ثقافة ومنوعات

حكاياتنا .. موسى الريّس (1)

سرد – حامد بخيت

 

كنا في مجمع كليات خورطقت – الذي تحوّل بقدرة قادر – من مدرسة خورطقت الثانوية إلى مجمع كليات جامعية، في ذلك العام كنا طلاب كليتي الطب والموارد الطبيعية فقط، ندرس عامنا الأول بمجمع خورطقت، ثم ننتقل في العام الذي يليه إلى مجمع الوسط. في عامنا ذاك قررت الدولة حينها فتح الجامعات لطلاب الفصل الدراسي الأول فقط، لأن بقية الفصول الدراسية كان ينبغي عليها أن تتنظر رجوع الطلاب المشاركين في (الجهاد). أمضينا الفترة الأولى كلها وحدنا – طلاب الفصل الأول – ولم نكن نعرف أن هناك ما يسمى النشاط الطلابي. كانت تجربتنا تنحصر في الدخول إلى القاعات وعند الخروج منها نتفرق، بيننا من يعود إلى الداخلية لينال قسطاً من الراحة، وبيننا من يتجمعون تحت الأشجار جوار خالتي فاطمة وخالتي زهرة لتناول الشاي والقهوة. وبين حين وآخر يأتينا من يحدثنا عن الحركة الإسلامية والجهاد وتضحيات الإخوان في الأحراش والغزالات التي تتكئ طواعية كيما يذبحها المجاهدون الذين أنهكم الجوع. كنت دائماً أسأل نفسي: متى سيأتي طلاب الدفعات الأخرى لنعرف ما إذا كانت هذه الجامعة للمجاهدين وحدهم، أم أن هناك آخرين؟!
كنت أسمع من شقيقي الأكبر عن الجامعة قبل دخولي إليها، سمعت عن أركان النقاش، عن الأحزاب السياسية، عن سجالات هذه الأحزاب وهؤلاء المجاهدين. كنت أتمنى اللحظة التي أرى فيها من يقيم ركناً للنقاش، لا يهمني ما سيقول وإلى أي حزب ينتمي، المهم ألا يكون من الإخوان – الحركة الإسلامية – فخطابهم الذي سمعته وعلى مدار الشهور الثلاثة الأولى من عمر الجامعة كان كافياً لأن يجعلني (أكرههم)، نعم أكرههم جملة وتفصيلاً.
انتهى الفصل الأول ولم يكن فيه ما يذكر إلا ليلة واحدة نظمناها نحن أبناء الدفعة، فيها قرأنا الشعر وغنينا وقدمنا العروض المسرحية (حسب قدرتنا).
في بداية الفصل الثاني، كان الإحباط قد تمكن مني وجعلني أفكر أكثر من مرة في ترك الدراسة، فهذه ليست الجامعة التي كنت أحلم بها، وأنا تتنازعني رياح الإحباط هذه، أسر إلى زميلي (خالد بك):
– الليلة يا عمك جايينا زول عجيب.
– قول والله! زول عديل كده ما كوز؟
– اي والله ما كوز.
– يعني حزب أمة مش؟
– ياخ أصبر، لا كوز لا حزب أمة، المهم زول ضد الكيزان.
لم أفهم من المحاضرة التي دخلتها شيئاً، كان كل تفكيري ينصب في من سيأتي ليؤدب الكيزان، كيف تراه يكون؟ كيف يتحدث؟ أين سيقيم مخاطبته؟ هل سنهتف معه بين كل حين وآخر مرددين عبارات (الله أكبر وكلمة التهليل)؟ أم سنردد شيئاً آخر سنتعلمه حينها؟ انتهت المحاضرة وخرجنا متوجهين نحو الكافتيريا لتناول فطورنا البائس. وبمجرد وصولنا شجرة اللبخ الكبيرة التي تقف في شموخ مجاورة للقاعة، حتى سمعت صوتاً جهوراً يهتف :
من حقي أغني لشعبي
ومن حق الشعب علي
لا بإيدك تمنع قلبي
ولا قلبي كمان بإيديا
– الطلاب الشرفاء، والشرفاء فقط، تدعوكم الوحدة الطلابية لمخاطبة سياسية مهمة بعد قليل.
يا إلهي، لم أصدق ما سمعت، وبدون أن أنتظر إذناً من أحد هتفت مرتجلاً:
فلتصمت البنادق
وليرفع الأذان
المجد للوطن
والويل للكيزان
– الطلاب الشرفاء، والشرفاء فقط، تدعوكم الوحدة الطلابية لمخاطبة سياسية مهمة بعد قليل.
هكذا تبادلنا الهتاف مع الفتى الأول، والذي صار فيما بعد أهم أصدقائي. المهم أن هتافي هذا وضعني في خانة الشخصيات الأهم في ذلك اليوم. هذا الهتاف قربني من الضيف المهم القادم من مجمع الوسط. كان الفتي النحيل وضيء القسمات، تعلوه ابتسامة دائمة، نقيض تماماً لكل تلك الوجوه المظلمة التي كانت تأتينا من قبل وتسوقنا سوق النوق نحو الحرب وقتال (الكفار) كما كانوا يقولون.
تعرفت عليه وتحدثنا قليلاً أثناء تناول وجبة الإفطار، ثم حضني على الهتاف من جديد وإعلان بداية المخاطبة السياسية.
هتفت من جديد ببعض محفوظاتي من أشعار محجوب شريف، ثم قرأت من شعر الصادق الرضي (غناء العزلة ضد العزلة) كاملة، وأعلنت بعدها بداية المخاطبة السياسية مع المتحدث الأول (موسى حمدان).
حين بدأ خطابه سكتت كل الأصوات الهامسة، لم يعد بإمكان أحد أن يسمح لأنفاسه بأن تعلو، خطيب مختلف ومؤثر، لا تهليل ولا تكبير ولا من شيء يقطع سيل الأفكار التي كان يحاضرنا بها. شعرت الآن والآن فقط أنني دخلت الجامعة، تمنيت لو أن لي قدرته، كنت على الأقل سأتحدث عن الفترة الماضية مفنداً الأكاذيب والترهات التي سمعناها من أولئك المتجهمين .
بعد نهاية المخاطبة هتفنا جميعنا وخرجنا من الكافتيريا في موكب مبتهج خلف موسى حمدان وعمر بارا – فتى الهتاف الأول – ناداني موسى:
– يا برلوم تعال.
أجبت نداءه بفرح رغم أنني كنت لا أحب تسمية برلوم هذه، لكنها كانت أجمل التسميات حين ناداني بها موسى.
قال:
– رايك شنو تمشي الليلة معانا السنتر وبكرة الصباح نركبك أول عربية مواصلات لي طقت؟
قلت:
– طوالي ياخ بس خلي نشيل لي غيار.
ضحك موسى:
-عاين يا حامد ما بتحتاج والله، أحسن ليك أرح كده، وتعال غيِّر هنا الصباح.
لم أهتم لهذا الجزء من كلامه فهرولت إلى الغرفة، حملت في كتفي حقيبة صغيرة فيها سروال جينز وقميص وفرشاة ومعجون وقارورة عطر .
عندما دخلنا إلى السنتر عرفني بكثيرين وكثيرات بالضرورة، كان يقول لهم:
-دا المناضل حامد، زول حار من برالمتنا الجداد.
كنت أشعر بالزهو أنني صرت وبمجرد هتاف من المناضلين، أمضينا ساعات النهار في رفقة الزملاء الذين صاروا جميعهم أصدقائي، فيما بعد: عثمان (أبو لصقة)، محمد رضوان (حبشي)، التوم الغالي (تميم)، احمد (عوجة)، أحمد رجب، محمد حسن (أبو هاشم)، غادة حسن، وكثيرون.
في الليل حملنا اللحاف المتهالك الوحيد بالغرفة (12) – (الجنة) وذهبنا به بعيداً، فرشناه في الأرض وبدأ الحوار الجاد، أو بالأحرى لم يكن حواراً بمقدار ما كان حشداً من المعلومات والأفكار التي زودني بها موسى وعمر بارا ومحمد رضوان. هذه الحوارات، أو قل المعلومات، هي التي هيأتني لأكون المتحدث الثاني في المخاطبة التالية مباشرة .
في الصباح التالي وأنا اتهيأ للخروج إلى خورطقت، رأيت سروال الجينز خاصتي والقميص في أتم البهاء على جسد محمد رضوان، رفعت قارورة العطر فكانت فارغة، صمتت قليلاً فأنفجر موسى ضاحكاً:
– ما قلت ليك، أحسن ما تشيل حاجة، المهم يا حامد، الدواليب دي هنا ما حقت زول، شوف أي حاجة تناسبك ألبسها، غرفتنا دي اسمها الجنة. كل شيء فيها ملكك وأي شيء اعتقدت أنه ملكك برضو هو ملك غيرك.
ودا الدرس الأول في ممارستنا الجماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى