تقارير

زحمة مبادرات.. أنصاف الحلول لا يعول عليها

يزدحم المشهد السياسي بالمبادرات التي تسعى لإيجاد مخرج من الأزمة التي وقعت فيها البلاد بعد انقلاب 25 أكتوبر. في هذا السياق قدم مركز ساس الحقوقي قراءة قانونية تحليلية لعدد من تلك المبادرات والمواثيق، خلصت إلى أن أي مبادرة تدعو للاتفاق مع العسكر والرجوع لنقطة الصفر، أو أنصاف الحلول، لا يمكن التعويل عليها، مؤكدين على ضرورة وحدة قوى الثورة وعدم القبول بمبادرة تدعو لاتفاق جديد مع العساكر.

تقرير- ملاذ حسن

ولفت مركز ساس إلى أن أغلب المبادرات المطروحة اعتمدت على الإصلاح وليس إعادة البناء، وافتقرت لرؤية واضحة وفروقات مفاهيمية، مضيفين: “أغفلت معظم المبادرات تفكيك بنية النظام السابق، وبناء مؤسسات الدولة المدنية المحايدة، وإعادة هيكلتها، وسيادة حكم القانون لتحقيق قيم العدالة، وقيام الانتخابات العادلة والنزيهة”.

استندت قراءات مركز ساس على (15) مبادرة بتواريخ مختلفة، شملت القراءة محاور: (المفاهيم العامة والدستور الانتقالي، المجلس التشريعي، نظام الحكم وقسمة السلطة، العدالة الانتقالية، الإصلاح المؤسسي، السلام، الاقتصاد الوطني، والسياسة الخارجية). وصاحب عرض القراءة التحليلية مناقشات واسعة أوصت بضرورة توسيع دائرة النقاش حول القراءات لتشمل لجان المقاومة ومزيداً من قوى الثورة الفاعلة في الشارع لوحدتها.

مركز ساس مركز تدريب حقوقي ينشط في بناء القدرات وتقديم الاستشارات والدراسات والبحوث ورفع الوعي القانوني والحقوقي، ويهتم بمبادئ ومعايير الحكم الراشد وسيادة حكم القانون، وإجراء مسوحات قانونية عبر وسائل مختلفة، منها إقامة الندوات والدورات التدريبية والمؤتمرات والاجتماعات والمحاضرات .

قراءة تحليلية

قدم مركز ساس الحقوقي بقاعة الشارقة قراءة تحليلية للمبادرات والمواثيق المقدمة المتعلقة بالوضع الراهن، عبر القانونيين: سلوى أبسام، كمال محمد الأمين، سامية مجذوب، عبدالله الكفيل، ومحمود الشاذلي. وأشرف على لجنة المراجعة: عبد العظيم حسن، محمد الجاك، زحل محمد الأمين، وعبد المطلب عطية الله .

وشملت القراءة (15) وثيقة ومبادرة هي: (إعلان وحدة قوى ثورة ديسمبر 2018 “أوقد”، وثيقة الحزب الشيوعي السوداني يونيو 2022، مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم ديسمبر 2021، وثيقة لجان مقاومة ود مدني، مبادرة لجان مقاومة الخرطوم “ميثاق تأسيس سلطة الشعب يناير 2022″، ومبادرة أسر شهداء ثورة ديسمبر “مشروع وطني للعدالة الانتقالية”، مبادرة منظمة تدريب وتشغيل الشباب لاستعادة الشرعية الدستورية ومسار التحول الديمقراطي في السودان، وثيقة قوى إعلان الحرية والتغيير المجلس المركزي فبراير 2022، مبادرة حزب الأمة القومي 24 ديسمبر 2021 “خريطة طريق لاستعادة الشرعية واستكمال المرحلة الانتقالية”، مبادرة حزب المؤتمر الشعبي “مقترح تدابير الانتقال للفترة من ديسمبر 2021 إلى يوليو 2023، ورقة مقدمة من أحمد الجيلي وعبد الخالق شايب بعنوان “خارطة الطريق الثوري للانتقال نحو دولة الحرية والسلام والعدالة”، مبادرة التحالف الاقتصادي لثورة ديسمبر، ورقة مقدمة من مجموعات نسائية متعددة التخصصات المهنية والانتماءات المدنية، مبادرة ملتقى جامعة الخرطوم للبناء الوطني والانتقال الديمقراطي، ومبادرة مجموعة من خبيرات الجندر والمحاميات والأكاديميات فبراير 2022).

قدمت القراءة رصداً لما جاء في المبادرات والوثائق المقدمة، تناولت (10) محاور، هي: المفاهيم العامة، الدستور الانتقالي، المجلس التشريعي، نظام الحكم، قسمة السلطة، العدالة الانتقالية، الإصلاح المؤسسي، السلام، الاقتصاد الوطني، والسياسة الخارجية.

وفي تحليل محور المفاهيم العامة، أشار المتحدثون إلى أن المفاهيم الفكرية العامة التي تتوافق مع متطلبات الانتقال الديمقراطي هي: تفكيك بنية النظام السابق، وبناء مؤسسات الدولة المدنية المحايدة، وإعادة هيكلتها، وسيادة حكم القانون، وقيم العدالة، وقيام الانتخابات العادلة والنزيهة.

وشددوا على كون أغلب المبادرات أغفلت المفاهيم العامة الفكرية الأربعة التي تتوافق مع متطلبات التحول الديمقراطي، وعدم تقديمها لمنهج ورؤية واضحين تحددان ارتباطها بعملية الانتقال.

وفي محور صياغة الدستور الانتقالي ذكر المتحدثون أن أغلب المبادرات أغفلت الكيفية وآليات مسألة الشرعية، ولم تتناول شكل وطبيعة الدولة، وأكدت على أهمية الدستور وحمايته والنظام البرلماني دون تفصيل، ولم تشر للآليات، بينما اختلف بعضها في آليات صياغة الدستور الدائم .

وفي محور المجلس التشريعي الانتقالي، أشارت القراءة لعدم تركيز المبادرات على مبدأ الشرعية، ولا على آلية تشكيل المجلس وغياب السياسة التشريعية المنظمة.

وفي محور نظام الحكم وقسمة السلطة، نوهت القراءة لاتفاق جميع المبادرات والوثائق على الحكم المدني الديمقراطي الكامل، وانتقدت تناول أغلب المبادرات والمواثيق مستوى الحكم دون التطرق لشكل الحكم وسؤال: كيف يحكم السودان؟ بالمقارنة مع طبيعة النظام السابق.

إخفاقات الانتقالية

أكدت القراءة أن (90%) من إخفاقات المرحلة الانتقالية ترجع لتجاهل التشريعات القانونية وضرورة دراسة الأطر القانونية القائمة قبل تشكيل حكومة، وكون التحول الديمقراطي الحديث يرتبط بالقانون .

بينما أشار المتحدثون إلى أن أغلب المبادرات اعتمدت على الإصلاح وليس إعادة البناء، ولم تقدم رؤية واضحة وفروقات مفاهيمية.

وأضافت القراءة أن النظام الفيدرالي قد لا يكون الحل الأمثل للدول التي تعاني من المشاكل مثل السودان، وأثبتت وجود أزمة حادة متمثلة في غياب المشروع الوطني، مثل كيفية توزيع المسؤوليات وتخصيص الموارد لمستويات الحكم .

وأكد تناول ساس في التحليل القانوني لمحور العدالة الانتقالية عدم إمكانية الفصل بين العدالة والمصالحة في السودان، وعدم تطرق عدد من المبادرات لتسليم المطلوبين للقضاء الدولي، وإنشاء مجلس قضاء عال دون تناول القوانين السائدة والفجوة التشريعية، وعدم تطرقها للاستفادة من تجارب العالم حول العدالة الانتقالية.

وفي محور الإصلاح المؤسسي، وبحسب قراءة ساس، فإن بعض المبادرات لم تضع منهجاً محدداً، ولم تشر للقواعد الخاصة بالإصلاح المؤسسي التي تقرر في الدستور، وتجاهلت بعض المبادرات القوانين النافذة مثل قانون مفوضية إصلاح منظومة الأجهزة الحقوقية والعدلية لسنة 2020، وتجاهلت إجراء تقييم للمؤسسات من ناحية هيكلية وتشريعية .

بينما تناولت في التحليل القانوني لمحور السلام عدم مراعاة سياسة تشريعية واضحة تراعي القضايا الانتقالية والصراعات المحلية، وعدم مراعاة بعض المبادرات لقوانين تسوية الأراضي وقانون التصرف والتخطيط العمراني وقوانين نزع الأراضي، وعدم إشارة أغلب المبادرات للمحكمة الدولية أو ضرورة المصادقة على قانون أروما، وعدم مراعاتها لأوضاع المرأة في مناطق النزاع، ولا القصور في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 وقانون الإجراءات الجنائية المهمين لإجراء وتحقيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

وفي محور الاقتصاد، تناولت ساس إغفال المبادرات السياسية والاستراتيجية التشريعية الخاصة بالأنظمة الاقتصادية المقترحة في المبادرات، وانتقدت القراءة المبادرات التي لم تقدم مقترحات حول سن التشريعات الاقتصادية المرتبطة بالفترة الانتقالية وفق منظومة تشريعية ومنهج متفق حوله، ولم تأخذ بتوصيات المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد بتاريخ 27/9/2020 .

وأشار تحليل ساس في محور السياسة الخارجية لإغفال معظم المبادرات لتأسيس السياسة الخارجية وفق أطر دستورية، وإغفالها وضع الأسس الدستورية والتشريعية لتحديد طرق اتخاذ القرارات في الشؤون الخارجية وغيرها.

وطالب الحضور القائمين بالقراءة ومراجعتها بنشرها في الأسافير، وزيادة النقاش حولها، بالإضافة إلى التعديل، وسعي المركز للمساهمة في وحدة قوى الثورة عبر طرح القراءة حول مبادرات الأجسام المختلفة للوصول لمبادرة ونتيجة مشتركة ترضي جميع القوى الثورية والسياسية.

واتفق الحاضرون على عدم قبولهم بأي مبادرة تدعو للاتفاق مع العساكر والرجوع لنقطة الصفر، أو أنصاف الحلول.

قال عضو مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم، منتصر الطيب، إن الأولوية القصوى يجب أن تكون إسقاط الانقلاب واستعادة المسار الديمقراطي، ليتم بعدها الإجابة عن أسئلة: كيف يحكم السودان؟ وكيف تبنى مؤسسات الدولة المدنية المحايدة وهيكلتها وقيام الانتخابات النزيهة؟

في الأثناء، قال رئيس حزب الأمة بالإنابة، فضل الله برمة ناصر، إن مبادرة بعثة الأمم المتحدة بقيادة بيرتس فولكر تمثل المخرج الوحيد من الأزمة السياسية الحالية في البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى