الرأي

التسوية المخادعة

خالد فضل
المسألة في غاية الوضوح، ما هي التسوية الموضوعية والعادلة التي تقود البلاد مرّة أخرى إلى سكة التغيير الجذري والشامل، نعني التغيير في المفاهيم، بحيث يتحوّل مفهوم السلطة من مصدر للجاه الإجتماعي والثراء المادي إلى مفهوم الخدمة، أي أن تصبح السلطة تحت مجهر الفحص المستمر لأداء منسوبيها الذين تسيجهم قوانين ولوائح منظمة للعمل وكابحة للفساد والاستبداد، وبحيث يصبح السباق نحو السلطة سباقاً بين نماذج تقديم الخدمة الأفضل للشعب كل الشعب وللجهات كل الجهات، هذا هو مفهوم التنمية الشاملة، والمشاركة الشعبية الواعية من أكبر كتلة من المواطنين.
هذا هو التغيير المطلوب، وهذه هي سكة بناء الدولة الوطنية المدنية، وهذا هو ملخص ما ينادي به الثوار صباح مساء، وتنضح به مواثيقهم وإعلاناتهم ومبادراتهم السياسية التي يتم التعبير عنها في المواكب المليونية.
إنّ قطاعاً مهماً من قطاعات الثورة معني بصورة أساسية ببناء الدولة الوطنية استناداً على مبادرات كفاحهم السابقة، الحركات السياسية التي كانت مسلحة وسميّت في أدبيات الثورة بحركات الكفاح المسلح، ما هي رؤيتها الثورية الفكرية تجاه مفهوم السلطة والدولة الوطنية؟ ونعلم جميعاً أنّ من بين قادة ومنسوبي هذه الحركات من يجوز إطلاق صفة مثقفين أو على الأقل متعلمين في صفوفها، هنا نجد مثلا د. الهادي إدريس أو د. جبريل إبراهيم وغيرهم من حملة هذا اللقب العلمي الرفيع، ما هي إسهاماتهم النظرية وأطروحاتهم الثورية في القضايا التي وقّعوا على أساسها اتفاقهم المعلوم في جوبا، ما نوع السلطة التي يريدون؟ أهي تلك المتّسقة مع مثل أهلنا في دارفور (سلطة للساق ولا مال للخناق)، وبالتالي اعفاؤهم من مشقة الكدح والسؤال الثوري؟ وقصارى تلك السلطة ما تتداوله المجالس عن شخص أو أكثر حاز على مئات المليارات من وزارة المالية تحت بند سلام دارفور فإذا به يشتري به منزلاً في ناحية من نواحي الخرطوم؟ أهذا هو محط آمال المكافح عسكرياً أم مكافأة الخدمة الكفاحية الممتازة؟ وماذا عن العطايا التي يمكن اعتبارها تحت بند الرشاوي التي تلوكها الألسن والتي يقدِّمها قائد الدعم السريع لذاك السياسي أو تلك الجهة القبلية ممثلة في النظار والعمد وشيوخ الإدارة الأهلية حتى بلوغها مرحلة بعض أساتذة الجامعات!! أهذا هو المرجو والمأمول من إسهام منسوبي الكفاح المسلح، وشعاراتهم المنادية بالعدالة وصون وكفالة حقوق الإنسان والتنمية المتوازنة والدولة العاقلة والأجهزة النظيفة النزيهة والخدمة العامة المميزة، أقصارى جهدهم هو حياكة المؤامرات ونسج الفتن ومناكفة الثوار المدنيين السلميين الذين أسقطوا البشير ولولاهم لما كان هناك جبريل أو مناوي في قمة الحكم!!.
الآن هناك أحاديث عن تسوية ما، ولكن ما هي أسس هذه التسوية، أهي تسوية لإيجاد مخرج آمن للمتورطين في قتل الشباب؟ أم هي تسوية عادلة شاملة تعيد المسار إلى وجهته الصحيحة لبناء دولة وطنية سودانية ديمقراطية يتساوى فيها الناس كل الناس في الحقوق والواجبات؟ إذا كانت التسوية مثل المساومات السابقة نظير كراسي سلطة بائسة يتهافت عليها الآن الصف الثالث والرابع من جماعات السلام السياسي خاصة طبعة المؤتمر الوطني المحظور، فإنها تسوية خاسرة تعقد الأوضاع أكثر مما تحلها، لأن هناك عنصر أساسي ولاعب هو الأهم على ساحة الفعل الثوري في بلادنا إنّهم جيل كامل من الثوار والثائرات في معسكرات النازحين كما في أزقة المدن، في الخلا والقرى كما في شارع الستين، ينتظمون في لوحة وطنية ثورية باذخة اسمها لجان المقاومة، هذا رقم صعب لا يمكن تخطيه في أي تسوية تقدِّم حلولاً ناجزة لأوضاع صنعها طمع (الكلب) كما في قصة كتاب المطالعة زمان!! أوضاع أزمتها المخاوف والمحاور والارتهان لإرادة خارجية خبيثة، الآن لا طريق للسودانيين قاطبة غير طريق الثورة المجيدة لأنها تعبِّر بحق عن أشواق وتطلعات أجيال المستقبل، تلك الأجيال التي لا ترحم كل ساقط في الطريق ولا تكترث لحجم ما تقدِّمه من تضحيات لوضع حد للمهزلة، فأي تسوية لا تكون مرضية لهم مصيرها مصير الانقلاب وسدنته، إلى زوال ولو بعد حين، إذ لا يصح لا الصحيح، وأي تسوية مخادعة لن تعمِّر أكثر من سويعات الميلاد العسير.
*نقلاً عن صحيفة التغيير الالكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى