تحقيقات

(بلومبيرغ) تكشف استثمار شركة روسية خاضعة للعقوبات في الذهب السوداني

عشرات الشاحنات المحطمة المحملة بالذهب الخام تشق طريقها عبر الصحراء في شمال شرق السودان وتلقي بأحمالها في مجمع على أطراف مدينة عطبرة.

يتم بعد ذلك نقل أطنان الخام، التي يستخرجها عمال المناجم على نطاق صغير في ولاية نهر النيل، إلى مصنع معالجة باستخدام الحفارات والسيور الناقلة. حفنة من المطلعين فقط على دراية بكمية الذهب التي تنتجها العملية الخاضعة لحراسة مشددة، ومن يبيع أو أين ينتهي الأمر بسبب عدم توفر سجلات عامة.

وكالات

تقدم وثائق السجل التجاري التي اطلعت عليها بلومبيرج أول دليل على أن المجمع مملوك لشركة (مروي قولد)، وهي شركة تقول وزارة الخزانة الأمريكية إنها على صلة بمجموعة فاغنر، التي تصفها بأنها شركة مرتزقة مرتبطة بوزارة الدفاع الروسية.

تظهر الوثائق أنه بالإضافة إلى الوصول إلى الرواسب المعدنية المربحة، تمتلك (مروي) تراخيص للعمل في الصناعات السودانية التي تتراوح من النقل والزراعة إلى البلاستيك.

مروي قولد للتعدين عن الذهب في السودان

توضح التصاريح التي حصلت عليها (مروي) الروابط التي تصفها وزارة الخزانة الأمريكية بأنها “تفاعل بين العمليات شبه العسكرية الروسية، ودعم بقاء الأنظمة الاستبدادية واستغلال الموارد الطبيعية”.

تستثمر (مروي)، وهي واحدة من عشرات الشركات العاملة في صناعة الذهب، في السودان منذ عام 2017 – وهو نفس العام الذي تقول فيه وزارة الخزانة إن فاغنر وضعت خططًا للديكتاتور عمر البشير لقمع الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية.

قال الباحث المستقل المقيم في الولايات المتحدة والذي عمل سابقًا في (ذا سنشري)، سليمان بلدو: “عندما زار البشير روسيا في أكتوبر 2017، فتح الباب على مصراعيه أمام موارد السودان”.

و(ذا سنشري) مجموعة مقرها واشنطن تحقق في العلاقة بين الصراع والمال في إفريقيا، لقد أمضى خمس سنوات في التحقيق في صناعة التعدين في السودان ووجد عجزا مذهلاً في الإشراف الرسمي.

أوكرانيا و سوريا

فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على فاغنر في ديسمبر بزعم نشر عملاء عسكريين خاصين في مناطق الصراع لتأجيج العنف ونهب الموارد الطبيعية وترهيب المدنيين في انتهاك للقانون الدولي.

اتهمت وزارة الخزانة في عام 2020 الشركة بـ “عمليات خطيرة ومزعزعة للاستقرار” في دول أجنبية مثل أوكرانيا وسوريا وموزمبيق.

في إفريقيا، سعت الأنظمة غير المستقرة إلى الحصول على مساعدة فاغنر لدعم حكوماتها. في العام الماضي، قالت المملكة المتحدة و14 حكومة أخرى إنها شهدت نشر مرتزقة فاغنر في مالي الغنية بالذهب لدعم حكامها العسكريين – وهو ادعاء نفاه المجلس العسكري لاحقًا.

كما دعم جنودها المتعاقدون حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى، أحد أكبر منتجي الماس في إفريقيا، والقائد العسكري خليفة حفتر في صراع داخلي على السلطة في ليبيا العضو في أوبك.

ساعدت علاقة فاغنر مع إدارة البشير شركة (مروي قولد) في الحصول على تصريح تشغيل والوصول إلى خام الذهب الرخيص شبه المعالج المستخرج من قبل مشغلين صغار الحجم -الكرتة-، وفقًا لعشرات عمال المناجم والمديرين التنفيذيين والمهندسين والاستشاريين والمحللين في السودان الذين قابلتهم بلومبرغ.

التجارة في خام الذهب في أسواق عطبرة -Bloomberg

قال عمال المناجم الصغار الذين يعملون في منطقة العبيدية القريبة من مصنع (مروي) إنهم باعوا مخلفاتهم أو ذهبهم الحرفي لوسطاء أرسلتهم مروي إلى الأسواق المحلية والمطاحن، واضافوا إن عينات من حفرياتهم تؤخذ للتقييم قبل التفاوض على السعر.

تكثيف العمل

قالت وزارة الخارجية السودانية في بيان صدر في 23/مارس، إن فاغنر ليس لها وجود في صناعة الذهب في البلاد ولا تقدم التدريب لجيشها. الوزارة لم تنكر على وجه التحديد وجود (مروي) في البلاد.

قال المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لأنهم غير مصرح لهم بالتحدث إلى وسائل الإعلام، في أبريل إن شركة مروي كثفت العمل في موقع المشروع منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.

لم ترد الشركة السودانية للموارد المعدنية المملوكة للدولة، والبنك المركزي ووزارتي المالية والمناجم على رسائل البريد الإلكتروني المتكررة التي تطلب التعليق. لم تتمكن بلومبيرغ من التواصل بشركة (مروي).

قالت وزارة الخزانة الامريكية في رسالة عبر البريد الالكتروني إن نفس الشخص الذي يملك فاغنر يسيطر على الشركة السودانية.

قالت وزارة الخارجية الروسية إن شركة فاغنر هي شركة خاصة تعمل بشكل مستقل عن الحكومة.

تُظهر المعاملات التجارية السرية والمتوسعة لفاغنر في إفريقيا حدود محاولات الدول الغربية للرقابة عليها وعلى الشركات الروسية الأخرى بعد قرار الرئيس فلاديمير بوتين بغزو أوكرانيا.

كما أن وجود الشركة في السودان يزيد من حدة الموقف في معركة بالوكالة بين روسيا، التي تسعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع قادة الانقلاب العسكري في السودان، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يطالبان بعودة الحكم المدني منذ انقلاب أكتوبر.

السودان أحد أقل البلدان نموا في العالم، وهو مرتع للنشاط المالي غير المشروع – تصنفه منظمة الشفافية الدولية بين الدول العشرين الأكثر فسادا في العالم.

الكسارات الأهلية وطواحين الذهب في نهر النيل

قدر وزير المالية، جبريل إبراهيم، العام الماضي أن خُمس إنتاج البلاد من الذهب فقط يمر عبر القنوات الرسمية، فيما يتم تهريب الباقي إلى خارج البلاد.

بلغ الإنتاج الرسمي للسبائك حوالي 100 طن متري في عام 2019 وتم تصدير 21.7 طنًا، وفقًا لبيانات البنك المركزي، ليفقد أكثر من 4 مليارات دولار من الذهب.

على مدى السنوات الخمس الماضية، استوردت مروي سلعًا تبلغ قيمتها 11 مليون دولار تقريبًا، بما في ذلك معدات معالجة الذهب وطائرة هليكوبتر روسية الصنع، وفقًا للبيانات التي قدمتها شركة (ساياري لاب)، وهي شركة استخبارات مالية مقرها واشنطن  تسعى إلى منع الجرائم المالية وتعزيز الشفافية والمساءلة.

منح بوتين بريغوزين جائزة لخدمته للدولة في عام 2014 وأشاد بعمله الدولي..

وبحسب الحكومة الامريكية فإلى جانب توفير المرتزقة والعاملين السياسيين، تقدم أعمال بريغوزين أيضًا خدمات التدريب على الأسلحة والدعاية الانتخابية.

اتهمت الولايات المتحدة بريغوزين ومجموعة شركات كونكورد الخاصة به في عام 2018 بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، حيث زعمت السلطات أنه سيطر على مزرعة ترول التي تعرف باسم وكالة أبحاث الإنترنت التي سعت إلى تعزيز حملة دونالد ترامب. أنكر محامو كونكورد هذا التصريح أمام الولايات المتحدة.

أسقطت الحكومة القضية في مارس 2020، مستشهدة بمحاولات كونكورد لاستخدام النظام القضائي لجمع معلومات حول كيفية قيام الولايات المتحدة باكتشاف ومنع التدخل الأجنبي في الانتخابات.

في منتصف عام 2020، اتهمت الولايات المتحدة بريغوزين بتقويض الديمقراطية في السودان واستغلال موارده المعدنية، ومددت تجميد الأصول إلى مروي، والتي قالت إنها “بمثابة غطاء” لقوات فاغنر العاملة في السودان. كما مُنع المواطنون والكيانات من الدخول في أي معاملات معهم.

وقالت كونكورد في رد على أسئلة عبر البريد الإلكتروني في 5 أبريل إن بريغوزين “لا علاقة له” بأي شركة عسكرية خاصة. وقالت الشركة أيضًا في 11 أبريل إن بريغوزين ليس له علاقة بشركة مروي.

حذرت جماعات الحقوق المدنية من أن غياب السجلات العامة وانعدام الشفافية في بعض الولايات القضائية قد يجعل العقوبات المفروضة على فاغنر غير فعالة.

قال مدير برنامج مختبرات (ساياري) فيل كيتوك: “غالبًا ما تبدأ الشركات التي تواصل العمل بعد العقوبات في استخدام الوسطاء أو الوكلاء لتجنب الظهور بالاسم في أي شحنات أو معاملات”.

قال عبد المنعم صديق، العضو البارز في جمعية مصدري الذهب السودانيين: “في ظل عدم وجود رقابة مناسبة على الموارد المعدنية في السودان، فقد السودان الكثير من ثروته”. مضيفا: “لم يسهم الذهب بشكل ملحوظ في تحسين الاقتصاد السوداني”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى