الرأي

العبادي (14): يا شموس أفراحي متى تشِرقنْ..؟!!

مسألة

د. مرتضى الغالي
لا تعجب ولا تدهش إذا وجدت في (الحقيقة أو المجاز) الفنان الحداثي الفخيم مصطفى سيد احمد “عليه شؤبوب الرحمة” جالساً مع ابراهيم العبادي..؟! ذلك أن تيار الابداع ومجراه (التحتاني) الجيّاش الزاخر لا يعرف الفواصل الجغرافية والزمنية ولا الهوة بين الأجيال..! هذه الوشيجة الشعشعانية اللامرئية.. والتخاطرات الوجدانية والاحساسات النابضة التي تماثل (الألياف الضوئية) تجمع بين المبدعين حتى من غير تلاق ولا مشاهدة ولا معاصرة..! وقد جمعت بين العبادي ومصطفى سيد احمد على تباعد المدى الزمنى والاجتماعي والفئة العمرية والرؤية الجمالية اغنية غاية في (الليريكية الغنائية) Lyricism/Lyric …إنها أغنية:
بـلابـل الـدوح ناحـت على الاغصان
طرب وسرور ماحت فروع البان..!!
ما هو السر في هذا التلاقي..! سبحان ربك ملهم الانسان الفنون والحس الجمالي والروح الكونية التي تتخطي السدود والمعابر والازمنة..وتستقر وتتلاقي مثلما اسراب النحل حول تويجات الازهار؛ عندما تشتار رحيق الورود وتخرج من بين البتلات بسلسال من العسل المشنون المصفّى…!
لا نريد أن نقرر بأن هذه الغنائية تحاكي (الكنطاطا) أو الكونتاتا الايطالية التي سادت القرن السابع عشر..لكننا نشير الى تركيبة شعرية غنائية تخلق موسيقاها ولحنها (من داخلها) وتصلح للمغنين المنفردين وللجوقات. أو يقوم بترجيعها صوت غنائي جهير يعرف كيف يتستخدم ما تحتويه من زهزهة، وما تحتويه من تدفق للمشاعر الذاتية والأفكار (التلقائية البسيطة) لعرض الأماني والرجاءات..والإتيان بمفردات وتعبيرات ذات ابعاد صادحة وضراعات متفائلة مزهوّة بالوجود ومستبطنة لجمال الكون وانطلاق الروح..هذه اغنية بلابل الدوح للعبادي..!
خلفني.. تركني من ورائه.. هكذا يقول:
خلفني انوح مايقيّ غرقن
بنار الشوق احشاي حِرقن
يا حظي حكيت ديسو الزرقن
يا شموس افراحي متى تشرقن..؟!
والعبادي يستخدم هنا المثني من (مايق) بمعني أن عينيه غرقن في الدموع بينما حُرقت احشاؤه بالنار.. ومفردة (المايق) تصرّف سوداني من المآقي أي العيون..وأحياناً توصف بها مجاري الدمع من العين أو (طرفها مما يلي الأنف)..وترد في القواميس أيضاً الموق وماقُ العين..والأمياق والمايق مُستخدمة كثيراً في أغاني الحقيبة والدوبيت والاغاني الشعبية والأمداح.. يقول المادح السوداني:
إن قرأ الفاتحة أو سورة الزلزله
ترى “امياقو” بالدمع نازله
..وحتى في أغاني السباتة تقول المُغنيات: (جري دمعي بالمايق..عدو نفسو الزول الضايق)…!
العبادي يفتح (باب الغنا) في بلابل الدوح:
مرات يقطب حاجبو القارِن
يخطو ويحكي المُهر الحارِن
شلّاخو تعوم في ابحارِن
وافكاري التايهه دحين حارِن
عِش مع اللحن المتدفق ولا تنظر كثيراً هذه المرّة في المفردات:
اتمثل لي محبوبي عيان
حاولت اقطف وردو النديان
منعني تُقى الورع التغيان
وادفق ري أملي المليان..!
**
مار بالروضه وسقا لي حِوارا
ولع خدو.. وطفا انوارا
فضح الاغصان .. شوف نوّارا
غمّض خجلاً.. وحيا اتوارى..!
**
فتح الياسمين زهرو المنصان
وقَلْ النرجس والكون كان صان
طاح الرمان مال بي الاغصان
لولى ثمارو.. ورمّى القمصان..!!
**
اتولع نار قلبي الولهان
جرحي اتكسّد ما بفيدو دهان
ارجوك يا سرور قول لي برهان
لا يطلب عن حالي (البرهان)..!
القصيدة هنا غنائية وسريعة من اجل حفلة وتهنئة لصديقه ربيع: واللحن سيد الموقف:
ربيع الحظ بها حيالك
دمت ودامت ايام زاهيالك
عليّا بعيد لثم اذيالك..
عيد ليّا النوم لاجل خيالك..!
طبيعة الخفة والغنائية جعلت هذه الاغنية مختلفة كثيراً عن اغنية أخرى للعبادي اقرب لأغاني السيرة؛ وهي من اغانيه العجيبة ومطلعها:
من فروع الحنة وزهرة التفاح..
هاج بلابل فكري النسيم الفاح..!
إنها اغنية من طبيعة أخرى وبرؤية أخرى (مضبوطة) بعدسات مقرّبة اتخذت تقنية (الزووم) بلغة كاميرات التصوير:
الجداول تجري فوق خدودك دُر
والرشيمات بقّت بي اشعة خُدُر
يعمي عينيي قبلك ما نظرت بدُر
فوقو ليلاً حالك..يعلو غصناً ماح..!
**
..المعاصم جدله والكفيفات غوف
والكتيف الهادل بالكفل مشغوف..!
نايمه او كان صاحيه.. حال جلوس ووقوف
فيهو لاحم ديمه ومنّو مالو براح..!!
**
ينتقل العبادي من علاقة التنافر الجسدية بين أرداف الفتاة الراقصة وخصرها الرقيق إلى صفات معنوية مثل التجني والظلم والجور وفقدان الرفق والحلم:
اختصر افكاري خصرك المعقود
ما بمس بي كفو لا قميص لا عقود
جاذبو ردفاً جاير.. حلمو ليه مفقود..؟
عذرو واضح صدرك مالبو جوز تفاح..!
**
وفيها:
إنتي روحي وراحي.. ليك ظمآن غاب
ما بصرّح باسمك.. ما بجيب ألقـاب
إنتي ديسك خِدرك..ماكي صيدة غاب
من فوارس حيّك.. ليكي غابة رماح..!
**
خلي أمعن شوفا..وقول لي إيه يا النـور..؟؟
هل رأيت لك صيده.. أم دا جام بلـور..؟؟
جـلّ من أنشاها.. وصاغا شُـعلة نور
هل دا جيـد وقلاده.. أم نجوم وصباح..؟!
كنا ذكرنا قبلاً عن محبوبات العبادي ممن ذكرهن بالاسم (آمنة وشامة وعازة) واليوم نضيف إليهن (تاجوج) استخلاصاً مما اشار إليه (بلفة الكلاكلة):
ياام جبيناً يندي.. بالحسن نضّاح
حالي من دون شرحو.. كامل الايضاح
ستي لا تآخديني.. الغرام فضّاح
..(ود محلق) قبلي.. بي سميتك راح..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى