تقارير

حدود الارتباط بين نشوب الحروب وتغيير المجتمعات

سفيتلانا اليكسفيش

عرض – سالي يوسف

في كتابها المعنون “كيف صاغت الحروب المجتمعات”، تتناول الكاتبة سفيتلانا اليكسفيش مدى تأثير الحروب والاختلافات السياسية على شعوب العالم، وهل التغيرات المجتمعية هي السبب وراء ظهور أنواع جديدة من الحروب، أم أن الحروب هي التي تدفع إلى التغيير في المجتمع. بدأت الكاتبة حديثها بتأثير كلمة الحرب على مشاعر الناس التي تتباين بين من هو معجب بفكرة الحرب ومن يشعر بالتخوف من حدوثها. فهناك العديد من المفارقات حول الحرب، قد نشعر بالرعب من قسوة الحرب وأضرارها، ولكن أيضاً توجد حالة من الإعجاب بشجاعة الجندي وقوة الحرب، حتى أن البعض منا يعتبره أحد أنبل الأنشطة البشرية.

تقول الكاتبة إن المجتمعات الغربية حالياً تنظر للحرب على أنها شيء يفعله الآخرون في ظل السلام الطويل الذي تعيشه مجتمعاتهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن تلك الدول أرسلت جيوشها للقتال في جميع أنحاء العالم لكن أقلية منهم هي من تأثرت بتلك الصراعات الخارجية. واستندت الكاتبة لرأي عالم النفس التطوري ستيفن بينكر والذي أفاد بأن المجتمعات الغربية أصبحت أقل عنفاً على مدى القرنين الماضيين، وأن العالم ككل شهد انخفاضاً في الوفيات الناجمة عن الحرب، مشيرة إلى أن الحرب في جوهرها هي عنف منظم، لكن المجتمعات الحالية تخوض أنواع مختلفة من الحروب.

ربما تكون الحرب هي الأكثر تنظيماً من بين جميع الأنشطة البشرية، وهي بدورها قد حفَّزت لمزيد من التنظيم في المجتمعات. حتى في وقت السلم، الاستعداد للحرب يتطلب – للعثور على الأموال والموارد اللازمة – أن تتولى الحكومات سيطرة أكبر على المجتمع.

أسباب الحروب:

أكدت الكاتبة أن الحرب غالباً ما يكون لها غرض، سواء كانت هجومياً أو دفاعياً، ولكنها تتميز في الحجم والتنظيم، فالحرب هي صدام بين مجتمعين منظمين وتشمل العشرات والمئات وحتى الملايين من الأشخاص الذين يرتكبون العنف ضد بعضهم البعض.

وغالباً ما تستخدم مكاسب الحروب ضد الأعداء الخارجيين لإضفاء الشرعية على سلطة الدولة وتعزيزها، حيث تستغل الحكومات – سواء المنتخبة ديمقراطياً أو الديكتاتورية – الانتصارات الكبيرة، كإشارة على تحقيقها الإنجازات، ووفقاً لدراسة تابعة لجامعة أوبسالا في السويد فإنه بين عامي 1989 و2017، قد توفي أكثر من مليوني شخص بسبب الحروب، كما أُجبر 52 مليون شخص منذ عام 1945على الفرار بسبب الصراعات.

أصبحت للمدنيين مشاركات فعالة خلال الحرب ومنهم المرأة التي لعبت دوراً مهماً في صنع الأسلحة مثلها مثل الجندي على الجبهة

وذكرت الكاتبة أيضاً في تحليلها للحروب الأهلية، والتي يسعى فيها كل طرف للهيمنة أو الوصول للشرعية، إلى أن ذلك النوع من الحروب له خطورته؛ لأنه يمزق الروابط ويهدد تماسك المجتمعات، وغالباً ما يتسم بالعنف غير المقيد تجاه الطرف الآخر، ففي الحرب الأهلية يتم تضخيم الضغائن والعداوات الصغيرة وصولاً للقتل، مستشهدة بالحرب الأهلية الأمريكية التي قتل فيها حوالي ثلاثة ملايين شخص نتيجة للعنف.

وأشارت إلى أن أعذار الحرب كثيرة ومتنوعة، لكن الأسباب الكامنة وراءها لم تتغير بشكل كبير على مر القرون. ففي بعض الأحيان، يُقال إن الحروب الوقائية، ضد التهديدات المتوقعة، هي أفضل شكل للدفاع عن النفس. وذلك بالإشارة لما يتم تداوله اليوم في كل من بكين وواشنطن بأن الصراع بين الصين والولايات المتحدة أمر لا مفر منه.

كما أفادت في هذا الشأن أن الأسباب التي تجعل الأفراد يتقاتلون قد تكون من أجل الربح أو للدفاع عن النفس أو بسبب معتقدات معينة. لذلك، انتقدت الكاتبة استخدام الدين للخوض في الحرب بالإشارة إلى المتطوعين الإيرانيين الذين ضحوا بحياتهم خلال حربهم مع العراق في الثمانينيات في ظل وعود بالخلود ودخول الجنة. وانتقدت الكاتبة الدعاية الزائفة التي تقوم بها عدد من الدول عند استقبال المتطوعين الجدد في الجيش، من دون الإشارة لاحتمالية المخاطرة بحياتهم خلال القتال، مستشهدة بما تعرض له الجيش البريطاني من قبل من انتقادات شديدة لنشر ملصقات تظهر الشواطئ الاستوائية أو منحدرات التزلج وغيرها من دون ذكر مخاطر المشاركة في الحرب.

ثقافة الحرب:

أشارت الكاتبة إلى أن العديد من المجتمعات كانت تسعى خلال نشأة أبنائها تعليمهم الانضباط والمواجهة والاستعداد للموت خلال الحروب، وذلك من خلال الكتب التي يدرسونها والأغاني واللوحات والفنون التي يرونها لتحمل أمامهم أمثلة رائدة لمحاربين قدامى، كما كان يُنظر إلى الحرب في كثير من الأحيان على أنها جزء لا يتجزأ وضروري من ظهور الأمة، وعلى أنه تقديس لها.

وأكدت أن الثقافات التي آمنت بالحرب كانت تميل إلى الحط من قدر الأعداء الذين لا يشتركون معها في نفس القيم وربما أيضاً يحتقرون في أعدائهم الأشياء التي يخشونها في أنفسهم. إلا أنها عادت وأكدت أن قيم المجتمعات قد تتغير بمرور الوقت، مشيرة للسويد، وهي المعنية بجائزة نوبل والوساطة الدولية، حيث كان جنودها في يوم من الأيام مصدر رعب في أوروبا.

تناولت الكاتبة أيضاً الطفرة التي أحدثتها الثورة الصناعية والتي جلبت الابتكار والإنتاج الضخم كما حفزت التغيير المجتمعي، مؤكدة أنه حال لم تستطع الدول المتحاربة تسخير اقتصاداتها للمجهود الحربي فلن تتمكن من القتال. نتيجة لذلك، أصبح وقتها الخط الفاصل بين الأهداف المشروعة وغير المشروعة في الحرب غير واضح.

وأشارت لما حدث في الحرب العالمية الثانية والتي مات فيها ما يصل إلى 50 مليون مدني نتيجة عمليات القتل الجماعي والقصف النووي، مُشيرة لما أحدثته قنبلة ذرية واحدة في هيروشيما والتي قتلت ما بين 60 و80 ألف شخص على الفور، كما توفي عِدة آلاف بعدها نتيجة التسمم الإشعاعي. مع ذلك أدى هذا السباق بين التكنولوجيا وإجراءاتها المضادة في الوقت نفسه لخروج ظواهر جيدة مثل تحسن مستوى الرعاية الطبية.

وأفادت أن الثقافة والتكنولوجيا والحرب متشابكين لدرجة من الصعب تحديد أيهما يدفع الآخر، فبعض المجتمعات تشجع الاختراع والابتكار، والبعض الآخر يتبنى صناعة الأسلحة ويستخدم التقنيات الحديثة بحذر، بينما هناك آخرون لا يعتمدون عليها إطلاقاً. وأكدت الكاتبة أن التقنيات التي يتم تبنيها ومتى يتم اعتمادها تستند لعدد من العوامل، منها الحاجة إلى التكنولوجيا، ونقل المعرفة وقبول المجتمع للتغيير. وأفادت أيضاً أن الدول في العصر الحالي تحاول إيجاد طرق للتعامل مع التهديدات التكنولوجية المتطورة كالحروب الإلكترونية.

توظيف الدين والمدنيين:

ناقشت الكاتبة قضية استخدام الدين كذريعة لشحذ الجماهير والدعوة للحرب، وهي الوسيلة التي استخدمها البعض لتبرير ما يفعلونه. فمنذ قرونها الأولى، منعت الكنيسة المسيحية رجال الدين من القتال وكان على العلمانيين الذين شاركوا في الحرب التكفير عن الذنب بعد ذلك قبل أن يعودوا بالكامل إلى الكنيسة. وأكدت أن الدين لم يكن مُرضياً تماماً في تبرير الحرب.

كما تناولت دور المدنيين خلال الحروب والذين قد يكونوا محاصرين خلال تلك الفترة أو مؤيدين لحكوماتهم وداعمين لها خلال الحرب. فقد تكون الحرب بالنسبة للمدنيين هي فرصة لحصد الغنائم والمكاسب أو للمضي قدماً. بالمقابل، قد يكونوا ضحايا للحرب، ويعانون آثار الهزيمة كالقتل، والاغتصاب، والعبودية، والتهجير الجماعي.

وأفادت أن الدول المتحاربة كانت قد استخدمت المدنيين الأبرياء كوسيلة للضغط على العدو لكسر جبهته، واستخدمت الوحشية أيضاً ضد المدنيين لإبقائهم خاضعين وتلقينهم أن المقاومة لا تكافأ، مستشهدة بما تقوم به القوات الحكومية السورية اليوم من تدمير بلدات وقرى المعارضة، وأيضاً ما قامت به القوات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية حيث أطلقت النيران على المدنيين البلجيكيين واستخدمتهم كدروع بشرية خلال المعارك القتالية.

وقالت إنه في الحرب الحديثة كانت الثقافة السائدة هي “الإطاحة بالعدو” حال تمتعت الدول بالقدرة على شن حرب شاملة، وهو ما دفع الكثيرين لتجاهل التسويات التفاوضية والاستمرار في القتال لمجرد أنها تستطيع ذلك. وفي ظل المعطيات السابقة أفادت الكاتبة أنه في القرن العشرين أدى التحرك نحو الحرب الشاملة إلى طمس الخط الفاصل بين جبهة القتال والجبهة الداخلية، حيث أصبحت للمدنيين مشاركات فعالة خلال الحرب ومنهم المرأة التي لعبت دوراً مهماً في صنع الأسلحة مثلها مثل الجندي على الجبهة. ولكن مع نمو القومية والمشاركة الجماهيرية للمدنيين، أصبحت الموافقة الشعبية على الحرب هي عنصر هام بالنسبة للحكومات الحالية.

وأثارت الكاتبة الدور الذي لعبه الغرب لوضع قوانين وقواعد دولية تحكم الحروب، ومنها قوانين تحكم بدء الحرب ومبرراتها وأخرى تخص سلوكيات الحرب، مثلها مثل القواعد التي وضعها علماء الإسلام منذ فترة طويلة بشأن كيفية معاملة النساء والأطفال في الحرب. فقد تم منع استخدام القنابل الحارقة، وقاذفات اللهب وكذلك حرم استخدام الغاز السام أو شن الحروب البيولوجية. واعتبر المجتمع الدولي الحروب غير المبررة من أجل الربح أو الهيمنة هي حروب غير شرعية.

من المهم التوسع في القانون الدولي لحماية المدنيين من العنف أو التعرض للتعذيب أو الاحتجاز  في ظل وجود سجون ما زالت تعمل بشكلٍ غير قانوني ولا تطبق قواعد المحكمة الجنائية الدولية

وأبرزت الكاتبة خلال تحليلها مبادئ نورمبرغ التي وضعتها الأمم المتحدة عام ١٩٥٠، والتي تغطي فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتي شكَّلت الأساس لمزيد من التوسع في القانون الدولي لحماية المدنيين من العنف أو التعرض للتعذيب أو الاحتجاز لأسباب غير قانونية. لكنها انتقدت وجود سجون ما زالت تعمل بشكلٍ غير قانوني ولا تطبق قواعد المحكمة الجنائية الدولية.

هل تمنع التجارة الحرب؟

أفادت الكاتبة أن التجارة الحرة بين الدول والعلاقات الاقتصادية لعبتا دوراً كبيراً في الحد من نشوب الحروب بينهم، حيث أصبحت التجارة الحرة مثل الجاذبية في الحفاظ على استقرار الأرض، وأصبحت الحرب غير منطقية اقتصادياً؛ لأنها قد تضر بمصالحهم، وتباعاً أصبحت دول القرن العشرين مترابطة اقتصادياً، وحال حدثت حروب يكون الحل الرادع لها العقوبات الاقتصادية.

وأكدت أن العالم كافة لا يرغب في خوض أي حروب جديدة وذلك بعد الخسائر الفادحة التي جنتها في الحربين العالمية الأولى والثانية. وأنه لا داعي للاحتفال بالذكرى السنوية للحروب أو إنشاء النصب التذكارية.

وكما نعلم من الحروب السابقة، يمكن لسباقات التسلح أن ترفع التوتر إلى مستوى خطير

واختتمت الكاتبة حديثها بأن النظام الدولي قد يتأذى من التغير التكنولوجي السريع ومحاولات عسكرة الفضاء السيبراني واستخدام التقنيات الحديثة مثل الروبوتات القاتلة. كما انتقدت استمرار بعض الدول في دعم ميزانياتها الدفاعية بصورة تثير الريبة مثل الصين التي زاد إنفاقها لثماني مرات في العقدين الماضيين والولايات المتحدة التي تخصص ما يقرب من ثلثي ميزانيتها التقديرية لصالح قوات الدفاع. فاليوم كل من بكين وواشنطن تضعان خططاً حربية رغم أن الطرفين لا يريدان القتال لكنهما لا يستبعدان احتمال حدوث ذلك. وكما نعلم من الحروب السابقة، يمكن لسباقات التسلح أن ترفع التوتر إلى مستوى خطير.

* المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى