الأخباربياناتتقارير

الديمقراطي تنشر ترجمة لبيان المدعي العام للمحكمة الجنائية في قضية كوشيب

(ترجمة الديمقراطي)

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الرئيسة، حضرات القضاة

هذه هي الأيام الأولى في شهر رمضان المبارك، حيث يمتنع ملايين المسلمين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك السودان، عن الطعام والشراب بين الفجر والمغيب، إنهم يتطلعون لكسر صيامهم في المساء في مناسبة تسمى الإفطار. وقد كان لديهم صوم من نوع آخر، لم يختاروه، وهو الصوم انتظاراً للعدالة.

علي كوشيب

وبهذا المنظار، فهذا يوم تاريخي. فهو إفطار لملايين من السودانيين في جميع أنحاء العالم الذين كانوا يتوقون لمجيء هذا اليوم، أن يبدأ قضاة المحكمة الجنائية الدولية المستقلون والنزيهون عملية المداولة القضائية عبر الاستماع للشهود والأدلة، وفحصها لتحديد المسؤولية الجنائية.

لقد كانت هذه بالطبع هي الحالة الأولى التي أحال فيها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قضية للمحكمة الجنائية الدولية في 31 مارس 2005م. وهذه هي المحاكمة الأولى الناشئة عن تلك الحالة، ففي لحظة بالغة الأهمية، توصل مجلس الأمن إلى أن الحالة في دارفور تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. وخلال هذه المحاكمة، حضرة الرئيسة وحضرات القضاة، سترون أن تلك الخلاصة كانت ضرورية وبالغة الأهمية وحكيمة للغاية وسليمة، توصل إليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الخصوص.

تضمنت المعلومات والادعاءات التي كانت متاحة للعلن منذ 31 مارس 2005م والمتعلقة باغتصاب النساء والفتيات، واستهداف للأطفال والاعتداء عليهم واختطافهم، وإعدام وقتل الرجال والفتيان وغيرهم. وتدمير المنازل شر تدمير، وهروب الناس بلا شيء في حوزتهم، وبالنسبة للكثيرين منهم لم تعد حياتهم لما كانت عليه أبداً.

في 18 سبتمبر 2004م، شكل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لجنة وكلفها بالتحقيق في الأحداث التي كان صيتها يتعالى. وفي يناير 2005م، قدمت تلك اللجنة تقريرها حيث توصلت إلى نزوح أكثر من مليون شخص في ذلك الوقت المبكر، وأكثر من 200000 لاجئ. وهذه الأرقام المأساوية بالنسبة لكثيرين، زادت في السنوات التي تلت.

حضرة الرئيسة وحضرات القضاة، سوف تستمعون إلى مجموعة كاملة من الأدلة خلال هذه المحاكمة التي تؤيد التهم الـ(31) التي دفعها السيد عبد الرحمن علي كوشيب عنه للتو ذاكراً أنه غير مذنب بشأنها.

ولن أكرر كل ما سوف يقوله زملائي الخبراء من مكتب الادعاء بعدي، لكني بعد إذنكم أود أن أركز على الأطفال، إذ أنهم لفترة طويلة جداً وفي كثير من الأحيان، كانوا الضحايا غير المرئيين للحرب، إما لأنهم يخلطون بالمدنيين أو يتم تجاهلهم فحسب. لكن الأثر عليهم كان عميقاً، ويظل عميقاً ومتواصلاً. لقد مرت سبعة عشر عاماً (منذ تفجر الحرب) وكبر أولئك الذين شهدوا جرائم ومآسي ونزيفاً في حياتهم الأسرية وحياة قريتهم وحياتهم المجتمعية، لكن الحياة لديهم ليست هي نفسها الحياة التي يعرفونها بأي مقياس.

وهناك مثال على حجم المأساة بالنسبة للأطفال تبينه عوامل عديدة، أولها أن معظم الوفيات بين الأطفال تحدث لمن تقل أعمارهم عن خمس سنوات، وهم أكثر أفراد البشرية براءة وضعفاً.

سوف تستمعون خلال هذه المحاكمة، حضرة الرئيسة وحضرات القضاة، للعديد من الشهود، وسنبذل قصارى جهدنا بصفتنا مكتب المدعي العام لتسليط الضوء على تأثير هذه الجرائم على الأطفال وكيف تم استهداف الأطفال بشكل مباشر.

يعطي الشاهد رقم (P-087) لمحة عن المأساة التي حصلت. وأقتبس مما ورد على لسان الشاهد الذي سوف تسمعونه يقول: “رأيت جثمانين، كان هناك ولد يرضع من أمه المتوفاة، لقد أطلقت عليهما النيران”. وعندما استوضحه المحقق حول مقصده تابع الشاهد: “هذا الولد الصغير كانت أمه ميتة، وكان يرضع منها، عمره حوالي أربعة أو خمسة أشهر”.

هذا مجرد مثال واحد على المأساة الإنسانية التي سوف تستمعون إليها حضرات القضاة خلال هذه المحاكمة، لتبتوا فيم إذا كانت صحيحة وما إذا كان السيد عبد الرحمن مسؤولاً عنها وجرائم أخرى.

حتى أولئك الذين هربوا لم يغادروا لبر الأمان. لقد تحمل الكثيرون مشقة لا يمكن تصورها، وهم يحاولون النجاة بحياتهم. سوف تسمعون لأم أخرى تصف ألمها لأن طفلها البالغ من العمر 10 أشهر مات بسبب الجوع والعطش بعد فرارهم من منزلهم.

ستقول الشاهدة رقم (P-0834) وأقتبس منها: “توفي ابني البالغ من العمر 10 أشهر أثناء وجودنا في مكجر. كان مريضاً وأثناء هروبنا لم أستطع إطعامه بما يكفي. كانت السماء تمطر كثيراً وكان مصاباً بالإسهال”. توفي العديد من الأطفال في سن مبكرة وكذلك كبار السن والنساء الحوامل خلال ذلك الوقت بسبب الظروف القاسية التي كان عليهم معايشتها.

وهناك شاب من قرية كاسكيدي يصف سيره لأيام بعد إحدى الهجمات. وكان برفقته نساء وأطفال مرعوبين. سيقول الشاهد رقم (P-0845) وأقتبس منه: “كنا مرهقين وجوعى وعطشى للغاية. تقطعت وتورمت أقدامنا بينما كنا نسير حفاة الأقدام. كانت ملابسي موبوءة بالقمل. لم يعد الأطفال قادرين على المشي، مما تطلب حملهم، والامهات لم يكن لديهن ملابس كافية لستر اطفالهن”.

مرة أخرى في لقطة سريعة، سيدتي الرئيسة، تظهر قافلة من الأشخاص الفارين من هجوم، وقد تقطعت أقدامهم بينما كانوا يحاولون الوصول إلى بعض أمان، وإن كان لمستقبل غير مؤكد وغير متوقع على الإطلاق.

حضرات القضاة، هناك العديد من الأمثلة على ذلك. مرة أخرى أبرزها عمداً لتسليط الضوء على محنة الأسر. والمثال التالي هو الشاهد رقم (P-0943).

هؤلاء المذكورين ليسوا بأي شكل من أشكال الخيال عسكريين، أو مقاتلين، أو أهدافاً مشروعة.

الشاهدة (P-0943) أمٌ تصف بعبارات تثير الإشفاق نوعاً ما، إذا كان مسموحاً لي الوصف بهذه المصطلحات، عدم القدرة على توفير المأوى للعديد من الأطفال الصغار الذين كانت تسافر برفقتهم. تقول وأقتبس منها: “قضيت أنا وعائلتي ثلاثة أيام في الغابة. كان الجو صعباً للغاية. كانت السماء تمطر كثيراً ولم يكن لدينا مأوى، لذلك بقينا تحت الأشجار. كان الجنجويد من خلفنا وأمامنا. في ذلك الوقت كنت مع أختي الكبرى وأطفالها الستة. كانوا جميعاً من القصر وكانت أختي حبلى. كانت معنا زوجة أخي وأطفالها الأربعة. كان الأطفال جميعهم قصّراً. كان أخي الأصغر وأمي أيضاً معنا”.

سيدتي الرئيسة، كان هذا سفر خروج جديد، هذا المد الزاحف للبشرية، مرعوبين، يحاولون الفرار والنجاة بحياتهم. وكما نرى في جميع أنحاء العالم اليوم، هناك نزاعات مؤسفة ومأساوية في الشرق وفي الغرب وفي الشمال وفي الجنوب، فمن السهل جداً نسيان سبب إحالة مجلس الأمن هذه المسألة لهذه المحكمة. قد لا يتذكر الكثيرون ما الذي حدث في دارفور، ولهذا السبب، سيدتي الرئيسة، اسمحي لي بعرض مونتاج لمقاطع فيديو مختلفة.

وأنا ممتن للغاية في الواقع لصديقي الخبير السيد لوتشي لموافقته على تشغيلها وأود التأكيد على أنها لا تقدم لحقيقة محتواها فهي لا تمثل دليلاً، إنها ببساطة لتوفر السياق الذي كان يدور في أذهان أعضاء مجلس الأمن عندما قرروا إحالة القضية الحافلة بالأحداث لهذه المحكمة.

وإن جاز لي فسوف أبدأ بفيديو من غلوبال نيوز (Global News)، وهي محطة إذاعة كندية رئيسية. وقد تبدو بعض هذه المقاطع غير مرتبطة ببعضها الآخر، ولكنها ربما توضح أنه عندما أحال مجلس الأمن الأمر للمحكمة، كانت هناك فرصاً كبيرة، بل أقول كل الفرص، للأفراد الذين كانوا يحملون السلاح والمدافع والطائرات أن يتوقفوا ويكفوا عن فعلهم، وأن يضعوا الإنسانية أولاً، وليس السلطة، ولا السياسة وقطعاً ليس التحيز والاضطهاد، وبرغم ذلك، فإن النداءات المتكررة من مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة كما سوف تشهدون للتو، وقعت وبشكل مأساوي لدى مليون من السودانيين والدارفوريين على آذان صماء. لذا ربما يمكننا تشغيل أول فيديو من غلوبال نيوز عام 2003 [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

السيدة الرئيسة، حضرات القضاة، سننتقل مباشرة للمقطع التالي بعنوان “دارفور الآن”. إنه فيلم وثائقي تم إنتاجه في عام 2007م، ولكن من الواضح جداً من الفيلم الوثائقي أن المقاطع التي نحن على وشك عرضها تتعلق بعامي 2003 و2004. ربما يمكن تشغيل ذلك [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

سوف أسعى بعد ذلك لعرض مقطعين إضافيين. لقد تم إعدادهما في الواقع من قبل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في عام 2004. المقطع الأول سيعرض مجرد عينة، لمحة عابرة في الحقيقة لمجموعة متنوعة من الوسائل المستخدمة كجزء من المذابح ضد شعب دارفور.

سوف ترون طائرات الأنتونوف تلقي القنابل، وبعد ذلك سوف نشاهد على الأرض القرى والبلدات المتضررة. وربما يمكن تشغيل هذين المقطعين الآن [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

يمكن أن تروا حتى في تلك الثواني القليلة جزءاً من المناظر الطبيعية لدارفور، الأرض القاحلة في كثير من الأحيان، والمباني البسيطة للغاية في كثير من الأحيان، وبعض سكان دارفور المتضررين. لقد أظهروا ومنذ العصور القديمة، قدرة ملحوظة على الصلابة والعمل في تلك الأرض، وقدرة على التحمل للبقاء في تلك الظروف القاسية. إن ما جعلهم يبتعدون عن أرضهم ليست عناصر التربة أو المناخ، بل كان السبب هو الاستهداف المتعمد لهم لأسباب متعددة ولكن بشكل أساسي في هذه الحالة بسبب التحيز والاضطهاد.

لم يتم تدمير المباني فقط، بل دمرت بصورة واضحة حياة الناس. وستتاح لحضراتكم فرصة الاستماع لشهادات من سكان دارفور أنفسهم خلال هذه المحاكمة، وستقومون بالطبع بتقييم موقفي، ففي كل مرة تعاملت فيها مع أهالي دارفور، بل مع الناجين في جميع أنحاء العالم في الحقيقة، لمست كرامتهم وصمودهم. وهذا يمكن التعبير عنه بطرق مختلفة، لكن المقطع الذي سأعرضه لكم من فيلم وثائقي بانورامي من بي بي سي بعنوان (حقول القتل الجديدة) The New Killing Fields في نوفمبر 2004 يظهر فيه مثال واحداً لسيدة محترمة ورصينة تحملت أشياء فظيعة، فظيعة بالفعل وسوف أطلب منكم أن تنتبهوا لها، سوف تسمعون كلمتين في هذا المقطع بالعربية، وسوف تستمعون للعنوان الفرعي تحتها في افتتاحيات أصدقائي الخبراء بعدي، كلمتان تعنيان “عبدة” والمشاعر التي صرحت بها، فلأنها سوداء ينظر إليها من استهدفوها على أنها أقل منهم. لم يكن لحياتها قيمة، وهذا هو السبب الوحيد، فاللون والإثنية كانا السبب في إخماد حياتها وحياة مجتمعاتها.

ربما كان من الممكن الآن تشغيل هذا الفيلم البانورامي الوثائقي [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

هناك أمور ومسائل لم تطو، فقد نزح الناس داخلياً في السودان ولكن أيضاً في مخيمات اللاجئين، في تشاد على سبيل المثال. المقطع التالي في الواقع من مخيم طولوم للاجئين على الحدود مع السودان ولكن داخل تشاد. عديدون سوف يشاهدون هذه الأحداث في جميع أنحاء العالم، وعدد كبير منهم سيكون في تلك المعسكرات حتى الآن، وأود أن أطلب من فضلك أن تشغل هذا المقطع. [مشاهدة مقطع الفيديو].

وهكذا، تدريجياً، بدأ التذمر الذي سُمع في جميع أرجاء العالم، والهمسات بأن شيئاً ما ليس على ما يرام، والنشرات التي جذب بها الصحفيون الاهتمام الدولي بدأت أخيراً تتغلغل حتى في أروقة السلطة، حتى في أعلى مستويات الأمم المتحدة. وفي المقطع الذي سنعرضه بعد قليل، سنرى الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي عنان، في 25 يونيو 2004 يؤكد أن ما كان يحدث يبدو أنه جرائم عالمية وأن من يرتكبونها تم إخطارهم بأنه ستكون هناك مساءلة عما يحدث. لسوء الحظ، فإن حمامة السلام التي سترونها على ياقة صدره كانت في الحقيقة بمثابة أدعية، إذ لم تحط الحمامة أثناء حياته ولم تحط حتى الآن.

لكنني أعتقد أن هذه العملية وهذه المحاكمة، بالإضافة إلى مسؤوليتها الأساسية على حضراتكم بأن تقيموا قوة الأدلة وما إذا كانت المسؤولية مثبتة أم لا. فإنها لحظة مهمة في محاولة إيقاظ السلام من سباته وتحريكه وتحويله إلى فعل. وربما يمكن تشغيل هذا المقطع. [مشاهدة مقطع الفيديو].

مرة أخرى، فإن هذه الكلمات وقعت على آذان صماء، وبعد بضعة أشهر، بعد ثلاثة أشهر، صار مجلس الأمن مأخوذاً بالحالة في السودان. المقطع التالي لممثل بريطانيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير إمير جونز باري، يؤكد فيه أنه من الواضح أن هناك انتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني، وأن هناك حاجة للجنة تقصٍ لمعرفة الحقائق وأن انتهاكات حقوق الإنسان تتطلب العدالة. ربما يمكن تشغيل ذلك من فضلك [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

بحلول ذلك الوقت، وبإعادة ذاكرتنا للوراء، صارت موجات القلق أقرب إلى حركة، شارك فيها المجتمع المدني، وأدرك المشاهير والممثلون والسياسيون، والجميع في أجزاء كثيرة جداً من العالم أن هناك حاجة لاتخاذ إجراءات. على سبيل المثال، المقطع التالي من وزير خارجية ألمانيا السابق، يوشكا فيشر، يسلط الضوء على عدم التساهل، ويقول إنه حان الوقت لضمان تقديم أولئك الذين تثبت إدانتهم للعدالة ومعاقبتهم. ربما يمكن تشغيل ذلك المقطع من فضلك [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

لا يوجد صوت في هذا المقطع ولكن فيه تقرير (بما حدث)، كذلك فإن الأمر ذو الدلالة البالغة أن لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في دارفور باشرت عملها بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في دارفور، وأنه ينبغي فضح الظلم ومعاقبة المجرمين.

قدمت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة تقريرها في يناير2005م. ومرة ​​أخرى، لم يحدث تراجع ولا تخلٍ عن العنف، ونرى أنه في غضون شهرين، نهاية فبراير، 28 فبراير 2005، المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لويز آربور تتحدث بنفسها عن هذا الموضوع وربما يمكننا تشغيل هذا المقطع، من فضلك [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

وبسبب مثل هذا الإحجام عن التوقف (من ارتكاب الانتهاكات)، والإحجام عن الامتثال لقواعد القانون والعرف الدولي، والمتطلبات الأساسية للقانون الدولي الإنساني، فإننا نجد المفوض السامي لحقوق الإنسان يدرك أن المحكمة الجنائية الدولية هي الملاذ الأخير، وأننا برأيه وصلنا إلى النهاية بشكل مأساوي، وأن الخيار الوحيد هو إحالة القضية إليها، وهذا ما حرك المجلس في 31 مارس 2005. وهذا هو المقطع الأخير- لو أمكن تشغيله رجاء [مشاهدة مقتطفات الفيديو].

وبالتالي وصلنا للقرار رقم 1593، وفي قراره أن العدالة جانب مهم للحفاظ على السلام والأمن الدوليين، ربط مجلس الأمن ما فعله في عام 1992 بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة ليوغوسلافيا السابقة، وفي عام 1994 بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، بإحالة هذه القضية الخطيرة لهذه المحكمة.

وقد صوتت إحدى عشرة دولة لصالح هذا القرار. وإذا سمح لي فقط بقراءة أسماء تلك الدول: الأرجنتين، بنين، الدنمارك، فرنسا، اليونان، اليابان، الفلبين، رومانيا، المملكة المتحدة، وجمهورية تنزانيا، وأعتقد أن من ميزات القرار العظيمة تصويت الاتحاد الروسي وهو عضو دائم بالمجلس، وليس طرفاً في المحكمة الجنائية، لصالح قرار الإحالة. صوّت الاتحاد الروسي في عام 2005 لصالح العدالة. ومع أن الجزائر والبرازيل والصين والولايات المتحدة امتنعوا عن التصويت، إلا أنهم تحدثوا في بياناتهم لصالح المحكمة.

لم تصوت أي دولة، ولا دولة واحدة، ضد هذا القرار.

لذلك أعتقد أنه كان واضحاً من كل وجهات النظر أن الإحالة كان ينظر لها كأمر مطلوب جداً للوصول للحقيقة ومحاولة تحسين الوضع.

وخلال هذه السنوات الـ 17، أعتقد أن الضحايا الذين حادثتهم، حتى قبل أن أصبح المدعي العام للمحكمة، تميزوا حقاً بالصبر الجميل، وفي كثير من الأحيان كنت ألمس فيهم إيماناً لا يصدق بأن العدالة سوف تتحقق حتى في اللحظات التي بدت فيها تلك الآمال بلا أفق البتة.

وفي نظري يا سيدتي الرئيسة، وحضرات القضاة، أن هذه المحاكمة سوف تبدأ بتبرير قرار مجلس الأمن بإحالة هذا الأمر إلى معاليكم وإلى هذه المحكمة.

والآن إذا سمح لي بالتركيز قليلاً على الأمور المتعلقة بالسيد عبد الرحمن. السيد عبد الرحمن، المعروف أيضاً باسم علي كوشيب، كان عضواً في الجنجويد. وأحد الركائز الأساسية لحملة مكافحة التمرد الوحشية التي شنتها الحكومة السودانية بتناغم تام وتعاون مع الجنجويد أو الميليشيات العربية. إن كلمة الجنجويد جاءت من كلمتين جذريتين في اللغة العربية، جن وهو الغيب أو المخفي، وجواد وهو الحصان، في اللغة الشائعة في كثير من الأحيان يشار إلى الجنجويد باسم “جن راكب جواد”.

كانوا معروفين، وحركتهم كانت مميزة بركوب الخيل أو الجمال، وكانوا يغيرون بكثرة في هجمات صباحية، في أغلب الأحيان عند الفجر، يهاجمون القرى ويقتلون ويدمرون، ويرتكبون بعض الجرائم الواردة في التهم المعروضة عليكم.

يتذكر أحد الشهود صباحا، ليس وقت صلاة الصبح بل متأخر عن ذلك، حوالي الساعة 9 صباحاً، الشاهد رقم (7)، يقول: “في حوالي الساعة 9:00، هاجم البلدة جنجويد وجنود حكوميين من الشرق. كنت في منزلي مع زوجاتي وأولادي عندما وصل الجنجويد على ظهور الخيل والجمال، وبعض الجنجويد كانوا راجلين. بدأوا يطلقون النار عشوائياً”.

حضرات القضاة، خلال هذه المحاكمة، سوف يسأل أعضاء فريق النيابة هذا، وربما آخرون، الشهود عن تأثير ذلك عليهم، ما هو الأثر، والصدمة إن وجدت، تلك التجربة في حد ذاتها وحتى قبل الدخول في جرائم القتل والاغتصابات وتدمير الممتلكات، ماذا كان أثرها، هجمات الصباح تلك حينما توقظك من نومك أو تقطع لك صلاتك، ما هو التأثير الذي كان أو يكون عليهم.

يقول الادعاء إن السيد عبد الرحمن هو أحد كبار قادة مليشيا الجنجويد الرئيسيين الذين اعتمدت عليهم حكومة السودان بشدة، وعملوا معهم عن كثب. يقول الادعاء إنه كان مشاركاً في الجرائم عن رغبة ومعرفة. وفي الحقيقة سوف ترون أنه، ليس مجرد خطابة، ولكنه مدعوم بالإجراءات والأدلة التي سوف تقدم، سوف ترون أنه كان يفتخر بالقوة التي اعتقد أنه مارسها والسلطة التي كان يتمتع بها. غبطة منحرفة بسمعة مخيفة.

سوف تستمعون إلى أدلة حضرات القضاة، على أنه هو وقواته أغاروا على أماكن مختلفة من دارفور، في محليتي وادي صالح ومكجر بولاية غرب دارفور، مسببين آلاماً ومعاناة شديدة للنساء والأطفال والرجال في القرى التي تركها بعد أن أفزعها من نومها أو النازحين، وكذلك في بلدات كودوم وبنديسي ومكجر ودليج؛ وسوف يخاطبكم زملائي، أصدقائي الخبراء، بعدي حول كل ذلك.

كانت الهجمات في الحقيقة ضد أهالي الفور، القرويين من الفور في مواطنهم. إن عمليات الإعدام والجرائم الجنسية والجنسانية والجرائم المرتكبة ضد الأطفال، ونية الاضطهاد الكامنة في الكثير من هذا هي في الحقيقة الركيزة الأساسية التي تقوم عليها هذه القضية، ويتم بعثها بطريقة ما على الأقل، وإن لم يكن بشكل كامل عبر التهم الـ(31) التي سوف يقرر حضراتكم بشأنها في حينه.

كان الاغتصاب يحدث بشكل متكرر ومتعمد. ولم يكن الفرد الذي يجرم هو النشاز. من الواضح أنه كان يتم عمداً كجزء من الهجمات ضد السكان المدنيين. قال أحد الشهود الذين سوف تستمعون إليهم إنه كان شائعاً جداً. لكن مثال على الاغتصاب ومثال على عواقبه، في أية ثقافة في أي مكان في العالم، بل في دارفور، سوف تجسده الشاهدة رقم (P-0015) التي سوف تقول، وأقتبس من حديثها: “بعض النساء والفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب أثناء النزاع حاولن الانتحار”. وتضيف: “في مجتمعي، فإن الفتاة التي تعرضت للاغتصاب لا قيمة لها”. ونحن نرى ذلك في غالب الأحيان. الشخص الذي يستهدف خاصة بجريمة الاغتصاب، وقد كانوا مستهدفين ووقعت عليهم هذه الجريمة مباشرة في هذه الحالة. ولكن لديها نتائج معروفة في الثقافات المختلفة، إن الضحية كثيراً ما يتم نبذها وفصلها وقطع صلاتها حتى عن الأسرة الأوسع.

وتصف نفس الشاهدة كيف أنه خلال الهجوم على بنديسي، جاء أحد أعضاء الجنجويد راكباً حصانه العالي واختطف قسراً فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً، ووضعها على ظهر حصانه وسار بها بعيداً. وتصف أيضاً أن الجنجويد والعساكر، سوف تسمعون هذه المفردة أثناء المحاكمة للإشارة لأفراد قوات الأمن أو الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون في السودان ويرتدون زياً رسمياً، أنهم انتقوا في البداية ما بين 10 إلى 15 فتاة وتقول إنهم اقتادوهن إلى مكان ما، ثم أعتقد أنه يجب قراءة ما قالته بعدها بالنص، بعد إذنك، سيدتي الرئيسة. تقول الشاهدة: “مزق الجنجويد والعساكر ملابس هاته الفتيات والنساء الداخلية، فإذا ألقيت المرأة أو الفتاة على الأرض تكون عارية”. وتابعت الشاهدة: “في حالة الفتيات الصغيرات، يقوم أحدهم بتثبيتها بينما يفعل بها الآخر”. “يفعل” هو المصطلح الخاص بالشاهدة. وتابعت أنه إذا ما بدت الشاهدة قوية أو مقاومة، يمسك بها اثنان، بدلاً من واحد، واحد من الساقين والآخر من الصدر، والثالث “يفعل بها”. الرجل “يفعل” كناية عن الاغتصاب وهذا واضح في الدليل الذي سوف تسمعونه.

رفع الرجل الذي قام بالاغتصاب جلابيته، وخلع ملابسها الداخلية، وخلع ملابسه الداخلية ثم اغتصبها. سيدتي الرئيسة، في رواية هذه الشاهدة التي سوف تستمعين إليها وتستمعون إليها حضرات القضاء، فإن النساء والفتيات اللائي تعرضن للاغتصاب، المجموعة من 10 إلى 15، كان ذلك في المكان الذي كان يتم فيه الاحتفاظ بالفول السوداني، بما في ذلك أم وابنتيها. تتراوح أعمار جميع الفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب بين 15 و18 سنة. كان لديهن الكثير الذي يتطلعن إليه قبل الأحداث التي وقعت عليهن. كان الاستثناء الوحيد لأعمارهن التي تتراوح بين 15 و18 عاماً هو أم واحدة لفتاتين كان عمرها حوالي 30 أو 40 عاماً.

سيدتي الرئيسة، للأسف هناك العديد من الروايات عن ذلك، وسنبذل قصارى جهودنا، نظراً لما نحن فيه من سير الإجراءات، لتسليط الضوء على حالات الجرائم الجنسية القائمة على النوع الاجتماعي بأفضل ما في وسعنا حتى تتمكني حضرتك من تحديد مدى ملاءمتها ومسؤولية السيد عبد الرحمن، وكذلك فهم عمق المعاناة التي حدثت.

ولم يسلم حتى الرضع من الوحشية في الهجمات على كودوم وبنديسي. يصف أحد الشهود أنه في هجوم 16 أغسطس 2003م، كانت هناك امرأة تسمى فاطمة تحمل طفلاً على ظهرها. وطلب منها جنجويدي يركب حصاناً أن تضعه جانباً فرفضت. عندها أخذ الرضيع ورفعه لأعلى وعندما وجده ولداً،  قذف بالطفل في الهواء وحط على بعد حوالي متر وربما متر ونصف من المكان الذي كانت الشاهدة تقف فيه.

وسوف تصف الشاهدة، وأقتبس من إفادتها أنه عندما ارتطم الطفل بالأرض، رقد هناك دون تنفس. حملته امرأة مسنة فبدأ يتنفس ببطء. بدأت جميع النساء بالصراخ طلباً للمساعدة وكن يقلن: “ساعدني يا الله”.

وسوف تسمعون في سياق الافتتاح وطوال المحاكمة، قصة مآسٍ ويأس ومشقة في مكجر داخل زنزانة شرطة مركز مكجر الضيقة والقذرة، وسوف تسمعون أدلة من عدة شهود كيف اضطروا إلى الجلوس القرفصاء ملتصقين تقريباً خداً بخد، وكان عليهم أن يتغوطوا حيث كانوا يقفون، حيث كانوا يجلسون القرفصاء. كانت الزنزانة حارة ومزدحمة جداً، وكانت الرائحة الكريهة غامرة.

وقد صاغها أحد الشهود بهذه الطريقة، أقتبس منه: “كان الناس مكدسين فوق بعضهم الآخر. كانوا من الفور، فور من ذوي البشرة السوداء محشورين في الزنزانة. ولم يكن هناك هواء في الزنزانة وكان الجو شديد الحرارة”.

ووصف آخر أن من أجبرهم على تلك الظروف لم يكن مجرد جنجويدي عابر، ولم يكونوا مجرد أفراد يرتدون الزي العسكري من قوات الأمن السودانية، بل كان كما يقول الشهود، السيد عبد الرحمن، علي كوشيب بنفسه. لم يكن بعيداً (عن تلك الأحداث)، كان مشاركاً فيها بفعالية. يصف أحد الشهود، (P-0919) أنه حينما كان علي كوشيب في مركز الشرطة كان يضرب العمد، والمشايخ. سوف تستمعون لبعض الأدلة على ذلك، حيث يتم استهداف المسنين بشكل خاص وكأنهم يكسرون إرادة وشرف وتماسك المجتمع. وسوف يصف آخر كيف قام رجال علي كوشيب بحلق شعر اثنين من المعتقلين بالسكاكين حتى فروة رأسيهما مما أدى لجرحهما. وقد شاهد ورأى ثلاثة معتقلين تقطع آذانهم أمام عينيه. سقطت آذانهم على الأرض وحدث بالطبع نزيف غزير.

يقول الشاهد إنه لا يعرف ماذا حدث لهؤلاء الثلاثة. كان المعتقلون يصرخون إذ كان ذلك لا يطاق، وحينها غادر علي كوشيب الزنزانة. يقول الادعاء إنه كان هناك، لم يكن سلبياً بل كان مشاركاً بفعالية. لسوء الحظ بالنسبة لـ(P-0919) فإنه لم يكن مجرد متفرج على بؤس الآخرين، ولم يكن فقط سيء الحظ برؤية ذلك الضرب وقطع الآذان، لكن تم كي جلده بحديد ساخن كجزء من الاستجواب فأحرق بها. وسوف يصف خلال هذه المحاكمة سيدتي الرئيسة كيف حققت معه قوات “أبو طيرة”، وهم قوة احتياطية مركزية منظمة تابعة لحكومة السودان، وسألوه عن تورا بورا، المتمردون، وقال: لم يكن يعرف حتى ما هو تورا بورا، لم يكن يعرف حتى أن هذه العبارة تعني المتمردين، وقد عومل بفظاعة. وقال إن كثيرين آخرين في تلك الزنزانة عذبوا بهذا الحديد الساخن وأصيبوا بحروق، إما على أكتافهم أو أفخاذهم أو على ظهورهم.

خلال هذه المحاكمة سيدتي الرئيسة وحضرات القضاة سوف تشاهدون بعضاً من هذه الحروق، وسترون بعض العلامات التي يدعي الادعاء أن علي كوشيب، السيد عبد الرحمن، الجالس في هذه القاعة سببها بفأسه على جلود الشهود الذين سوف ترونهم وتسمعون منهم.

كان هناك استخفاف مستهتر بالمبادئ الإنسانية الأساسية. لقد سمعنا وسوف تسمعون في سياق هذه المحكمة أمثلة على الاستهداف المتعمد. لقد تحدثنا عن الاغتصاب، ولكن أيضاً الاستهداف المتعمد للعُمد والمشايخ، قادة المجتمع.

على سبيل المثال، سوف يشهد الشاهد (P-0129) أنه كان جالساً وضُرب برأس فأس السيد علي كوشيب، وكانا جالسين على الأرض، كان يضرب وكان هناك العمدة يحيى، أحد كبار السن من قادة الفور. وكان هناك طفل صغير جالس بجانب العمدة يحيى. وعندما لوح علي كوشيب بفأسه بدم بارد وضرب العمدة يحيى، أصابت الضربة الطفل أيضاً إما عن قصد أو عن طيش.

ولم يكن ذلك بالطبع الطفل الوحيد الضحية في مكجر. ففي حلقة مروعة حقاً، سوف يستمع حضراتكم إلى أدلة عن إعدام على قارعة الطريق حيث يذكر الدليل أن المتهم أمر بقتل خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 12 عاماً وكذلك معلمهم الديني. هذا هو الشاهد (P-0905)، الذي يروي أنه كان هناك شيخ مع طلابه في خلوته، أي مدرسته القرآنية، وعندما جاء الجنجويد وجاء السيد عبد الرحمن، كانوا يرتجفون. كانت كلماته: “خاف الصغار. كانوا يرتجفون، يرتجفون”. وقال الشيخ: “أنا لست خائفاً من الموت. يمكنكم قتلي. لكن هؤلاء الأطفال الخمسة مساكين. إنهم مسؤوليتي وهم أيتام”. ومع ذلك، فإنكم حضرات القضاة سوف تستمعون إلى أدلة على أن هؤلاء الأطفال لم يُرحموا بل قتلوا.

رأى الشيخ ذلك وعرف أنه سيكون التالي، وسأل عما إذا كان يمكنه أن يصلي ركعتين. يوضح الشاهد (P-0905) أن السيد عبد الرحمن أذن له بأداء ركعتين من الصلاة ومن هناك استمر، وأقتبس منه: “أنهى الرجل التقي  ركعتين، أنهى صلاته. وبعد ذلك أنهوا حياته.”

حضرات القضاة، هناك العديد من الأمثلة على العسف، ليس فقط باستخدام فأسه، وليس فقط بقتل الناس، أو الأمر بإعدام الأطفال أو السماح بالاغتصاب والمشاركة في جميع الأعمال التي تم توجيه الاتهام بها وتعرض أمامكم، ولكن حقيقة محض العسف الوحشي.

ويقدم الشاهد (P-0976) مثال على ذلك فيما يتعلق بالاحتجاز في مكجر. تم استدعاء اسم العمدة يحيى أحمد زروق في حضور المتهم، فتقدم العمدة المذكور، والدليل الذي سوف تستمعون إليه هو أن السيد عبد الرحمن، علي كوشيب، وصفه بالمجرم. كانت لدى العمدة الجرأة أو الشرف فقط بهز رأسه، وبسبب ذلك يبدو أن عبد الرحمن ضربه على رأسه بالفأس. سقط العمدة على الأرض، ومفهوم أنه ربما لم يكن قادراً على الوقوف، وحينما مر أمامه السيد عبد الرحمن، علي كوشيب، شد أذني العمدة المسن وقال: “سأركب الحمار، سأركب الحمار”.

هذه المعاملة اللاإنسانية والمهينة وغير المقبولة لم تقتصر بالطبع على مكجر. بل شوهدت في جميع المواقع تقريباً. يصف الشاهد (P-0907) كيف كان الرجال في دليج ممددين على الأرض أمام مركز للشرطة. عندما قال أحد المحتجزين للسيد عبد الرحمن، من أنت لإجبارنا على الاستلقاء على الأرض، أجاب السيد عبد الرحمن، أنا المسؤول هنا، أنا أفعل ما أريد، وضرب ذلك المعتقل بفأسه.

ويصف الشاهد كيف نزف، وكذلك كيف أن علي كوشيب، ربما لم يكتف برؤيتهم يقفون وهم منبطحين، يدوسون حرفياً على حقوقهم وعلى كرامتهم بالاستلقاء على ظهورهم. وهذا ليس مجرد شاهد وحيد، فقد رأى الشاهد (0671) السيد عبد الرحمن يقف على بعض السجناء ويركلهم، متعمداً معاملة مهينة للإذلال، ولكسر إرادتهم.

قال الشاهد (907)، لم أسمع قط عن مثل هذه المعاملة من قبل. لا أحد يفعل ذلك في أي مكان في العالم.

التأثير على الأطفال لا يمكن التأكيد عليه بما فيه الكفاية، سيدتي الرئيسة، حضرات القضاة، لقد رأينا أمثلة أو سمعنا أمثلة بالفعل في افتتاحيتي فيما يتعلق بالأطفال الرضع الذين تعرضوا للاعتداء في بنديسي، وكيف تم إطلاق النار على الأطفال وقتلهم في مكجر. لكنني أعتقد أنه إذا سمح لي فقط بتسليط الضوء على بعض الأمثلة على الصدمة والانكسار والألم الحقيقيين للغاية، التي نقول إن سلوك هذا المتهم جلبها عمداً على هؤلاء الأطفال.

كان عمر الشاهد (P-0955) حوالي 15 عاماً في ذلك الوقت. السودانيون الدارفوريون، مثل معظم الأطفال في العالم، يحبون كرة القدم. لكن بدلاً من أن تكون لديه ذكريات عن لعب كرة القدم مع أصدقائه وعيش حياة طبيعية كانت تتوقعها عائلته، فإنه يصف رؤية والده محتجزاً في سيارة بعد إلقاء القبض عليه في دليج. ربما يعرف أو يستشعر ما سيحدث، يقول وأقتبس: “نظر والدي باتجاهي، وتواصل معي بالعين. وعندما رآني، تملكته العاطفةً، وبدأ كلانا في البكاء. كانت تلك هي المرة الأخيرة التي تمكنت فيها من رؤية والدي على قيد الحياة”.

شاهد آخر، (P-0714)، قدم إفادة حية مضمنة بمرافعتي، وسوف تستمعون معاليكم لها بأنفسكم، فيما يتعلق بفراره من منزله في تارينغا عام 2003 بعد أذان الصلاة، يقول: “كنت على الفراش وكان والدي مستيقظاً ويتوضأ للاستعداد للصلاة. كان الأذان دائماً حوالي الساعة 4 صباحاً وكان يؤذن عندما سمعت طلقات نارية. صرخ والدي في الأسرة لينهضوا. خرجت من منزلي ورأيت ألسنة اللهب في جميع أنحاء القرية. سمعت الناس يصرخون ويصرخون ورأيتهم يركضون. كنت خائفاً وكان الوضع فوضوياً. رأيت الجنجويد يطلقون النيران وهربت وسمعت إطلاق النار”. لكنه مثل كثيرين، وتقريباً كل شاهد ستكون له قصة، سيدتي الرئيسة، حضرات القضاة، في أعقاب ذلك مباشرة، فإن الرعب لم ينته، لأن الشاهد الذي فر حفاظاً على حياته يقول “بقينا في الجبل لحوالي أسبوعين، واستطعت أن أعيش على بعض الدقيق الذي جلبته معي. على مدى أسبوعين في الجبل، سمعت إطلاق نار مستمر في جميع أنحاء المنطقة”.

ويجمّع هذا الشاهد أيضاً الأضرار طويلة المدى ويبرزها بشكل صارخ لأنه يذكر بوضوح شديد، وأقتبس منه، “بسبب الصراع وانعدام الأمن في منطقتي، لم أستطع مواصلة تعليمي”.

لذلك ففي حين أن النطاق الزمني للتهم قد لا تكون واسعة النطاق، إلا أن العواقب كانت واسعة النطاق جداً، ومستمرة لمدد عديدة وحتى الوقت الحاضر.

تصف إحدى الأمهات، (P-011) هذه الحقيقة، ويرى الادعاء أنه بسبب إجرام المتهم، وبسبب ما ارتكبه عن معرفة وعمد في هذه القضية مع آخرين، اضطرت هذه الشاهدة للفرار. تقول، وأقتبس من حديثها: “لقد أدى النزاع في دارفور أيضاً إلى تقسيم عائلتي. الآن والدتي وابني في دارفور بينما أنا في تشاد. أفكر فيهم باستمرار ولا يمكنني التواصل إلا من خلال نظام الصليب الأحمر، وهو بطيء للغاية. ومن المؤلم للغاية أن أشهد أقاربي يتعرضون للإذلال والاحتجاز دون سبب. وأعرف أنني يجب أن اتحلى بالشجاعة في معسكر اللاجئين لمواجهة الحياة، وإلا سأفقد كل شيء”.

شاهد آخر، (P-671)، فتى مراهق، طفل كذلك، يصف صدمته الكبيرة الدائمة إذ رأى والده وشقيقه يُعتقلان في ديليج. ثم عثر على جثتيهما بعد إعدامهما ملقيتان على الأرض، وقام بدفنهما. في مرافعة الادعاء، لا يمكن لأحد، وبالتأكيد لا ينبغي أن يتحمل أي فتى في سن المراهقة أمراً كهذا.

يقول الشاهد، ما أقتبس منه: “الصور التي رأيتها بقيت تلازمني وتسبب لي كوابيس شديدة. أحاول ألا أفكر بما حدث لأخي وأبي، لكني عندما أفعل ذلك أصير حزيناً للغاية”، وهذه القصة تتكرر. إنها عينات، نماذج في قضية أوسع بكثير للمجتمعات المختلفة. نشأ العديد من هؤلاء الأفراد في معسكرات مثل معسكر “كلمة” وغيره.

حضرات القضاة، هذه ليست قضية معقدة، في مرافعتي المقدمة باحترام. إنها ليست قضية مسؤوليتها على القيادة حيث يكون القائد العسكري أو المدني، فكما تعلمون، فإن القائد العسكري أو المسؤول العسكري الأعلى يكون بعيداً عن ساحة المعركة. إنها قضية توجد فيها العديد من الأدلة من مصادر مختلفة بأن المتهم قتل، وأمر، وشجع على مجموعة كاملة من الجرائم المعروضة أمام حضراتكم؛ لقد شارك فيها وأمر بها. ويبدو أن دفاعه هو القول: هذا ليس أنا. وعندما تستمعون في لحظة إلى ما سيقوله صديقي الخبير، جوليان نيكولز، سوف تسمعون بعض الحجج الإضافية التي سوف يتم تقديمها أثناء المحاكمة، أدلة إضافية ستعرض وستحددون حضرات القضاة ما إذا كان أو لم يكن هذا الموقف حقيقة أم إساءة للحقيقة.

لقد شاهده وسمعه وتعرف عليه شاهد تلو شاهد. وشاهد تلو شاهد كان يعرف السيد عبد الرحمن قبلاً. يقول الادعاء إن هذه قضية قوية (محكمة). لكننا على ثقة من أنكم عندما تستمعون لكل الأدلة وتقيِّمون المرافعات والأسئلة من الدفاع، سوف تكونوا راضين، إذ أنكم سوف تكونوا متأكدين من أنكم سوف تتمكنون من إدانة السيد عبد الرحمن.

إنني مدرك تماماً، سيدتي الرئيسة، وحضرات القضاة، أننا هنا نرتدي أروابنا على بعد آلاف الأميال من دارفور، وأمامنا تكنولوجيا رائعة في مبنى جديد للمحكمة، وهو أمر يبدو غريباً للغاية، يبدو بعيداً جداً، وهو حقيقة بعيد جداً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عن الواقع الذي يعيشه العديدون من ضحايا دارفور والناجين اليوم، إما في معسكرات اللاجئين في تشاد أو نازحين داخلياً في السودان، أو في الشتات في بلدان مختلفة يحاولون الاندماج بكل ما في وسعهم كأجانب فروا للنجاة بحياتهم. لكن في نفس الوقت، بعد إذنك سيدتي الرئيسة، أود أن أؤكد أنهم ليسوا منسيين. أعتقد أنهم في أعين عقلنا الجمعي اليوم بشدة، وأنا على ثقة من أنه سوف يتم سماعهم، سوف تستمعون إليهم حضرات القضاة، وسوف ترون معاليكم ما حدث بعيونهم، وبموضوعية وبعد سماع كل الأدلة، في مرافعتي المقدمة باحترام، سوف تكون هناك نتيجة واحدة فقط.

حضرات القضاة، من وجهة نظري، فإن هذه القضية التي ستستمعون إليها، والتي سوف تترأسينها سيدتي الرئيسة، هي بالضبط من نوع القضايا التي أُنشئت من أجلها هذه المحكمة الجنائية الدولية. في مرافعتي التي أقدمها، هذا هو بالضبط نوع الحالة التي كان ينبغي لمجلس الأمن أن يحيلها، وينبغي أن يفخروا بأنهم فعلوا ذلك تنفيذاً لميثاق الأمم المتحدة. ومع تقديم هذه القضية وبدئها، ولدى حلول نهاية هذه المحاكمة، فإنني واثق من أن أولى القطرات القليلة من غيث العدالة سوف تقطر على ما كان ولا يزال صحراء إفلات من العقوبة في دارفور.

5 ابريل 2022 م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى