السودان لفترة طويلة ضمن البعثة الفرنسية، ومدير موقع الحصا، وكنت مدير الجانب السوداني من البعثة المشتركة.
*أين عملت البعثة بالتحديد؟

عملت في ثلاثة مواقع بين البجراوية وشندي بولاية نهر النيل، أهم موقعين كانا في مويس بالقرب من العاصمة مروي، عاصمة المملكة التاريخية، والحصا تقع في نصف المسافة بين البجراوية وشندي. الفرنسيون اشتغلوا لفترة طويلة في مناطق كثيرة في الشمالية وكذلك في غرب السودان، أنشأوا قسماً كاملاً للآثار السودانية وبدأوا في تغذية معلوماتهم ومقتنياتهم من آثار السودان، ومن هنا أخذ متحف (اللوفر) المبادرة.
*ما هو الدافع وراء تنظيم معرض عن تهارقا الآن بالذات؟
الفرنسيون لهم تاريخ طويل في العمل الآثاري في السودان، وطبعاً هناك غيرة وتنافس مع بعثات أخرى اشتغلت في دائرة الضوء بينما ظل شغلهم مغموراً نوعاً ما لفترة طويلة، ومع عملهم في موقعين قريبين من مروي وحصولهم على معلومات غزيرة وجديدة في السنوات الأخيرة، هذا قاد لتنظيم المعرض بالزخم الحالي.
*حدثنا عن مسيرة التنقيب والبحث الآثاري في السودان؟
مر السودان بظروف متقلبة في تاريخه لكن الجيد في العلاقات الثقافية والآثارية أنها تستمر في جميع الظروف، وفي الأربعين سنة الأخيرة تزايدت المعلومات الآثارية وتطور الكادر السوداني، صار أكثر إلماماً بقضايا الآثار، وصار الأوربيون العاملون في بعثات التنقيب يتعاملون مع جهات عديدة من السودانيين المدركين لأهمية الآثار، خلافاً لما كان يحدث في الماضي حيث كانت هيئة الآثار هي الجهة الوحيدة التي تدرك قيمة الآثار وتسعى لصونها والتنقيب فيها.
لذلك ينبغي باستمرار تفعيل العمل الثقافي خاصة في الآثار فالعمل فيها مستمر على طول فترات الشد والجذب مع الخارج، وهناك أكثر من (40) بعثة وهيئة آثارية مهتمة بالعمل في السودان وهناك جامعات عديدة فيها أقسام آثار مهتمة بالآثار السودانية، العلاقات الثقافية المفتوحة هذه وخلال الأربعين سنة أنتجت معلومات أجبرت المؤسسات الأوروبية على الاهتمام بالآثار السودانية التي كانت تجمعها تحت قسم المصريات أو تهملها. أجبرتها على الاهتمام بالآثار السودانية بصورة منفردة تعترف بكينونة السودان، على سبيل المثال المعرض الحالي في متحف اللوفر، وقسم آثار السودان في المتحف البريطاني، وفي ألمانيا كانت هناك فعاليات أمس واليوم عن دور السودان تحت عنوان “يوم السودان”، كل أوروبا الآن تهتم بالآثار السودانية.
*وما الذي دفعهم للعمل في السودان؟
كثير من العلماء الأوروبيين كانوا يريدون أن يستخلصوا معلومات علمية، كل منهم يريد أن يكون اسمه العلمي ضمن علم المصريات وهو علم قائم وعريق، وحول بعضهم للعمل في السودان للخروج بمعلومات جديدة ضمن علم المصريات، لكن عملهم وتنقيبهم في السودان غير اتجاهات هؤلاء العلماء. وبدأ التغيير نحو الاهتمام بآثار السودان على نحو خاص، بدأ التغيير بمقررات في جامعات بأوروبا عن آثار السودان، وتطور الاهتمام بها حتى صارت هناك شعب للآثار السودانية، أو أقسام مخصصة بالمتاحف كمتحف (اللوفر) الذي افتتح الآن معرض الفراعنة السودانيين، كنواة لجناح السودان، وهناك كذلك أقسام خاصة بآثار السودان في ألمانيا في ميونخ وفي برلين، وفي المتحف البريطاني.
*ألا يقود خبر عن معرض للآثار السودانية في باريس للتساؤل: أليس من حق السودانيين قبل غيرهم الاطلاع على آثارهم؟
الهيئة القومية للآثار كان لديها قسم للمعارض والآثار في العالم، كأن يتم تنظيم معرض “ممالك على النيل” ويتم الاتفاق مع جهات بالخارج لكي تنظم جولة للمعرض من أمستردام إلى لندن إلى غيرها من المدن الأوروبية.
*(مقاطعة) أعني العكس يا دكتور، ماذا عن حقنا كشعب سوداني أن ننظم معارض موجودة في باريس ولندن وغيرهما في الخرطوم؟ أو أن نعيد هذه الآثار للوطن. أليس من حقوقنا؟
هذا سؤال فيه وجهتا نظر متعارضان: مسألة عودة الآثار تعتمد على قوة الدولة من ناحية القدرة العلمية والسند السياسي والإعلامي. هناك من يقول إن وجود الآثار السودانية في الخارج يتيح لها العالمية، وينبغي ألا نطالب بعودتها ما دامت موجودة هناك في أيدٍ أمينة تصونها وتدرك قيمتها. وهناك بالطبع في السودان وغيره من دول العالم الثالث من ينادي بعودة الآثار، دول كثيرة صارت تطالب الدول الكبرى الغنية بإعادة آثارها.
*وهل الإعادة مطروحة؟

بروفيسور فانسنت غوندو

هذه الآثار بعضها خرج بصورة قانونية وفقاً لاتفاقيات مع بعثات التنقيب تنال وفقها قسماً من الآثار التي تشترك في اكتشافها، وبعضها نهب وخرج بصور غير قانونية. إذا كانت القطع الآثارية التي خرجت موثقة يمكن للبلد المعني متابعتها للمطالبة بها، فالمطالبة تحتاج لسند علمي، وهو بالنسبة لآثار السودان متوفر. لكن يلزم أن يصاحبه سند سياسي بأن تكون الدولة مهتمة بإعادة الآثار وتدعم المطالبة بها وتدخل في عملية طويلة من التفاوض، فالأمر صار مربوطاً بالعلاقات الثقافية بينك وبين الدول التي تمتلك الآثار. وذلك أن اليونسكو حينما وجدت المطالبات كثيرة من دول العالم الثالث بإعادة آثارها من الدول الكبرى، ولكي تحفظ ماء وجهها، فهذه الدول المطالبة بالإعادة هم الممولون الأساسيون للمنظمات الدولية، لذلك قامت اليونسكو بصياغة اتفاقية تنص على أن إعادة الآثار تكون بالتراضي بين الدول.
*وهل هذا ممكن؟
نعم ممكن، لقد قدم السودان من قبل ثلاثة مطالب بإعادة قطع أثرية في بريطانيا وفي بولندا وفي فرنسا، وهناك قطعة رجعت. هذه المطالبات تمت على فترات متقطعة.
العمل الثقافي وفي موضوع الآثار يتطلب تنسيقاً ومثابرة. ولدي تجربة في هذا الصدد إذ كنت عضواً بلجنة تسجيل أهرامات البجراوية في قائمة اليونسكو للتراث العالمي في عام 2011 كجزء من المواقع الأثرية في جزيرة مروي. بدأنا نجهز لتلك الخطوة منذ عام 2006م، كنت شاهداً على هذه التجربة ولأول مرة حدث فيها تنسيق قوي جداً بين المؤسسات العلمية: اشتركت كل من هيئة الآثار وجامعة شندي بجهد علمي، هذا السند العلمي أوجد له السند السياسي مثله معتمد محلية شندي، والسند اجتماعي، إذ شاركت المجتمعات المعنية، وطيلة الفترة منذ 2006م وحتى 2011م ظلت اليونسكو ترسل وفوداً للمجتمعات المحلية.
في تلك التجربة حصل تنسيق على المستوى الإداري وتنسيق علمي وسياسي وتنسيق دبلوماسي، فقرار اللجنة النهائي كان خاضعاً للتصويت إذا اختلف حول الجهد العلمي، وكانت لجنة اليونسكو صاحبة القرار مكونة من (21) عضواً ممثلين لبلدانهم، شكلت المجموعة العربية فيها (6) والأفريقية (5) أعضاء والبقية من دول أخرى. كنت ممثلاً لجامعة شندي ومثل هيئة الآثار مديرها ونائبه، وكان معتمد شندي ممثلاً للسلطة المحلية، كان علينا الالتزام بتحقيق مطلوبات فنية معينة وتسليم خطابات بضمان إجراء التعديلات المطلوبة لحماية وصون الآثار.
*هل للهيئة القومية للآثار والمتاحف أي خطة أو سياسة معينة لرصد الآثار الموجودة بالخارج والعمل على إعادتها؟
-توجد بالطبع سياسات وخطط لكنها ليست بالطموح المطلوب، فالزملاء في الهيئة لديهم كادر علمي مميز وخبرة طويلة في العمل في التنقيب وفي ترميم الآثار، لكن ينقصهم السند السياسي والمالي والكادر الإداري ينقصه الطموح والمبادرات، عندهم خطط وورش لكن مطالباتهم تتم على استحياء. هذا الاستحياء ما يزال ينسحب على كثير من المجالات، حيث ننزوي ونترك المجال للأجنبي باعتباره الأقدر على عمل أشياء حتى التي تخصنا.
*كيف ذلك؟
مثلاً الآن تصادفت مناسبتان مهمتان للغاية بالنسبة للآثار السودانية: معرض متحف (اللوفر) الذي افتتح أمس، وكذلك “يوم السودان” وهو فعالية نظمها آثاريون ألمان، عبارة عن لقاء على برنامج “زووم” الإسفيري. قبل يومين فقط جاء رابط بخبر عن اللقاء في مجموعة تواصل اجتماعي للآثاريين للمشاركة في الفعالية، ولكن بدون شرح للفعالية والمعلومات حولها وحول المشاركين فيها، مما جعل الأمر يبدو غامضاً، كثير من الآثاريين طالبوا برابط اللقاء على “زووم” ليشاركوا فيه، لكن لم يكن زمن اللقاء ولا برنامجه واضحاً، وحينما حاول البعض الدخول قيل لهم إن هذا حدث خاص محصور على عدد محدد من الناس، كلهم ليسوا من السودانيين. فكان تعليقهم: حتام ينظم أحداثنا آخرون غيرنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى