تقارير

تأثير دارفور على مسار الانتقال في السودان والمنطقة.. صعود حميدتي (1)

ترجمة- الديمقراطي

قال معهد السلام الأمريكي إن الاستقرار في إقليم دارفور يمثل عاملاً حاسماً في نجاح الانتقال الديمقراطي في السودان، وأشار الصحفي والباحث المهتم بالصراع في دارفور وتشاد، جيروم توبيانا، في تقرير خاص ومطول بعنوان (دارفور بعد سقوط البشير .. الانعكاسات على مسار الانتقال في السودان والمنطقة)، إلى أن سقوط البشير لم ينعكس بشكل كاف على الأوضاع الأمنية في دارفور.

معهد الولايات المتحدة للسلام

وأشار التقرير إلى أن الافتقار لتمثيل الدارفوريين ومشاورتهم في الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون؛ أدى لتنامي صعود محمد حمدان حميدتي (دقلو) فوق الجهات الأخرى الفاعلة في دارفور، ولعمليات سياسية موازية، مثل محادثات سلام جوبا، وساهم في النهاية في انقلاب أكتوبر 2021م.

أضاف التقرير: “أجبر هذا التحيز النخبوي بعض المتمردين الدارفوريين على التحالف مع حميدتي، خصمهم السابق، بل وعلى نحو شاذ أدى لدعمهم للانقلاب الأخير”.

انقسامات عرقية

منذ العام 2013، بات محمد حمدان دقلو الشهير بـ (حميدتي)، قائداً لقوات الدعم السريع شبه العسكرية، والتي أصبحت تدريجيًا (الحرس البريتوري) – إشارة لقوات نخبة حرست الأباطرة الرومانيين مقابل امتيازات كبيرة ليتغلغلوا في السياسية وعزل الأباطرة أنفسهم- في نظام البشير. حصل على هذا المنصب كواحد من العديد من الشباب الدارفوري العربي الذين سلحتهم الخرطوم ضد حركات التمرد غير العربية في دارفور.

الثقل العسكري للدعم السريع سمح لحميدتي بالتطلع للسلطة وتحدي الهمينة التاريخية لنخب المركز

انحاز السكان العرب في دارفور إلى حد كبير إلى جانب حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه البشير ضد الموالين للمتمردين من القبائل غير العربية، أثارت الحرب في دارفور انقسامات عرقية – سياسية في المنطقة.

أعاد الرئيس البشير تصنيف حميدتي على أنه أكثر الحلفاء العرب ولاءً في دارفور، وجعله قائد قوات الدعم السريع.

لبعض الوقت قبل ثورة 2019؛ دافع حميدتي وقوات الدعم السريع بشكل متزايد عن عزل البشير ضد احتمال قيام القوات المسلحة السودانية بانقلاب. لكن، حميدتي زعم أنه نأى بنفسه عن البشير منذ أواخر عام 2017، لأسباب اقتصادية. أكد حميدتي أن الشركات المقربة من نظام البشير كانت تهدد مصالحه الشخصية في تعدين الذهب في دارفور، وتؤجج الأزمة الاقتصادية في السودان من خلال تداول العملات السوق السوداء.

تسببت مجزرة القيادة في تقويض شعبية واستراتيجية حميدتي لتعزيز تحالفاته مع العديد من الجماعات والقوى السياسية

دور حاسم

قائد من قوات حميدتي يشارك فرسه في سباق الخيل بالفاشر

في أبريل 2019، تحالف حميدتي مع كبار ضباط الجيش لإقالة البشير واحتجازه وإعلان تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، الذي سعى إلى الحفاظ على سلطة الجيش ولكن بدون بعض الشخصيات البارزة في نظام البشير. ورد أن حميدتي لعب دورًا حاسمًا في إضعاف جهاز الأمن والمخابرات الوطني وقواته، ومنع زعيمها صلاح عبد الله “قوش” من السيطرة على المجلس العسكري الانتقالي.

تعزز موقع حميدتي أكثر عندما أصبح نائب رئيس مجلس السيادة، الهيئة التي تم إنشاؤها للحكم لفترة انتقالية والتي مدتها (39) شهرًا كجزء من اتفاق تقاسم السلطة في أغسطس 2019 بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، ائتلاف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي لعبت دوراً قيادياً في الانتفاضة.

على الورق، كان حميدتي مرؤوسًا لقائد مجلس السيادة، جنرال القوات المسلحة السودانية، عبد الفتاح البرهان. بعد دوره كنائب للرئيس، جعل المجلس ورئيس قوات الدعم السريع دارفور تعلب دوراً مركزياً لتحديد مصير السودان. بالنسبة إلى حميدتي كمصدر لمعظم مجنديه العسكريين وموارده اقتصادية.

بحلول عام 2021؛ قُدر عدد قوات الدعم السريع بما يتراوح بين (75 – 100) ألف من الرجال، مقارنة بـ (120 – 200) ألف جندي من القوات المسلحة السودانية. لكن على الرغم من أعدادها الصغيرة، تعتبر قوات الدعم السريع على نطاق واسع القوة الأكثر فاعلية من الناحية العسكرية.

محمد حمدان دقلو – حميدتي

سمح الثقل العسكري لقوات الدعم السريع لحميدتي بالسعي للسلطة في الخرطوم، وتحدي الهيمنة التاريخية على السياسة السودانية من قبل نخب وسط البلاد. حتى قبل سقوط البشير، جند حميدتي غير العرب (بما في ذلك المتمردين السابقين) في قوات الدعم السريع، عين الأفراد العرب وغير العرب الأعضاء السابقين والمتعاطفين مع الجماعات المتمردة في أدوار استشارية، وشجعهم على لعب أدوار وسيطة مع الجماعات المتمردة.

خلال الثورة، سعى حميدتي للحصول على الدعم من المجتمع المدني والقوى السياسية والحركات الاحتجاجية، في مقر الاعتصام أمام قيادة الجيش في أبريل 2019. عُرضت عدة ملصقات كتب عليها شعارات مثل “حميدتي الضكران خوف الكيزان”، و”لم تخيب ظننا”.

سياسيون ونشطاء من المركز قلقون بشأن شعبية حميدتي غير المتوقعة، وشددوا على محدودية تعليمه وجذوره التشادية.

مفاوضات جوبا التي سيطر عليها حميدتي كانت محاولة لخلق ثقل مواز للانتقال في الوسط من خلال إعطاء أهمية جديدة لحركات التمرد

تقويض الشعبية

تسببت مجزرة القيادة العامة في 3 يونيو 2019 والتي راح ضحيتها نحو (128) مدنياً على الأقل؛ في تقويض شعبية واستراتيجية حميدتي في التحالف مع العديد من الجماعات والقوى السياسية، وتم تحميل قوات الدعم السريع المسؤولية، إلا أنه بحلول الثالث من أكتوبر 2020 ظهرت تقارير تشير لتورط أطراف أخرى.

وبحسب حميدتي، نشطت حملة لإلقاء اللوم عليه في مجزرة 3 يونيو من قبل فاعلين في الخرطوم هم مزيج من الثوار المدنيين وعناصر النظام السابق بسب أصوله الدارفورية. ولأن حميدتي أدرك أن السودانيين من الوسط السياسي والثقافي كانوا متحيزين ضده، فقد سعى للحصول على دعم من المدنيين غير العرب. كان ينوي توحيد اللاعبين من دارفور والمناطق الطرفية الأخرى ككتلة ضد المدنيين والعسكريين من المركز، الذين تمت ترقيتهم من قبل الترتيبات الانتقالية لما بعد البشير والذين هددوا بالسيطرة على الحكومة الجديدة.

وقد لقي هذا النهج الموحد استحسانًا من قبل المتمردين الدارفوريين، الذين لم يظهروا بشكل ملحوظ داخل قيادة قوى الحرية والتغيير، واستُبعدوا إلى حد كبير من الثورة. حميدتي قام ببناء تحالف أدى إلى محادثات جوبا للسلام التي بدأت في سبتمبر 2019 بين المتمردين من دارفور والمناطق الطرفية الأخرى من السودان، الأطراف المختلفة للمرحلة الانتقالية
الحكوميية. كانت المفاوضات التي يسيطر عليها حميدتي محاولة لخلق ثقل مواز للانتقال في الوسط من خلال إعطاء أهمية جديدة لحركات التمرد.

صعود حميدتي ورطه أيضًا في صراعات مع العديد من الأعداء: الميليشيات المنافسة، القادة في دارفور، ضباط الجيش، القادة السياسيون، والفلول

تحالف جديد

شكّل حميدتي والمتمردون الدارفوريون تحالفًا ضمنيًا ضد الأحزاب السياسية المدنية في قوى الحرية والتغيير، ثم تحالفوا أيضًا مع القوات المسلحة السودانية (على الرغم من أن القوات المسلحة السودانية وحلفاءهم شبه العسكريين كذلك مسؤولون بشكل رئيسي عن الدمار الذي لحق بدارفور منذ عام 2003)، مما مهد الطريق لاحقًا لانقلاب 25 أكتوبر 2021. لم يمنع حميدتي القوات المسلحة السودانية كما وعد، بل على العكس من ذلك شاركت قوات الدعم السريع في اعتقال وقمع الاحتجاجات، رغم أن حميدتي ترك البرهان في المقدمة.

مع ذلك، فإن صعود حميدتي ورطه أيضًا في صراعات مع العديد من الأعداء: الميليشيات المنافسة، القادة في دارفور، ضباط القوات المسلحة السودانية، القادة السياسيون من الوسط الذين يعتبرونه تهديدًا، والإسلاميون الموالون للنظام السابق الذين يرونه خائنًا. ومن المرجح أن يستمروا في فعل ذلك بغض النظر عن مشاركته في انقلاب 2021.

الحدود الجغرافية لاقليم دارفور

يعتقد بعض المراقبين أن حميدتي مستعد للتنازل عن السلطة إذا حصل على ضمانات لحمايته شخصيًا من الجرائم التي ارتكبت في دارفور وضد المتظاهرين في الخرطوم وصون مصالحه الاقتصادية، فيما أشار آخرون إلى أن حميدتي لديه طموحات أكبر لتوطيد سلطته كنائب للبرهان، إذا قرر الأخير الترشح في الانتخابات الرئاسية المتوقعة في يوليو 2023، أو حتى أن يحكم السودان سواء بالاستيلاء على السلطة أو بالترشح للانتخاب. يعتقد البعض أن حميدتي حفزته طموحاته القيادية على إفساد الانتقال، بما في ذلك مجلس السيادة والتحول المخطط له لرئاسة المجلس إلى القيادة المدني.

قد تشجع تطلعاته أيضًا تطوره من زعيم قبلي في الحرب إلى ممثل المناطق الطرفية من السودان على نطاق أوسع، أو حتى لزعيم وطني. قبل انقلاب عام 2021، بدا هذا التحول الشخصي كما هو جنبًا إلى جنب مع التحول المحتمل لقوات الدعم السريع من قوات قبلية أو عائلية لجيش أكثر وطنية وأكثر احترافًا. على الرغم من أن حميدتي قد لا يكون قادرًا على الفوز للسيطرة على السلطة في الخرطوم لسنوات قادمة، إلا أنه قد يلجأ لصفقات مع القوى المدنية أو العسكرية، في مقابل دعم حميدتي، للسلطة المركزية في السودان، قد يعطى إقليم دارفور ليحكمه مع إعطاء قوات الدعم السريع السيطرة على المنطقة.

يعتقد البعض أن حميدتي مستعد للتنازل عن السلطة إذا حصل على ضمانات لحمايته وصون مصالحه، إلا أن آخرين يشيرون إلى أن لديه طموحات أكبر لتوطيد سلطته للحكم سواء عبر الانقلاب أو الانتخاب

صعود حميدتي يعني أن معظم المجتمعات والمليشيات العربية في دارفور يرون أنهم في مركز أقوى مما كانوا عليه قبل وصوله إلى السلطة. قبيلة حميدتي الرزيقات المهرية، على وجه الخصوص، تمكنت من زيادة نفوذها في السودان بفضل الحرب في دارفور على وجه الخصوص خلال سنوات البشير الأخيرة. قد تستغل المجتمعات والميليشيات العربية هذه الفرصة للاستفادة من الظروف الحالية من خلال احتلال المزيد من الأراضي أو تعزيز المستوطنات، بما في ذلك الأراضي غير العربية التي تم الاستيلاء عليها خلال الحرب. ومع ذلك، قد يشعرون أيضًا بالتهديد.

بعد سقوط البشير سعى حميدتي لتوسيع قاعدة الدعم القبلي لتشمل غير العرب والمدنيين في دارفور وبعض بنود اتفاق جوبا للسلام، وليس أقلها إعادة تلك الأرض المحتلة خلال الحرب إلى أصحابها الأصليين. أفعال حميدتي في إطار دعمه لمحادثات السلام في دارفور ، ووعده بإنفاذ اتفاق السلام، ومحاولاته للتوسط في النزاعات المحلية، ساهمت جميعها في إعادة تموضعه الاستراتيجي، لكن الموقف الجديد قد يتعارض مع ولاءاته القبلية الضيقة.

…يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى