ثقافة ومنوعات

بعيدٌ جداً وقريبٌ من ألمانيا… استيللا قيتانو تشرع أبوابها لـ (الديمقراطي)

حاورتها – إيمان آدم خالد

استيللا قيتانو تعني نجمة الصباح في اللغة الإيطالية. فرّقت السياسة دمها بين السودان وجنوب السودان، ووحّدت الثقافة قلبها، فكانت المحبة البائنة لهذه البلاد كما (لبلدنا- بلدها) جنوب السودان، ورغم كل ذلك، رغمها سياسة ورغمهم ساسة، نغني ملء الروح:

ياي بلدنا وكلنا إخوان

سودان بلدنا .. ياي

استيللا نموذج فريد للنساء القادرات المبادرات. مثقفة عضوية حقّة أينما وقعت نفعت، نحتفي بها ونفرد لها هذي المساحة في ثمة ضوء، لأنه حقاً ثمة ضوء يحيط بها وتبعثه مبددة كثيراً من الظلم.

*نجمة الصباح الإشراق والإيراق، أين كانت السقيا ظلال الأمكنة، الحاج يوسف، جامعة الخرطوم، أم أماكن أخرى؟

-كل تلك الأماكن كانت سقيا النفس والروح والعقل، بالتأكيد ليس صدفة أن أترعرع في تلك الأماكن المفتوحة القادرة على الاستيعاب. في الحاج يوسف بدت أسئلتي تنمو، وفي جامعة الخرطوم دخلت في متاهة البحث عن الأجوبة، وانتهيت متمددة على المليون ميل بقلب وعقل مجروحين بفداحة ما ارتكبنا في حق أنفسنا من فظائع، قلت: من أين ابتدأ حرثي؟ وكنت ما أنا عليه اليوم.

واحدة من ميز الكتابة، ممارسة الحرية على صفحات بيضاء

*النساء الأمهات الجدات وحكايات لا تنضب؟

– نعم أسميهن ناسجات الحكاية من خيوط الواقع والذاكرة، وبالتالي لسن ثرثارات بل ملحاحات ليعتدل العوج، ومثابرات لتلقيم الأجيال سر الحكاية وحكمة القصص، أكن لهن معزة خاصة، وهن بطلاتي في النصوص، وهن ملهماتي عندما تتعثر عملية الكتابة.

*فتنة السرد، الغواية، والتابوهات، كيف أدرت هذه المعارك؟

– كما أدير أموري عادة، بالشجاعة المحضة. لقد اختبرت معنى أن تكون حراً، الحرية تمكنك من إسقاط كل الأقنعة وكل الأحكام المسبقة والتالية. عندما أكتب أسجن كل أنواع الرقابة، وأحاول أن أكتب حياة موازية من كلمات وأحرف بكل الصدق الذي تطلبه كل شخصية. أستمتع بهذه اللعبة، وعندما أحطم أغلال الشخصيات تتحطم معها أغلالي أيضاً، وأظن أن هذه واحدة من ميز الكتابة، ممارسة الحرية على صفحات بيضاء، وندعو القراء للتحرر أيضاً.

*ما بين بحيرة بحجم ثمرة الباباي وأرواح إدو، هل صحت استيللا عن بعض الأحلام، الهموم، والآمال، أم أنها حمّلت الكتابة بعض أوزارنا، أوزارها؟

– بينهما الخيط نفسه الذي يبقي كل طرف لصيقاً بالآخر، قد تكون أحلاماً أو أوهاماً، ولكنني مؤخراً مهووسة بجعل الكتابة ساحة لإقامة العدل، كيف نجلب الجميع تحت الضوء ونحكي بلسان من لم تتح لهم فرصة الكلام، وبالتالي يستحمل كل وزره. الحروب تؤجج غضبي حتى أنني أشتم رائحتها قبل أن تندلع. الانفصال لم أستطع أن أتصالح معه حتى الآن ولكنني غضضت الطرف.

اصنع فرقاً بكتاب، مبادرة تشبه تماماً حالة السودانيين بعد الثورة

*ظلال الحرب، الجندر، الانفصال، هل أفسد ذلك بحيرتك الرائقة؟

– الجندر مثله مثل الأمور العميقة لا تحتاج إلا لحلول عميقة فبدأت بأبنائي. كل هذه معارك على المستوى الخاص والعام. أما عن البحيرة الرائقة أقول: أي يوم كانت بحيرتي رائقة!؟ هي على الدوام تتقلب وتتعكر بشكل محير.

*ثلاث أحجار بطوق الأمومة: المسؤولية، الوالدية، الدور الإنجابي، لم يعق هذه المسيرة، ماذا أضاف؟

– إذا كان ثمة إنصاف لي في هذه الدنيا فهم أبنائي، ظروف عديدة جعلتني أقوم بدور الأم والأب، فتكثفت مشاعري، وأشعر بأنني أبليت حسناً حتى الآن. كما قلت إن المسائل العميقة تحتاج لحلول عميقة، فبدأت بنفسي وأبنائي. أنا لست تلك الأم التي تفعل كل صغيرة وكبيرة لأبنائها، علمتهم الاعتماد على أنفسهم منذ وقت مبكر، وعلمتهم أننا طالما نسكن مع بعضنا إذن لكل شخص دور يؤديه، ونحن نتبادل تلك الأدوار. هكذا لم أقيد نفسي بهم، وهم لم يتقيدوا بي بخصوص الأكل والشرب والنظافة ومتابعة الدروس، وبذلك وفرت لنفسي زمناً أستطيع أن أفعل فيه أشياء أخرى. وأيضاً خلقت تلك المساحة، مساحة العمل أو الكتابة، وهم يحترمون تلك المساحة لدرجة التحدث همساً، كل ذلك بالحب فقط، كل هذه إضافات كثيرة. عندما نربي أبناءنا نتربى أيضاً، طالما نريدهم أن يكونوا أشخاصاً جيدين، نحن أيضاً يجب أن نكون كذلك.

*اصنع فرقاً بكتاب، بكلمة، من أين نبعت الفكرة المبادرة المشرقة؟

– دائما أقول: هي أمنية قابلت شغفاً وتلاقحت مع استعداد الناس على العطاء (كتباً وجهداً)، فكانت المبادرة. المبادرة تشبه تماماً حالة السودانيين بعد الثورة، فجاءت بكل هذا الإشراق، أنا لم أفعل شيئاً، لكننا فعلنا ذلك جميعاً، وعلينا أن نفخر به.

*الحضور، الغياب، ألمانيا، ومحطات أخرى، أضواء وعتمات، أين سترسو استيللا؟

– البلاد حاضرة عندي أينما ذهبت، وأظن أيضاً سأكون حاضرة فيها بشكل ما. لقد قلت غاضبة من قبل: إذا انقسمت هذه البلاد فإني سأبحث عن وطن ثالث، انقسمت، ولم أجرؤ على الذهاب إلى أي مكان. لم أستطع أن أتصالح مع الانفصال لأنه حتى الآن لم يحقق الاستقلال للجنوبيين، ومازالت المظالم ترتكب. كانت تلك رحلتي الثانية، فحضرت كل الحروب الجديدة في الجنوب، وألجمني الغضب، ثم جاءت الثورة وتعثرها وعدم مسؤولية الساسة، ثم الانقلاب المشؤوم في الشمال، وجدت كل شيء يتداعى أمام عيني فأصابني الرعب. في النهاية قلت: كل هذه رسائل، كأن السودان لم يعد يتسع لي، كما أنه غير متسع لآخرين كثر. قررت أن أرتاح قليلاً وأتعافى، صادف ذلك منحة مقدمة من ألمانيا من منظمة القلم الألمانية للتفرغ للكتابة، والآن أسكن مدينة صغيرة اخترتها منفى اتأمل وأكتب وأتابع كل شيء بعين دامعة وقلب واجف.

*استيللا هل من عودة، أم هي مستحيلة؟

– لا بد من عودة، ولكن بعد حين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى