ثقافة ومنوعات

الشاعر محمد الفيتوري (1936 – 2015م)

بمناسبة ذكرى وفاته 24 أبريل 2015/ المغرب

الفيتوري شاعر سوداني بارز، يعتبر من رواد الشعر الحر الحديث، ويلقب بشاعر إفريقيا والعروبة. اختيرت قصائده لمناهج التدريس في كثير من الدول العربية مشرقاً ومغرباً.

الناقد – محمد مصطفى

ولد محمد مفتاح رجب الفيتوري، في 24 نوفمبر 1936 في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور بالسودان، لأسرة صوفية شاذلية. ومنذ صباه اغترب من أجل التعلم في مدينة الإسكندرية بمصر، وحفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم انتقل إلى القاهرة حيث تخرج في كلية العلوم بالأزهر الشريف.

شاعر عالمي بقلب عربي افريقي

عمل في التعليم والإدارة، ثم ترك الوظيفة ليعمل محرراً أدبياً بالصحف السودانية والمصرية واللبنانية، وعُيّن خبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة في الفترة ما بين 1968 و1970. ثم عمل دبلوماسياً للجماهيرية الليبية في روما وبيروت والرباط. أسقطت عنه الحكومة السودانية في عام 1974، إبان عهد الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية، وسحبت منه جواز السفر السوداني، لمعارضته النظام آنذاك، وتبنّته الجماهيرية الليبية وأصدرت له جواز سفر ليبي.

أقام في لبنان و المغرب ومصر وسوريا، وجرّب الإقامة في بلدان أوروبية إلا أنه لم يجد فيها نفسه. اتسم شعره بالتحرر من الصيغ الشكلية القديمة معبّرا عن الوجدان والتجربة الذاتية المفعمة بالجوانب التأملية، مستخدماً أدوات البلاغة والفصاحة الخاصة به التي استلهمها من خلفياته الصوفية والسياسية والأدبية والفكرية: في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق / حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق/ وزحمت براياتي وطبولي الآفاق/ عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق/ مملوكك لكني سلطان العشاق.

تعد إفريقيا مسرحاً أساسياً في نص الفيتوري الشعري، حيث تشكلت فيه محنة الإنسان الإفريقي وصراعه ضد الرّق والاستعمار، ونضاله التحرري حتى أصبح الفيتوري صوتَ إفريقيا وشاعرها. وبجانب إفريقيا كان له اهتمام خاص بالقضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية. يقول: لقد صبغوا وجهك العربي/ آه. يا وطني.. لكأنك والموت والضحكات الدميمة حولك/ لم تتشح بالحضارة يوماً ولم تلد الشمس ولا الأنبياء.

يعرف كل سوداني منذ ستينيات القرن 20 وحتى اليوم قصيدته التي تغنى بها محمد وردي: أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق. وفيها: أصبح الصبح وها نحن مع النور التقينا / والتقى جيل البطولات بجيل التضحيات / التقى كل شهيد قهر الظلم ومات / بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات / أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا / بالذي أصبح شمساً في يدينا / وغناء عاطراً تعدو به الريح فتختال الهوينى.

حصل محمد الفيتوري على «وسام الفاتح» الليبي، و«الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب» بالسودان. دواوينه الشعرية: أغاني إفريقيا (أول دواوينه، 1955)، عاشق من إفريقيا (1964)، أذكريني يا إفريقيا (1965)، أحزان إفريقيا (1966) البطل والثورة والمشنقة (1968)، سقوط دبشليم (1969)، سولارا (مسرحية شعرية) (1970)، معزوقة درويش متجول (1971)، ثورة عمر المختار (1973)، أقوال شاهد إثبات، ابتسمي حتى تمر الخيل (1975)، عصفورة الدم (1983)، شرق الشمس… غرب القمر (1985)، يأتي العاشقون إليك (1989)، قوس الليل… قوس النهار (1994)، أغصان الليل عليك، يوسف بن تاشفين (مسرحية) (1997) الشاعر واللعبة (مسرحية) (1997)، نار في رماد الأشياء، عرياناً يرقص في الشمس (2005).

إنه شاعر السودان فوق كل اعتبار: في زمن الغربة والارتحال/ تأخذني منك وتعدو الظلال / وأنت عشقي / حيث لا عشق يا سودان / إلاّ النسور الجبال/ يا شرفة التاريخ / يا راية منسوجةً من شموخ النساء/ وكبرياء الرجال.

للفيتوري كلمة للفقراء: دنيا لا يملكها من يملكها / أغنى أهليها سادتُها الفقراءْ/ الخاسرُ من لم يأخذ منها / ما تعطيه على استحياء / والغافل من ظنَّ الأشياءَ هي الأشياء.

الشاعر-محمد-الفيتوري- الدبلوماسي

يفصح الفيتوري عن نظريته الشعرية في إحدى حواراته الصحفية: «الكلمة اللغوية لا تكون كلمة شعرية إلا بالاختيار، وتوطيد علاقتها بالموسيقى اللفظية والإيقاعات الموسيقية النفسية التي تتفجر بها أعماق الشاعر لحظة تبنيه للتجربة الإنسانية أو الاجتماعية المعاشة. إنها المعادل المادي لبذرة تسقط من أعماق اللاشعور لتأخذ مزاجها الخاص في مناخه». لعل هذا ما نلاحظه في قصيدته السلطان أو ياقوت العرش: تاجُ السلطانِ الغاشمِ تفاحهْ / تتأرجح أعلى سارية الساحة / تاجُ الصوفي يُضيء / على سِجادة قَشْ /صدقني يا ياقوت العرشْ / عن أي بحار العالمِ تسألني يا محبوبي / عن .. حوت؟ / قدماه من صخرٍ / عيناه من ياقوت/ عن سُحُبٍ من نيران / وجزائر من مُرْجانْ / لا تعجب يا ياقوتْ / الأعظم من قدرِ الإنسان هو الإنسان / ذهبُ المضطِّر نُحاسْ / قاضيكم مشدود في مقْعده المسروقْ / يقضي ما بين الناسْ / لن تُبْصرْنا بمآقٍ غير مآقينا / لن تَعْرِفْنا / ما لم نجذبك فَتَعْرِفَنا / وتكاشفنَا / أدنى ما فينا قد يعلُونا يا ياقوتْ / فكن الأدنى/ تكن الأعلى فينا.

جالسته كثيراً في بيروت، في أحد أركان مكتبته المبعثرة كانت هناك مئات الصحف والمجلات الممتدة من أرضية الغرفة إلى سقفها عدا الكتب. أغرب ما في مكتبته أنها تجميع لما كتب عنه، كان يقول لنا: “إذا وجدتم شيئاً مكتوب عني فلا تنسوا أن توصلوه لي. ربما وجدت وقتاً لأقرأه معكم”. كثيرة هي الدراسات النقدية لأشعاره. كما تناولتها دراسات الماجستير والدكتوراه في جامعات عربية ولا تزال حركة الكتابة عنه مستمرة.

كانت بيروت بيته وعشقه شأن كثير من الأدباء الذين توهجوا في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وعنها يقول: أنا جسد/ حجر/ قنديل زيتي مبهوت/ في أقصى بيت في بيروت/ أتألق حيناً/ ثم أرنّق ثم أموت. في بيروت حيث أقام فيها مدة طويلة وأحبها كان يحس فيها بالانسجام والطمأنينة والاستقرار بالرغم من حربها، بل بالرغم من اختطافه فيها من قبل مسلحين كانوا يعارضون تدخل القذافي في بلدهم، ولم يجدوا ما يعبرون به عن موقفهم من القذافي سوى اختطاف الفيتوري. أطلقوه سريعاً، فترك بيروت ترفل في ثوب عنفها وتنعم في حربها الغبية، وولى وجهه شطر المغرب، وتزوج هناك للمرة الثالثة (زوجته الأولى فلسطينية، والثانية سودانية هي الممثلة والإذاعية آسيا عبد الماجد).

توفي محمد الفيتوري في يوم الجمعة 24 أبريل 2015 في المغرب عن عمر ناهز الـ (85) عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

أبريل 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى