تقارير

السودان ومصر: من الاستتباع الى ندية الشراكة

قال  الكاتب والمفكر د. النور حمد ان العلاقات السودانية المصرية ملتهبة مما يستلزم  اجراء حوار عقلاني بين النخب الثقافية في البلدين حول ادارة العلاقة على اساس الشراكة لتحقيق مصلحة الشعوب.

أضاف د. النور حمد في ندوة اسفيرية بعنوان (السودان ومصر: من الاستتباع الى ندية الشراكة) نظمتها مجموعة دعم الثورة بمنطقة ديلمارفا بالولايات المتحدة في أبريل الماضي، ضمن ملف العلاقات الخارجية وأثرها على مسيرة الثورة السودانية، أضاف أنه: “لابد من حوار بعيد عن الغوغائية لفتح الجراح المتقيحة ومعالجتها”.

رصد- بخاري عبدالباقي

سلطة الجغرافيا

ولفت النور حمد الى ان الجغرافيا تتحكم في هذه العلاقة وظلت موجهة للعقل المصري منذ العصر الفرعوني وحتى الآن لاعتبارات تتعلق بوضع مصر الصحراوية واعتمادها على النيل بعدد سكان تجاوز حاليا 100 مليون نسمة يتركزون في الشريط النيلي من الحدود السودانية جنوبا وحتى الدلتا شمالا بموارد محدودة.

حضارة كوش

ويشير حمد الى ان أرض كوش تاريخيا كانت مصدر الموارد لمصر القديمة وتسبب ذلك في احتلال مصر للسودان واحتلال السودان لمصر لنحو قرن، ويضيف أن مصر كان ارتباطها بحضارة البحر الابيض والحضارة الاسلامية اكبر، فضلا عن أنها تعرضت لغزوات خارجية طويلة لاعتبارات تتعلق بأنها ارض زراعية غنية جاذبة للهجرات والغزاة فظلت محكومة بقوى اجنبية حتى عهد جمال عبدالناصر، مما جعلها متقدمة في التحضر بينما عاش السودان في فترة إظلام طويلة جدا بعد انهيار الدولة المروية.

رسوخ الدولة

ويرى النور حمد ان نتاج ذلك هو رسوخ الدولة والاستقرار في مصر أكثر مما حدث في السودان، لافتا الى أن دولة محمد علي اخضعت السودان وسعت لتأمين منابع النيل باعتباره شرياناً يغذي الدولة إلا أن هذه المحاولة لم تنجح بالكامل خاصة بعد اندلاع الثورة المهدية التي قضت على الحكم الخديوي قبل ان يُستَرد السودان بواسطة البريطانيين فيما عرف بالحكم الثنائي بعد معركة كرري 1898م- 1956.

ويقول حمد إن المصريين ظلوا طوال تلك الفترة يحلمون باستقلال السودان تحت التاج المصري لاعتبارات تتعلق بأن السودان حيوي بالنسبة لمصر. ويضيف: “كسودانيين يجب أن نعترف بذلك، والمشكلة في ادارة العلاقة بما يخدم الروابط الوثيقة بين البلدين”.

ويشير حمد الى أن النقد تركز على الصيغة التي تدار بها العلاقة والتي تخلق احتقانات ويمكن ان يكون لها نتائج مدمرة للبلدين.

ويحذر حمد من ان السودان يمر بخطر تاريخي يهدد بانهيار الدولة المركزية وهو ما سيتسبب في اضرار بالغة لمصر لم يحدث في تاريخها، مضيفا: “مناقشة العلاقات بعقلانية يقود لتصحيح المسار ويتطلب تغيير عقليات النخب التي ظلت تدير هذا الملف منذ القرن التاسع عشر”.

ويلفت حمد الى ان النمو السكاني في مصر لا يتناسب مع الموارد مما يدفعها للتوسع سواء بشكل مباشر، التدخل العسكري، او بطريقة غير مباشرة عبر التحكم في الجهة المستهدفة، لافتا الى أن السودان ذاق التدخل العسكري المباشر في الفترة من 1821-1885 والتي اتسمت بالجبايات والعنف متأثرة بالمزاج العثماني في ذلك الوقت.

أما في الفترات اللاحقة فقد سعى المصريون لادارة السودان عبر السيطرة على النخب من خلال التثقيف والعملية التعليمية ومن خلال تغيير المزاج الصوفي لفقه المدارس. مضيفا: “التأثير المصري على المنهج استمر حتى السبعينيات”. ويدعو حمد لتركيز المناهج الاكاديمية على تكوين الهوية السودانية، ملحماً الى أن الانجليز ساهموا في تحويل بعض السودانيين لبريطانيين سود، ويضيف أن الانجليز كذلك قاموا باضعاف التصوف بسبب قراءتهم غير الصحيحة للمهدية، وهذا “ما جعل الانجليز يفتحون الباب للأزهر، وتاليا ساهم في دخول فكر الاخوان المسلمين، وتسليم السودان للمنظومة المشرقية السنية”.

يشير حمد إلى أن الانهيار الحالي هو نتيجة لانهيار تدريجي منذ الاستقلال، وسببه أن النخب لم تأخذ بجوهر العلم الغربي، ولا الانضباط الإداري.

مملكة كوش

ويرجع بالقول إن الشعب السوداني شعب قديم، صحيح جاءه الإسلام وجاءته اللغة العربية، ولكن المناهج المصرية التي كانت تدرس في القرن الماضي جعلت السوداني كأن جذره الحضاري خارج السودان، وكذلك جعلته في حالة استتباع.

ويقول حمد إن الاستاذ محمود محمد طه في السبعينات كان الصوت الوحيد المناهض للاستتباع، ويضيف أن الأزهري لم يك ضد الاستتباع، ولكنه كان سياسي مصلحي، سواء كانت مصلحته الشخصية أو مصلحة حزبه، وهذا ما جعله يعلن الاستقلال من داخل البرلمان.

ويلفت الى أن مصر هي أول من روج لانقلاب الإنقاذ 1989، نسبة لعدائها التاريخي لحزب الأمة.

ويشدد حمد على ان عدم بلوغ النضج يسمح باستباحة المصالح، لافتا الى ان العالم قائم على التدافع والبقاء للاقوى، مضيفا: “لابد من وجود ثوابت وطنية مرتبطة بمصالح الدولة العليا”.

تغيير جذري

يلفت المتحدث الى ان ثورة ديسمبر أحدثت تغييراً جذرياً وقطيعة مع النخب قصيرة النظر التي لا تستطيع الارتفاع فوق المصالح الشخصية والحزبية وهو أمر مهم لبناء السودان على أساس معرفي. مشيراً الى ان سقوط البشير اظهر عورات الكثير من النخب.

قال د. النور حمد إن الثورة لم تفرز قياداتها، بالتالي الشراكة بين الحرية والتغيير القديمة، والشارع انفصلت، ويشير إلى أن سبب الانفصال، ظهور الحرية والتغيير بمظهر أقل من المتوقع، وأن السبب الثاني هو الشيطنة التي تمت من قبل الدولة العميقة، وهي ليست بالضرورة (الكيزان) وحدهم، وإنما كذلك المجموعة المرتبطة بالسلطة ومركز الدولة.

الثورة السودانية

ومع ذلك يقول حمد: “ليست هنالك فرصة للشارع الا الارتباط بالنخب السياسية وأن القول بأننا لا نريد أحزاب سياسية ليس صحيحاً”.

ويذهب حمد للقول بأنه لا توجد دولة في السودان، الدولة الأم منهوبة لصالح دولة تمتلك المال والسلاح، مشيراً إلى أن ترس الشمال فضح عملية النهب للموارد الخام المهربة لمصر، عبر دولة السلاح هذه، ويضيف: “إن النهب للموارد يتم عيان بيان”.

يختم حمد بالقول: “يجب على السودانيين الاعتماد على أنفسهم في تحييد النفوذ المصري في السودان، وعدم الاعتماد الكلي على الرأي العام العالمي في هذا الشأن”.

لمتابعة الندوة بالكامل يمكن الدخول على الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=6lkNCCPfCgA

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى