روزنامة الأسبوع

طَرِبَ النّيلُ لَدَيْهَا فتَثَنَّى!

روزنامة الاسبوع

كمال الجزولي

الإثنين
كثيراً ما نعرض لمسألة «الدِّيموقراطيَّة»، لكن قلَّما نفكِّر في العلاقة بينها وبين «اللغة»، في حين أن الاقتران بينهما طبيعي، تماماً كما الاقتران بين «الدِّيموقراطيَّة» وبين كلِّ ما من شأنه التَّأثير على حياة النَّاس بناءً وتطويراً. فعلى حدِّ قول الباحث المغربي المصطفى حسوني، إذا صلح أمر «اللغة»، في أيَّة دولة، صلحت، غالباً، أسس بنائها، والعكس صحيح، أي إذا صلح البناء الدِّيموقراطي في أيَّة دولة، صلح، أيضاً، أمر اللغة فيها. ولعلَّ ذلك ما يُلاحظ حول الأثر السَّلبي لغياب مفهومي «اللغة» و«نسق» الدِّيموقراطيَّة عن التَّفكير العربي الإسلامي بشأن الدَّولة، وواقعها السِّياسي، على العكس من الوضع في معظم دول الغرب. ومن ثمَّ تستوجب محاولة ردم الهوَّة الفاغرة بين الدَّولتين إرساء بناء ديموقراطي مؤسَّساتي في دولتنا، مِمَّا لا يستقيم في غياب الإصلاح اللغوي. لذا يصحُّ القول باستحالة بناء دولة متقدِّمة بلغة متخلفة!

على أن التَّطوير اللغوي داخل البناء الدِّيموقراطي لا يشترط، بالضَّرورة، أحاديَّة اللغة، كما يتوهَّم واضعو السَّياسات التَّقليديُّون، سيِّئو الظنَّ بالتَّعدُّد والتَّنوُّع اللغويَّين، مِمَّا يحسبونه دليل تَّشظٍّ وتمزُّق. فواقع التَّعدُّد والتَّنوُّع قد يوجد حتَّى داخل اللغة الواحدة من حيث تعدُّد وتنوُّع لهجاتها، كما وأن هذا الواقع سيرورة طبيعية في كلِّ دولة ـ أمَّة، أو بسبيلها للتَّشكُّل في أمَّة، كما هو حال بلادنا، حيث ينبغي ألا يعني التَّعدُّد الخلاف وإنَّما مجرَّد الاختلاف، كما ولا يعني التَّنوُّع التَّنائي أو التَّباعد. ولئن كانت بعض المواقع المتخصِّصة قد أحصت 76 لغة على نطاق العالم، فإن الظاهرة اللغويَّة في السُّودان أكثر تعقيداً من محاولة حصرها أو تحديدها إحصائيَّاً. ومثلما أن التَّعدُّد والتَّنوُّع في السُّودان شامل لشتَّى العناصر المادِّيَّة والمعنويَّة، فإنه شامل، ضمن ذلك، للغات، حيث أن ثلاثاً من الأسر اللغويَّة الأفريقيَّة الأربع متوطِّنة في السُّودان. ولا تصادم هذا الواقع الدَّعوة الدِّيموقراطيَّة لأن تنزع الدَّولة لخلق الانسجام بين مكوِّنات البلاد اللغويَّة المتعدِّدة المتنوِّعة، سواءً بالتَّأسيس الدُّستوري، أو برسم السِّياسات، أو عن طريق مراكز متخصِّصة في رصد، ومتابعة، وحلِّ مشكلات هذا التَّعدُّد والتَّنوُّع، بغرض إيجاد مستوى لغوي وطني وسيط lingua franca، يُستخدم في المعاملات الرَّسميَّة، كما وفي التَّعليم العالي، إلى جانب اللغة الأجنبيَّة ـ الإنجليزية على وجه التَّحديد ـ باعتبارها لغة العلوم الحديثة، والتَّخاطب الدَّولي، دون المساس باستقلاليَّة هذه المكوِّنات، أو بحقِّها في التَّطوُّر والازدهار، واستخدامها في النِّطاق المحلي، خصوصاً في مستوى التَّعليم العام، بعد تدوينها في أبجديَّة مناسبة، حيث للأبجديَّة علاقة لا تنفصم بـ «الهُويَّة».

ويكمن الجَّانب الأهمُّ من مشكلة الثَّقافة السُّودانيَّة في ذات المشكلة التي تعاني منها كلُّ ثقافات أفريقيا، وهي أن هذه القارَّة هي الوحيدة التي يبدأ الطِّفل فيها التعلُّم بلغة غير لغته الأم! وقد ظلَّ هذا الخلل المنهجي قائماً، في بلادنا، على صعيد السِّياسات اللغويَّة، تبعاً للسِّياسات التَّعليميَّة، منذ مرحلة ما قبل الاستقلال. فالادارة الاستعماريَّة كانت تركِّز في قبول الطلاب الجُّدد بكليَّة غردون على طلاب المركز المستعربين المسلمين. ولم يكن الطلاب الجَّنوبيُّون يُقبلون فيها، في الغالب، كسياسة بريطانيَّة، لجهتي الثَّقافة واللغة. ولأن إدارة واقع التَّعدُّد والتَّنوُّع الثَّقافي واللغوي في الدَّولة تختلف بحسب الأيديولوجيا المسيطرة من فترة لأخرى، فقد أقرَّ «مؤتمر الرَّجاف 1948م» خطَّة لتحديد 6 لغات يتمُّ اختيار واحدة منها، وتدوينها بالأبجديَّة اللاتينيَّة، والتَّدريس بها في مستوى التَّعليم العام، وأسماها اللغات القبليَّة Tribal Languages، ولم يكن الهدف من ذلك رسم وجهة ديموقراطيَّة في السِّياسات اللغويَّة والتَّعليميَّة بقدر ما كان ذلك الهدف هو تكريس الفرقة والعزلة بين الجَّنوب والشَّمال. واستطراداً فقد أسمى المستعمر الانجليزيَّة Uropean Language، واعتبرها Principal Language. أمَّا في مرحلة ما بعد الاستقلال السِّياسي فقد سادت رؤية المستعربين «العروبيِّين» في تغليب اللغة «العربيَّة»، حيث اقترحها من خلال خطَّة «السَّودنة»، كلغة واحدة لأمَّة واحدة، عبد الرحمن علي طه، أول وزير معارف سوداني (1948م ـ 1953م)، ونائب عميد معهد بخت الرِّضا الذي عمل على صياغة المناهج التَّعليميَّة منذ ما قبل الاستقلال. وحتَّى من أبدى ميلاً لتدوين اللغات المحليَّة، كيوسف الخليفة أبو بكر، فقد اقترح أن يتمَّ ذلك بالأبجديَّة العربيَّة. أمَّا عبد الله خليل فقد انحاز لخطَّة «تعريب» الجَّنوب. وأمَّا الفريق إبراهيم عبُّود فقد كثَّف من برامج «الأسلمة والتَّعريب». كما جرى «تعريب» المناهج بعد ثورة أكتوبر 1964م، وفي ذات هذا الاتِّجاه عمل وزير التَّربية والتَّعليم، بعد مايو 1969م، القومي العربي محي الدِّين صابر. أمَّا بعد انقلاب الاسلامويِّين في 30 يونيو 1989م فقد وُجِّهت كلُّ برامج التَّربية والتَّعليم، من خلال «الوثيقة العامَّة للمناهج»، بما في ذلك حتَّى الزِّيِّ المدرسي، لتصبَّ في إنفاذ المحتوى العسكري الاسلاموي، ابتداءً من الإنشاد الدِّيني في طابور الصَّباح المدرسي!

وبرغم الكثير من أفضال «بخت الرِّضا» على مناهج التَّربية والتَّعليم، لكن كانت ثمَّة هنَّات تستوجب المراجعة، مثل اعتبار «منقو زمبيري» محض «صديق» لنا، أي ليس «جزءاً» من التَّركيبة السُّودانيَّة، وغير ذلك من مخاطر الصُّور النَّمطيَّة في التَّعليم، كصورة المرأة باعتبارها «المستعربة المسلمة لابسة التوب»، وتعميم أسماء «محمَّد، أحمد، علي» .. الخ. فبما أن المنهج رأس مال ثقافي، فإن الحقوق الثَّابتة تحتاج لسرديَّات مغايرة.
ولعلَّ من أبرز حسنات «نيفاشا» أن دستور 2005م دعا لاحترام اللغات المحليَّة، وإن حدَّد لغتين رسميَّتين للدَّولة ينبغي عدم التَّمييز بينهما: العربيَّة والانجليزيَّة. ولعلَّ الفضل في ذلك يعود لرؤية د. جون قرنق الذي لم تكن نظرته للغة والثَّقافة العربيَّتين ضيِّقة كحال الكثير من المثقَّفين الجَّنوبيِّين، بل لم يكن يخفي تقديره لهما كقيمتين سودانيَّتين، لكنه كان يدعو لتخليصهما من النَّزعة الاستعماريَّة التي تحتقر القيم المحليَّة، والتي فرضتها عليهما التَّيَّارات الاستعلائيَّة لقرون طوال. غير أن انفصال الجَّنوب في 2011م فتح الأبواب على مصاريعها، مجدَّداً، لعودة السَّيطرة للتَّيَّار الأحادي العروبي الاسلاموي في الثَّقافة والدِّين واللغة.
وهكذا لا يكفي الكلام السِّياسي الفوقي عند التَّعرُّض لقضيَّة الانتقال الدِّيموقراطي، بل لا بُدَّ من استصحاب حقائق ومشكلات، كاللغة والثَّقافة، ومعالجة أوضاعهما بعمق.

الثُّلاثاء
الصَّحفيَّة صفاء الفحل التي قذفت التُّوم هجو بحذائها خلال مؤتمر صحفي بسونا، أطلقت النِّيابة سراحها بالضَّمان، بعد أن قيَّدت في مواجهتها بلاغاً من أغرب ما يكون، تحت المَّادَّتين/76 ـ 77 من القانون الجَّنائي لسنة 1991م. فلئن افترضنا أنه ليس ثمَّة «غبار»، من النَّاحية العلميَّة البحتة، على قتح البلاغ، في مثل هذه الحالة، تحت المادَّة/77، وعنوانها «الازعاج العام»، فثمَّة «لوري تراب سفَّاية» على فتحه تحت المادَّة/76 وعنوانها «الاخلال بالتزام قانوني تجاه شخص عاجز»! وللمزيد من توضيح وجه الغرابة هنا، فإن منطوق المادَّة/76 يتمحور حول: «من يكون مكلَّفاً بمقتضى التزام قانوني برعاية أيِّ شخص عاجز، بسبب صغر سنِّه، أو اختلال قواه العقليَّة، أو النَّفسيَّة، أو مرضه، أو ضعفه الجِّسمي، ويمتنع، قصداً، عن القيام بذلك الالتزام»! فما علاقة هذا بصفاء وحذائها؟!

الأربعاء
ضِمْنَ مقدِّمة كتابه «سودانيون وإنجـليز» أكَّد د. حسن عابدين أن “التَّاريخ حقائق عن الماضي، ومنهجيَّة علميَّة لجمع ورصد وتفسير هذه الحقائق .. ولا خير ولا جدوى في تطويع التَّاريخ لغير الحقيقة”.
وعلى ما في هذه الحكمة البسيطة من سداد، إلا أن الكاتب لم يلتزمها، هو نفسه، للأسف، إذ ما لبث أن خلَّفها وراءه، عبر الأجزاء الأساسيَّة من الكتاب، كما ومن خلال حواره حوله مع غسَّان عثمان في برنامج «الورَّاق» على شاشة «إس 24»، ومضى ينتقي وقائع بعينها، ينتزعها انتزاعاً من سياقها، ليسبغ عليها صفة «الحقائق التَّاريخيَّة»، ثمَّ يُعمل فيها منهجاً ذاتيَّاً يقسرها على أن تقوم مقام التَّعميم المعرفي، محاولاً أن يثبت بها فكرة قبْليَّة انطوى عليها، في ما يبدو، ردحاً طويلاً من الزَّمن، عقلاً وعاطفة، وفحواها أن علاقات «إنسانيَّة!» حميمة نشأت بين السُّودانيين الذين أتيح لهم القرب من الإدارة البريطانيَّة، أوان الحقبة الاستعماريَّة، كالقيادات الدِّينيَّة، وزعماء القبائل التي لم يمسَّها ضُرٌّ من الإستعمار (!)، من جهة، وبين قادة ورموز تلك الإدارة من جهة أخرى، ويسمِّي الكاتب ذلك بالوجه «الإنساني!» لـ «الاستعمار!»، على خلاف الكثير من المثقَّفين والمتعلمين الذين ترتَّبت كراهيَّتهم للإنجليز، برأيه، على افتقارهم لتلك الخبرة، فكان أن اختزنوا أفكاراً راديكاليَّة مسبقة تحضُّ على بغض الاستعمار، أصلاً، ومن ثمَّ الاستعصام برفض أيِّ احتمال للتَّعاطي «الإنساني!» معه!
ويضحى هذا الاستنتاج غليظاً بدرجة فظة حين ندرك أن الفئة الأخيرة تشمل كثيراً من أيقونات النِّضال الوطني التَّحرُّري، ورموزه التَّاريخيَّة، كعلي عبد اللطيف وخليل فرح وعبيد حاج الأمين وغيرهم!

فإذا افترضنا أن الكاتب يسعى، بمبحثه هذا، للوصول إلى «حقيقة الماضي الموضوعيَّة»، كمطلب علمي، كون أيَّ كاتب إنَّما يسعى بكتابته إلى غاية محدَّدة، فإن نظريَّته عن «إنسانيَّة الاستعمار في السُّودان»، باعتبارها «الحقيقة المطلقة»، مطروحة، هنا، لتكافئ «حقيقة الماضي الموضوعيَّة» التي يبحث فيها. غير أن الأخيرة ينبغي أن تخضع، وفق حكم الكاتب نفسه، لمنهجيَّة علميَّة في الرَّصد والتَّفسير. ومن ثمَّ فإن هذه المنهجيَّة لا يمكن إدراكها بالسَّعي لتقديم تفسير وحيد «مطلق» للظاهرة، بل عبر جدليَّة مفهومي «الحقيقة المطلقة» و«الحقيقة النِّسبيَّة». فالأولى متعذِّرة، لكونها تعني امتلاك المعرفة النهائيَّة بكلِّ أبعاد الظاهرة في اللحظة المحدَّدة، وإن أمكن الحصول، أحياناً، على «بعض» العناصر اليقينيَّة في هذه الظاهرة، شريطة ألا تكون مِمَّا يترجَّح أن يدحضه العلم لاحقاً، كـ «الإخبار» بالوقائع نفسها، مثلاً، لا «الاستنتاج» منها. أمَّا «الحقيقة النِّسبيَّة» فتبدأ من الإقرار بعدم اكتمال معارفنا عن الظاهرة، مِمَّا ينعكس في تحليلنا لها بصورة غير دقيقة، فيُتوقَّع، بالتَّالي، أن تطال يد التَّصحيح والتَّعديل، لاحقاً، تلك المعارف وذلك التَّحليل، بسبب حدوث تغيُّر «جوهري» ملموس في روابط وتفاعلات الظاهرة. أمَّا إذا لم يقع ما يمكن اعتباره تغيُّراً «جوهريَّاً» ملموسـاً في هذه الرَّوابط والتَّفاعـلات، فلا مجـال للحـديث عن أيِّ تصـحيح أو تعـديل.
لقد وُضِع، منذ نشوء الظاهرة الاستعماريَّة في القرن الخامس عشر الميلادي، وإلى يوم النَّاس هذا، ما لا حصر له من الدِّراسات والأبحاث حول تاريخها وعلم اجتماعها، دون أن يقول أحد أن تغيُّراً ملموساً قد وقع في «جوهر» روابطها وتفاعلاتها. فقد ظلَّ تعريف مصطلح «الاستعمار»، دائماً، هو قهر سلطة باسم شعب لشعب آخر، وإلغاء سلطته الذّاتيَّة إذا كانت قائمة، أو الحيلولة دون قيامها إذا لم تكن قد تأسَّست بعد، والاستيلاء، بالنَّهب العسكريِّ، أو غيره، على ثروات هذا الشَّعب، واستغلال أرضه، وتسخير طاقات أفراده، لمصالح المستعمرين. فالمصطلح يشير إلى ظاهرة اقتصاديَّة، سياسيَّة، اجتماعيَّة، وثقافيَّة، سواء بالمفهوم القديم المتمثِّل في الشَّكل المباشر، الشَّامل لاستيلاء الدُّول الأوربيَّة على مناطق واسعة خارج أوربَّا، وإخضاع شعوبها سياسيَّاً، وربَّما ثقافيَّاً «نمط الدَّمج الفرنسـي assimilation»، واسـتغلال ثرواتهـا اقتصاديَّاً، أو بالمفهوم الجَّديد المتمثِّل في الشَّكل غير المباشر «الاستعمار الحديث»، والشَّامل لنفس الأهداف الاستعماريَّة، حيث يكمن الفرق «الجَّوهري» الوحيد في الأسلوب النَّاعم لهذا الشَّكل!
الشَّاهد أنه ما مِن شعب، عبر كلِّ هذا التَّاريخ، وفي جميع هذه الأنماط، ابتهج لإرغامه على الخضوع لسطوة استعمار ما، دَعْ أن يكون هذا الشَّعب هو الشَّعب السُّوداني الذي قاوم الاستعمار التُّركي وكسره، وقاوم الاستعمار الإنجليزي ـ المصري حتَّى حقَّق استقلاله السِّياسي عام 1956م.

وليت المؤلف، لدى نظره في ما قدَّمت «بعض» القوى المحليَّة مِن «دعم» للاستعمار، قد أدرك ما أدركه كتَّاب آخرون، كالبريطاني تيم نبلوك مثلاً، في كتابه «صراع السُّلطة والثَّروة في السُّودان»، بدلاً من توريط الشَّعب السُّوداني بأكمله في نظريَّة «المحبَّة الإنسانيَّة» مع المستعمِر! لقد ألحق الاستعمار البلاد بالنظام الرَّأسمالي العالمي، في الوقت الذي كانت فيه أشكال الإنتاج السَّابقة على الرَّأسمالية لا تزال تلعب الدَّور الأهمَّ في اقتصاديَّاته. وبما أن الحكَّام، حتَّى لو كانوا استعماريين، لا يستطيعون مواصلة الجُّلوس على بنادقهم إلى ما لا نهاية، فإن الهمَّ الأوَّل للإدارة الاستعماريَّة، مطلعَ القرن الماضي،

كان، تبعاً لذلك، خلق واستمالة «مؤسَّسة» موالية لها، متعاونة معها، تيسِّر لها نهب موارد البلاد «نمط الإنتاج الكولونيالي بمصطلح مهدي عامل». لذا كانت المشكلة التى واجهت البريطانيين، أوَّل أمر إدارتهم للسُّودان، هى العثور على عناصر من أهالي البلاد يدينون بالولاء والإخلاص للإدارة الجَّديدة، فانتبهوا، أوَّل ما انتبهوا، إلى القوى الأساسيَّة «المرشَّحة» لهذا الدَّور بين زعماء الطوائف والقبائل وكبار التِّجار وأبكار خريجي الكليَّة، مِمَّن توافقت مصالحهم الطبقيَّة مع السِّياسات الجَّديدة، وتنافرت مع سياسات الدَّولة المهديَّة، فضلاً عن شيوخ الطرق الذين تعارضت مذاهبهم مع دعوتها، وعلماء الشَّرع الذين كانت لهم أسبابهم الفقهيَّة للابتهاج بسقوطها، وسكَّان المدن والمناطق النِّيليَّة الذين حَرَّمت عليهم المتع والمباهج الحضاريَّة، على حد تعبير هولت.
وفى خطابه إلى جراى عام 1907م لخَّص اللورد كرومر، عرَّاب الحكم الثُّنائي وحبره الأعظم، الاستراتيجيَّة الاستعماريَّة بقوله: فى كل قطر، وخصوصاً إذا كان المُصلِح من الأجانب، فإنك لا تستطيع أن تغرِّب alienate الطبقات العليا. كما أوضح كتشنر، فى منشوره الصَّادر، عام 1899م، إلى إدارييه المنتشرين فى الأصقاع المختلفة أن الواجب هو الحصول على ثقة الناس، بأن تكون الإدارة على اتِّصال وثيق مع أفضل طبقة من الأهالي الذين تأمل عن طريقهم تدريجيَّاً في التَّأثير على جميع أفراد الشَّعب، وأن تظهر لهم، عن طريق الاهتمام الخاص، أن تطوير مصالحهم «الذَّاتيَّة» هو الهدف الرَّئيس للحكومة!
ولم يكن صعباً، بطبيعة الحال، أن يعثر البريطانيون على تلك «الطبقات العليا» ليصوغوا منها «المؤسَّسة» التي كانوا يحتاجونها، بإلحاح، بين كل تلك القوى ذات المصلحة في سياسات الإدارة الاستعماريَّة، والتي «ابتهجت» لذهاب المهديَّة، بل وأصبح لديها الآن دافع إضافى لـ «الابتهاج» بسبب اهتمام نظام الحكم الجَّديد بمصالحها «الذَّاتيَّة» حسب البروباغاندا التي دعا كتشنر للتَّرويج لها! فعمليات التَّراكم الرَّأسمالي التي كانت تقوم بها القيادات القبليَّة والدِّينيَّة، واعتماد المشاريع الزِّراعيَّة على العمل المأجور، والوزن الكبير للقطاع التَّقليدي في مختلف مناطق البلاد، والدَّور المهمُّ الذي كانت تلعبه القيادات القبليَّة في توزيع أراضى الرَّعي والزِّراعة التَّقليديَّة، يعكس، من جهة، أثر أشكال الإنتاج التَّقليديَّة السَّابقة على الرَّأسماليَّة في اقتصاديات البلاد، ومن جهة أخرى المصالح الطبقيَّة الحقيقيَّة للقوى الاجتماعيَّة التى شكَّلت مركز الدَّعم الأساسى للاستعمار، ومن ثمَّ تقاربت معه، رغم أن أيَّ محاولة لدراسة التَّركيب الطبقي في مثل تلك الأوضاع ستصطدم، حتماً، بمعضلة التَّداخل بين الأشكال الرَّأسماليَّة والسَّابقة على الرَّأسماليَّة.
مع ذلك ما من عنزين يمكن أن تنتطحا، البتَّة، في كون الشَّعب السُّوداني، عموماً، قد رفض الاستعمار، قولاً واحداً، تركيَّاً عثمانيَّاً كان، أم بريطانيَّاً ـ مصريَّاً، وقاومه بعناد، وبسالة، وصرامة، حتَّى انتصر عليه، وحقَّق استقلاله مرَّتين: في 1885م، وفي 1956م. قد يكون انهزم في بعض المعارك، قد يكون كفاحه تراجع في بعض المنعطفات التَّاريخيَّة، قد يكون وضيعون من بين صفوفه مالئوا البريطانيين، أو حتَّى “سمسروا” لهم، أو تاجروا معهم في القضيَّة الوطنيَّة، أو ساعدوهم، على أيِّ نحو، وقبضوا الثَّمن، فالتَّاريخ قد أثبت أن مثل هذا وقع لدى كلِّ شعوب المستعمرات السَّابقة، لكن «الحقيقة التَّاريخيَّة» الأساسيَّة التي ينبغي ألا نصاب بأيِّ حَوَل إزاءها، والتي يجدر بنا أن نرسِّخها، بمختلف الصُّور والأشكال، في مناهج تربيتنا الوطنيَّة، هي أن شعبنا، في عمومه، كره الاستعمار، فكافحه بالمُهَج والأرواح، وبكلِّ مرتخص وغالٍ، ولم يحدث أن استكان قط، أو أدار للمستعمر خدَّه الأيسر، أو تذلل له، أو حتَّى عامله بالوصـف المخاتل الذي يطلق عليه مؤلف الكـتاب «الإنسانيَّة»!
وبعد، لئن كانت تلك بمثابة «القاعدة» في علاقة السُّودانيين بالاستعمار، فإن ماعداها «استثناء» لا يُقاس عليه. وخطأ المؤلف أنه، للأسف أحلَّ «الاستثناء» محلَّ «القاعدة»!

الخميس
مقال بديع، على قِصَرِه، عن مرسى صالح سراج، الاسم الذى قد لا يعرف النَّاس عنه الكثير، رغم قيمته العالية، صادفني في أحد المواقع الأسفيريَّة، ولكن غفلاً، للأسف، من اسم كاتبه الذي عرَّف بمرسي قائلاً إنه مبدع عبقري من أبناء أرقين في أقصي شمال السُّودان، وكان يعمل مستشاراً بوزارة الاعلام السُّعوديَّة. غير أن الدَّهشة ما تلبث أن تتملكك عندما تكتشف الكمَّ الهائل من المواهب التي تجمَّعت فى جسده العليل، حيث كان شاعراً، وصحفيَّاً، وفنَّاناً تشكيليَّاً، ونَّاقداً رياضيَّاً، ومترجماً عالماً باللغات، ومع ذلك كله كان يعاني، منذ طفولته الباكرة، من شلل الأطفال، وحقَّاً “إذا كانت النُّفوس كباراً تعبت فى مرادها الأجسام”. ولأنه ما كان لجسد بشري أن يتحمَّل هذا البركان الثَّائر من العطاء، وهذا الكم الهائل من الابداع، فقد توفي، عام 1967م، بلندن، وهو فى رحلة علاج، ولمَّا يكن قد بلغ الأربعين بعد، تغمَّده الله بواسع رحمته، وهو خير الرَّاحمين.

تغنَّي له الرَّاحل وردي بالنشيد الخالد “هام ذاك النهر”. وبما أن في كلِّ قصيدة ما درج النَّاس على اعتباره “بيت القصيد”، فإن هذا البيت في نشيد مرسي هو قوله الرَّائع: “طرب النِّيل لديها فتثنَّى”، حيث يعود الضَّمير في “لديها” إلى وطنه، بلاد النُّوبة، والمعنى أن النِّيل، ما أن يوشك على الوصول إليها، حتَّى يرقص طرباً .. وإن من البيان لسحرا!
ازدحمت سنوات عمره القصيرة بنشاط ثر، وحراك متَّصل، فقد عرفته السَّاحات الأدبيَّة والرِّياضيَّة، خلال السِّتِّينات، كاتباًَ مثابراً ينشر في الصُّحف قصائده، ومقالاته الأدبيَّة، وأهازيجه الرِّياضيَّة. وكان أكثر ما يكتب في صحيفة “النَّاس”.
خلف مرسي من البنات ثلاثاً وولداً واحداً. وبعد رحيله واصلت أرملته مديرة التَّعليم السَّيدة سعيدة محمد صالح حمل الرَّاية، حيث عكفت، بصبر وجلد ومثابرة، على تربية عيالها ورعايتهم، حتى تخرجوا في الجَّامعات. وقضت إرادة الله أن تصاب إحدى بناته بذات علة والدها، فطفقت سعيدة تشرِّق بها، في أركان الدنيا، وتغرِّب، بحثاً عن العلاج، حتي وقفت الابنة، بحمد الله، على رجليها.
تلك بعض سيرة مقتضبة لعبقري سوداني لم يسلط عليه ضوء كافٍ في وطنه. وقد نُشر نصُّ “هام ذاك النَّهر” إلى جانب ترجمة إنجليزيَّة له غاية في الرَّصانة بقلم الشَّـاعر نفسه:
Behold that River! After beauty to inspire
Across my Country satisfying its desire

[هامَ ذاك النّهرُ يستلهـمُ حُسنا/ فإذا عبْرَ بلادي ما تـمنّى/ طرِبَ النّيلُ لَدَيْها فتثنَّىَ/ فاروِ يا تاريخ للأجيالِ أنّا/ ثائرٌ إذ هبَّ من غفوتِهِ/ ينشدُ العلياءَ في ثورتِهِ/ ما اندفاعُ السّيلِ في قوّتِهِ/ عجباً مَن لهُ جندٌ على النّصر يُعين/ كُلُّنا نفساً ومالاً وبنين/ نـحنُ في الشِّدَّةِ بأسٌ يتـجلَّىَ/ وعلى الوُدِّ نـضُمُّ الشّملَ أهلا/ ليسَ في شِرعتِنا عبدٌ وموْلَىَ/ قسَماً سنرُدُّ اليومَ كيدَ الكائدين/ وحدةً تَقْوَىَ على مَرِّ السّنين/ قلْبُ إفريقيا بِوَعْيٍ نابِضِ/ حَلَّ مِنّا بالـجّنوبِ النّاهِضِ/ مِنعة الغابِ بِلَيْثٍ رابِضِ/ قِدَمَاً هي كانت جنّة المستعمرين/ مالـَهُم منها تبارَوْا هاربين/ نـحنُ أبناء ملوك في الزّمان/ توَّجوا الفونج وزانوا كردفان/ أفسحَ المجدُ لهم خيْرَ مكان/ نسباً نِعْمَ أجدادٍ بِهِم يزهو جبين/ خُلُقٌ يسمو وعَزْمٌ لا يلين/ دربُنا يوم اللقا كيفَ سعَىَ/ حينَ داعي البذلِ بالرُّوحِ دعا/ كيفَ بالسَّيْفِ تحدَّىَ المِدْفَعَا/ ودِمَاً بذَلوها ثرّةً لا تستكين/ للخنا للقيْدِ للعَيْشِ الـمهين/ حِينَ خَطَّ الـمَجْدُ في الأرْضِ دُرُوبَا/ عَزْمَ تِرْهاقا وإيـمان العروبة/ عَرَبَاً نـحنُ حملْناها ونُوبة/ بِدِمانا مِن خلودِ الغابرين/ هُوَ يحدونا إلى عِزٍّ مُبِين/ هـَمُّنا في العَيْشِ إقْدامٌ وجُود/ وعنِ الأوطانِ بالمَوْتِ نذُود/ لِنَرَىَ السُّودانَ خفّاقَ البنود/ وغَدَاً سوفَ يَعْلو ذِكْرُنا في العالمين/ فعُلُوَّاً كان شأنُ العامِلين].

الجُّمعة
بذريعة محاربة النَّهب سنَّت ولاية الخرطوم مرسوماً يحظر ركوب شخصين في موتورسيكل واحد، ويفرض عقوبة السِّجن والغرامة على المخالفين. أوَّل من سيقع تحت طائلة هذا التَّشريع المفضوح ليس الحراميَّة، إنَّما الشَّباب الذين يستخدمون الموتورسيكلات كوسائل «اسعاف» للمصابين في المواكب .. وتشوف عينكم!

السَّبت

كثيراً ما يقع الخلط بين «السَّيادة الوطنيَّة»، وبين «مشروعيَّة» التَّدخُّل في شؤون الدُّول في الحالات الانسانيَّة التي تستدعي ذلك، فكلاهما من المبادئ الأساسيَّة للقانون الدَّولي المعاصر.
مبدأ «السَّيادة» تمَّ إقراره في «مؤتمر وستفاليا 1648م»، استناداً إلى مفهوم الدَّولة الوطنيَّة National State، بما يحمي حقوق هذه الدَّولة على ما فوق إقليمها، شاملاً رعاياها، وما تحت أرضها، ضدَّ أيِّ تغوُّل أجنبي. غير أن مياهاً كثيرة جرت، لاحقاً، تحت الجسور، فلم تعُد حقوق الدَّولة هي وحدها المرعيَّة، بل أعليت عليها حقوق الإنسان والشُّعوب، حتَّى أن بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتَّحدة، صوَّر الأمر كما لو أوكل المجتمع الدَّولي للدَّولة صون هذه الحقوق، فإن أخفقت، تدخَّل هذا المجتمع، لصونها، جماعيَّاً أو فرديَّاً. هكذا أضحى التَّدخُّل الدَّولي الإنساني أحد الاستثناءات الواردة على مبادئ القانون الدَّولي المعاصر، مِمَّا تبلور عبر مبادرات عديدة اعتبرت، منذ القرن التاسع عشر، أن من أوجب واجبات الجَّماعة الدَّوليَّة التَّدخُّل كلما استوجبت ذلك حقوق الإنسان والشُّعوب. فليس صحيحاً، إذن، رفع حُجَّة «السَّيادة» ضدَّ هذا التَّدخُّل الدَّولي «المشروع»، طالما أنه ليس مشمولاً بمطامع استعماريَّة.

الأحد
المحامي: يا دكتور .. قبل قيامك بعمليَّة التَّشريح، هل فحصت نبضه؟!
الطبيب: كلا
المحامي: هل قستَ ضغط دمه؟!
الطبيب: كلا
المحامي: هل فحصتَ تنفُّسه؟!
الطبيب: كلا
المحامي: إذاً .. محتمل أنه كان حيَّاً عندما بدأت تشريح جثَّته؟!
الطبيب: كلا
المحامي: وما يجعلك متأكِّداً لهذه الدَّرجة يا دكتور؟
الطبيب: لأن مخَّه كان موضوعاً في قنِّينة على طاولتي.
المحامي: مع ذلك يحتمل أنه كان ما يزال حيَّاً؟!
الطبيب: نعم، يحتمل، ويحتمل، أيضاً، أنه كان يمارس مهنة المحاماة!

***

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى