تحقيقات

جريمة ضد الإنسانية…تجاوزات لشركات استيراد دواء (الامبولار) 

كشف رئيس الجمعية السودانية لحماية المستهلك عن نشاط ولجوء بعض الشركات العاملة في مجال استيراد أدوية علاج الأطفال (الامبولار) لعلاج الكحة، من خلال زيادة تاريخ الصلاحية والمحدد من قبل الشركة الأم لكل الدول بعدد (٣) أعوام، عدا السودان تقوم بعض الشركات المستوردة بزيادة فترة صلاحيته عاماً إضافياً، الأمر الذي جعل جمعية حماية المستهلك تتقدم بشكوى لوزارة الصحة ضد الشركات، تم تكوين لجنة تحقيق، ولم تظهر نتائجها بعد.

استمرت تلك الشركات في تجاوزاتها بصورة أكبر في فترة الحكم العسكري عقب ثورة ديسمبر المجيدة، قبل تشكيل الحكومة الانتقالية. في الوقت الذي طالبت فيه الجمعية السودانية لحماية المستهلك بفتح تحقيق حول تجاوزات تلك الشركات، وقد شدد أطباء وصيادلة على عدم إعطاء  الأطفال دون سن الخامسة كل أدوية الكحة، بكافة أنواعها ووصفوها بالضارة، وأكدت أمهات تحدثن لـ (الديمقراطي) عدم فعاليتها. في سياق التحقيق نورد تفاصيل القضية.

تحقيق – لبنى عبدالله

كشف رئيس الجمعية السودانية لحماية المستهلك، دكتور ياسر ميرغني، عن تفاقم تجاوزات بعض الشركات العاملة في مجال استيراد الأدوية في فترة ما بعد ثورة ديسمبر، ووصفها بفترة (الغيبوبة) والتي استغلت فيها بعض الشركات العاملة في مجال استيراد دواء (الامبولار) الخاص بعلاج الأطفال غياب الرقابة، وقامت بتغيير تواريخ صلاحية الدواء الخاص بعلاج الأطفال وتغيير عبواته دون علم المجلس القومى للأدوية والسموم.

ووفقاً للجمعية السودانية لحماية المستهلك، فإن تلك الشركات يقدر عددها بـ (15) شركة، ووصفت ذلك بالكسب غير المشروع وأكل أموال الناس بالباطل. ونفى أحد أصحاب تلك الشركات أن تكون شركاتهم تعمل على زيادة صلاحية (الامبولار)، وأنه حديث عار من الصحة.     في الوقت الذي أكد فيه أطباء وصيادلة عدم فائدة أدوية الكحة للأطفال دون سن الخامسة، وطالبوا الأمهات بعدم استخدامها لعلاج الأطفال. في سياق التحقيق نتطرق للقضية.

تلاعب

كشف رئيس الجمعية السودانية لحماية المستهلك الدكتور ياسر ميرغني، عن فساد وتلاعب في سوق الأدوية خاصة أدوية علاج الأطفال دون سن الخامسة دواء (الامبولار)، موضحاً بقوله إن هنالك بعض الشركات المستوردة لأدوية الأطفال تعمل على تغيير تاريخ الصلاحية للدواء المذكور أعلاه من فترة صلاحية ثلاثة أعوام إلى أربعة، مؤكداً أنها قضية قديمة متجددة، وتقدمت فيها الجمعية السودانية لحماية المستهلك بشكوى لوزارة الصحة في العهد السابق، في فترة الوزير أبو قردة.

لجنة تحقيق

يواصل ميرغني بقوله إن الوزير كون لجنة تحقيق، ومثلت أمامها الجمعية السودانية لحماية المستهلك والمجلس القومي للأدوية والسموم وكل الجهات ذات الصلة. لكن اللجنة لم تسلمهم نتائج التحقيق حتى تاريخه. وقال: “قمنا بتسليمها كافة المستندات عقب مخاطبتنا كجمعية مستهلك للشركة الأم في الأردن، وحملناها المسؤولية بزيادة عام إضافي تكون فيه صلاحية الدواء منتهية، فكان ردها بأنها غير مسؤولة، وعلينا كجمعية التوجه بالسؤال والاتهام لوزارة الصحة السودانية وقتها، لجهة أنها هي من قامت بتسجيل الدواء، وكان اتهامنا لها بأنها تتجاوز فترة صلاحية دواء الامبولار عند تصديره للسودان، من خلال زيادة تاريخ الصلاحية المعروفة بعدد (3) أعوام، وكل الدول التي تستورد ذات الدواء تنتهي تاريخ صلاحيته بعد (3) أعوام مثل الكويت والإمارات والسعودية وفلسطين والبحرين، عدا السودان تتم زيادة صلاحيته عاماً إضافياً ليصبح تاريخ صلاحيته أربعة أعوام”.

أضاف: “وبعد مخاطبتنا لوزارة الصحة تم تكوين لجنة تحقيق لم نر نتائجها، ولم نتحصل على التقرير. تواصلنا مع زملاء صيادلة أكدوا لنا أن صلاحية الامبولار فقط ثلاثة أعوام”، وقال إن الشركة الأم المصنعة أجرت بحوثاً ودراسات استمرت لأعوام، وذكرت في نتائجها أن الدواء بعد ثلاثة أعوام من تصنيعه لا فائدة منه. وتساءل بقوله: “لمصلحة مَن تتم زيادة عمر الدواء لأربعة وخمسة أعوام؟!”. ووصف ذلك بالجريمة ضد الإنسانية والطفولة، وتحايل وكسب غير مشروع وأكل لأموال الناس بالباطل، وردد: “هي جريمة كافية لإغلاق المصنع الأردني”.

فترة الغيبوبة

أوضح ميرغني في حديثه لـ (الديمقراطي) أن الشركات العاملة في مجال استيراد (الامبولار) نشطت بصورة أكبر في فترة وصفها (بالغيبوبة). وحددها في الفترة من (١١ أبريل ٢٠١٩)، عقب سقوط النظام البائد وحتى (٩/١ ٢٠١٩). وقال: “في فترة الحكم العسكري وقبل تعيين وزير الصحة دكتور أكرم علي التوم فوجئنا بتغيير صلاحية الدواء الخاص بعلاج الأطفال (الامبولار)، وهو شراب للكحة”.

زاد: “تتم التجاوزات والتلاعب بواسطة بعض المتعاملين مع سوق الدواء”. موضحاً بقوله إن الشركات عملت على زيادة تاريخ صلاحيته لعام إضافي، فبدلاً من الثلاثة أعوام المحددة من قبل بلد المنشأ المصنع للدواء، أضيفت له سنة لتصبح مدة صلاحيته أربعة أعوام بدلاً عن ثلاثة.

وقال إن التجاوزات لم تقف عند هذا الحد بل تم تجاوز المجلس القومى للأدوية والسموم باستيراد أصناف من الأدوية المكفولة للصناعة الوطنية، وتم السماح باستيرادها مما يعد فوضى وإهداراً لموارد البلاد من العملة الصعبة، وامتهاناً لهيبة المجلس القومي للأدوية والسموم. وردد: “للأسف المجلس مغلول الأيدي ولا يجد دعماً من السياسيين”.

في ذات السياق، أكد استشاري طب الأطفال وصحة الطفولة دكتور علي عربي، أنه في السودان عند استيراد الأدوية يجب إنقاص عمر صلاحية الدواء عاماً كاملاً وليس زيادة مدة صلاحيته، نسبة إلى أن الأجواء في السودان حارة، ولا نمتلك إمكانيات جيدة من أجهزة تبريد وثلاجات تعمل لمدة (24) ساعة، بالإضافة إلى أن الدواء في مراحل ترحيله وتخزينه يتعرض لدرجات الحرارة ولظروف تخزين سيئة، ويسبب أضراراً، بالإضافة إلى أن المادة المعالجة لا تكون ذات فاعلية.

يواصل دكتور عربي بقوله إن أدوية الكحة المستعملة في علاج الأطفال دون سن الخامسة بأنواعها الثلاثة ليست ذات فائدة لعلاج الأطفال، ولا يحبذ إعطاؤها للأطفال دون سن الخامسة لأنها تسبب الجفاف في الحلق والحنجرة، وتسبب النعاس، وتعمل على فقدان الطفل للشهية. وقال موضحاً أنها تنقسم لثلاثة أنواع: النوع الأول طارد للبلغم، والنوع الثاني للنزلة، والثالث لوقف الكحة. ولا ينصح بإعطائها للأطفال دون الخامسة، وصفها مجتمعة بالضارة للأطفال دون سن الخامسة، وفي بعض الدول دون السادسة.

أسباب المنع

يواصل دكتور عربي موضحاً أسباب منع إعطائها الأطفال بقوله، إن الدواء الطارد للبلغم للأطفال في عمر عامين. وإن هؤلاء ليست لديهم معرفة بإخراج البلغم، ويتم منعها. وهنالك النوع الثاني الذي يعمل على إيقاف الكحة. وأبان أن الكحة حالة دفاعية، وفي حال وجود البلغم يكح الطفل ويحدث انفتاح لمجاري التنفس، في الوقت الذي كانت فيه مقفولة بسبب وجود السوائل المتسببة في الالتهاب، وعند تناولها توقف فعل الكح، وتكون بذلك مضرة لجهة أنها تمنع خروج السوائل (البلغم). والنوع الثالث النزلة، ويمكن علاجها بمواد طبيعية مثل قطرات الملح (ملح) تعمل على إخراج السوائل، ويعتبر مثله مثل أي منظف. وهنالك نوع آخر من الكحة يسبب جفاف الحلق، وهذا النوع يتم علاجه بالمنظفات مثل الكركدي والليمون وعسل النحل، ولكن الأخير لايتم إعطاؤه للأطفال أقل من عمر (6) أشهر بسبب أن له مضاراً كثيرة.

وأشار بقوله إلى أنه لعلاج الكحة المسببة لضيق التنفس بالشعب الهوائية، يحتاج الطفل لموسع شعب بسبب البلغم، ويتم عمل بخار بالماء والملح، بالإضافة لاستخدام الفانتولين. وهذا الأخير يتم بالاستنشاق ويكون علاجه موضعياً وأكثر أماناً وليست له مضاعفات جانبية، ولكن البعض يعتقد أن الطفل يمكن أن يعتاد عليه، وهذا غير صحيح.

في ذات السياق، أكدت مجموعة من الأمهات أن أدوية الكحة أصبحت لا تؤدي لنتائج إيجابية، ولا تعمل على معالجات الأطفال دون سن الخامسة. وتقول آمنة حسن عبادي، إنها ظلت باستمرار تقوم بإعطاء طفلها علاجات الكحة بمختلف أنواعها ولا تصل لنتيجه إيجابية، وتضطر لاستخدام العلاجات الطبيعية.

صيادلة يتحفظون

في جولة لـ (الديمقراطي) بعدد من الصيدليات وسط الخرطوم، فضل بعض الصيادلة التحفظ وعدم التصريح. في وقت أكدت فيه مجموعة فضلوا حجب أسمائهم، أن أدوية الكحة الموصوفة للأطفال دون سن الخامسة ليست ذات فعالية، ولكن ليس من مهامهم التحدث عن ذلك.

نفي

نفى أحد مديري الشركات المستوردة لدواء (الامبولار) أن تكون الشركات هي التي تزيد عمر الدواء، وأن تلك المعلومات عارية من الصحة، وتأتي في سياق أن هنالك صيادلة لديهم أجندة ضد بعض الشركات، وأن ذلك صراع مصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى