الرأي

السودان: الطغمة الانقلابية وتجدّد المجزرة

جلبير الأشقر*
ستغل الطغمة الانقلابية الحاكمة في السودان انشغال العالم بالحرب الدائرة في وسط القارة الأوروبية وكذلك ظروف التردّي الاقتصادي الخطير الذي تعاني منه البلاد كي تمضي بمشروعها الرجعي الرامي إلى إعادة إحياء نظام عمر البشير كاملاً، باستثناء إعادة البشير نفسه إلى الرئاسة. فقد خطت الطغمة جملة خطوات مضادة للثورة في الآونة الأخيرة، أهمها إعادة الأطراف الرجعية المتاجرة بالدين والتي كانت شريكة أساسية للنظام السابق، إعادتها إلى الواجهة السياسية، وإطلاق العنان من جديد للقوى القبلية الرجعية التي تخوض حرب الإبادة في دارفور منذ ما يناهز عشرين عاماً.
فبعد أن فشلت الطغمة الحاكمة في اجتذاب ما يكفي من القوى المنضوية تحت راية «الحرية والتغيير» إلى التعاون معها، أخذت تسعى وراء ترميم القاعدة السياسية المتذرّعة بالدين التي استند إليها نظام البشير والتي كانت منضوية إلى «حزب المؤتمر الوطني»، وهو الحزب الحاكم في عهد الرئيس المخلوع. فقبل أسبوع، تم إلغاء قرار حلّ مؤسسة «الدعوة الإسلامية» التي كان النظام السابق يستخدمها لأغراض تمويلية، وقد جاء هذا القرار بعد إعادة تأهيل «جمعية القرآن الكريم»، وهي أداة أخرى من أدوات نظام البشير. ويأتي هذان القراران في إطار عملية تفكيك «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو» (تاريخ الانقلاب الذي أتى به البشير إلى السلطة في عام 1989) التي ينفّذها الانقلابيون، حيث يعيدون تدريجياً أزلام العهد السابق الذين أطاحت بهم الثورة، إلى وظائفهم في الأجهزة الحكومية.
فقبل أقل من شهر، تم إطلاق سراح عدد من قادة «حزب المؤتمر الوطني»، من بينهم رئيسه إبراهيم غندور، الذي أدلى بمقابلة تلفزيونية أعلن فيها دعمه للطغمة الانقلابية. وفي هذا السياق المضاد للثورة، أعلنت عشر جماعات رجعية متذرّعة بالدين من دعائم نظام البشير عن ائتلافها في ما أطلقت عليه اسم «التيّار الإسلامي العريض» يوم 18 أبريل/ نيسان الماضي. ومن بين هذه الجماعات «الحركة الإسلامية السودانية» التي يتزعمها أمين حسن عمر، وهو وجه بارز من أوجه النظام السابق شغل عدة مناصب حكومية، وكذلك «حزب دولة القانون والتنمية» الذي يقوده محمد علي الجزولي الذي اشتهر في وقت سابق بمجاهرته بتأييد تنظيم داعش. ويضم الائتلاف الجديد أيضاً جماعتي الإخوان المسلمين الناشطتين في السودان.

إن تشبّث الطغمة العسكرية بالسلطة ورفضها فسح المجال أمام التغيير الديمقراطي السلمي وعودتها إلى إطلاق العنان لحرب الإبادة القبلية والعرقية في دارفور وغيرها من مناطق السودان، تنذر كلها بأسوأ العواقب

ومن الطريف في الأمر أن سندين رئيسيين خارجيين من أسناد الطغمة الانقلابية عدوّان لدودان للإخوان المسلمين، ألا وهما النظام المصري الذي يرأسه عبد الفتّاح السيسي والنظام الإماراتي الذي يتزعمّه محمّد بن زايد. بيد أن عداء النظامين للجماعة أقل حدّة بالتأكيد من خوفهما من أن تفلح الحركة الشعبية في فرض نظام مدني ديمقراطي في السودان. لذا نراهما يسكتان عن إعادة إشراك عدوّهما اللدود في تركيبة النظام السوداني، وليس هذا الاستثناء الوحيد إذ يتعامل نظام السيسي مع حركة «حماس» في غزّة كما تعامل النظام الإماراتي مع حكومة عبد ربّه منصور هادي اليمنية بالرغم من أنها شملت حزب «الإصلاح» الإخواني.
وبالتوازي مع هذه التطورات الرجعية بكافة معاني التعبير العربي، إذ تشكّل رجوعاً بالتاريخ إلى الوراء، انتعشت من جديد القوات القبلية العربية التي خاضت حرب الإبادة في دارفور، فنفّذت قبل عشرة أيام مجزرة شنيعة في ولاية غرب دارفور ذهب ضحيتها ما يزيد عن مئتي شخص، فضلاً عن الأعمال الإجرامية الأخرى من اغتصاب وحرق وتنكيل التي اشتهرت بها القوات المذكورة. وقد أكّد شهود عيان مشاركة «قوات الدعم السريع» بزيّها الرسمي، وهي القوات التي يديرها الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري الانقلابي والرجل الثاني في الطغمة الحاكمة، وكذلك قوات «التحالف السوداني» الذي يرأسه الجنرال خميس عبد الله أبكر، والي غرب دارفور، وهو أحد الذين وقّعوا في صيف 2020 على اتفاق السلام المعروف باسم «سلام جوبا».
إن هذه التطورات الرجعية لمقلقة جداً على مصير السودان، إذ إن تشبّث الطغمة العسكرية بالسلطة ورفضها فسح المجال أمام التغيير الديمقراطي السلمي وعودتها إلى إطلاق العنان لحرب الإبادة القبلية والعرقية في دارفور وغيرها من مناطق السودان، تنذر كلها بأسوأ العواقب حيث تدفع بالبلاد نحو احتمال حرب أهلية خطيرة متعددة الأوجه. إنها معضلة التغيير الديمقراطي في المنطقة العربية، التي تتميّز بحشد من الأنظمة الاستبدادية يفوق تركّزها في أي منطقة أخرى من مناطق العالم. ولا حلّ لهذه المعضلة سوى في أن تتمكّن قوى التغيير الثوري من أن تمدّ خيوطها داخل القوات المسلّحة، وعلى الأخص بين المجنّدين وضباط الصف، وذلك ليس لإعادة الكرّة في تدشين موسم جديد من الانقلابات العسكرية التقدمية كالتي شهدتها منطقتنا خلال العقدين اللذين تليا حرب فلسطين والتي نتجت عنها الأنظمة «الجمهورية» الدكتاتورية الحالية، بل لتحقيق تغيير ديمقراطي جذري يشقّ الأجهزة المسلّحة وينهي تفوّقها على المجتمعات ليحيلها إلى الدور الذي ينبغي ألّا تحيد عنه في الدفاع الوطني وحفظ الأمن الديمقراطي القائم على حكم القانون.
*كاتب وأكاديمي من لبنان
*نقلاً عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى