استنارة

التنوير: في المفهومِ وظروف التشكل

عدنان زقوري*
اتفق المؤرخون واللغويون على تسمية الفترة الممتدة من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر: بعصر التنوير. إنه مُحصلة لنهضة فكرية توسطت مرحلتين في التاريخ الأوروبي؛ العصور الوُسطى، أو عصور الظلام، وعصر البناء الديمقراطي الغربي.
لقد قام المشروع التنويري على أفكار ما انفكت تنمو وتتطور، وهي: الاستقلالية – الفردانية – والغائية الإنسانية، ثم الكونية.
فما مفهوم التنوير؟ ما مخاضاته الفكرية، وسياقاته التاريخية؟
في مفهوم التنوير:
ردا على سُؤال القسيس جوهان فريدريك: ما التنوير؟ يجيبُ إيمانويل كانط: “التنوير تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه؛ الوصاية هي عدم قُدرة الفرد على استخدام فهمه الخاص، دونَ توجيه من الآخر. ليس القُصور العقلي سببا في جلب الوصاية، بل السبب انعدامُ الإقدام والشجاعة على استخدامهِ (أي العقل)، من دون توجيه من الآخر”.[1] التنوير، وبهذا المعنى، استقلالية للفرد، دون الخضوع للسلطة الخارجية. يرتبط بالحُرية الكاملة في النظر والمُساءلة والنقد والتشكيك، بعيدا عن تقديس أيّ عقيدة أو مؤسسة.
إجمالا، يقوم التنوير على قاعدة: “لا سلطان على العقل إلا العقلُ”.
لقد أجمع فلاسفَةُ الأنوار على أن العقلَ الشاك – الناقد – أول سُبل التحرر.
العقلُ كأساس لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة “إذن، فنزعة التنوير، كانت نزعة نقدية عقلية، تجلت فيها الفردانية، هدفُها بناء قيم جديدة على أنقاض قيم بالية عتيقة.
وقد تمثلت هذه النزعة من مختلف مناحي الحياة، فهي ظاهرة من الدين ومن الفن والأخلاق السياسية. وقد وضعت لكل ناحية من هذه النواحي تفاسير تنمّ عن تفكير حر مستقل، تفكير مملوء بالنقد والخلق والإبداع”.[2] لقد كان العقلُ الموجه لفلسفة الأنوار، في حين أن التنوير يحملُ دلالات أكثر شمولية، دلالات معرفية – ثقافية – واجتماعية سياسية، حيث إنه حسبَ عبد الإله بلقزيز، العقلانية والتنوير من سلالة مفهومية واحدة. لكن العقلانية تُشير إلى فاعلية منهجية وابستمولوحية، هي فاعلية الإدراك العقلي، بينما يحيلُ التنوير على وظيفة ثقافية أو اجتماعية.[3] عصر الأنوار: سياقات النشأة
يذهب كارل مَاركس إلى أن التراكُمات الكمية تؤدي إلى قفزة نوعية؛ تراكُمات أغرقت الساحة الأوروبية ثقافيا واجتماعيا، وحتى سياسيا تحت الوصاية، والإرادة العُليا باسم الإله.
إن الوصاية التي تحدث عنها كانط في طرحه لمفهوم التنوير، لم يَكُن القصدُ منها إلا وصاية الكنيسة.
بذور الأفكار الفلسفية التي أفضت إلى عصر التنوير، بدأت خلال حرب الثلاثين سنة التي عرفتها أوروبا خلال الفترة الممتدة بين 1618 – 1648، صراع دموي طابعه مذهبي ديني، أفضى إلى اضطراب اجتماعي كبير.
بذلك، لا يمكنُ تشكيل الصورة الكاملة عن عصر التنوير، دون استيعاب المُناخ العقلي الذي شكل مرحلة ما قبل هذا العصر.
” كان الخروج من القفص والتفكير في الهواء الحر الطلق، أمرا مُستحيلا. كان العقلُ مُذعنا مطيعا، وكانت الفلسفة خادمة لعلم اللاهوت الكنسي”.[4] شكلت العصور الوُسطى انتكاسة في التفكير الأوروبي، حيث خضعت لحكم الدولة الثيوقراطية، مُنحت من خلالها لرجال الدين كل السلط الدينية والدنيوية.
تقريرُ المصير، طبيعة التفكير، صياغة السياسات. هكذا جسدت الدولة الثيوقراطية الإرادة العُليا للكنيسة. أخذ الإيمانُ بالغيبيات يحُل مكان التفكير العلمي، وظلت الثقافة حكرا على رجال الدين وأتباعهم.
أنتج هذا صورة: “الإنسان المُتشائم، الخائف من ارتكاب الخطايا والذنوب في كل لحظة. كانت هذه الصورة سائدة على مَدار القرون الوسطى، ولكنها كانت أكثر قتامة أثناء العصور الوسطى الواطئة؛ أي التي استمرت منذ القرن الخامس وحتى القرن العاشر، بل وحتى القرنين الحادي عشر والثاني عشر”.[5] في ظل هذه البيئة المُغيبة عقليا، سيطرت نزعة ذهنية قوامُها: الرمزية والخيالية في مُقابل النزعة الواقعية التي مثلت عصر التنوير.
بما أن الوعي التاريخي المحسوس كان ضامرا، شكل الوعي الأسطوري الدعامة الأساس في بنية التفكير،
يختلفُ الدارسون حول إرهاصات الفكر التنويري، بين من يعتبر كتاب: الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية لنيوين أول اللبنات التنويرية، وبين من يحدد الفترة التي سبقت الثورة الفرنسية 1789 بداية لذلك، وبين من يذهب إلى أن بروز المنهج الديكارتي الشكي مُنطلق الفلسفة التنويرية.
غير أن المُتفق عليه، أن الأنوار أفرزت عالما دونَ أوهام. عالم خاضع لقوانين العقل، وللأخلاقيات الكونية الإنسانية.
فلسفة الأنوار: ثورة فكرية أرست معالم الأنسنة
فلسفةُ الأنوار، لحظة مفصلية في التطور الإنساني، جعلتهُ (الإنسان) مركز العالم.
لقد عبدت فلسفة الأنوار الطريق نحو إحداثِ تحولات راديكالية في بنية المُجتمع الأوروبي، تحولات ستُشكل المَرجع الأساس في البناء الديمقراطي.
عصر الأنوار المسؤول الحقيقي في القرن الثامن عشر عن إقامة فلسفة ذات نزعة إنسانية.
إن فولتير ورسو ومنتيسكو والفلاسفة الفرنسيين بالذات هم الذين فرضوا الفكر “التقدمي” ونادوا بـ”العقلانية”، وبَرْهَنوا على أنَّ الإنسان قادر بعقله على اختراع منظومة إنسانية لتدبير شؤون حياته.
استقلالية المعرفة:
“إن العقل أحسنُ الأشياء توزعا بين الناس”. رينيه ديكارت.
لقد أدرك فلاسفة عصر الأنوار، أن بناء الوعي الفردي يأتي من حيثُ الأولوية قبل بناء النُّظم الديمقراطية.
عاش الإنسانُ الأوروبي لقرون مُمتدة تحت نظام الوٍصاية في التفكير، وصاية رجال الدين، في شبه غياب – وإن كانت هناك استثناءات – لأي شكل من أشكال المَعرفة الفردية.
ولهذا، كان لا بُد أن تكونَ استقلالية المَعرفة أول ما سينفك من استقلاليات الإنسان.
“تنطلقُ استقلالية المعرفة من مبدأ مفادهُ أن ليس لأي سُلطة مهما كانت راسخة أو ومحترمة أن تبقى في مأمن من النقد، وأن ليس للمعرفة سوى مصدرين: هما العقلُ والتجربة، وكلاهما في متناول كل إنسان”.[6] خرج رينيه ديكارت في القرن السابع عشر بمقولته: “أنا أفكر، إذن، أنا موجود” إيمانا منهُ بأن الخروجَ من القصور الفكري الذي عانته أوروبا، لا يكمُن سوى في استقلالية الفرد معرفيا. والاستقلالية عندهُ الاعلاء من شأن العقل، والتجرد من المعرفة المسبقة.
شكل ديكارت مهد عصر التنوير في أوروبا، إذ مع حركة العقل تم تدشين حُرية التفكير، وبناء مناخ الحرية الفكرية من دون خوف.
لقد راهن فلاسفة الأنوار على أن المعرفة في ذاتها، عامل من عوامل التحرر.
أفرزت استقلالية المعرفة مذاهب علمية مُختلفة منهجا في التفسير. برزت العقلانية من جهة، والتجريبية مع جون لوك ودافيد هيوم من جهة أخرى.
إلا أنه رُغم هذا الاختلاف، تحرر الفردُ الأوروبي من سلطان الأهواء، وانبعثت الروح النقدية التحررية، التي تخطت تشاؤمية العصور الوُسطى، مناهضة بذلك تداعيات التفكير الغيبي والأسطوري.
على هذه الخلفيّة يرتسم انفتاح الأنوار على المعارف وانكبابها النَّهِم على العلوم واستبدالها البُعد اللاهوتي القديم والغايات الماورائيّة بالبحث عن الحقيقة العلميّة المفيدة للإنسان في هذا العالم بالذات لا في عوالم الغيب.
إنسانوية الأنوار: الفردانية
إن تثمين القيمة المعنوية للفرد، كونُهُ ذات واعيىة، مركزية في الكون، لها رغباتُها وأهدافُها بعيدا عن اعتبارات الدولة أو الجماعات، شكلت المُنطلق الأساس لعصر الأنوار.
انتفاضة الأنوار أسست لمفهوم الإنسان الجديد، الشرعية لمفهوم الإنسان في إنسانيته.
يقول جون لوك: “يولدُ الإنسانُ معنونا للحُرية التامة، مُتمتعا بدونِ تحكم أو سيطرة بكافة الحقوق والامتيازات التي وفرها له الحق الطبيعي”.[7] هيمنَة الكنيسة على القرارات الفردية والجماعية، أفرزت الفرد الأوروبي الخاضعَ للسُلطوية، بذلك شكل فكرُ الأنوار ثورة على الدين في تمظهره المُؤسساتي (عقلية التقليد المُتجمدة).
إنه رفض لمبدأ الهيمنة على قرارات الفرد والجماعات.
لقد جاء مشروع الأنوار، من أجل جعل الإنسان مركزَ الكون، مُجردة إياه من تصورات أدت إلى انسلابه من إنسانية.
فكرُ الأنوار، إذن، يؤسس لأنثروبولوجيا الإنسان الفرداني، رُكن الحداثة الاجتماعية والثقافية. مبنية على تفعيل ثالوث: العقل والحرية والمعرفة.
أنثروبولوجيا التنوير، دحضت الفكر الراسخ، موروث العصر الوسيط، وأرست معالم يقظة نقدية، أسست فردا قادرا على سن أخلاقيات مُستقلة عن الدين.
يقول جون لوك: “الجميعُ متساوون، مستقلون. ليس لأحد أن يسيء لأخيه في حياته، أو صحته أو حريته أون ممتلكاته”.[8] لقد جاءت الفردانية مع الحداثة حتى أضحت مرادفا لها، حيث أصبح للإنسان معنى في ذاته، لا باعتباره خاضعا للكل.
لا تعني الفردانية أبدا الحُرية المُطلقة، بقدر ما ترتبط بمدى أهمية وإمكانية التقدم الإنساني باستقلالية تامة عن السلطة أو الدين.
ولا تعني الفردانية قانونَ الغاب، حيث إنه لم تنشأ بمعزل عن الأداء السياسي والأخلاقي.
لقد أسس فلاسفة العقد الاجتماعي، ركائز المُجتمع المدني الليبرالي، القائمُ على الإرادة الفردية كأساس للحق والتشريع والسُّلطة.
التوفيق بين الفرد والدولة ضمن نظرية تعاقدية تقوم على عقلنة الحرية.
يرى فلاسفة العقد الاجتماعي أن المصلحة الفردية تقتضي الانتقال من الوضع الطبيعي إلى الوضع السياسي التعاقُدي أو المدني. كونُه شرطا للتعايش بين الأفراد الأحرار والمتساوين في الحقوق. لذلك يذهب جون لوك إلى القول إن: “حرية الفرد في المجتمع، تعني عدم خَضوعه لغير السلطة القانونية القائمة، دون اعتبار لأي سيادة أو إرادة مُستمدة من قانون آخر”.[9] إذ إن الأفراد – حسب جون لوك – لا يتعاقدون إلا حفاظا على مُمتلكاتهم وحرياتهم وحياتهم، حيث تغدو السلطة دستورا للمُلكية الفردية.
عصر الأنوار: مخاضُ العَلمانية
لم يكُن اندلاعُ الثورة الفرنسية 1789 ضد الملكية، سوى تعبير عن هضم الإنسان الأوروبي لفلسفة الأنوار التي عبدت الطريق نحو إرساء معالم البناء الديمقراطي الغربي.
عصرُ الأنوار، رد فعل حول تحكم الكنيسة في الشؤون السياسية والإجتماعية، كما أن الملكية نفسُها كانت تستمد شرعيتها من رجال الدين. بذلك كان رهانُ فلاسفة الأنوار الأول: فصلُ الدين عن الدولة. وحق الأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية بعيدا عن رقابة السلطة.
من هذه الزاوية، ستطفو العَلمانية كأولى المفاهيم المؤسسة لعصر الأنوار.
“إن تاريخ أوروبا المعاصرة من النهضة إلى الأنوار، من إيرازم إلى روسو، هو تاريخ تفعيل للفصل بين المؤسسات العمومية والتقاليد الدينية، وهو أيضا تاريخ توسيع لمجال الحرية الفردية (…) وخذ لك شاهدا من بين الكثير من الشواهد، ما كتبه روسو إلى فولتير سنة 1756: “أنا ساخط مثلكم أن كل شخص لا يحظى في إيمانه بالحرية المُثلى، ومن جرأة بعض الناس على مُراقبة ما في داخل الضمائر”.[10] سحبُ الوصاية الدينية شكل المُنطلق الأول لفلاسفة عصر الأنوار، وفي ذلك يقول باروخ سبينوزا: “السيادة الحاكمة ظالمة لرعايها عندما تُحاول أن تفرُض على كل منهم ما يتعين عليه قبوله على أنه حق، وما يتعين عليه رفضه على أنه باطل، وأن تُفرض عليه المعتقدات التي تحثه على تقوى الله؛ ذلك لأن هذه الأمور تعد حقا خالصا بكل فرد، لا يمكن لأحد أن يسلبه إياه”.[11] إن الحروب الدموية التي دخلت فيها أوروبا جراء المذهبية، إضافة إلى الهيمنة المُطلقة لرجال الدين على شؤون الدين والدنيا، دفعت فلاسفة الأنوار إلى طرح العلمانية لبنة أساس في بناء الدولة الديمقراطية. لا إقصاء للدين، إنما الارتقاء به إلى نطاق خاص بالفرد، وفصله عن الدولة التي شَكلته بما يخدمُ مصالحها المُطلقة.
[1]- ما هو التنوير؟ إيمانويل كانط، ترجمة حسين إسماعيل.
[2]- عواد مجيد الأعظمي: نزعة التنوير في الفكر الأوروبي، مجلة الأديب، عدد 7
[3]- حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر : بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية.
[4]- هاشم صالح: مدخل إلى التنوير الأوروبي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ورابطة العقلانيين العرب.
[5]- المرجع نفسهُ.
[6]- تزفيتان تودروف: روح الأنوار، ترجمة: حافظ قويعة، ط1، 2007
[7]- جون لوك: الحكومة المدنية، ترجمة: محمود شوقي.
[8]- المرجع نفسه.
[9]- جون لوك: المرجع السابق.
[10]- تودوروف: المرجع السابق.
[11]- باروخ سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة: حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر.
*باحث مغربي
*نقلاً عن مؤمنون بلا حدود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى