تقارير

البرهان – حميدتي.. من حرب التصريحات إلى التلويح بالمسيرات

تقرير – آلاء عبدالرحيم
بدأ سيل من التصريحات والتصريحات المضادة بين قائدي الانقلاب يطفو على سطح الخلافات في المصالح والتوجهات السياسية، بعد التوقيع على الاتفاق الإطاري، ظهر ذلك بشكل واضح خلال المناوشات الخطابية في المحافل العامة في الآونة الأخيرة.
برهان وحميدتي، كانا على قلب رجل واحد إبان انقلاب 25 أكتوبر الذي لم يستمر لوقت طويل، وسط رفض ومقاطعة دولية، خاصة بعد تعثر تكوين حكومة حتى الآن.
آخر هذه التصريحات كانت الأربعاء 15 مارس في المرخيات، في ختام فعاليات تمرين القوات الخاصة الذي شهده البرهان، وقال فيه: “ستكون لدينا قوة ضاربة من الطيران المسير قادرة على حسم أي تهديد داخلي أو خارجي. لن نسمح لأي أحد بالمساس بالقوات المسلحة أو القدح في مصداقيتها، وسندافع عن وحدتها وتماسكها”.
في الوقت الذي كشفت فيه هيئة التصنيع الحربي، النقاب عن ذخيرة جديدة “Kamin-25” والتي يتم إطلاقها من طائرات من غير طيار، تم الكشف عن الذخيرة خلال معرض آيدكس 2023 الذي أقيم مؤخرًا في أبوظبي، ويتم حاليًا اختبارها من قبل القوات الجوية السودانية على طائرات بدون طيار من طراز “Z3-M”، ومن المقرر إجراء اختبارات القبول النهائية في مايو المقبل، وذلك حسب مجلة أفريكا مليتري المختصة بالتحليلات والتقارير في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن.
سلاح الطيران والدعم السريع
تأتي هذه المواقف في ظلّ تهدئة للحرب الكلامية بين البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” قبل أيام، بعد تبادلهما اتهاماتِ التشبث بالسلطة، والنكوص عن العهود التي قطعها الرجلان على نفسيهما في “الاتفاق الإطاري” المُوّقع في الخامس من ديسمبر الماضي، الذي نصَّ على تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية، وتوحيد القوات العسكرية وفق جداول زمنية محددة.
وعليه، فإن تصريحات البرهان الأخيرة تحمل رسائل مبطنة للدعم السريع وقائدها، وبحسب إفادة ضابط متقاعد في الجيش؛ فإن الدعم السريع يمتلك مروحيات مقاتلة ورثها من جهاز الأمن، وإن هنالك طيارين من الجيش تم انتدابهما للعمل مع قوات الدعم السريع، فضلاً عن ابتعاث حميدتي عناصر إلى روسيا للتدرب على الطيران الحربي.
لكن مصادر عسكرية قللت من تأثير الطائرات التي ورثها حميدتي من الأمن، ووصفهتا بأنها ثلاث طائرات شحن، إحداها مروحية.
وكان قد أشار تقرير في موقع أفريكا انتلجنس إلى أن وكالة المخابرات الأمريكية تتابع عن كثب أنشطة نائب زعيم المجلس العسكري السوداني حميدتي، ووفقًا لواشنطون فإن حميدتي يعمل وبشكل وثيق مع مجموعة “فاغنر” في قطاع الذهب السوداني.
وفي فبراير 2022، عشية الغزو الروسي لأوكرانيا زار حميدتي موسكو. كان حميدتي يأمل في الحصول على مروحيات قتالية روسية الصنع خلال فترة وجوده في العاصمة الروسية، مع العلم أن قوات الدعم السريع تتمتع بقدرات جوية ضعيفة للغاية مقارنة بالقوات المسلحة السودانية.
لم يحصل حميدتي على طائرات الهليكوبتر التي كان يأمل فيها، لكنه غادر بوعد إرسال المزيد من المدربين الروس لتدريب قواته.
المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ يرى في حديثه لـ (الديمقراطي) أن تصريحات البرهان تحمل تفسيرين: أولهما أنها بمثابة رسالة إلى جهات داخلية يمكن أن تمثل أخطاراً محتملة مستقبلاً، وفي هذا السياق فإن المقصود قد يكون قوات الدعم السريع بشكل مبطن، رغم أن توقيت التصريح جاء بعد التهدئة بين الجيش والدعم السريع، والوصول لاتفاق عام حول مسألة الدمج والإصلاح الأمني والعسكري، أو قد يكون المقصود منها الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا والرافضة للعملية السياسية، خاصة بعد تلميحات وتهديدات من قياداتها بإمكانية عودتها للحرب، أو المقصود أطراف النظام البائد التي تنشط في مجالات عسكرية تهدد استقرار البلاد.
ويرى أبو الجوخ، أن التفسير الثاني لتصريحات البرهان الأخيرة مرتبط بما ذكره سابقاً، وهو متصل بحالة القلق والرغبة التي انتابت المواطنين، خاصة بعد ظهور فيديو يستعرض فيه ضابط سابق من القوات العسكرية التي شُكلت مؤخراً صاروخاً باليستياً بعيد المدى. ورغم التنفيذ العسكري لذلك الصاروخ باعتبار أنه بات خارج الخدمة منذ عقود، إلا أن مخاوف وجود أسلحة نوعية لدى المجموعات العسكرية الجديدة أحدث حالة من القلق والذعر.
وبالتالي، فإن أحد مقاصد هذا التصريح قد يكون رسالة للرأي العام حول مقدرة الجيش وتطور إمكانياته في التصدى لمثل هذه المخاطر وردعها عن طريق أسلحة أحدث وأكثر دقة في مجال إصابة الأهداف. ومن الضروري الإشارة إلى أن هذه الفرضية تهدف لتحقيق هدف مزدوج، يتمثل في إعادة تحسين صورة الجيش التي اهتزت بشكل كبير بسبب الممارسة السياسية، خاصة التي تلت انقلاب 25 أكتوبر.
ويرى أبو الجوخ أن تحقيق هذه الغاية المرتبطة بتحسين صورة الجيش شعبياً، تتطلب أفعالاً أكثر من الأقوال، من خلال احترام تطلعات ورغبات السودانيين والسودانيات العامة في استكمال أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وتأسيس حكم مدني، والدفاع عن تلك التطلعات المشروعة إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، ومواجهة أي جهات أو أطراف تسعى لتقويض وإعاقة هذه التطلعات المشروعة.
قال ماهر: “صفحة الماضي أغلقت، وفتح التاريخ صفحة جديدة في العلاقة ورؤية الشعب لجيشه وقواته النظامية، حينما تتطابق الأفعال لا الأقوال مع آمال وتطلعات الشعب”.
شد وجذب
ويرى محللون أن هذه الرسالة موجهة إلى قائد قوات الدعم السريع حميدتي، وذلك في إطار الشد والجذب بينهما منذ فترة، خاصة فيما يتعلق بملف إدماج قوات حميدتي في الجيش، وهي من نقاط الخلاف الأساسية بين الجانبين.
كما يرون أن الجيش استعد من خلال هذا الإعلان لأي مشاكل قد تنجم عن دمج قوات الدعم السريع ككل في الجيش، وقوامها حوالي “100” ألف مقاتل، وهو ما يوازي تقريباً حجم قوات الجيش التي تبلغ حوالي “110” ألف جندي.
يقول المحلّل السياسي السوداني، مجدي الجزولي، من معهد “ريفت فالي”: “لم يعد الصراع على السلطة في السودان بين العسكريين والمدنيين، الآن لكل من البرهان ودقلو تحالفه الخاص”. ويؤكد الجزولي أن البرهان يرى في الاتفاق تكتيكاً للمماطلة، بينما يسعى دقلو إلى “تحسين قدرته التنافسية” وذهب الى حدّ وصف نفسه بأنه “حليف للحرية والتغيير”.
لكن، وفقاً للجزولي: “فمن الواضح أن كلاً منهما ليست لديه نية في الخروج من السياسة، لأنهما يستثمران في تحالفات تسمح لهما بالاستمرار”.
تصورات مختلفة
يقول محلّلون إن إصلاحات قطاع الأمن ودمج قوات الدعم السريع في الجيش ظلّت في قلب الخلافات، إلا أن الخلافات في جوهرها نتيجة للتطلعات السياسية لكلا الرجلين، والاتفاق الإطاري في ديسمبر أشعلها.
يقول المحلّل السياسي السوداني، مجدي الجزولي، لوكالة الصحافة الفرنسية إن الرجلين أكدا في مناسبات متعددة التزامهما بالإصلاحات، “لكن يبدو أن لديهما تصورات مختلفة حول كيفية تنفيذها”. مضيفاً: “البرهان يريد دمج الدعم السريع في الجيش وفقاً لقواعد الجيش وأنظمته، غير أن دقلو يريد على ما يبدو إعادة هيكلة قيادة الجيش العليا أولاً حتى يكون جزءاً منها قبل دمج قواته”.
في السياق، تعتقد المحلّلة السياسية، خلود خير، في مقالة نشرتها على موقع معهد التحرير لسياسات الشرق الاوسط، أن مبادرة مصرية طرحت أخيراً أجّجت التوتر مجدداً بين الجنرالين، إذ أعطت الأفضلية للبرهان على دقلو.
ووضع الاتفاق مبادئ توجيهية لعملية انتقالية يقودها المدنيون، لكنه لم يتضمّن أي جداول زمنية، ما دفع منتقديه إلى وصفه بـ “الغموض”.
القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير، محمد عبدالحكم، يرى أنّ نقطة الخلاف الرئيسية هي مواقيت دمج القوات المسلحة وقوات الحركات الأخرى في الجيش. مشدداً على أنّ اجتماع أطراف العملية السياسية حسم ذلك بصورة واضحة، ووضع كل النقاط على الحروف.
وأشار عبدالحكم بحسب تصريحاتٍ صحفية، إلى أنّ المتبقي خلافات طفيفة يمكن تجاوزها بسهولة، ومنها قضية إشراك الأطراف المتفق عليها والتي لم توقع بعد، وكشف عن أنّ “المحاولات معهم مستمرة، ولكن لا يمكن انتظارهم إلى ما لا نهاية”.
وتوقع عبدالحكم “الشروع مباشرة، وبمجرد الانتهاء من ورشة الإصلاح الأمني والعسكري، بالبدء في تسمية رأس الدولة ورئيس مجلس الوزراء”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى