ثقافة ومنوعات

(حكاياتنا)… موسى الريّس (2)

سرد

حامد بخيت

كان النشاط محظوراً في كلية التربية، وبعد جهد ومجادلات استطعنا في ذلك العام انتزاع الحق بإقامة نشاط سياسي في كلية التربية، لم تكن مهمة أن تقيم مخاطبة سياسية أو ركنا للنقاش في كلية التربية أمراً سهلاً. على الأقل أنت هنا ستخاطب معلمين ومعلمات، هم على درجة من الوعي والنضج الذي يجعل أمر مخاطبتهم يحتاج إلى مهارات خاصة جداً.

كان علينا أن نقيم المخاطبة الأولى هناك، موسى، عوجة، عمر بارا، أحمد رجب، وشخصي. عند وصولنا إلى الكلية، كان كل شيء في كامل الإعداد لبداية مخاطبتنا، ست النفر، آمال محجوب، زينب سُلُم، كأنهن النحل في نشاطهن وحركتهن وانتقالهن الرشيق بين طلاب كلية التربية، محمد حامد أرقّ الناس في عموم أحواله، وأصلبهم حين الضرورة، كان متحفزاً ومستعدا لأي احتمال ممكن، كنا بين أن ننصاع لطلب طلاب كلية التربية بأن نبدأ بقبول الضيافة، وحينها ربما يتفرق الجمع، كون المخاطبة كانت ستقام عند العاشرة صباحاً، وفي تلك اللحظة سيكون الجميع داخل كافتيريا النشاط يتناولون وجبة إفطارهم. فضلنا أن نخاطبهم أولاً ونرجئ أمر الضيافة إلى ما بعد المخاطبة، بدأ عمر بارا ومحمد حامد الهتاف معلنين عن بداية المخاطبة.

موسى بذكائه المعروف لم يكن يغفل عن حساسية المكان، لذلك بدأ خطابه بتحايا خاصة للمرأة، ذلك لأن الكلية حينها كانت تتشكل في الغالب من العنصر النسائي، ثم تنقل في الموضوعات التي طرحها بسلاسة ويسر، مما جعل الجميع يتابعون وباهتمام زائد، وهكذا كان بقية المتحدثين. حين جاء دوري، كنت جائعا جداً ومرهقاً، فكما أذكر مرّ علينا يوم وليلة دون أن نأكل شيئاً (لفقرنا طبعاً)، حاولت النهوض من الكنبة التي كنت أجلس عليها متكئاً على عمود لكنني فشلت، ساعدني موسى على القيام، وأخذ عثمان (أبلصقة) بيدي ووضعها على العمود كيما استند عليه.

سارت الأمور على ما يرام وانتهت مخاطبتنا تماماً كما كنا نريدها، بسبب حادثة جوعي هذه، علق أحد منسوبي (الكيزان): “عليك الله شوف ليك خلايق، عاملين أشكالهم كيف وعايزين قال يقنعوا ليهم زول؟!”.

هنا انبرت له طالبة صغيرة السن في المستوى الأول قائلة :”أنا بس عايزاك يا كوز تجي تقول لينا قدام الناس ديل، بتسخر من الخلقة ولا من خالقها؟!”. ونحن في طريق عودتنا إلى مجمع الوسط، علّق عوجة: ” عامل زي دعاية الجوع جبت لينا فضيحة”.

منذ ذلك اليوم وحتى آخر مكالمة جرت بيني وبينه قبيل وفاته بأسبوعين لم ينادني موسى إلا بالاسم الذي ظل حكراً عليه (دعايتو).

للأمانة لم أحس بالضيق في يوم من أن موسى يناديني بهذا الاسم، فهو يمزح مع الكل ويلاطفهم دون أن يكون في ذلك احتقاراً لهم، حتى العناصر التي تنتمي للحركة الإسلامية لم يكن أحدهم يتضايق من موسى رغم العداء البائن الذي كانوا يظهرونه لكل من لم ينتم لتنظيمهم، وأظن أنهم لن يستطيعوا ولو حاولوا، فموسى ربما لسر من أسرار الله التي وضعها فيه، يشعرك بالراحة، إذ يمشي بين الناس أو يتكلم، لا تملك إلا أن تحبه، حين يغني (فرمالته) أغنية الذكريات لعثمان الشفيع، تشعر وكأنك تعرج للسماوات العلا ثم تعود صعوداً وهبوطاً مع تنقلات صوته بين الصعود والهبوط، وحين يلعب كرة القدم، فإنك حتماً ستشعر بالاطمئنان لو كنت من مناصريه، وبالقلق لو كنت من الذين يناصرون الفريق الضد، (يلعب موسى حمدان، القون ضمان).

كانت لموسى ميزات كثيرة لكن أهمها بالنسبة لي كانت قدرته على احترام الخصم وتقييم قدراته، ففتح النشاط في كلية التربية ذلك العام كان يحسب على احتمالين: إما أن ننجح في كسب ثقة طلاب التربية وبهذا سنرجح كفة الوحدة الطلابية في الانتخابات القادمة، وإما أن يكسب ثقتهم الإسلاميون، وهنا الخسارة لابد أنها مصيرنا، ولأن نكسب ثقة طلاب كلية التربية كان لابد أن نفهم الطريقة التي كان يعمل بها الإسلاميون، فبرغم أن النشاط كان محظوراً لكنهم – الإسلاميون – هم الوحيدون الذين كان يمكنهم الدخول إلى كلية التربية وإقامة نشاط فيها .

كان موسى يقول :”يا شباب تربية مختلفة عن باقي المجمعات، نحنا هنا بنتعامل مع مدرسين، ناس عندهم قدرات عالية على تحليل الخطاب، عشان كدا أي خطاب تحشيدي ما بشتغل معاهم، محتاجين يا شباب نسوق خطابين، خطاب فكري واعي وواضح، وبالمقابل خطاب مواجه لخطاب الكيزان”.

لذلك كانت المخاطبات في كلية التربية من أصعب المهام علينا، أما موسى فلم يجد أي صعوبة في ذلك، لأنه وببساطة لم يكن من الذين يسوقون الخطابات المهاترة أو المحتشدة بالسخرية، فكنا حين نحضر محاورنا لمخاطبة في كلية التربية نقسم الأدوار فيقول :”يا أخوي إنت لسانك المتبرئ منك ده خليك في محور المواجهة وهاتر الكيزان زي ما داير وأنا بسوق ليك الخطاب المقعد”.

في الآن ذاته كنا دائماً نصطحب معنا آخرين، مهمتهم أن يحاوروا الأفراد بعد انتهاء المخاطبة، وهذه أيضاً كانت من حيل موسى، لأننا حين وجدنا أننا في سباق مع الوقت وأن الخطاب الجماهيري وحده لا يكفي قال موسى :”تعرف يا دعايتو، من المهم جداً نفهم إنه الناس ديل عندهم فروقات فردية وديل يا صحبي مدرسين، يعني دايرين ناس تتحاور معاهم بهداوة من غير تصنيفات مسبقة”. سألته: ” قاصد شنو بالتصنيفات؟”. رد:” في كتار من الناس ديل مكتفين بإنهم يعاينوا لينا، ونحنا بالمقابل متعاملين معاهم باعتبارهم كيزان، لأنهم ما متفاعلين، لكن الواقع بقول إننا نقعد معاهم ونفهمهم، لأنهم غالباً محتاجين يعرفوا مدى قدرة برنامجنا على الإجابة على أسئلتهم” .

بهذه الطريقة استطاع موسى أن يغير آراءنا في الكثيرين، والذين صاروا لاحقاً من بين أقوى وأصلب عناصر الوحدة الطلابية، ولأنه كما قلت سابقاً كان يحترم قدرات خصمه استطاع أن يقرأ وبذكاء حدود اشتغال كوادر الحركة الإسلامية، ووضع خطته التي نفذناها لاحقاً لإعادة جهد الإسلاميين كله إلى نقطة الصفر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى