الرأي

بين السلمية والهبوط الناعم.. وسيادة العقل العاطفي

إنتشر بين الأسافير مقطعاً قصيراً للسيد صديق الصادق المهدي يؤكد أنه يدعم الهبوط الناعم إستناداً على أنه يؤيد التغيير السلمي ويرفض التغيير العنيف المسلح (الهبوط الخشن). نجد أن معظم ردود الأفعال كانت تصب في أنه دليل إدانة وإعتراف والبعض أضاف إليها بعض حروف التقدير لشجاعته في الوضوح والإعتراف والتي كانت لا تخفي مشاعرها السالبة وسط هذا الإحتفاء.

هذا التصريح وانعكاساته يعكس لنا سيادة جرثومة العقل العاطفي التي ظل علم النفس السياسي يحاربها لما لها من تأثير سالب على الوعي ومسار التغيير.

جرثومة العقل العاطفي هي آفة العقل المنطقي الموضوعي الذي نحلم بتأسيسه. العقل العاطفي مأزوم لا يقودنا للهدف لأن هاجسه تفريغ شحنة العواطف وليس الوصول للحقيقة.. جامد لا يستصحب المتغيرات.. يبدأ بالنتائج ثم يبحث عن التبرير ولا يفكك العوامل المؤثرة ويتجاهل المنطق والأسباب الموضوعية، وخير مثال عندما تقرر مقاطعة صديقك لعدم حضوره لتعزيتك في فقد عزيز، حيث هو قرار يبدأ بالنتائج هدفه التفريغ عن  الغضب، يبحث عن أسباب لتبرير القرار ولا يبحث عن أسباب غيابه، ولا يقبل أي عوامل منطقية قد تفسر موقفه. إن العقل العاطفي أزمته يؤمن أن موقفك هو الحقيقة مادام قد  صرحت به وليس رأياً يحتمل الخطأ والصواب وأن الحقيقة قد تكون مع الآخر.

نجد أن السيد صديق وقع فريسة جرثومة العقل العاطفي عندما ظن أن عدم إمتلاكه جيشا في معركة التغيير يعني صواب منهج الهبوط الناعم، ووقعنا نحنا قوى الثوره أيضا فريسة لجرثومة العقل العاطفي تفريغا لغضبنا بأن الهبوط الناعم يعني الخيانة والإستسلام للعسكر.

إن العقل المنطقي يطالبنا بالسيطرة على جراثيم العقل العاطفي بالسيطرة على عواطفنا المنفلتة والنظر للواقع بموضوعية يحكمها المنطق وقوانين التغيير.

إبتداءً يجب ضبط المفاهيم حتى نرسم إطار الحوار والإختلاف. الهبوط الناعم كمصطلح يستعمل على مستويين أحدهما مقصود به الوسائل ويعني التغيير السلمي الذي لا يستصحب العسكر أو العنف، والمستوى الآخر يستعمله كنتيجة تعني التنازل للعسكر والموافقة على مشاركتهم السلطة.

نجد أن هذا الخلط قد جعل الحوار مأزوماً يبدأ بالتراشق والهجوم وينتهي بالتمترس في المواقع والجمود.

هذا الخلط وعدم ضبط المصطلحات فتح الباب لجرثومة العقل العاطفي لتقودنا في دوامة عدم التقدم والدوران حول مكاننا حيث نجد دائرتين لا تلتقيان.

دائرة تحاصرها مشاعر الضعف بمقدراتنا في التغيير فترى أن الهبوط الناعم هو الطريق الوحيد ووسيلتنا المتاحة للتغيير وهو سيقودنا لنتيجة واحدة ليس أمامنا سوى القبول بها وهي التنازل والقبول بدور للعسكر.

الدائرة الثانية يحكمها الغضب ترى أن الهبوط الناعم يعني القبول بدور للعسكر وهذا يعني الإنتهازية وخيانة أحلام الجماهير.

إن العقل المنطقي يعري جراثيم المشاعر المتفلتة في الدائرتين ويعكس خطل رؤيتهم بتأكيد الآتي..

أولاً:

إن النضال السلمي ليس خيار العاجز فرضته علينا الظروف، بل خيار واعي يستند على العلم والواقع والتجربة.

ثانياً:

إن النضال السلمي لا يعني أنه أقل قدرة في تحقيق التحولات الجذرية وعلينا فتح أبواب التنازلات.

ثالثاً:

من يؤمن بأن التنازل ومشاركة العسكر ضرورة مرحلية تحكمها قراءة الواقع لا تعني بالضرورة إنتهازية وخيانة وقبولاً بالظلم وتجاهلاً للقصاص.

إستناداً على هذه المرتكزات، يجب ان نترك للعقل المنطقي أن يقودنا في دروب التغيير ونفارق واقع الترهل والجمود في خطوات معلومة وثابتة.

الخطوة الأولى:

الإيمان بأن التغيير لن تحققه شريحة دون الأخرى، وأن الإختلاف بين لجان المقاومة والأحزاب وبين الأحزاب في بينها، لا يعني بالضرورة التشظي والتخوين ولا يعني بالضرورة تجاهل نقاط الإختلاف وعدم العمل عليها.

الخطه الثانية:

الإيمان بأن المواقف تستند على رؤى نزعم أنها الحقيقة ولا تعني تخوين الآخر ونفيه، ويجب ان يقوم الحوار على المعطيات وليس المشاعر وان تقدم قوى الثورة التي تؤمن بالتغيير الجذري رؤيتها في كيفية تحقيق ذلك، وأن تقدم قوى الثورة التي تؤمن بالتمرحل كيفية تحقيق ذلك مع  تجربة الإنقلاب وعدم مراعاة المواثيق وكيفية تحقيق العدالة وبناء دولة المؤسسات.

الخطوة الثالثة:

الإتفاق على أن النضال السلمي ليس خيار العاجزين، بل هو خيار القوة والعلم والمنطق. إن القراءة العلمية قد أثبتت أنه أكثر فاعلية في تحقيق الأهداف وأنه الأكثر ضمانا لإستمرارية هذه الأهداف. بل أثبت العلم أنه في المائة عام الماضية كان النضال السلمي كان أكثر فاعلية من النضال المسلح في أكثر من ضعف الثورات وأنه أقدر على المحافظة على الأهداف بأكثر من ثلاثة أضعاف النضال المسلح. هذا الإتفاق ليس درساً أكاديمياً، بل سلاحاً مهماً قد يجعل قوى التمرحل أكثر إيماناً ويقيناً بإمكانية تحقيق التغيير الجذري.

الخطوه الرابعة:

الإتفاق على وحدة النضال السلمي والتنسيق بين قوى الثورة، ضرورة مراجعة نقدية شفافة لتجربة النضال ضد الإنقلاب ومدى تطابقها مع مفهوم النضال السلمي، مراجعة تجربتنا إستناداً على حقائق العلم السياسي التي تؤكد:

(أ). إن المسيرات وحدها لا يعني النضال السلمي.. وإن تكرار وسيلة واحدة من أدوات النضال السلمي هو أكبر مؤشر لإحتمال الفشل في تحقيق الهدف.

(ب). قوة النضال السلمي يعتمد على إستنزاف العدو إقتصاديا وإجتماعياً ونفسياً في معركة متصلة متكررة مدروسة.

(ج). نجاح النضال السلمي يعتمد على شموليته بلا إقصاء، فلا أحد يحتكر النضال بل يسعى لإستقطاب الجميع من فئات عمرية واجتماعية وإثنية. هذا الجمع يحتاج لقيادة تنظمه وتجعل منه جيش النضال السلمي في تنفيذ معاركه السلمية.

(د). النضال السلمي ليس إحتجاجاً ينتظر إنهيار العدو بل معارك مرسومة بإستراتيجية واضحة صعوداً لتصل مرحلة تركيع العدو.. لذا وجود قيادة معلومة ترسم الخطط تراجع المواقف وتقيّم النتائج وتتواصل مع قواعدها تحارب الإحباط وتزرع الأمل هو حجر الزاوية في معارك النضال السلمي.

أحبتي..

هذه رسالة لكل قوى الثورة والتي تمثل كل قطاعات شعبنا، إلا من أبى ومنعته مصالحه الضيقة أو إنتماؤه لقوى البغي والعدوان….. تعالوا لكلمة سواء.

لا أحد يمتلك الحقيقة..

ولتكن البداية ان نحارب العقل العاطفي وسيطرة مشاعرنا المتفلتة… نترك القياد للعقل المنطقي ليرسم لنا مسارب الطريق، نبني جسور الثقة ننظر لما يجمعنا فهو أكبر. فإن فعلنا فإننا عما قريب سنفتح أبواب السلم والحرية ولو كره المرجفون..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى