الرأي

التعليم العالي في السودان ورحلة البناء الطويلة.. تجارب ومفاكرات

د. بكري الجاك
اختتمت بالأمس رحلة عمل إلى جامعة أميركية في الوسط الغربي بغرض المشاركة في فريق مكون من أربعة أفراد للتدقيق وإجلاء الحقائق بهدف إعادة اعتماد برنامجين للدراسات العليا: برنامج الماجستير في السياسة العامة، وبرنامج الماجستير في الإدارة العامة.
هذه لم تكن تجربتي الميدانية الأولى، فقد قمت من قبل بالعديد من مثل هذه المشاركات الطوعية. ببساطة طريقة اعتماد برامج السياسة العامة والإدارة والشؤون العامة تتم بواسطة Commission on Peer Review Accreditaton (COPRA) مفوضية تدقيق الأقران للاعتماد، وهي الذراع الأكاديمي المعني باعتماد البرامج ضمن ما يعرف بـ Network of Schools of Public Policy, Affairs, and Administration (NASPAA) وهي ما يمكن ترجمته بشبكة كليات السياسة العامة والشؤون المدنية والإدارة، وهي هيئة مكونة من كل الكليات التي تدرس هذه البرامج، وتقوم على أساس العضوية الطوعية ودفع الاشتراكات لتطوير مجال التعليم، وتقوم الشبكة بعقد مؤتمر سنوي في أكتوبر.
أما مفوضية اعتماد البرامج، فهي مسؤولة عن وضع المعايير وتطويرها وتحديثها بشكل مستمر. فمنذ أن بدأت المفوضية في أوائل السبعينيات من القرن الماضي تغيرت المعايير من المدخلاتInput أي ماذا يُدرّس في هذه البرامج، إلى Output أي ما هي مخرجات هذه العملية التعليمية، إلى Outcome أي ما هي نتائج العملية التعليمية فيما يتعلق بفائدة الطلاب وتقدمهم في الحياة العملية جراء إكمال هذه البرامج.
عملية التدقيق في حد ذاتها مصممة بشكل دقيق وبخطوات واضحة وفق معايير محددة مسبقاً، عادة ما تبدأ عملية الاعتماد أو إعادة الاعتماد بقيام البرنامج المعني بإعداد كل الأدلة التي تجيب عن أسئلة من شاكلة: ماذا Whatيفعل البرنامج؟ أي ما هو المحتوى الذي يقدمه البرنامج؟ لماذا Why؟ وهذا سؤال القيم التي يستند عليها البرنامج في تصميمه وتطبيقه. كيف how؟ وهذه تشمل الطريقة التي يقدم بها البرنامج للطلاب وأصحاب المصلحة من طرق ووسائل التدريس والبحث العلمي وغيرها، وأخيراً ما هي الأدلة التي يمكن أن يوثقها البرنامج بإجابته عن هذه الأسئلة وفق المعايير السبعة المحددة مسبقاً.
وللمهتمين، هذه المعايير تشمل موجهات مثل إعلاء قيمة الخدمة العامة، العدل، الكفاءة الفنية والإدارية، وحسن إدارة التنوع والكفاء الثقافية، وغيرها.
ويسمى المدققين بـ Site Visit Team أي فريق الزيارة الميدانية الذي يتكون من رئيس، عادة ما يكون أكاديمياً أو أكاديمية متمرّس أو متمرسة في المجال، وعضوين آخرين أحدهما أكاديمي والآخر ممارس للمهنة Practitioner في مجال السياسات العامة والإدارة.
وأهمية تشكيل فريق الزيارة الميدانية بهذه الطريقة تـأتي من الحاجة إلى التأكد من أن هنالك ربطاً حقيقياً بين النظرية والممارسة في مجال السياسات العامة وشؤون المدن والإدارة العامة، وبغض النظر عن الخبرة لابد أن يكون قد خضع كل أعضاء فريق الزيارة الميدانية للتدريب خلال الخمس سنوات الماضية، بحضور ورشة تدريب معهد الاعتماد Accreditation Institute التي تعقد إبان المؤتمر السنوي للشبكة NASPAA. ويستغرق فريق العمل عادة من يومين إلى ثلاثة أيام في الجامعة التي تسعى إلى اعتماد برنامجها.
وخلال الزيارة، يلتقي الفريق بكل المعنيين بالبرنامج من طلاب وأساتذة وعمداء وإداريين وخريجين وأعضاء المجتمع المحلي، ومن ثم مقارنة الدراسة التي أعدها البرنامج عن نفسه أو ما يعرف بالـ Self-Study Report مع الوقائع على الأرض، وفقاً للملاحظات التي أبدتها مفوضية تدقيق الأقران للاعتماد COPRA في تقرير مفصّل في الرد على الدراسة التي يقدمها البرنامج عن نفسه.
هذه العملية معقدة ودقيقة ولها شروط محددة وخطوات محسوبة وإجراءات متفق عليها مسبقاً وتوجيهات متكاملة على كيفية القيام بها، وتتم العملية بصفة زمالة الأقران Collegialوتأخذ شكل الـ Fact Finding Mission and not fault finding أي جمع الحقائق على الأرض وليس البحث عن الإخفاقات.
بعد انتهاء الزيارة، يقوم فريق الزيارة الميدانية بكتابة تقرير مفصّل عن كل الحقائق التي أُثيرت في خطاب المفوضية، وعليه تقوم المفوضية باتخاذ القرار النهائي في يونيو. وإذا تم اعتماد البرنامج، فإن ذلك يكون لمدة سبعة أعوام، على أن يقوم البرنامج بكتابة ما يعرف بالتقرير السنوي للتأكد من أن الحقائق الخاصة بالبرنامج لم تتغير على الأرض.
من المهم أيضاً معرفة أن هذه العملية معنية فقط باعتماد برامج محددة في مجالي السياسة العامة والإدارة، وهنالك جهات أخرى تقوم باعتماد برامج أخرى مثل برامج الباحثين الاجتماعيين أو الصحة العامة أو إدارة الأعمال.
وهذا الاعتماد لا يشمل الجامعة ككل، فاعتماد الجامعات يتم بواسطة هيئة غير حكومية مستقلة، فمثلاً بعض الجامعات في الساحل الشرقي تُعتمد بواسطة جهة تعرف بمفوضية الولايات الوسطى، أي Middle States Commision، واعتماد الجامعات عادة أطول لكنه يتبع نفس الخطوات المتعلقة بتقديم الجامعة دراسة ذاتية تشرح ما هي الـ mission الرسالة التي تقوم بها، ولماذا تقوم بها، وكيف تقوم بها، وما هي الأدلة على صحة ما ذُكر في الدراسة.
هذا بالإضافة إلى أن الجامعات في أمريكا وبرامجها أيضاً تخضع للاعتماد بواسطة وزارات التعليم في كل ولاية، وفق قانون التعليم العالي في الولاية الذي يحدد كيفية تطوير البرامج وشروط منح الدرجات العلمية. وأيضاً للحكومة الفيدرالية شروط اعتماد محددة إذا كانت الجامعة ستحصل على أي أموال من الحكومة الفيدرالية وفق برامج محددة. وفي حال فشل أي جامعة في استيفاء الشروط الفيدرالية لن تحصل على أي أموال سواء أكانت للبحث العلمي أو لمساعدة الطلاب الفقراء. وعليه، أي جامعة أميركية تحصل على تدقيق من جهة مستقلة ثم وزارة التعليم بالولاية ثم الحكومة الفيدرالية، هذا بالإضافة إلى أن العديد من البرامج تخضع للاعتماد من قبل مفوضيات مستقلة تعنى بالمجال المحدد.
هذا التعقيد والتدقيق من شأنه أن يضمن أن هنالك جودة وفحصاً مستمراً لاستمرار هذه الجودة حتى لا يتم خداع الطلاب بالحصول على درجات لا قيمة لها وغير معترف بها.
أهمية هذا السرد الطويل تكمن في أنه أعادني إلى التفكير بشكل عميق في شأن الجامعات السودانية الخاصة والعامة التي تناسلت دون تخطيط ورقابة، فأكتب وأنا جالس في المطار في انتظار الصعود إلى الطائرة للعودة إلى مقر إقامتي، وقد داهمني حزن عميق على ما آل إليه حال التعليم بشكل عام في بلادنا والتعليم العالي بشكل خاص، فليست هنالك رؤية شاملة تربط التعليم بخطة تنموية تنسّق بشكل جيد بين التوجهات التنموية للدولة وسوق العمل وأهداف التعليم، بل إن هنالك ممارسة عشوائية، وبإمكان أي كائن أن يقوم بفتح جامعة خاصة وتدريس ما يشاء من غير أي جهة مستقلة أو حكومية قادرة على التأكد من جودة التعليم ومستويات تأهيل من يدرُّسون في هذه الجامعات أو الدارسين فيها.
كم من الآلاف من الشباب الذين يلهثون وراء تحصيل درجات علمية من مؤسسات غير مؤهلة وغير خاضعة للتدقيق، بل في حقيقة الأمر إن جلّها لا يقدم علماً ولا مهارات ولا قدرات تمكّن خريجيها من الدخول إلى سوق العمل، ولن يمر وقت طويل قبل أن تصبح الدرجات العلمية من هذه الكناتين لا قيمة لها لا في داخل ولا في خارج البلاد، وأنها محض إهدار لطاقات وقدرات هذه الأجيال وأموال الأسر.
خلاصة القول تخص الحديث عن إصلاح التعليم العام والتعليم العالي في ظل وضع الدولة الحالي، فالدولة برمتها مختطفة ولا تعبّر عن إرادة السودانيين ولا عن أحلامهم ولا تطلعاتهم، لكن من المهم أن يكون لنا تصورات عريضة وأفكار خلاّقة حول كيفية التدبر والتفكير في شأن إصلاح التعليم العالي.
وإن لم يكن في استطاعتنا أن نقوم باختراع العجلة، فبإمكاننا تصميم تجربة تتلاءم مع واقعنا وتحدياتنا المستقبلية، ونستفيد من تجارب دول أخرى للتأكد من جودة التعليم عبر هيئات حكومية وأخرى مستقلة.
إذا لم نبدأ التفكير في هذه الأمور بشكل جيد، فسينتهي الحديث عن التعليم العام والعالي، مثله مثل الأمنيات التي يعتقد الناس أنها سوف تحقق نفسها دون رؤية وآليات وخطط واضحة تصحبها إرادة سياسية وتصور تنموي شامل وضغط شعبي فعّال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى